رواية رغم قسوة الحياة سأحيا الفصل الثاني 2 بقلم نورهان ابراهيم
الفصل الثاني
أخرج رأسه من أسفل المياه مع شهقة مزامنة لفتح عيناه...
...وجهه سُحِبتٔ منه الدماء ليبقى شاحبًا لفترة ثم تعود إليه حيويته ببطئ، وأخذ يشهق الهواء من أنفه و فمه معًا....كاد يختنق لكثرة مكوثه أسفل سطح الماء و لقد جرفته ذكرياته نحو شاطئه الخيالي.
-ياااااررررررب.
دعا ربه جهراً، صارخاً بألمٍ و حسرةٍ و روح تختنق، اضطربت أنفاسه بصورة خطيرة و كأنها الأخيرة له فى هذه الدنيا الظالمة ، يكاد يجزم أن حراسه و خدمه سمعوا صراخه الهادر إلا أن هذا آخر شئ يمكن يلتفت له فما هو فيه يغنيه عن كل شئ.
النار تشتعل فى فؤاده اشتعالاً و تحرق روحه المكدودة و فؤاده المكلوم و حتى عقله يستنجد بأحد لينقذه مما هو فيه من عذاب.
كظم مشاعره الهائجة و ربط قيودها داخل فؤاده ليدفعها فى أعماقه، إلا أنه لم يتحكم بشعور الغضب فقد استولى عليه لعدم مغادرة تلك الذكريات لذهنه و تركه وشأنه.
ألا يحق له أن يهنأ بعيش رغيد و نوم مريح و حياة هادئة مستقرة؟
ألا يوجد سبيل للانفصال عن هذا الماضي الكريه؟
قض على السلم المعدني المتصل بحوض السباحة يضغط عليه و يعصره بأنامله عصراً....ليصعد على درجاته بثبات مزيف....ثم يقترب من الكرسي القريب من الحوض لينتشل تلك المنشفة الكبيرة و يلف نصفه السفلي بها...إضافة إلى فوطة أصغر حجماً ألقاها بشكل عشوائي على كتفيه.
و من ثم تمدد على الكرسي المائل قليلاً إلى الوراء (كرسي الشاطئ) ليضيف للجالس عليه نوعًا من الراحة و المظلة القماشية تحميه من الأشعة فوق البنفسجية المنبعثة من الشمس الحارقة فالظهر قد انتصف.
«طلال المنسي»: شابُ شابَ قلبه من قسوة الأيام حتى مات صريعاً....فى عامه التاسع و العشرين.....ليس بشيطان و لا ملاك بل هو إنسان مثله مثل باقي البشر يخطئ ويصيب.
إذا نظرت له للوهلة الأولى فلن ترى شيئًا، ولكن إن كنت شديد الملاحظة فستلحظ بريق حزنٍ كمين فى عينيه الرماديتين ك رماد حياته المحترقة ، إلا أن قراءة نظراته تعد شيئًا شبه مستحيل.....فهو يحافظ على ثباته الانفعالي فى معظم الأحيان باستثناء الوقت الحالي.
بشرته البرونزية الجذابة تلمع تحت الأضواء الساقطة، فارع الطول و طوله مناسب لجسده الرياضي، وعضلاته الصلبة خير دليل على التزامه بالتدريبات و التمرينات الرياضية....قوى البنية....مع العلم أنه لا يستعمل قوته فى إيزاء الناس و أقصد بهم الأبرياء....أما من يتجرأ و يخطئ فى حقه أو حق أحد من عماله يكون له حساب آخر يتوقف على حجم الخطأ و تبعاته.
♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕
تناولت كلاً منهما كوبًا منعشًا من العصير المثلج و تناقشتا فى أمور شتى حتى قالت "تغريد": هى النتيجة هتظهر أمتي؟
هزت كتفيها مردفة بعدم معرفة:الله أعلم....علمي علمك.
لتسألها مجددا: طيب... هتروحي ولا وراكي حاجة يا نوسة؟
ردت عليها "إيناس" نافية ب: لأ يا تغريد.... مروحة، وانتي؟
أجابتها "تغريد" بعدما وقفت: زيك.... يلا نمشي عشان انتي اتأخرتي.
- عندك حق، أنا اتأخرت.
قالتها "ايناس" و هى تجمع أغراضها فى حقيبتها ليرحلا بعدها.
«إيناس غيث»: فتاة من عائلة ميسورة الحال.... حاصلة على درجة الإمتياز فى القلب النقى و الرقة و رقي المشاعر..... و لكنها ليست بالضعيفة أو السهلة...لا تسمح لأحد بالتطاول عليها مهما كانت كينونته......فى ربيعها الثاني و العشرين فى قسم الجيولوجيا مجال التشييد و البناء....عيناها خضراوان و بشرتها بيضاء صافية كصفاء مياه المطر شديدة العذوبة، وشعر كستنائي طويل يغطيه حجابها الأكثر طولاً.
«تغريد فداء»: ابنة عم إيناس و رفيقتها المقربة فى نفس العمر و لكنها تدرس فى كلية الفنون الجميلة بسبب شغفها بالرسم.....تتميز بعينيها العسليتين كلون الشمس فى وضح النهار و بشرتها البيضاء و شعرها الأسود يحازي الكتفين..... محجبة أيضا....تحب الحياة و هى الوحيدة التى تستطيع إخراج إيناس من حزنها.
♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕
وصل "التاكسي" و توقف فى تلك المنطقة البسيطة لتترجل "تغريد" و تتبعها "إيناس" مطبقة أصابعها حول مبلغٍ من النقود الملفوفة و سبقت تغريد فى محاسبة السائق قائلة بايجاز: اتفضل يا اسطا.
فرد السائق النقود بيد واحدة مؤكداً فيها و من ثم وضعها فى جيب أمامي صغير فى "التاكسي" و يلف بيده الأخرى المقود مغادراً.
فتذمرت "تغريد" فى عدم ارتياح: أنا كنت هحاسب يا نوسة، كل مرة انتي بتحاسبي.
نطقت "إيناس" بصوت جدي هادئ: أنا و انتي واحد...فمش هتفرق مين هيدفع.
من الصعب حقًا اقناع ابنة عمها بشئ فلذلك جادلت قائلة بعبوس: أنا مقولتش عكس كدة....بس برضوا المفروض ندفع سوا، وكل مرة بسيبك تدفعي ومش بتكلم عشان متزعليش.
رسمت "إيناس" بسمة سطحية ضيقة على ملامحها و ردت مسايرة لها: خلاص يا ستي......و لا تزعلي نفسك...المرة الجاية ادفعي انتي.
نفخت "تغريد" الهواء الساخن بحنقٍ فهذه الجملة تقولها لها ابنة عمها و تعيدها مراراً و لا تنفذ حرفًا منها...ثم سحبتها بحماس فى إتجاه منزلها الأقرب من منزل إيناس مضيفة بمرح رقيق: طيب....إيه رأيك تتغدي معايا؟
بلباقة اعتذرت "إيناس" و مازال ذراعها محاصراً بين قبضتي تغريد بقولها
-آسفة يا تغريد...مش هينفع و الله.
ضاق خلق "تغريد" و سألت بتفاجؤ :ليه؟مش عايزة تاكلي معايا؟
حينها اضطرت أن تخبرها بدافع رفضها فاردفت باسهاب تحكي لها: يا هبلة! إزاي تفكري كدة؟.....و الله كان نفسي بس انتي عارفة ماما هتزعل لو أكلت برة البيت و تلقاها مأكلتش حاجة لحد دلوقتي، ده حتى بابا و عرفة ف المدرسة عشان النهاردة امتحانات.....و انتي عارفة ماما مش بتاكل لوحديها و أنا مش هسامح نفسي لو فضلت من غير أكل.
أخذت نفسًا طويلاً فهى تحدثت دفعة واحدة، ثم حدقت بتغريد فوجدت فى عينيها خيبة أمل و رغم هذا تشدقت بمرح كعادتها: انتي هتقوليلي!...دي ممكن تقتلني فيها...هههه.
ارتاحت "إيناس" لتفهم ابنة عمها الحبيبة لها فعانقتها عناقًا قصيراً و لكنه ملئ بالدفء و المشاعر الأخوية....قبل أن تودعها و تعدها بلقاء قريب فى وقت لاحق.
♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕
استأنفت سيرها المتمهل قاصدة إتجاه يؤدي إلى تفرع من شارعين فاتخذت الذى بجهة اليمين و لكن فجأة....أحست بشئ يقذف فى الهواء و أنتهى به الأمر مصتدمًا بأنفها و آذاه فتأوهت بألم: آآآآه ، إيه ده؟
أنحنت لتلتقطه من الأرضية الترابية و تفحصه لتتأكد من شكوكها، فكان جوربًا غامقًا محشور به أشياء بعضها ثقيل كالحصى و بعضها خفيف كالورق.
احتقن وجهها غضبًا و رفعت رأسها فى وجه طفلة صغيرة تمد يدها مطالبة بأخذ كرتها و يبدو عليها الخجل باحمرار يغزو وجنتيها الناعمتين فسألتها "إيناس" بحدة طفيفة ناظرة لمجموعة من البنات و الصبيان على مسافة بعيده
-الكورة دي بتاعة مين؟
- ب آآآ ب....بتاعتي أنا.
اخفضت بصرها للفتاة الماثلة أمامها كالمذنب، فتنهدت بقوة وتحسست أنفها تحركه للجانبين حتى تتأكد من سلامته ثم همهمت ب: ممممم....و مين اللي رماها؟
نطقت الفتاة قائلة بهمس خجل ويظهر عليها علامات الخوف: أأ...أنا.
بنبرة غير مصدقة كلمتها "إيناس": متكذبيش.....البنات الشطار بيقولو الحقيقة.
انفرجت شفتا الفتاة بزهول ثم تمتمت ب: هاااا...إإ إنتي عرفتي ازاي؟
انفلتت ضحكة مستمتعة شبه خافتة من بين شفتي إيناس و هى تتأمل كم البراءة الكامنة فى هذه الطفلة، ثم تعجبت بخفوت شديد و كأنها تحادث نفسها: إيه البراءة دي كلها؟
اعادت سؤالها للمرة الثانية بصيغة جادة للغاية: دلوقتي بقى...مين رمى الكورة؟
ارتعاد الفتاة أثار حيرتها و ارتجاف أطرافه دعم سيطرة حالة من الاستغراب عليها علاوة على اختباء الفتاة خلفها و تشبثها بها مشيرة بيدها نحو فتاة أخرى تبتسم بطريقة تثير الرعب و جاهدت الفتاة الصغيرة لكي تجمع جملة مفيدة إلا أن النظرات المقابلة لها أصابتها بانتفاضة أخرى و تلعثمت حروف كلماتها حينما هسهست بصوت كرب أن ينتحب: هى..."نهى"... أخدت مني الكورة ورمتها بعيد.
ما بها تلك الفتاة و لما كل هذا الخوف؟
♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕
صار مكتبه عبارة عن فوضى عارمة بتلك الملفات الكثيرة المفتوحة أمامه....يفحص هذا و يوقع على ذاك و يلقى هذا.
تأفف بملامح مكفهرة و يقارب على الانفجار من شدة حنقه.
-أوووف، الأجازة جات على دماغي أنا....وهو حاطط ايده ف الماية الباردة و سايبني اااا...
قاطع حديثه مع نفسه رنين الهاتف الخاص بمكتبه.، فرفعه على أذنه ريثما يقرأ ملفًا ما و يدقق فيه ليفتح فمه مشدوهًا
-هااا، إنتي بتقولي إيه يا سندس؟! أكيد بتهزي....صح؟
ترددت ضحكة أنوثية رقيقة بداخل سلك الهاتف وصولاً إلى مسامعه تلاها نبرة شبه جادة ولكنها مهزوزة بها أثر من الضحك: هههه....أحممم...هو ده وقت هزار يا باسل باشا؟
غمغم "باسل" بتجهم ساخر: هو أنا ناقص؟! كل دي Meetings متأجلة؟! مش كفاية الملفات المتكومة قدامي دي؟ بجد مش عارف أبدأ منين.
حمحمت "سندس" بارتباك قبل أن تضيف بترقب و هى تفرك خدها الأيسر و جانب رقبتها: بصراحة بعد الMeetings فيه عملاء مهمين هييجوا و لازم حضرتك تستقلبهم بنفسك.
اتسع بؤبؤاه فى اندهاش ثم صدح صوته المنزعج يصيح بعصبية: إيييه؟ هو يوم منيل من أوله و شكله مش هيعدي على خير.
كرد فعل طبيعي أبعدت سماعة الهاتف عن أذنها لتتجنب تضرر حاسة السمع لديها جراء صياحه العالي، بعد مدة قصيرة أعادت وضع السماعة من جديد لتقول بتفاؤل: إن شاء الله كل حاجة هتبقى تمام ، متقلقش حضرتك خالص، أنا مرتبة كل حاجة.
و أردفت لتؤازره فى موقفه قليل العزيمة: متنساش إني هكون مع حضرتك خطوة بخطوة بحيث لو احتاجت حاجة أو واجهتك مشكلة أنا هتصرف.
وصلتها تمتمته بعبارة مقتضبة قليلة الإرادة: ربنا يستر.
فركت جبينها ببعض الاجهاد، ثم ردت بهدوء و تعمدت أن تزرع الثقة فى نبرتها الجادة لترفع من روحه المعنوية و تزيد من ثقته بنفسه: و حضرتك مش هيقف قدامك موضوع بسيط زي ده....أنا واثقة إنك هتنجح و بجدارة.
- شكراً ع المجاملة الظريفة دي.
قالها ممتنًا لصنيعها معه ليتكلم بعد أن عاد بمقلتيه للملف مدققًا فى آخر صفحاته: جهزي الملفات المهمة للMeeting بتاع الساعة ٢.
أنهى جملته ناظراً فى ساعته الفخمة لينتفض واقفًا هاتفًا بنبرة محتجة تحمل من الجدية الكثير: ده مش فاضل غير عشر دقايق....إيه اليوم الكئيب ده يا ربي؟ استغفر الله العظيم.
-كل شئ جاهز يا فندم و غرفة الاجتماعات كمان، كله تمام.
-اوك...دقيقة بالظبط و أكون عندك.
وضع الهاتف من يده و أقفل زر سترته و رفع ياقة قميصه ليتفقد الملف بين يديه بشكل سريع شبه عشوائي...متمتمًا يرجو من الله التوفيق و السداد :يا رب وفقني، ده أول إجتماع أكون فيه لوحدي.
خرجت همساته من بين ثغرات أسنانه المحتكة مع بعضها بنبرة غلٍ واضحة: منك لله يا طلال.
♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕
حدقتاها معلقتان على "نهى" التى تضع يدها فى وسط خصرها و تضيق عينيها عليها و على من تختبؤ خلفها و أرتفع مستوى حاجبيها تدعي تعجبها من كلمات الفتاة الصغيرة المرتجفة من خوفها، لتنفي الفتاة المدعوة ب "نهى" عن نفسها ما قيل عنها عن طريق نعت غريمتها بالكذب: إنتي أكبر كذابة يا جنى، عشان إنتي اللى رميتي الكورة.
لتتفادى "إيناس" وجع الرأس الذى أخذ يتسرب إليها و لتبعد الاستياء عن نفسها قررت أن تعطى ل "جنى" كرتها و تذهب بعدها إلى منزلها.
-خدي يا حبيبتي الكورة بتاعتك و روحي إلعبي معاهم.
و حاولت إبعاد اليدين المتشبثتين بساقيها و لكن "جنى" أصرت على عدم تركها.
- لأ...هى هتضربني عشان قولت ليكي عليها.
فلانت ملامح وجه "إيناس" مع وجود بعض النظرات الحانقة ألقتهم ناحية نهى التى لا تزال على وضعها و تبادلها بنظرات باردة تشع تحدي.
- خلاص تعالي معايا....هوصلك عند بيتك.
همست مستسلمة لرغبة "جنى" و سحبتها معها متريثة فى مشيتها إلا أن صوت صدح من خلفهما مهللاً بتوعد صريح:أمشي يا "جنى"...بس المرة الجاية مش هسيبك.
ارتعش جسد "جنى" من حدة الصوت لترفع رأسها ل إيناس هامسة بترجي: مش قولتلك هتضربني.
طمأنتها "إيناس" بثقة كبيرة: مش هتقدر تعمل حاجة.
♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕♕
أنتهى بهما الطريق عند ذاك الباب البالي الذي به آثار تشبه الحريق رغم الطلاء الذى يغطي خشبه....لتعقد حاجبيها فى غرابةٍ و لكنها رفعت كفها لتطرقه بقوة متوسطة ، عدة ثواني فقط و انفتح الباب ليعطي لها مجالاً لرؤية من خلفه... حيث كان رجل فى منتصف العمر..... راودها شعور غريب و سؤال يرن بخاطرها "أين رأت هذه الملامح قبلاً؟"
لم تمعن النظر أكثر من هذا لأنها غضت بصرها لتحملق فى وجه "جنى" الممسكة بثيابها....و أخيراً أرتخت قبضتيها لتتركها و تجري لحضن الرجل و تهتف ب: بابا!
استدارت هى لترحل فاستوقفها الرجل بسؤاله الوجيه: إنتي مين؟ و جنى كانت معاكي ليه؟
لم تلتفت له مطلقًا قائلة بنبرة غير مبالية تحمل استهزاءاً به و بأبويته: أظن إن الأحسن تسأل بنتك السؤال ده.
ثم تركته محتاراً من ردها غير المتوقع فى رأيه.
مضت بخطواتٍ رتيبة قصيرة تناسب طول كعبها منعًا للتعثر فى الحصوات التى تكسو الأرضية الخالية من الأسفلت.
و بتقاسيم منزعجة قصدت الطريق المؤدي إلى منزلها و تدور ببالها استفهامات عديدة.
كيف يدع ابنته فى الشارع و هو على جهل بما يحدث معها؟ و يأتي ليسألها هذا السؤال؟ ماذا لو اختطفها أحد ما؟ ما العمل وقتها؟ ..........
