رواية حين تكذب الملائكة الفصل الثاني 2 بقلم الكاتبة كوين اسمهان
٢|على مقربة من النار!
في اليوم التالي، وصلت ليسا إلى مقر الشركة قبل الموعد بعشر دقائق، جلست بهدوء في المكتب المخصص لها، لا يفصل بينه و بين مكتب الرئيس سوى جدار زجاجي يشف كل شيء! تراقب الموظفين يدخلون ويخرجون، معظمهم يرمقها بنظرة خاطفة ثم يُعرض عنها.
تمامًا كما أرادت.
+
في تمام الساعة الحادية عشر ظهر ديريك فجأة، بكوب قهوة في يده وابتسامة لا يمكن تصنيفها:
+
"مذهل! حضرتِ باكرًا، و ها أنتِ لا ترفعين رأسكِ عن العمل!".
+
"لستُ هنا سوى للعمل سيد كول!".
+
ردّت ببساطة، فأردف عارضًا عليها القهوة:
+
"نادني ديريك و حسب!".
+
كانت بحاجة حقا لبعض القهوة القوية كي تتابع مراجعة دفتر الإختزال الذي تركته السكرتيرة السابقة فوضويا و ناقصًا! ثم تقوم بنقله بشكل أوضح و أسهل لحاسوبها! على أنها رفضت عرض ديريك اللطيف، و قررت أن تتجه بنفسها إلى مطبخ ذلك الطابق الصغير، و تعد قهوتها بنفسها، لكن ليس الآن، ستنتظر حتى يأخذ راينر إستراحة الغداء!
+
لاحظت أن ديريك لا يزال في مكتبها، فسألت بحيرة:
+
"هل هناك ما تودُّ قوله سيد كول؟!".
+
إستغرب تمسكها بالرسميات، و أجاب بفضول:
+
"إطلاقا، ينتابني الشوق فقط لأعرف كيف إجتزتِ إختبار القبول في اليوم الماضي؟! لا تسيئي الفهم، لكن أنتِ مختلفة جدا عن سابقاتك، في العادة تشبه سكرتيرات الرئيس عارضات الأزياء!".
11
نظرت نحو حاسوبها بثقة أذهلته، و قالت غير آبهة بكل من سبقنها في الوصول إلى مكتب غرانت:
+
"لهذا كانت مغادرتهن سريعة!".
+
إنفجر ديريك ضاحكًا، لكن ليسا رفعت رأسها بحدة، و عجزت عن مشاركته الضحك، ليس فقط خوفًا على تشقق الجلد الإصطناعي على وجهها، بل لأنها لمحت شخصًا آخر يقف خلف ديريك، و يسدُّ منفذ مكتبها بجسده القوي، إنه راينر غرانت، و إنه أيضا يومها الأول و الأخير في الشركة، تجمدت أصابعها فوق أزرار الحاسوب حين قال بحدة:
+
"أريدكِ في مكتبي حالاً آنسة كولنز!".
+
أفرجت عن نفس مخنوق، هل غضب لأن لسانها نال من سكرتيراته السابقات؟ هل إعتبر تعليقها الساخر خيانة لأسرار موظفي الشركة؟ هل سيطردها مباشرة أم سيجبرها على سماع محاضرة في أخلاقيات المهنة؟! فكرت في كل تلك الإحتمالات بجنون و هي تتجاوز ديريك و تفتح الباب الصغير المشترك بين مكتبيهما، كأنها تفتح بابًا للجحيم، و قبل أن تلج إليه، سمعت همس ديريك المشجع:
+
"لا تذعري! في هذه الشركة إما أن تكوني قوية... أو زائلة!".
+
في مكتبه كان راينر يجلس بوقار، يُطالع تقدم سكرتيرته نحوه بتلك العينين الرماديتين الجافتين إلى أن أصبحت على بعد ياردات فقط من طاولته، توقفت ليسا مهيئة أعصابها لسماع جملة واحدة: أنتِ مفصولة! لكن راينر لم يقل أي شيء عن إستعداده لطردها، نظر إلى حاسوبه المغلق، ثم قال دون أن يلتفت إليها:
+
"هل راجعتِ عمل الآنسة دوفريل؟".
+
أدركت أنه يقصد السكرتيرة السابقة، فأجابت:
+
"أنا على وشكِ إنهاء آخر صفحة سيدي!".
+
علق مندهشًا من نشاطها:
+
"يبدو أنكِ لا تدخرين جهدًا آنسة كولنز!".
+
"كل ما في الأمر أنني أستثمر في وقتي سيدي!".
+
قرأ من إجابتها أنها لم تفارق مكتبها منذ الصباح، فسمح لها بالحصول على قهوة على أن تعود إلى مكتبه في ظرف عشر دقائق لا أكثر لتدون ملاحظاته حول خطة الإستثمار خلال هذا الصيف!
+
توقع منها شكرًا حارًّا، أو شبح إبتسامة على الأقل، لكنها إنصرفت بعد إيماءة مطيعة لا غير، ما هذه المرأة؟ وجهها منفر، ردودها بلا حياة، تتصرف كالآليين، لكنه لا يتوقف عن النظر إليها و تحليلها، إنه لا يملك القدرة حتى على طردها من رأسه!
8
أنفقت ليسا دقيقتين في الخروج من مكتب و الرئيس و إجتياز الرواق الطويل وصولاً إلى المطبخ الصغير المخصص لموظفي ذلك الطابق، ثم ضاعت منها ثلاث دقائق ٱخرى في إعداد قهوة الموكا التي تفضلها، و إضطرت إلى شربها على وقوف دفعة واحدة، لئلاً تصل متأخرة خلال عودتها إلى مكتب رب عملها!
+
طرقت عند الدقيقة التاسعة بابه، ثم دلفت و معها دفتر الإختزال و قلم. رفع رأسه عن العمل الذي ينجزه على حاسوبه، و علق متفقدًا ساعة يده:
+
"تدهشينني حقا آنسة كولنز، عدتِ قبل إنقضاء الدقائق العشر!".
1
أحجمت عن التعليق و جلست أمامه جاهزة لتدوين ملاحظاته، كانت عباراته التي يمليها مقتضبة كما تفضل، و كان صوته سلسًا يتدفق دون تلكأ، إلا أنه إتسم بسرعة رهيبة جعلت قلمها يركض متلعثمًا فوق الورق لمواكبته. أيقنت بعد قليل و هي تلهث و تشعر بوخز في قبضتها أن راينر يختبر مهارتها في الإختزال بطريقة قاسية، يفعل ذلك متعمدًا دفعها إلى الإستسلام، لكن ليسا برهنت أنها ليس سهلة الكسر، في ظرف قياسي إستطاعت تدوين كافة الملاحظات، و حين عجز عن إيجاد خطأ واحد في إختزالها العبقري، صرفها مع مهام جديدة تبقيها مشغولة حتى المساء!
7
ليخاطب نفسه بعد خروجها:
+
«إن بقيت هذه المرأة لأكثر من أسبوع، فربما أخيرًا وجدت من تستحق تسميتها سكرتيرة غرانت المثالية!».
9
في زاوية المكتب المجاور، جلست ليسا مستجمعة أفكارها، تنفست بعمق، قبل أن تفتح حاسوبها المحمول وتبدأ بتنظيم ملفات جدول اجتماعات الغد كما أمر الرئيس، محاولة قدر المستطاع تجنب النظر إليه عبر الزجاج الفاصل بين المكتبين!
+
عند الساعة الثانية عشر و نصف خرجت لتناول وجبة خفيفة كسائر الموظفين، و سرعان ما عادت ركضًا إلى مكتبها لإستئناف العمل، مصممة على رسم صورة مشرفة لها في برج غرانت العظيم، و الإنتصار على شكوك رئيسها حيال جدارتها بالمنصب!
+
لكنها لم تكن تعرف بعد، أن راينر غرانت لا يُهزم بالعمل وحده، بل بالدهاء، و الحيطة!
+
𓇼
10
كانت الساعة تُقارب السادسة مساءً حين بدأت الشركة تُفرغ من صخبها المعتاد، و انسحب الموظفون واحدًا تلو الآخر، تاركين خلفهم هدوءًا ثقيلاً.
+
أما ليسا، فقد بقيت في مكتبها الصغير تُنظّم جدول الاجتماعات متجاهلة الألم الذي بدأ يدبُّ في عمودها الفقري. كانت تعرف أن الرئيس خرج منذ ساعة تقريبًا، لذا إفترضت أنه غادر المبنى مثل الكل!
+
فجأة، سمعت خطوات حذاء ثقيل تقترب... نظرت بسرعة إلى بابها تتساءل ما إذا كان ديريك أو براد. لكنها إندهشت حين رأت راينر يلجُ مكتبها و يدنو مركزًا بصره على وجهها تحديدًا، طأطأت رأسها تخشى أن يلاحظ شيئًا يقوده لحقيقتها، و تلهت بمتابعة العمل على آخر سطرين من الجدول!
1
شعرت أن عضلة ما تهربُ من صدرها حين إتكأ بقبضتيه على سطح طاولتها و إنحنى باتجاهها، لعله قلبها! جاهدت لتمنع يديها من الإرتجاف أمامه، تمنت لو أنها أبقت النافذة مفتوحة، أو لو أنها شغلت التكييف، لما كانت قد أحسَّت بتلك الحرارة الحارقة التي لسعت وجهها إثر أنفاسه القريبة.
7
أبقت رأسها منخفضًا و يديها مشغولتين بالنقر على الحاسوب بينما تسمع سؤاله المتهكم:
+
"أ ليس لديكِ منزلٌ تعودين إليه آنسة كولنز؟!".
6
أجابته دون أن تنظر مباشرة إليه:
+
"لدي واحدٌ يا سيدي، لكنني أفضل العودة إليه خالية من الأعباء!".
+
نظرت عميقًا داخل عينيه للحظات فقط تضيف:
+
"لا ٱحب تحويل مهام المكتب إلى مهام منزلية!".
+
تردد صوته الجاف مجددًا:
+
"لكن دوام اليوم إنتهى!".
+
إعتدل في وقفته ملقيًا كلمات إضافية قبل أن يبتعد:
+
"و معه تنتهي كل المهام، غدا في وسعكِ المتابعة، غادري قبل حلول الظلام! لا أريدكِ منهارة في اليوم التالي!".
3
راقبته يلجُ مكتبه عبر الباب المشترك، و يلتقط هاتفه و سترته ليغادر هو الآخر، فجمعت أغراضها داخل حقيبتها، و أسرعت نحو المصعد، أملت أن يغلق الباب قبل وصوله لينتظر عودة العربة فارغة، أو يستخدم الدرج، لكنه وصل قبل ذلك، و اضطرت إلى مشاركته رحلة النزول إلى الطابق الأرضي في جو مشحون بالصمت و التوتر!
+
كان الصمت طويلاً، و الرحلة أطول، لم تكن تشاء النظر نحوه لأنها ليست متأكدة ما إذا كان قناعها لا يزال بحال جيدة، إنها تتعرق بشدة، و هذا سيء للجلد الإصطناعي! و تمدد الصمت الخانق، حتى قال راينر بشكل عرضي لم تتوقعه:
+
"من الذي درَّبكِ؟!".
+
تمتمت مستفهمة و هي ترى الرعب يكبر في عينيها المنعكستين على أحد جدران المصعد اللامعة:
+
"أخشى أنني لا أفهم سؤالك سيدي!".
+
تأمل وجهها المغطى جزئيًا بالنظارات، و ملامحها المتوارية خلف حذرها الصارخ، ثم فسَّر مقصده بفضول:
+
"أقول من الذي درّبك لتكوني مجهولة إلى هذا الحد؟".
6
عيناه الرماديتان كانتا تنشبان مخالبًا فضية في ملامحها كما لو كانتا تحاولان تمزيق قناعها الطبقيّ، بل اختراق جلدها نفسه!
+
ردَّت مصطنعة البرود:
+
"أنا فقط... لا أحب لفت الانتباه".
+
رفع حاجبه غير مقتنع بجوابها، و قال ملاحظًا أن الضوء يتنقل من زر لآخر، و لم يبقَ الكثير ليبلغا الطابق الأرضي:
+
"أنت لا تحاولين تجنب الانتباه، آنسة كولنز...
أنتِ تختبئين!".
7
اختنق نفسها في صدرها، لكنها لم ترد، هذا الرجل سيصل لحقيقتها إن إستمر هكذا! نظرت إليه مباشرة و مطولاً لأول مرة، حينها، حدث شيء غريب،
لمعت عيناه فجأة، ليس بالدهشة، بل بنوعٍ غريب من الشك، و همس:
+
"كأنني رأيتُكِ من قبل... في مكان ما!".
17
شهقت ليسا بأعماقها، و فقدت السيطرة على برودها للحظة عابرة، لكنها سرعان ما تجالدت مؤكدة لنفسها أن راينر يخلط بينها و بين شقراء ٱخرى حتما، فهي لا تذكر أنها سبق و قابلته، لا خلال عملها مع لورانس، و لا قبل ذلك حتى، أجلت حنجرتها حين إنفتح باب المصعد، و تمتمت:
+
"لستُ من النوع الذي يرسخُ في الذاكرة سيدي!".
1
كأنها قالت له بكلمات ٱخرى... ألا ترى أي نوع من النساء أنا؟
+
"أراك غدا سيد غرانت!".
+
سارعت بعد ذلك الوداع القصير خارج المبنى، و دون أن تنظر خلفها، سارت متعثرة نحو مركن سيارات الشركة، و صعدت إلى متن سيارتها متنفسة بعمق، أدارت المفتاح مرة و إثنتين، و ثلاث، و لعنت حظها العثِر!
+
"تبا لكِ! ليس الآن!".
5
كان راينر على وشك مغادرة المركن، حين إلتقطت أذناه زمجرة مركبة قريبة تأبى أن تتحرك من مكانها، و بخطوات رشيقة، دنا منها، و إنحنى بالقرب من نافذتها مخاطبًا:
+
"لا تبدو مستعدة لطاعة أوامركِ، دعيها هنا و توجهي نحو الشيفروليه الرمادية المركونة في أول صف هناك!".
18
نظرت ليسا إلى سيارته الفخمة، ثم كررت المحاولة و هي تردف من بين أسنان مشدودة:
+
"لا تزعج نفسك سيد غرانت! أنا معتادة على تمرد سيارتي، و أعرف كيف أتولى كل شيء بمفردي!".
+
"إيصالكِ لن يزعجني، بل سيضمن لي عدم تأخر سكرتيرتي غدا في الإلتحاق بالشركة! نفذي ما قلتُه دون إحتجاج!".
2
وجدت نفسها مضطرة لعدم إغضابه، لا تريد خسارة الوظيفة بعدما كل العناء الذي كابدته لتفوز بها، و لا تريده أيضا أن يقترب من عالمها، و يعرف عنها تفاصيلاً أبعد مما وجده في سيرتها كسكرتيرة غامضة!
+
سألها بعد قليل و هي تضع الحزام:
+
"أين تقيمين؟!".
+
"بروكلين!".
+
"لا تتوقعي أن أرميكِ في شوارع بروكلين ليلاً و أمضي، أريدُ عنوان مكان إقامتكِ بدقة!".
+
منحته العنوان الدقيق مرغمة:
+
"1502، شارع ريغبي، حي ديتماس بارك، بروكلين... إنه منزل أبيض صغير، بسقف بني، و طابقين!".
19
بعدها لم تنبس بكلمة طوال الطريق، ألصقت رأسها بالنافذة، تراقب أنوار المدينة تهرب عبر الزجاج، تبتلع أنفاسها و تصلي بصمت، كأنها تخشى أن تنبت من الكلمات متاعب جديدة، لم تلتفت إليه، و لم تبادر إلى أي حوار. فقط، تمسّكت بسكوتها كمن يتمسّك بسترٍ واهٍ في وجه العاصفة.
+
حين انعطفت السيارة أخيرًا إلى شارع ريغبي الهادئ، بدا المكان كلوحة نائمة تحت عباءة المساء القاتم، منازل خشبية متشابهة، بحدائق منظمة و أسيجة بيضاء. أوقف سيارته الفارهة أمام منزلها، وبالكاد انتظرت ليسا توقف العجلات حتى فتحت الباب و ترجلت بسرعة، تتحاشى النظر إليه!
+
لكن بينما تهرول نحو الباب، ارتطمت حقيبتها بساقها، فاندلق جزء من محتواها، سقط شيء صغير على الرصيف، و لفرط نعومته و رقته لم يحدث إرتطامه بالأرض صوتا مسموعا، لذلك لم تلاحظه ليسا أثناء إنشغالها بالهرب من رئيسها!
26
دلفت إلى المنزل دون النظر خلفها إلى الرجل الذي ترجل من سيارته، و وقف على حدود حديقتها المسيجة مذهولاً إثر تصرفها الغريب. أغلقت ليسا الباب كأنها تهرب من شبح ضال، و تنفست الصعداء متمتمة:
+
"لماذا لا أحظى بحياة مملة يا إلهي؟!".
1
ظنت أنها تخطت الخطر، و لم يبقَ أمامها سوى التخلص من هذا الضيق الذي يقيد صدرها و يجعلها تلهث دون توقف. كانت ليسا تعاني من أزمات ربو متباعدة، لكنها تصبح متكررة و حادة حين تكون تحت وطأة الخوف و التوتر، لا بأس، هذه الأزمة ستمر و ستنجو بمجرد أن تستخرج من حقيبتها ذلك الشيء الصغير الذي ينقذها على الدوام!
3
مدّت يدها المرتجفة نحو حقيبتها، تبحث عن أنفاسها المخبأة في ذلك الأنبوب الصغير، أصابعها قبضت عليه أخيرًا، كأنها أمسكت بخيط نجاة يتدلّى من السماء. نزعت الغطاء بأسنانها تقريبًا، وضغطت البخاخ بقوة فيما وضعت فوهته بين شفتيها المرتعشتين.
+
شهقت، واندفع الدواء عبر حلقها كنقطة ضوء تخترق نفقًا ضيقًا، شعرت به ينزل في مجرى تنفسها، يفتح أبوابًا مغلقة داخل صدرها، ويهدّئ الثورة التي اشتعلت في رئتيها. بقيت ليسا للحظات تحدّق في الفراغ، تستعيد توازنها شيئًا فشيئًا، كمن عاد من حافة الغرق."
+
غير أن أمل النجاة تفتّت سريعًا حين أعادت البخاخ إلى الحقيبة، و إكتشفت إختفاء غرض آخر، بفزع أفرغت محتويات حقيبتها و مضت ترجّها رجًّا بحثًا عن قلادتها الضائعة، شهقت برعب هذه المرة:
+
«غير معقول! داخل تلك القلادة... وجهي الحقيقي!».
12
اندفعت بجنون نحو الباب لتفتحه، وفي تلك اللحظة، كان راينر قد أفاق من ذهوله و عاد إلى سيارته، لكن بصره التقط شيئًا يلمع على الرصيف. انحنى، و التقط القلادة بين أصابعه، وكاد يفتحها ليرى محتواها، حين داهمه ظلّها!
+
ركضت ليسا نحوه بخطى متوترة، وخطفت القلادة من يده بسرعة و هي تعلن:
+
"هذه لي!"
1
توقف لحظة، مستغربًا انفعالها المفاجئ، و علق بنبرة هادئة:
+
"توقعت قبل أن أفتحها! هل تضعين داخلها صورة لكِ، أم لشخص مهم؟!".
6
بدت مرتبكة، مشوشة النظرات، أخفت أماراتها المضطربة، و حتى لا يجعل الحديث بشأن القلادة أطول، أردفت بسرعة:
+
"آسفة! سيد غرانت... أنا مرهقة، وينتظرني يوم آخر من العمل اللامتناهي! أريد أن أرتاح الآن".
+
تراجعت بخطوتين لا تمنحه فرصة للتعقيب، وأغلقت الباب في وجهه، و لم يهدأ قلبها حتى سمعت أزيز محرك سيارته يبتعد. أسندت ظهرها إلى الخشب البارد، و انزلقت ببطء حتى تهالكت على الأرض، و في اللحظة التي بدأت فيها دموعها تتساقط، تركت سموكي أريكة غرفة الجلوس التي كانت تتكور فوق ذراعها، و راحت تتمطّى بنعومة، قبل أن تزحف إلى ليـسا وتتمسّح بها، تربت على ذراعها بذيلها الناعم!
3
𓇼
+
