اخر الروايات

رواية رغم قسوة الحياة سأحيا كامله وحصريه بقلم نورهان ابراهيم

رواية رغم قسوة الحياة سأحيا كامله وحصريه بقلم نورهان ابراهيم



الفصل الأول⁦❤️
ندخل هنا.... أجل هنا... جامعة العلوم نسير و نتابع المسير، و من ثم نتوقف فتلاحظ أعيننا فتاة يافعة على درجة وفيرة من من الجمال البديع و الرقة اللامتناهية بطلتها البهية و نقاء نظراتها السمية، تسمو بك لجنة الفردوس التى تقبع فى تلك العينان الخضراوان الكلفتان بفحص ورقة ما...... فما هذه الورقة؟
إنها ورقة للإمتحان الأخير لهذا العام الدراسي... تراجع سراً بدون إخراج أي صوت.... فقط يدور بؤبؤاها على كل كلمة فى تركيز شديدٍ و اهتمام بليغ.
أنهت مراجعة الورقة فانبسطت ملامحها براحةٍ مع بسمة أكثر من بسيطة تكسو معالمها بوداعة فائقة فزاد بهاؤها بهاءاً يفتن المارين بها و يسلبهم تركيزهم و توازن أفكارهم ليظلوا شاردين فيها.
و أناقتها يخالطها الاحتشام سواء فى اختيار الثياب أو الأحجبة و لا سيما الأحذية ذات الكعوب العالية.
رغم أنها ليست ثرية لتشترى الثياب الثمينة و الجواهر النفيسة و لكنها لا تحتاج لأن تتجمل بأي من الجواهر فهى الجوهرة بعينها بل كماسة لماعة فى حد ذاتها.
أما طريقة تعاملها مع الناس حوار آخر، حيث إنها تضع حدوداً لا يمكن تخطيها بينها و بين الأشخاص و خاصةً الرجال منهم... لعدم ارتياحها للاختلاط بهم أو الحديث المطول معهم... تحب الإيجاز فى الحديث الموجز الذى لا يطول لأكثر من دقيقتين أو أقل، ويكون للضرورة القصوى حينما تحتاج للاستفسار عن شئ فلا تجد مفراً من المواجهة.
رفعت تلك العينان أخيراً على صوتٍ هامس مألوف لها بل إنها تسمعه فى الثانية آلاف المرات.
-"إيناس"... عملتي إيه ف الامتحان؟
كان سؤالها متحيراً أكثر من كونه مستفسراً، إنها فتاة لا تقل أناقةً و لا جمالاً عنها باختلاف فى لون العينين فبدلاً من الأخضر لديها العسلي الفاتح.
أعطتها "إيناس" رداً زادها حيرة: يعني! مش قوي.
تعمقت الفتاة فى النظر لعيني "إيناس" بتمعنٍ فأمكنها الإطلاع على ما تضمره من غمومٍ فعيونها الخضراء الحزينة تروي ما مرت به من همومٍ و كأنها غابة اقتُلِعَتْ أشجارها و هجرها سكانها لتصير موحشة مهجورة.
استأنفت حديثها بمرحٍ لا يناسب حالها: الحمد لله يا "تغريد"، خلصنا من الجامعة.
جارتها "تغريد" لربما تنسيها بعض آلامها فتتكلم بكوميدية: حقيقي و الله... خلصت و خلّصتْ علينا.
بدون إرادة منها احتلت بسمة شفتيها على كلام تلك المهرجة كما تسميها، فابتسمت مبادلة إياها و دفعتها جملة "تغريد" المرحة إلى سؤالها باستنكار يخالطه حس فكاهة: تغريد! بالله عليكى.... إيه المتعب ف اللي بتعمليه؟ إنتي يادوب بترسمي.
انتاب تغريد كمُ هائلُ من السخط فور سماعها لابنة عمها و تقليلها من شأنها و اساءت فهمها حيث ظنتها تستخف بمجهودها و موهبتها.
فانفعلت فيها هاتفة باشتعال أصاب مقلتيها المتوهجة بالغضب: قصدك إيه؟ إيناس إنتي شايفة إن رسمي ملهوش لازمة! ده إنتي حتى متعرفيش المجهود اللي بعمله عشان أرسم لوحة واحدة!
ضاقت عينا "إيناس" وكذلك طفا الاستياء على ملامحها قبل أن تنفي معاتبة تغريد على تسرعها و جهلها بمقصدها.
-أبداً... ده مش قصدي نهائي، و لو ناسية إني السبب ف دخولك كلية فنون جميلة فاحب أفكرك إني كمان أكتر حد شجعك على دخولها عشان تنمي موهبتك.
تلونت وجنتي "تغريد" بصبغة قانية تدل على حرجها الشديد من كلماتها غير المنتقاة و سوء فهمها، و إحساسها بالذنب يزيد الأمر سوءاً، لتتأسف مع تلافي النظر المباشر إليها.
-معلش يا نوسة، أنا عارفة إن كلامي زي الدبش و مبفكرش ف اللي بقوله، أنا آسفة، سوري.
قبلت اعتزارها بإيماءة خفيفة لترد فى عطفٍ و حنو امتزج معه مرح طفيف لتلطف من حدة الموقف الذي لا يستحق كل هذه الأهمية.
-مش مستاهلة كل الأسف ده، أنا متعودة على كلامك الدبش، دا حتى أنا اتعورت منه قبل كدة. 😂
خف حرجها رافعةً عينيها فى خاصتي إيناس التى أضافت ضاحكة: بس الحق يتقال، شكلك عامل زي العيل الصغير و إنتي مكسوفة كدة، هههههه، بصراحة أنا عن نفسي مصدقتش إنك تغريد بنت عمي.
و سرعان ما تبدل حالها من الحرج و الخجل إلى الضيق مرددة بغيظٍ: لا و الله!
و أردفت مهدئة نفسها: على فكرة أنا مش رد عليكي و هعمل نفسي مسمعتش حاجة.
♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕
جالسًا بوضعية القرفصاء مثبتاً قدميه على قاع حوض السباحة ذو المياة عالية المنسوب، مغمضًا جفنيه و حابسًا أنفاسه، يقلل من استنزاف الهواء عن طريق الاسترخاء المستمر، بحيث يرشد استهلاك الأوكسجين من رئتيه، و الماء يغمره من جميع الجهات، مستخدماً خيالاته فى استرجاع بعض أحدث ماضيه الأليم الذي ترك فى روحه جروحاً عميقة لم يداويها الزمن بسنينه الطوال.
♡♡♡طفل وسيم يلهو مع أخته التى تصغره بسنتين، فى ساحة الحديقة متكاثفة الزهور فألوانها الخلابة و وريقاتها النضرة تدعوك إلى استنشاق عبيرها الفواح الذي يتأرج فى ربوع الفيلا الراقية، وهذا ما عزز علو ضحكاتهما البريئة بحث لا تفارقهما البهجة، يلعبان بتواصل و شغف متصل منقطع النظير، لا يشغل تفكيرهما مسؤليات أو مشكلات فقط ما يفكران به هو اللهو و اللعب ثم الأكل و النوم.
هذه حياتهما تخلو تمامًا من تعقيد الكبار و عرقيل الأعمال و أعباء الحياة.
بادر الفتى يهتف فى أخته برفقٍ متحمس: نشوى! استخبي بسرعة، أنا هعد لحد عشرة وبعدين هدور عليكي.
ثم ثنى أحد كوعيه مستنداً كلياً على الشجرة الكبيرة التى تتوسط الحديقة شارعًا فى العد بصوته الرفيع به شئ من نعومة الأطفال: أنا هبدأ..... واحد..... أتنين... تلاتة....
تحركت الصغيرة لتختبأ بين الأعشاب الطويلة و الشجيرات القصيرة، منصتة لعده فى تأهب و تيقظ لكي لا يعثر عليها فهذه المرة اختارت مكانًا مناسباً لم تجرب الاختباء به مسبقًا.
ف أخوها بارع فى ايجادها مهما أحسنت اختيار الأماكن الجيدة التى يصعب على طفل مثله التفكير بها.... فلازمت الصمت المتأهب، و تكمم فمها بباطن كفها، و تابعت بعيونها المتربصة حركاته المتوقعة و الغير متوقعة.
توترت قليلاً و ازداد تأهبها مع انتهاء عده المتريث بقوله لآخر رقم خرج من بين شفتيه المبتسمة: عشرة.
تنبهت على صياحه مردفًا بأعلى درجة صوت يستطيعها لتسمعه و تأخذ حذرها: أنا جاي و هلاقيكي.
ثم مشى خطواته فى ناحية بعيدة عن حيذ مكان اختبائها حيث شجر الخوخ الناضج، و ينادي عليها بمتعةٍ: يا نشوى!
إنتي فييين؟
و ألحق نداءه بصعوده فوق شجرة منهم شيئا فشئا، بمهارة ملفتة، حتى استقر على أحد فروعها المتينة جاعلاً من قدميه تتدليان للأسفل و أخذ يرجحهما للأمام و للخلف بتكرار مستمتعًا بتناول حبات الخوخ اللذيذة تتخللها بعض الحموضة و التى تزيد من شهيته تجاه أكل المزيد.
انعقد حاجباها و ارتفعا معًا نحو جبينها فى عجبٍ فور مشاهدتها ل "طلال"_من خلال مسافة بسيطة بين العشب و بعضه_ وهو يسير مبتعداً وغيابه لفرة صارت طويلة.
فترددت فى الخروج من بين الأعشاب و استطلاع المكان إلا أنها خرجت بالفعل، و بدأت تتلفت حولها بملامح مشدوهةً، خشية أن يسك بها و يفوز عليها، ثم سارت بحذر، تضع قدمًا على العشب المجزوز و ترفع الثانية، و هكذا حتى قادتها قدماها إلى الشجرة القابع هو فوق غصن من غصونها المتشعبة و رأته كيف يتلذذ بمذاق تلك الحبات اللامعة تحت ضوء الشمس المعكوس، ابتلعت ريقها بعفوية ثم مررت لسانها على شفتيها راغبة فى مشاركته الأكل، غافلة عن بسمته الزاهية، لحضورها إليه و بدون أي مجهود حتى، فانتقى بعض الحبات الأكثر طراوة و دسها فى جيبي بنطاله و لف جسده لها معطيًا ظهره لها ينوي النزول، تشبث بالمناطق المقشورة من الجزع حتى هبط اخيراً زافراً بسعادةٍ.
المسافة بينهما متراً واحداً و لكنه غير واثق من امكانية امساكه بها فإن كان و بارع فى ايجاد مكانها فهى أيضاً بارعةً فى الركض و حجمها الصغير يعينها على ذلك، فنظر لها مخرجً حبة من جيبه و رفعها أمام"نشوى" قائلاً بخبث طفولي: بصي شكلها حلو إزاي...عايزاها؟
أغرتها كلماته لتهز رأسها إيجابًا، ليبتسم و يردف بنفس الخبث: طيب...تعالي خديها.
و استحثها على الأقبال عليه بقوله الماكر : مستنية إيه؟و لا إنتي مش عاوزاها؟
-لأ.... عاوزاها.
-طب....خدي اهية.
مد يده لها، تقدمت حتى صارت على بعد خطوتين و مدت يدها بترقبٍ، إلا أنها فوجئت بجذبه لكفها مع قهقهاته الفرحة ثم أفلتها ليصرخ قافزاً بسعادة تكسوه و احساس بالنصر يتداخل مع الغرر.
- أنا الفايز.......الفايز و بس.
أخذت عينيها تمتلئ بدموعها تدريجيًا حتى تزاحمت و تساقطت مبللة خديها الورديان، وعلا صوتها من شدة النحيب.
توقف عن القفز، نادمًا على إحزانها، فهل هذه الدمعات المتساقطة من أحن عيون رآها فى الوجود هو السبب بزرفها؟
بحذرٍ أقترب منها و مسح دموعها برقة ثم همس فى انزعاج: زعلتي يا نشوى؟ إحنا كنا بنلعب بس.
-أنت ولد غشاش.
صاحب جملتها المقتضبة بعض الشهقات المتتالية، تنهيدة غير راضية صدرت منه لقولها و لكنها الحقيقة فوافقها الرأي برده الخافت : أيوة أنا غشاش....بس مش هغش تاني لو سامحتيني.
جعلت من ساعديها عقدة حول صدرها و جلست تسند ظهرها على الشجرة ناظرة بعيداً عنه، مما جعله بزفر بقوة متبعًا زفيره ب : أوووف يا نشوى ،هتاكلي معايا و لا آكلهم كلهم لوحدي؟
ثم جلس جوارها ممدداً ساقيه، فوجدها تولج يدها فى جيبه وتأخذ أفضل حبة بهم قائلة بهمس مغتاظ به شحنة من التحدي : مش هخليك تاكلهم لوحدك.
•••••••
و بما أن متعة الأشياء لا تدوم.....فبعد لحظات من القهقهات السعيدة قاطعهما صوت صراخ والده الذى هز فى نفسه هزاً عنيفًا و أصاب أخته بالزعر لتنتفض و قبل أن تقف ثبتها فى مكانها مهدءاً بهمسه الحاني:خليكي ف مكانك... متتحركيش.
-أنا خايفة قوى يا طلال، فيه إيه؟
-متخافيش.....مافيش حاجة.
لم يفزع لأنه معتاد على شجار والديه الدائم و الذى أصبح متكرراً فى الآونة الأخيرة بشكلٍ يثير الريبة.
و لكن ما جذب انتباهه حقًا سماعه لصرخة أكثر دويًا من صرخة والده و كان مصدرها حنجرة والدته حتى أنه أحس أنها لن تتمكن من الكلام بعدها فوالدته دائمًا يكون صوتها هادئًا و لم يسمعها يومًا تصرخ حتى فى شجارها مع والده.
قرر أن يدع أخته و يتفقد الوضع....أفرغ ما بجيبه فى حجرها قائلاً بأمر صارم:أنا هشوف فيه أيه...مش هتأخر عليكي، ومهما حصل متقوميش من مكانك....سامعاني يا نشوى؟
-سمعاك بس عايزة آجي معاك..متسيبنيش لوحدي.
-لأ خليكي هنا ، قولتلك مش هتأخر.
Ok-
تمشى إلى الداخل مرتابًا من اختفاء الصوت، وكاد أن يعود أدراجه و يعزف عن الفكرة، إلا أن فضوله أقتاده نحو الدرج و منه صوب غرفتهما ذات الباب المفتوح و المسنود على الجدار.
تطلع للداخل بعيون فاحصة.....لتأتيه صدمة قوية شلت قدميه عن الحركة محدقًا بجحوظ و تجمدت دموعه فى مقلتيه الفزعة و فؤاده يكاد يتوقف عن الخفقان، شاعراً بانسحاب الدماء منه لتزود الجسم بالاوكسجين.
وضع يده على فؤاده مباشرة متألمًا ، و رأسه تهتز لليسار و اليمين بعنفٍ أصابه بصداعٍ فوري ، وكل خلية فيه تستنكر و تنفر من الواقع المرير الذى تراه عيناه آنذاك.............



الثاني من هنا 

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close