اخر الروايات

رواية حين تكذب الملائكة كامله وحصريه بقلم الكاتبة كوين اسمهان

رواية حين تكذب الملائكة كامله وحصريه بقلم الكاتبة كوين اسمهان



١|خارج الصندوق!

                                              
   كانت السماء تمطر خيوطًا ناعمة من المطر الصباحي فوق منهاتن، ليس من المألوف أن يبدأ صيف نيويورك هذه السنة هذه البداية الشاحبة، لكن ليلة أمس كانت باردة و الضباب الذي تجمع و تصاعد حتى عنان السماء أنذر برذاذ عابر يزامن شروق الشمس. 

4


   وقفت ليسا كولنز عند بوابة "شركة غرانت" مأرجحة بصرها بين شحوب السماء و شحوب مظهرها، إرتجفت يدها حول حزام حقيبتها الجلدية وكأنها تمسك بها لتمنع مستقبلها المهني من السقوط إلى هاوية اللارجوع!

+


   لم تكن تلك أول مقابلة عمل لها، لكنها بلا شك كانت الأخطر، ليس بالجديد عليها أن تكون سكرتيرة في أهم مكتب داخل شركة ضخمة، لكنها رغم شجاعتها و الخبرة التي تتمتع بها لم تنجُ من التوتر بسبب من ينتظرها هناك لإجراء المقابلة، راينر غرانت، الرجل الذي لا يثق بسهولة، و الذي يتحدث عنه الجميع كأنه أسطورة باردة تمشي على قدمين.

16


   أخبرها براد مدير الموارد البشرية في الشركة على الهاتف أن السيد غرانت يبحث عن سكرتيرة منضبطة، تجيد الطبع و الإختزال، تتمتع بذاكرة قوية، و الأهم: أن تترك مفاتنها و رغباتها كٱنثى خارج المبنى!

16


   قرأت تحذيرًا مبطنًا بين كلمات براد، فكرت و هي تشكره و تغلق الخط أن راينر غرانت هذا يريد سكرتيرة لا تلفت النظر، و هذا عين ما كانت تصبو إليه مُذ خسرت وظيفتها السابقة بسبب جمالها الملفت، هي أيضا تريد الحصول على عمل دون أن تكون في معرض إعجاب رئيسها و ضحية لنزواته العمياء!

9


   حسمت قرارها بعدم تبديد تلك الفرصة، و عقدت العزم على تحويل نفسها من شقراء فاتنة و جذابة تدير الرؤوس بمجرد مرورها إلى سكرتيرة شاحبة الوجه، مغلفة بمظهر لا يمتّ للجمال و الأناقة بأدنى صلة!

+


    تذكرت كيف إنتقت صباحًا سترة بنية داكنة تغطي قوامها، و تنورة رمادية فضفاضة بلا ملامح، دسَّت تحتها بلوزةً بيضاء بياقة مرتفعة، مع زوجي حذاء أسود بكعب مربع و صوت عريض متزمِّت، ثم غطت وجهها و عنقها بطبقات من الجلد الإصطناعي الذي سيتولى إخفاء نضارة بشرتها و تورد وجنتيها، و الأهم من كل هذا أنه سيغير معالم أنفها و شفتيها نوعًا ما!

20


   و لأنها كانت تخشى أن يُفتضح أمر الجلد الإصطناعي، فقد آثرت ترك شعرها الذهبي منسدلاً دون تمشيط على كتفيها، لتضيف بعد ذلك عدسات بنية تخفي لون عينيها الأخضر المشع، و تضع في النهاية اللمسة الأخيرة... نظارات كبيرة بإطار عريض كالتي تضعها العجائز!

14


   تذكرت نظرتها المنتصرة في المرآة، و تذكرت كل كلمة وجهتها لصورتها قبل أن تصل إلى هنا:

+


«يبدو أنكِ نجحتِ ليسا، بهذا المنظر البشع، لن يتجرأ مجنون على النظر بإتجاهكِ، بشرة منهكة، شعر مشعث، و قطع ثياب غير متناسقة... تستحقين لقب أيقونة القُبح!».

23



     

                
   حين غادرت منزلها الواقع بحي ديتماس في بروكلين حوالي الساعة السابعة... أيقنت أن تنكرها ممتاز، فقد حصدت نظرات مرتابة من جارها المتقاعد من الجيش الأمريكي، السيد لوثر هانت، و الذي إعتادت إلقاء التحية عليه بحرارة كل صباح، لكنها حين لوحت له هذه المرة و هي تتجاوز حديقة منزلها الصغيرة، لاحظت عليه الإرتباك، العجوز لوثر الطيب لم يعرفها، و لم يتمنَّ لها يومًا موفقًا كما تعود، بل أسرع إلى جز عشب حديقته مشيحًا عن الوافدة الغريبة و هو يفترض أن جارته ليسا كولنز اللطيفة تركت الحي!

8


   أعقَب ذلك صمتٌ عميقٌ من جانبها، قبل أن تتوجه نحو فناء المنزل الخلفي، أين تركن سيارتها البسيطة ذات اللون الرمادي، و تبث الحياة في محركها متنهدة. أحزنها كثيرًا أن لوثر لم يتعرف عليها، لكنها امتنَّت في الوقت نفسه لذلك التنكر المثالي، ثم طمأنت نفسها بنظرة خاطفة إلى مرآة السيارة الصغيرة أمامها، هي لم تنجح في إخفاء هويتها فحسب، بل تخلصت من لعنة الجمال التي لطالما أثقلت كاهلها و سببت لها المتاعب!

5


   و ذلك ما تأكدت منه حين توقفت في نقطة ما تبعد عن منهاتن بميلين لملأ البنزين، فعامل المحطة الذي ألِف ملاحقة وجهها بعينيه الخبيثتين و رغباته الجامحة، لم يلقِ باتجاهها أكثر من نظرة مشمئزة ذلك الصباح، و بدل أن يغضبها ذلك، أثلج صدرها، و عزز ثقتها بحصولها على الوظيفة دون شك!

4


   لا ريب أن راينر غرانت سيوظفها فورًا حين يرى أنها السكرتيرة المثالية التي ستقتل روح الإثارة في الشركة!

6


   سحبت نفسها من أفكارها، و دفعت شقًّا من البوابة الزجاجية بعدما أذن لها رجل الأمن الدخول حين أدرك دواعي قدومها، و ها هي ذي تلجُ بهو الشركة بخطى مسموعة لشدَّة محافظة الموظفين على الهدوء. الأضواء البيضاء انعكست على الأرضية الرخامية اللامعة، وكل شيء بدا لامعًا ونظيفًا وباردًا أيضا... تمامًا كصورة راينر غرانت في مخيلتها!

+


   أمسكت ليسا خطواتها تقلب عينيها في كل اتجاه، بعض الموظفين لاحظوها، و طفقوا يتهامسون حول مظهرها الكارثي، سمعت إحدى الفتيات تتساءل من أي حقبة زمنية غابرة سقطت عليهم، لكنها لم تهتزَّ غيظا إثر ذلك، بل تمسكت ببرودها، و أسباب وجودها هناك، و بكل ثقة تابعت خطواتها غير آبهة لنظرات أحد!

+


"آنسة؟ هل أستطيع مساعدتك؟".

+


   سألت موظفة الاستقبال بابتسامة مهذبة حين تنبهت لاقترابها، فنالت جوابًا مدروسًا كانت قد حفظته عن ظهر قلب:

+


"مرحبا! ليسا كولنز، لدي مقابلة عمل... مع السيد غرانت".

+


   تفقدت الموظفة جهاز الحاسوب بسرعة، ثم أشارت برشاقة:

+


"الطابق الخامس و الثلاثون، المكتب الأخير على اليمين، السيد غرانت بانتظارك".

+


«الطابق الخامس والثلاثون؟! كم يبدو هذا الرقم مرتفعًا، كأنه تمهيد لسقوط محتمل! لا! ليسا... إهدئي! تستطيعين التعامل مع هذا بنجاح! أنتِ لها».

1



        
          

                
   في غرفة المصعد، حدّقت ليسا إلى انعكاسها على المعدن المصقول، لم ترَ نفسها، بل رأته... الرجل الذي كاد يكسرها يومًا، الرجل الذي جعلها تقسم ألّا تثق بأي رجل آخر، كان وجه لورانس يطفو في ذاكرتها بلا رحمة، فتشبثت بحقيبتها أكثر.

+


   ليس كل الرجال مثل لورانس الوغد... ليس كل الرجال وحوشًا، لقد فشلت في الكثير من مقابلات العمل بعد نكبتها مع رب عملها السابق، فقط لأنها كانت تقع دائما في مقابلة مع مدير شهواني آخر لا يختلف عنه سوى شكلاً، لكن هذه المرة على راينر غرانت أن يكون مختلفًا، عليه أن ينظر إليها تماما كما ينظر لحاسوبه أو ملفاته، ضرورية للعمل... لكنها لا تشكل فرقًا بعد ذلك!

4


   همست لنفسها، وهي تستجمع فتات الجرأة المتبقي داخلها:

+


«حانت اللحظة، كوني جادة و لا تبتسمي ليسا... الجلد الإصطناعي سيتمزق إن فعلتِ!».

6


   عندما فُتح باب المصعد، كان مساعد مدير الموارد البشرية ديريك ينتظرها، يحمل دفتر ملاحظاته ويحدق بها بنظرة محايدة!

+


"آنسة كولنز؟".

+


"أجل".

+


"آسف لأن مديري المباشر براد لم يستقبلكِ بنفسه لأنه متوعِّك، لكنه أخبرني عن قدومك، تفضلي من هنا!".

5


   تقبلت يده شاكرة، و سمعته يستطرد و هو يقودها عبر رواق طويل:

+


"من الجيد أنكِ وصلتِ قبل إنطلاق المقابلة بدقائق، أنتِ قياسية، و هذا ما يريده السيد غرانت، إنه لا يحب الانتظار...".

3


   لم تكن تلك عبارة ترحيب من ديريك، بل إنذارًا من إعصار مدمر ينتظرها خلف الباب الذي تركها عنده، و قبل أن ينصرف لعمله، همس بقلق:

+


"...و لا يحب التملق، لذا لا تتحدثي إلا لتجيبي أسئلة الرئيس!".

+


   بعد طرقات رتيبة وقعتها ليسا، سمعت صوتًا عميقًا يأذن لها بالدخول، إزدردت ريقها شاعرة بتصلب قدميها داخل ذلك الحذاء المؤلم، و دفعت الباب إلى المكتب الكبير متقدمة بخطوات محسوبة.

+


   في الداخل، كان كل شيء قاتمًا أكثر مما ينبغي، النوافذ الضخمة كشفت أفق مانهاتن الملبد بالغيوم، والجدران الخشبية الداكنة منحت المكان رهبة زائدة، كان مكتب لورانس أكثر حيوية من هذا، حتى بقية المكاتب التي لم تنجح فيها مقابلاتها... كانت بعيدة كل البعد عن هذا الجو المضجر، لعلها أخيرا وجدت مديرًا لا يكترث إلا بالعمل!

+


   تنقلت نظراتها من الأثاث الثقيل القاتم، و الجدران الصارخة بأجواء الجدية، إلى الرجل الواقف عند الزجاج متأملاً مدينة تغرق في بحر من الضباب، و لا تبدو منها سوى أبراج عنيدة تشق الغيوم مناطحة السحاب!

2


   لم ترَ منه غير شعر عسلي يحوله الضوء إلى بقعة ذهبية باهتة، و بشرة خمرية لوحتها الشمس برزت من فوق ياقته المدرجة على كتفي سترته الرمادية، و من تحت كمية المرفوعين كذلك. يا للقدر! كانت طوال طريقها إلى مكتبه تصلي ألا يلاحظ جمالها فيعجز عن الصمود أمامها دون أن يتحرش بها كسابقيه، لكنها عرفت حتى قبل أن يستدير نحوها أن من الصعب عليها هي الصمود أمام رجل بتلك الصفات!

26



        
          

                
   فجأة حبست أنفاسها حين إنتزع يديه من جيوبه و قرر أخيرا الإلتفات، ثم تلت تلك اللحظة ثوانٍ من الصدمة، الذهول، و الإرتباك، كأن كلاًّ منهما يقف أمام شخص خارج صندوق توقعاته!

4


   كان راينر في الخامس و الثلاثين من عمره، أي أنه يكبر ليسا بسبع سنوات، طويل القامة، عريض المنكبين، يملك عينين رماديتين تماما كبدلته، حذقه واضحٌ من زوايا حاجبيه الحادة، شفتاه المنحوتتان و أنفه المستقيم يترجمان دقته و جرأته في بلوغ ما يريد، أما ذقنه المدببة المكسوة بلحية ذهبية خفيفة فقد أوحت لها بشخصيته العنيدة و المتسلطة.

23


   حول رقبته كانت هناك ربطة عنق بلون النبيذ، يثبتها بدبوس فضي، و حول معصمه لمحت ساعة من الفضة أيضا تؤكد قيمة الوقت بالنسبة له كما سمعت براد يقول في مخابرة أمس. أدركت أنها تأملت تفاصيله بما يكفي، ف أشاحت عن وجهه الوسيم، و جسده المفتول، و أناقته المناقضة لزيها الكارثي، متجهة ببصرها إلى الأرضية المصقولة، متمتمة بصوت ثابت:

5


"ليسا كولنز، سيدي!".

+


   تذكرت كيف غيرت إسمها من أليسيا إلى ليسا، لم يكن ذلك سهلاً، كلفها إجراءات قانونية متعبة و كريهة، لكن كل ذلك كان أهون من أن تتمسك بالإسم الذي لوثه لورانس!

4


   عادت بصعوبة إلى واقعها، لكنها لم تنظر إليه مجددا، فيما كان هو عاجزًا عن إطلاق سراح وجهها، كانت عيناه الرماديتان أيضا تدرسانه بإهتمام و فضول مُذ إلتفت إليها، لن ينكر أن فوضى شعرها و تنافر القطع التي ترتديها روَّعاه بشدة، لكنه لمس شيئًا غامضًا يتوارى خلف كل ذلك، مرر عينيه البارجتين ببطء على بشرتها الشاحبة وكأنهما تحاولان التسلل تحت جلدها، ذلك الجلد به سرٌّ ما، كأنه لا يمتُّ لها بصلة!

17


"ليسا كولنز!".

+


   كان صوته باردًا و هو يردد إسمها، شعرت ليسا بجلدها الحقيقي يحترق تحت نظراته، دعاها للجلوس أمامه، و إتخذ بدوره مقعده ممسكًا ملف سيرتها الذاتية، الذي أرفقت فيه كل المستندات التي تصرخ بكفاءتها، و التوصيات التي ظفرت بها من وظائفها السابقة، عدا الفترة التي كانت فيها سكرتيرة للوغد لورانس، إعتبرتها فترة راحة من العمل، و إحتفظت بها لنفسها، دون أن ترفق أي مستند يخصها في الملف.

+


"كيف تجدين شركة غرانت آنسة كولنز؟".

+


   باغتها السؤال، إنه يحاول سحب لسانها نحو تملق شركته، حسنا، ستريه أنه أخطأ العنوان هذه المرة، فهي ليست تلك السكرتيرة السخيفة التي تتملق مديرها حتى يوظفها أجابت بصوت هادئ و نبرة متوازنة:

1


"مجرد مكان للعمل!".

6


   ظنت لوهلة أن شبح إبتسامة شاب زاوية من فمه، لكنها لم تطِل التحديق به، حولت عينيها لأصابعها المتصلبة حول حزام الحقيبة، بينما هزَّ راينر رأسه مستحسنًا جوابها العملي! هذا ما يريده، امرأة تعرف كيف تمنح الجواب الدقيق دون مبالغة درامية!

+



        
          

                
"إذا كان مجرد مكان للعمل، لماذا أنتِ هنا، و لستِ في شركة ٱخرى؟".

+


"لأنني أعرف ما أريده سيد غرانت!".

+


   ترك فاصلاً من الصمت ثم سأل بإهتمام أكبر:

+


"و ما الذي تريدينه... آنسة كولنز؟!".

+


"ٱريد صقل مواهبي أكثر، أريد التطوير من مهاراتي، و صنع إسم أفتخرُ به في عالم المال و الأعمال!".

7


   مرة ٱخرى أثار جوابها إعجابه، لم يقل شيئًا لكن عيناه صرحتا بذلك، نقر بإصبعين على ملفها ثاقبًا وجهها بنظراته الحادة:

+


"ملفكِ مثير للاهتمام، شهادة قوية، كفاءة واضحة... لكني أكره الدراما، هل أنتِ درامية يا آنسة كولنز؟".

4


   سؤال مربك، مفخَّخ، إلا أنها كانت أكثر تمكنًا و سيطرة على نفسها لتجيبه بثقة:

+


"أنا عملية جدًا يا سيدي، الدراما مكانها المسارح، لا المكاتب".

20


   أغمض عينيه للحظة، كما لو كان يحلل كلماتها حرفًا حرفًا، و قال من جديد:

+


"آخر سكرتيرة وظفتُها بدت واثقةً أيضا، لكنها مكثت بين هذه الجدران لثلاثة أيام فقط، قبل أن يغمى عليها لمجرد أنني رفعتُ صوتي! ليس للضعفاء وجودٌ هنا آنسة كولنز، هل تفهمين؟".

7


   حدقت فيه ببرود من خلف نظاراتها، و تمتمت:

+


"لن تكون مضطرًّا للصراخ سيدي، حاسة سمعي بحال ممتازة!".

34


   لأول مرة، لاحظ في نبرتها ما لم يكن في مظهرها: نضج، ألم، و شيء آخر يصعب تحديده!

+


بعد لحظة طويلة من الصمت، قال:

+


"تبدئين دوامكِ غدًا، السابعة صباحًا!".

+


   همست ليسا محاولة جهدها ألا تبتسم:

+


"عُلِم!".

+


   و غادرت بهدوء صادم دون أن تتملقه بعبارة توديع لطيفة كالسكرتيرة التي كانت محلها قبل أيام، يا لها من ٱنثى بعيدة كل البعد عن الٱنوثة، إنها حقا خارج الصندوق!

17


   سارت ليسا مبتعدة عن مكتبه مثل مومياء تعود للحياة بعد دهر من التصرف كميتة أمام رجل دقيق الملاحظة، داخلها عاصفة لا تهدأ، ضحكات عالية تود الصراخ بها، و تهانٍ تتوق لتمطر بها نفسها بعد نجاح مساعيها في الحصول على وظيفة دون أن يرجع ذلك لكونها امرأة جميلة!

+


   إستقلت المصعد، نظرت مرة أخيرة إلى الباب الذي خرجت منه، ثم همست بصوت خافت كأنها تخاطب شبحًا من ماضيها:

+


«هذه المرة، لن أكون ضحية جمالي».

3


   عندما خرجت ليسا إلى الشارع، كانت منهاتن قد بدأت تستعيد صخبها، غير مكترثة لمعارك البشر الصغيرة، لكن الرياح المنعشة التي دفعت الغيوم بعيدًا، و راقصت أشعة الشمس، أعلنت عن بداية الصيف، و أعلنت أيضا عن معركة ليسا كولنز التي بدأت للتو.

1


   تمسكت بحقيبتها بقوة، و التي بداخلها لم يكن هناك سوى دفتر ملاحظات صغير مزودٌ بقلم، هاتفها الجوال، و سلسلة ناعمة تحوي صورتها دون أي تنكر!

17


   خطواتها نحو مركن سيارتها كانت متوازنة، خمنت أن رئيسها قد يلقي نظرة من النافذة، لذا عليها مواصلة السير كسكرتيرة مضجرة لا أثر فيها للٱنوثة، امتطت مقعد السائق رابطة الحزام، و انطلقت متنفسة الصعداء، و لم تمنع نفسها من الإبتسام بينما تشغل أصابعها جهاز الموسيقى، لكن المرارة تسلقت حلقها فجأة، و عاد كل شيء داخلها ليرتجف من اسم واحد بينما تقود بإتجاه بروكلين: راينر غرانت! لم يكن مثل الصور التي رأتها له في الصحف ليلة أمس، كان أقوى حضورًا، أكثر خطرًا، و أشدَّ وسامة! و عيناه... لم تكتفيا بالنظر إليها، إنما كانتا  تقرآنها!

+


   تسوقت لبعض الوقت من أجل ثياب إضافية تليق بتنكرها، و من أجل عشاء الليلة أيضا، ثم دلفت منزلها مثقلة بالأكياس، ركلت الباب بعقب حذائها تغلقه، فأسرعت نحوها قطتها الرمادية متمسحة بساقيها.

+


"ٱوه سموكي! هل إشتقتِ إليَّ كثيرًا؟".

13


   وضعت مشترياتها جانبًا، و حملتها مداعبة:

+


"من الرائع أنكِ الوحيدة التي تستطيع التعرف عليّ! هيا، تعالي نحضر وجبتينا معا! لكن دعيني أولاً أتخلص من هذا الزي المرعب!".

+


   إختلت بنفسها في غرفتها، أطاحت بالنظارات الكبيرة، و باشرت خلع تلك الطبقات الجلدية كما يخلع المحارب درعًا ثقيلًا عقِبَ معركة طويلة،  و أغرقت في معمعة التفكير مجددا، لقد عرفت منذ اللحظة الأولى التي وقفت فيها أمام برج غرانت الشاهق... أنها ستواجه تحديًا لا يشبه أي عمل سابق، لم يكن الأمر مجرد وظيفة، بل اختبار متواصل للنجاة، في السابق كانت تناضل لتنجو من أنياب شهوات الرجال، و بدءً من الغد ستناضل لتنجو من ذكاء راينر!

+


   في المرآة، نظرت لنفسها بتساؤل، وجهها لم يكن عاديًا، كان جميلاً و متناسقًا بشكل مربك، عينان خضراوان كثيفتا الرموش، حاجبان رفيعان ذهبيان كمطر في ظهيرة صيفية، أنف رقيق مقدمته تحمرُّ بمجرد أن تتحرك عواطفها، و شفتان منمنمتان غضتان في لون التوت!

+


   شهقت بخفوت هامسة:

+


«لو رآني راينر على حقيقتي... هل كان سيصدق أنني جئت لأعمل، لا لأفتن؟».

2


   سؤال تافه... إنها تعرف أن الجمال في عيون الرجال ليس بريئًا دائمًا، لقد علّمها لورانس الدرس كما يجب، فكّرت بذلك الوحش القديم و هي ترتدي بيجاما مريحة و تنزل الدرج نحو المطبخ، كيف استغل ثقتها و جمالها لتدميرها، ثم جعلها تشكك في نفسها، في نوايا كل رجل، و في كل كلمة إعجاب تُقال بنعومة، و منذ ذلك اليوم الذي إختفته من شركته و حياته، أقسمت أن تدفن جمالها... لتعيش!

10


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close