اخر الروايات

رواية عاشقة بأرض الاوغاد كامله وحصريه بقلم اسراء الوزير

رواية عاشقة بأرض الاوغاد كامله وحصريه بقلم اسراء الوزير



رواية (عاشقة بأرض الأوغاد)
الفصل الأول:
أشرقت الشمس كعادتها كل صباح مفترشة كبد السماء الصافية حيث لا غيوم تعكر صفو زرقتها في هذا المناخ الربيعي، تسللت أشعة الشمس واخترقت النوافذ والأمكنة قدر الإمكان، ومن بينها شُرفة غرفة واسعة المحيط، تقف فيها فتاة يافعة أمام المرآة تمشط شعرها ثم تبرمه على شكل ذيل حصان و هو شكل يتناسب مع الجينز الاسود والسترة الصفراء اللذين ترتديهما استعدادا للذهاب إلى الجامعة، وبينما كانت تنظر إلى انعكاسها على المرآة متأملة ملامحها الطفولية التي تكسوها البراءة وشعرها الأسود المتفحِّم والذي يصل إلى منتصف ظهرها مرورا بقوامها الممشوق الذي يكتسب جاذبية مع هيئة السترة عليه، قاطعها صوت طرقات الباب لتلتفت برأسها نحوه قائلة:
_ أدخل
فتحت الباب سيدة بعمر أربعيني بدينة بعض الشئ تقول بنبرة يتخللها الاحترام:
_ الفطار جاهز يا ست سارة وأدهم بيه و ست سهى مستنيينك تحت
عادت تنظر إلى هيئتها بالانعكاس بينما تقول بهدوء:
_ حاضر نازلة حالا
التقطت حقيبتها من الكومود المجانب للتسريحة وتأكدت من إضافة ما تحتاج من كتب وأوراق خاصة بالدراسة، أسندت حقيبتها على كتفها وأمسكت الهاتف بين أناملها ثم اتجهت للخروج ونزلت عبر الدرج حتى وصلت إلى حيث توجد طاولة الطعام الواسعة بمنتصف الصالون حيث يترأسها أخوها الأكبر أدهم _الوكيل عنها بأملاكهما والذي عمل على رعايتها منذ أن توفي والدهما وهي بسن العاشرة_ تجلس على يمينه زوجته سهى والتي اختارها لتنضم إلى أسرته قبل أربع أعوام بعد مرور وقت طويل على العزوبية حتى شارف منتصف العقد الرابع، مالبثت أن جلست حتى قالت بصوت يعلوه التفاؤل البادي أيضا بملامحها المشرقة:
_ صباح الخيير
التفتت إليها سهى وهي تجيب ببعض الضيق:
_ صباح النور، اى يا ستي مستنيينك من بدرى، عايزة عزومة!
نطقت سارة آسفة:
_ سورى خدت وقت في اللبس
حدج أدهم زوجته بنظرة ذات مغزى إشارة إلى الصمت بينما يردف بحنو:
_ حصل خير يا سارة يالا كلى
أماءت برأسها دون النطق بكلمة ثم شرعت في تناول الفطور، ولم تمر سوى خمس دقائق حتى وقعت عيناها على ساعة يد أخيها فأمسكت برسغه بسرعة وهي تقرِّب عينيها من عقاربها للتأكد من كونها قرأت الوقت بالضبط، فما كان منها سوى الهتاف مستنكرة:
_ ياربى انا اتاخرت اوى
ثم هبَّت عن الكرسي واقفة وبرمت قطعة من الخبز مع القليل من المربى ثم قالت مودعة:
_ سلام
وقف أدهم عن مكانه رافضا:
_ يابنتى لسة مخلصتيش أكل
أجابته على عجلة:
_ خلاص شبعت
نطق بتساؤل:
_ طب عايزة فلوس؟
قالت وهي تبتعد نحو الخارج:
_ ميرسى يا ادهم معايا، يالا باااااى
وخرجت بينما عاد أدهم إلى الجلوس تحت أنظار سهى الحارقة لدلاله لأخته الصغيرة ولكن كتمت ذلك وأجّلت النقاش فيه إلى وقته المناسب

في جامعة القاهرة تحديدا عند الحديقة التي أمام كلية الآداب، ركنت سارة سيارتها عند أحد الجوانب ثم التفتت إلى المقاعد الحجرية المرصوصة لتجد من ينتظرها هناك ممسكا بكتاب بين يديه يقرأ فيه باندماج ويبدو على معالمه الضيق والغضب، أسرعت إليه حتى وقفت أمامه ليتوقف بعدما استشعر ظلها، التفت إليها مع نظرات ثابتة يسكنها العتاب بينما تبادر معتذرة:
_ آسفة جدا جدا جدا متزعلش مني عــالتأخير
رفع رسغه أمام وجهه كي يريها الساعة بينما يقول معاتبا:
_ متأخرة نص ساعة يا أبلة، ينفع كدة؟
تحدثت بخفوت ترجوه:
_ آسفة يا خالد بليز ما تزعلش
سرعان ما لانت ملامحه مع نبرتها الطفولية التي دوما يعشقها والتي لا تنفك تغادر صوتها مكسبة إياها براءة آسرة، فنطق يقول مبتسما:
_ خلاص سماح المرة دي
ثم أشار إلى المقعد جانبه قائلا:
_ اقعدي
ما أن جلست حتى لحقت بهما فتاة خمرية البشرة ذات عينين سوداوتين تعلوان ملامح هادئة تقول مع ابتسامة مشرقة:
_ صباح الخير يا حلوين
التفتت إليها سارة ثم بادلتها التحية قائلة بسعادة:
_ صباح الفل يا أمال عاملة إي يا حبيبتي؟
_ تمام الحمدلله
ثم استطردت تقول:
_ كنت عايزة أقولكم حاجة
أنصت إليها خالد باهتمام بينما قالت سارة مستفهمة:
_ إيه؟
تحدثت أمال بحماس:
_ زى كل سنة حفلة الفالانتين السنة دى هينظموها الطلبة في فندق هيلتون، ناويين تشاركو صح؟
قالت الأخيرة محزرة لتجيبها سارة بتأكيد:
_ أكيييد
تحدثت امال بمرح:
_ ايوة يا ستى حقك تبقى واثقة كدة بتعرفوا تكسبوا فى المسابقة بتاعة الحفلة، الدور والباقي عليا انا
ضحكت سارة بخفة ثم قالت مازحة:
_ بزمتك مع شريف و تكسبى؟!
قالت امال بتعجب:
_ اهو كل حاجة بيعرف يعملها إلا الرقص
تكلمت سارة بضحك:
_ امال اتخطبتيله ليه؟
بهيام أجابتها:
_ بحبه
ثم سرعان ما استطردت تقول بغيظ:
_ ابعدين انتى مالك انتى؟ ايه الحشرية دي؟!
ثم ابتعدت سريعا نحو باب الكلية لتقف سارة وهي تقول بجدية:
_ أوبا شكلها زعلت اسيبك انا بقى عشان محاضراتى
قال خالد بابتسامة:
_ أوكي، سلام يا سارة

تم الاستعداد لحفلة عيد الحب السنوية و التي تقوم بإعداد ومشاركة من الطلبة الأغنياء ماليا وتكون الدعوة للجميع، وتتضمن برامجها الموسيقى والرقص والغناء مع أطعمة لذيذة وبعض الألعاب وما كان الأهم هو مسابقة العشاق حيث يقوم كل ثنائي بالرقص على أنغام موسيقى باختيار الشريكين، والجائزة للفائزين تختلف باختلاف كل سنة، علا صوت أحد المنظمين و هو يمسك بالمكبر أمام فمه قائلا:
_ اهلا وسهلا بيكم كلكم، السنة دى بقى فقرات مالهاش مثيل، يالا استغل انشغال الكل ولو عندك اعتراف لبنوتة هنا يبقى الحق قولها ومين عالم مش يمكن توافق تشاركك رقصة العشاق؟!
يالا اتبسطوووو
ومن بين الأصوات العالية والموسيقى تظهر سارة مع خالد بملابس فى غاية الأناقة والانسجام، حيث كانت تلبس فستانا بنفسجي اللون قصير الأكمام يصل إلى كاحلها في حين يلبس خالد بدلة سوداء مع قميص بنفس لون الفستان، جلسا عند أقرب طاولة وما لبث أن انضمت إليهما امال مع خطيبها شريف (طبيب حديث التخرج) أخذوا بتجاذب أطراف الحديث المختلفة في جو مفعم بالسعادة والبهجة حتى علا صوت أحد المنظمين مجددا وهو يقول:
_ ودلوقتي يا جماعة هنبدأ بفقرتنا الجديدة و كالعادة هنحدد الفايز منها الليلة، لما الشريكين يرقصوا على أغنية من اختيارهم و نشوف أفضل ثنائى متناغم عشان يفوز بجايزتنا النهاردة
تقدَّم الجميع للأداء مع أصوات الموسيقى الناعمة، فهناك من كان يؤدى بنجاح و هناك من كان يفشل ولكن كان الأجمل هو المشاركة بينهما بشئ غير اعتيادي في أغلب الأوقات، جاء دور خالد و سارة وتقدما حتى صارا بمنتصف المنصّة، فقال منظم الموسيقى متسائلا:
_ عايزين أغنية إي؟
نظر خالد بعيني سارة ثم قال مبتسما:
_ بتحدى العالم كله، لصابر الرباعي
ابتسمت سارة بخفة بينما اقترب منها خالد ثم حاوط خصرها بيده وبالأخرى أمسك بكفها الرقيق بين أنامله، بدأت الأغنية ومعها أخذ كلاهما بالرقص والتمايل بتناغم وقد أحسنا التدريب لهذه الرقصة جيدا، ينظر كل منهما للآخر بنظرات تملؤها اللهفة والاشتياق غير آبهين لنظرات من حولهما وكأنهما وحيدين لا يوجد غيرهما، ما أن انتهت الأغنية حتى توقفا وابتعدا لمسافة صغيرة وعلا تصفيق وصفير المشاهدين بحماس، اقترب خالد من فريق التنظيم وطلب مكبر الصوت، ما أن أمسك به حتى هتف يقول:
_ لو سمحتم قبل إعلان النتيجة عايز اقول حاجة
وقف أمام سارة التي تنظر إليه بتعجب منتظرة ماهية ما يريد قوله أمام هذا الحشد، بينما يجيبها حين جثى على ركبتيه وأخرج من جيبه علبة قطيفة لونها أزرق، فتحها وظهر منها خاتم ذهب ذا فص لازوردي لامع أدهش سارة والموجودين أيضا حيث ركزت الكاميرا لتعرض شكله، وتحت أنظارها الغير مصدقة يقول خالد بابتسامة واسعة:
_ علاقة حبنا فضلت 3سنين ورا بعض، بحب أما أفضل اهزر معاكى او ادايقك و تعملى نفسك زعلانة واصالحك، بحب فيكي نبرة الطفولة اللي ف صوتك بحب براءتك، بحب التفاؤل اللي دايما مالي عنيكي، بحبك وبحب حبك للناس، عشت معاكي أحلى أيام ف عمري، ودلوقتي جه الوقت اللي اقولك فيه:
_ تقبلى تتجوزينى يا سارة؟
سلطت حدقتيها بخاصتيه والسعادة تملأ عينيها بينما تقول بصوت مرتجف:
_ موافقة
وقف ثم ألبسها الخاتم فى بنصرها الأيمن وضجّت القاعة مع أصوات التصفيق والصفير كأداة لتشجيع الجميع لهما، وككل سنة تم إعلان خالد و سارة أحد الفائزين لهذا العام أيضا والجائزة كانت على هيئة تاج بسيط التصميم فضى اللون البسه خالد على رأسها

قاربت الساعة الحادية عشر، وتوقفت سارة بالسيارة أمام باب الفيلا، ثم التفتت إلى خالد الجالس جانبها قائلة بعتاب:
_ يعني لازم تنشّف دماغك وتيجي لحد البيت وبعدين تروح لوحدك؟ّ!
أجابها مبررا بجدية:
_ طبعا لازم، أضمن منين لقدر الله حد يطلع في الطريق يتهجم عليكي
حدقت به بعينين مشعّتين فرحا وقد عاد خالد ليذهلها بشهامته المعتادة، يخاف عليها ويرفض دوما رحيلها إلى المنزل بوقت متأخر دون مرافقته، فقد قام بما لم يهتم أخاها بفعله، تحدثت بدفء:
_ ربنا ما يحرمنيش منك يا حبيبي
ربت على كتفها قائلا بابتسامته المعهودة:
_ خدي بالك من نفسك
_ حاضر، تصبح على خير
_ وانتي من أهله
قال الأخيرة وهو يترجّل لتلوّح له سارة مودعة ثم تقود سيارتها إلى الداخل، في حين ابتعد حتى أوقف إحدى سيارات الأجرة المارة متجها إلى منزله
أما سارة فترجّلت عن سيارتها بعد أن ركنتها أمام باب المنزل ثم اتجهت إلى الباب الداخلي، وقبل أن تخرج المفتاح من حقيبتها تذكرت التاج والخاتم اللذين لا تزال ترتديهما، نزعتهما ثم خبأتهما بالحقيبة حذرا من أن يراها بهما أحد، ولجت إلى الداخل ثم أغلقت الباب بخفة واتجهت إلى الدرج، قبل أن تتسمّر مكانها مع صوت سهى القادم من المطبخ منادية باستنكار:
_ مش شايفة انه رجوعِك في الوقت المتأخر ده غلط؟!
ارتسمت معالم الضيق على وجه سارة التي استدارت وهي ترمق سهى بقتامة بينما تتحدث باختصار:
_ والله اللي يقرر حاجة زي كدة اخويا يا ابلة سهى، تصبحي على خير
ثم عادت لتصعد الدرج متجاهلة تلك التي تكاد تنفجر غيظا من تصرفات سارة الطائشة بمنزلها وقد صارت بحياتها مثل الشوكة العالقة بالحنجرة لن تتخلص منها بسهولة، وعلى الرغم من كون سارة لا تحب العداء مع أيٍ كان إلا أن أطماع سهى وما تنشد الوصول إليه يجعل سارة دوما العائق الأكبر أمام حلمها، فكانت الثروة هي الأساس الذي بنت عليه قصر أحلامها بعد فشل زواجها الأول بسبب الفقر!

في اليوم التالي، جاءت سارة إلى الكلية لحضور المحاضرات، وكان عليها أولا مقابلة خالد كما اعتادت يوميا وإلا صار يومها منتقصا بهجته بلقيا هذا الولهان، ابتسمت له بينما تلقي عليه التحية قائلة:
_ عامل اي يا حبيبي؟
مدّ لها بكوب من عصير الموز الذي تفضّله بينما يجيب:
_ تمام يا قلبي
تناولت الكوب من يده ثم جلست إلى جانبه وهي تفكر مليا بنبرته التي يعلوها الشرود فقالت متسائلة:
_ في حاجة ولا ايه؟
أجاب سؤالها بسؤال:
_ سارة إنتي كلمتي أخوكي عني ولا لسة؟
مطّت شفتيها بخيبة أمل ليصله الرد سريعا فيبادر بقوله مستنكرا:
_ إي اللي أخرك كده يا سارة؟
نطقت تقول ببعض التوتر:
_ يا خالد الموضوع وما فيه ان اخويا رافض اتجوز دلوقتي عشان اخلص الجامعة الأول، فقلت بعد حفلة التخرج على خير هفاتحه واقوله ان شاء الله
تنهد بهدوء ثم قال:
_ ان شاء الله
وبينما أطلق العنان لظنونه وقد خشي أن يكون صمت سارة سببه أن يعتقد أخوها بأن خالد قد يطمع في أملاكها، وهو الشئ الذي قد يدفعه إلى تركها فورا، فلن يقبل من الأساس تدخل أملاكها بالأمر بل عقد نيته بالإنفاق عليها من جهده لا غير ذلك، أجفل مع صوت سارة التي لحظت "الريست" المغلف رسغه الأيمن حيث تقول بحزن:
_ حبيبى إيدك وجعتك مرة تانى؟!
حانت منه التفاتة إلى رسغه ثم عاد ينظر إليها قائلا بحزن:
_ نفس الوجع من ساعة الحادثة يا سارة
أمسكت بيده ثم قالت بحنو:
_ سلامتك يا خالد الف سلامة
ثم أردفت بتحذير:
_ بس حاول متضغطش على إيدك بقى او بلاش شغل النهاردة خالص
أجابها مازحا:
_ بلاش كل الحرص ده يا سارة، وبعدين هقولك على حاجة
_ إيه؟
قالتها باهتمام فأخرج قلما من جيبه ثم كتب به على "الريست" تلك الحروف (K💓S ) لتتسع عينا سارة بينما يقول مبتسما:
_ اى رأيك شكله كدة احلى؟
نظرت إليه بسعادة وهي تقول:
_ ربنا ما يحرمنى منك ابدا
_ ويحفظك ليا يا حبيبتى
تم هذا المشهد على مرأى من شريف وأمال اللذان كانا يجلسان على مقربة منهما، التفت شريف إلى أمال قائلا ببعض الجديّة:
_ أول مرة اشوف بنت غنية بتحب بالشكل ده، ربنا يستر وماتكونش بتلعب عليه، خالد طيب ومش بتاع كسرة قلب
هزت أمال رأسها نافية بينما تقول:
_ لا خالص، سارة بالذات مختلفة عن كل البنات بتحب خالد من قلبها، الموضوع وما فيه ان خالد هو اللي علّم سارة الحب، قبل كدة ما كانتش تعرفه خالص!
حدق بها شريف بتساؤل بينما يقول متعجبا:
_ ازاي بقى؟!
ارتشفت أمال من فنجان القهوة الخاص بها ثم شردت مع سردها لحكاية سارة المفصَّلة

هبَّت عن مجلسها واقفة كمن لدغتها صعقة كهربية مؤلمة، حيث حدجت ذلك الواقف أمامها بكل ما للغضب والاستهجان من معنى، تنطق من بين صدمتها بغضب يضمر بداخله خوف شديد:
_ اي اللي انت بتقوله ده يا سليمان؟ انت اتجننت ولا ايه؟
زفر بتعب وقد وجد أنه سيأخذ وقتا بالشرح لها خاصة وقد أخبرها بما لم يكن في الحسبان، فنطق يقول بجمود مؤكدا:
_ اللي سمعتيه يا رجاء، انا اتجوزت عليكي وخلفت بنت، وأمها ماتت النهاردة وهي بتولدها
صرخت بهستيرية وهي تشير إلى الرضيعة الباكية على الكرسي هناك منزعجة من الصوت:
_ قوم جبتها لي هنا؟! وبعدين مين الحقيرة دي اللي اتجرأت تعمل كدة؟
نهرها بصوت مقتضب يحذرها:
_ حسك عينك سيرتها تيجي على لسانك
ثم نفث هواء حارا يكاد يحرق الأخضر واليابس من فرط الغضب المكبل بالألم مردفا:
_ نجاة الشغالة اللي انتي طردتيها لمجرد حسيتي بالغيرة منها، وماكدبش عليكي فعلا كنت حاسس بحاجة ناحيتها، بس هي فضلت شريفة ومحافظة على لقمة عيشها لحد آخر لحظة
صاحت متهكمة:
_ قوم روحت لها بنفسك واتجوزتها؟!
أجابها بنفس نبرتها:
_ وهو انتي لو كنتي اهتميتي بوجودي أكتر من الحفلات والخروجات اللي بتعمليها كان اي اللي يخليني أبص لبرة؟!
ترقرقت الدموع بعينيها بينما تقول بحروف مبعثرة بالكاد تُفهم:
_ وجايب البنت دي ليه دلوقتي؟ مش خلاص أمها ماتت؟!
أجابها بتلقائية:
_ بس ابوها لسة عايش، ومستحيل يقبل حقها يروح سواء كانت امها عايشة أو لأ
أخذت تقرع الأرض بحذائها ذا الكعب العالي محتجة:
_ بس انا يستحيل اقبل بوجود البنت دي ف بيتي
تحدث بحدة:
_ وانا ما باخدش رأيك، انا بقولك اللي هيحصل، وبالنسبة لوجودك فأنا نسيت انك موجودة أصلا
ثم أضاف مهددا:
_ وحذاري يا بنت هلال تقربيلها ولو شكة دبوس والله متهمة فيها حتى لو مالكيش دعوة، مفهوووم؟!
قال الأخيرة بنبرة يعلوها الوعيد لتنصرف بتثاقل متجاوزة باب الغرفة والغضب والحسرة ينهشان بعقلها بعدما طعن هذا أنوثتها بهذه الوحشية، أما عند سليمان فقد عاد ينظر إلى ابنته التي أراحها على الكرسي وقت الاعتراف، ليحملها بين يديه برفق شديد، قربها منه حتى لثَّم وجنتها الرقيقة وابتعد قليلا وهو ينظر لها بسعادة بينما يقول بدفء:
_ ما تخافيش يا حبيبة بابا، ماحدش هنا يقدر يأذيكي طول مانا موجود
ثم احتضنها بخفة وهو يقول:
_ انتي حبيبتي يا سارة
أطلق وعده بالمحافظة عليها وعدم التفريق بينها وبين أخاها مهما حدث، فلطالما كانت أمنيته بإنجاب فتاة صغيرة تريه كيف يكون الحنان وتكون مثل عبير العطر بهواء حياته القاتم، وقد رفضت رجاء إنجاب المزيد من الأطفال متعلّلة بالحفاظ على صحتها ورشاقة جسمها واكتفت بأدهم البالغ السادسة عشر الآن، فعلها وتزوج بفقيرة لا حول لها ولا قوة فصار لها الظهر والسند وصارت له المعشوقة الغالية، التي استشعر معها لذة الحب الحقيقي، وعاشا معا لذة انتظار المولود القادم والذي زاد من روابط الحب بينهما، وكانت راضية تمام الرضا على الإسرار بالزواج وأن لا تفتعل له مشكلة، وحين شعرت بأنها القاضية تلفَّظت بالكلمات الأخيرة فور خروج ابنتها للحياة:
_ حافظ على بنتنا يا سليمان
وخرجت معها روحها آملة تنفيذ طلبها، وكان قلب سليمان رحيما إلى درجة أن لا يتعهد أمام جثمانها بالوفاء فحسب، بل سيجهر بذلك أمام العالم دون خوف، ولن ينتقص من حقها ذرة، قَدِمَ بها إلى القصر حيث يجب أن تبقى ابنة سليمان الألفي

نطق شريف من بين ذهوله مستنتجا:
_ يعني أدهم ده مش أخو سارة الشقيق؟
أدارت رأسها نفيا بينما تكمل:
_ لا مش أخوها، ولا سارة مامتها بنت نسب عالي دي واحدة بسيطة جدا، طلعت لها سارة في نفس البساطة وحب الناس
ثم استرسلت تقول بحزن:
_ بس ما كانش الحب ده فــ قلبها زمان، بالعكس
قال متعجبا:
_ مش فاهم
أجابته موضحة:
_ سارة كبرت ولقت في فرق كبير في التعامل بينها وبين أدهم من مدام رجاء، ولإن أغلب الوقت كانت تقعد لوحدها فضَّلت حياتها مع الكارتون وانعزالها معاه، من بين كل الاطفال وحبهم للعب والتنطيط كانت سارة دي أكتر واحدة حياتها مع التليفزيون بس، كلامها قليل وفي الغالب ما بتتكلمش الا لو كانت جعانة، رجاء ماتت بعد اربع سنين من الموضوع ده في حادثة عربية، ماحسيتش بأي حاجة مع موتها لأن الوحيد اللي كان بيديها كل حاجة عايزاها هو باباها، لحد ما مات هو كمان لما كان عندها عشر سنين ووقتها بقت عدوانية جدا
صمتت للحظات ثم تنهدت بهدوء قبل أن تكمل بشئ من الشفقة:
_ ومن ساعتها حالة سارة اتدهورت جدا لأن أستاذ سليمان الله يرحمه كان هو اللي بيفهمها من غير حتى ما تتكلم، بدأت تظهر عدوانيتها وكرهها للبني آدمين وكان أكبر دليل على كدة انها طلبت تتدرب في نادي على الكونج فو عشان كانت حاطة ف دماغها ان الناس كلهم أعدائها وعايزين يهاجموها
عقد حاجبيه بدهشة ثم سرعان ما قال مستنكرا:
_ بس سارة مش كدة خالص علفكرة!
أجابته مع ابتسامة واثقة:
_ ده كان قبل ما تقابل خالد



الثاني من هنا 

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close