رواية عاشقة بأرض الاوغاد الفصل التاسع 9 بقلم اسراء الوزير
رواية (عاشقة بين الأوغاد)
الفصل التاسع:
وقفت عن المكتب بعدما أحسَّت بالنعاس وقد وجدت أنه لا مفر من الاستسلام له خاصة ولديها محاضرة بالغد تخصّ رسالتها الدراسية، توقفت إثر شعورها بألم خفيف انتاب معدتها فمسَّدت بطنها برقّة وقد ظنَّت أنه ألم يسبِّبه الجنين، دلفت بالمرحاض لعدة دقائق ثم خرجت وهي تجفِّف وجهها بالمنشفة بينما تشعر بالألم يزداد ولا يتراجع حتى ازداد الأمر مع نوبة سُعال مستمرة، أبعدت المنشفة عن وجهها قبل أن تفتح عينيها وهي تشعر بتفاقم الألم إلى حد لا يُطاق حتى لمحت بالمنشفة بعض قطرات الدماء! جلست أرضا بينما تحتضن بطنها المنتفخ بقوة مُحاولة التخفيف من حدَّة الألم حتى أفزعتها كمِّيَّة الدماء التي خرجت من جوفها فاستلقت أرضا ثم بدأت بالصراخ وما عادت تحتمل الكتمان:
_ آاااه الحقووووووني
مع صراخها المتتابع مُستنجدة استيقظ الخدم بالفيلا رجالا ونساءً فصعدت اثنتان فقط هما سيدة و هنية اللواتي فتحن الباب ليجدنها مُتمرِغة بين دمائها اللامتناهية، أسرعت إليها هنيّة حتى جلست على الأرض ثم بدأت ترفع رأسها عن الأرض هاتفة بقلق:
_ اهدي يا ست سارة
أخذت سارة في إفراغ المزيد من الدماء بينما تنطق بألم:
_ هموووووت
أسرعت سيدة إلى الهاتف ثم قالت والهلع باديا بنبرتها:
_ أنا هتصل بسي أحمد
بعد محاولات متكررة من الاتصالات التفتت إلى هنيَّة قائلة بانزعاج:
_ يوووه سي أحمد تليفونه مقفول، أعمل إي دلوقتي؟
صاحت هنيَّة بينما تجفِّف الدماء عن فم سارة بفزع:
_ اتصلى بأيَّ حد، دي هتموت مننا
نزع خالد نظارته الطبيَّة ثم وضعها على سطح الكومود استعدادا لنيل قسطٍ من الراحة قبل العودة إلى المكتب ومباشرة الأعمال الشاقَّة من جديد، قبل ان يجلس على السرير أتاه صوت الهاتف ليلتفت وسما إليه، تحرَّك نحوه ثمَّ طالع شاشته ليجده رقما غير محفوظ، خمَّن كونه لعميل جديد يريد الاستفسار عن مسألة قانونية ولكن ما سبب اتصاله في هذه الساعة المتأخرة؟! سحب زر الإجابة بدون تضييع الوقت في التخمين، ثم نطق بعبارات مختصرة:
_ ألو....
لحظات عديدة مرَّت بسلام قبل أن يقطعها خالد هاتفا بفزع:
_ إيييييه؟! طب انا جاي حالا
ألقت سما الكتاب الذي كانت تقرأه جانبا قبل أن تقف عن مكانها لتجد خالد قد بدَّل ثيابه في أقل من دقيقة بينما يخرج مهرولا وهو يعقد أزرار قميصه، صاحت سما والفزع باديا بصوتها:
_ رايح فين يا خالد؟
هتف يجيبها بينما ينزل خطوات الدرج عاديًا:
_ مش وقته يا سما سارة بتموت
ولقرب المكان لم يستغرق خالد بسيارته أكثر من عشر دقائق حيث قرع جرس الباب بتهوّر، فتح أحد الخدم سريعا ليبادر بسؤاله بهلع:
_ سارة فيين؟
أجابه الخادم مشيرا إلى الأعلى:
_ فوق يا بيه، تعالى معايا
صعد إلى الأعلى تحت إرشاد الخادم حتى وصلا غرفة سارة ليصيب الفزع قسماته حين رآها تتلوَّى من الألم غارقة في دمائها والخادمات يحاولن تهدئتها، شعر حقَّا بكونها في خطر قد يودي بحياتها وعند هذا الحدّ لم يطق الانتظار بل أسرع كي يحملها عن الأرض ثم خرج من الغرفة وبدأت سارة بالتشبث في قميصه بينما تنطق من بين آلامها بوهن:
_ أنا هموت يا خالد، سامحني أرجوووك
وصلا إلى السيَّارة فأدخلها بمساعدة الخادم بالمقعد الأماميّ ثم أجابها قبل أن يبتعد عنها بتأكيد لا يخلو من الخوف:
_ لا يا سارة انتي مش هتموتي ماتخافيش
تحرَّك حول السيارة ثم احتلَّ مقعد السائق وبدأ بالقيادة بسرعة جنونية مُصدرة صوتًا مخيفا بسبب احتكاك عجلات السيارة بأسفلت الطريق، وكان خالد ينتبه لسارة كل دقيقة وكلما أغمضت عينيها يهزّ كتفها بقوة كي تستفيق ولا تستسلم للّاوعي ويكون إنقاذها صعبا حينها، كان ينظر إليها ناطقا بقلق:
_ فوقي يا سارة أرجوكي
وبينما يحاول إفاقتها فاجأه ظهور سيارة من العدم مضادّة لاتجاهه فيترك منكب سارة ثم يحيد بالاتجاه الآخر حتى أوقف السيارة بسرعة ثم التفت إلى سائق السيارة الأخرى مزمجرا بغضب:
_ مش تفتح يا حيواااان!
عاد يُدير المفتاح ليعود إلى سرعته من جديد وقد أصابه الجنون لمجرد التفكير بفقدها، بعد مرور عشر دقائق وصل إلى المشفى فترجَّل منها ثم عاد بعد لحظات مع فريق من الممرضين ليأخذوها على "الترولي" منتقلين بها إلى قسم الطوارئ، ولكن أحدث موظفوا الاستقبال عقبة أمام دخولها حيث أردف أحدهم مُحدِّثا خالد بحزم:
_ متأسفين يا فندم بس لازم تكمل البيانات دي الأول ونعرف مصدر الإصابة
هدر خالد وقد برزت عروقه من فرط الانفعال:
_ انت بتهزر؟هتموت مني و تقولي بيانات؟! دخّلها الاول
أجابه الموظف نافيا:
_ ماينفعش يافندم لازم.....
بتر كلمته بعدما سدَّد له خالد لكمة أصابت أنفه وجعلت الدماء تنفجر منها حتى وقع أرضا أمام بقية الموظفين، حدَّق بهم خالد بعينيه البركانيتين ناطقا بتوعّد:
_ يارب الاقى حد اتكلم تاني
ثم التفت إلى طاقم التمريض الذي كان يشهد الأمر والخوف يغلِّف ملامحهم فأفزعهم بصوته ناهرا:
_ وانتو مستنيين ايه؟ خدوها يالا
أخذ خالد يمشى مع "الترولى" بينما يمسك بيد سارة التي تستنشق أنفاسها بصعوبة فيقول بذعر:
_ اهدي يا سارة خلاص هتكوني بخير
دخلت سارة بغرفة العمليات بينما بَقِيَ خالد بالخارج منتظرا تاركا فرصة للقلق كي ينهش بثباته، بدأ بملء البيانات المؤجلة ثم وقف عند الباب ولم يحرِّك ساكنا بينما يرقب عبر النافذة الزجاجيّة ما يقوم به الفريق المسعف لإنقاذها، لم يرَ سوى وجه سارة المُكبَّلِ بجهاز تنفسيّ والوهن باديا بقسماتها، لم ينقطع أو يرمش له جفن حتى مرت ساعتان دون أن يجلس ويريح جسده المنهك إثر انفعاله المتزايد، أسرع يبتعد عن الباب حين لَحِظَ اقتراب أحدهم من الباب، ما أن خرج حتى أسرع خالد يسأله بلهفة يسكنها القلق:
_ طمني يا دكتور عاملة إيه؟
رمقه الطبيب من رأسه حتى أخمص قدميه قبل أن يقول مخمِّنا:
_ إنت جوزها؟
أخفض بصره للحظات وقد أصابه التوتر من هذا السؤال وبغتته؛ فإن نطق بالإيجاب سيكون كذب وقد يُزعج أحمد، وإن نطق بالحقيقة سيتم فهمه وهي بالخطأ خاصة بعد الجلبة التي أثارها والرعب الذي امتلكه، فنطق يقول بتلعثم:
_ أ أيوة يا دكتور، طمنِّي
أجابه الطبيب بنبرة هادئة اقرب إلى الأسف:
_ دي حالة تسمّم وهنحتاج نعمل عنها بلاغ لمَّا تفوق
جحظت عيناه بصدمة بعدما لاح إلى مسمعه بينما بدأ الفزع يتسلَّل إلى ملامحه حيث عاد يسأل بروع:
_ هي، هي كويسة يا دكتور؟
أجابه بإيماءة من رأسه قائلا:
_ هي الحمد لله كويسة، بس هتحتاج دعم منك الفترة دي
ثم استرسل بخيبة أمل:
_ لإن للأسف ماقدرناش ننقذ الجنين
اعتصر خالد عينيه وقد شعر بألم هذا الخبر المُفجع كما احتلَّ الوجوم معالمه بينما يقول بثبات ظاهري:
_ واقدر ادخل لها إمتا؟
_ لمَّا ننقلها فــ أوضة عادية كمان ساعة
_ شكرا يا دكتور
ذهب الطبيب إلى حاله بينما بَقِيَ خالد ثابتا أمام الباب حتى رأى مُمَرِّضَين يجرَّان "الترولي" الذي كانت تنام عليه سارة والإجهاد يكسو وجهها، نظر نحو وجهها بحزن وقد تملكته الشفقة لحالها، فما أسوأ من خسارة الابن؟!
دلف إلى الغرفة بعدما نال الإذن لذلك ليجدها لا تزال على حالها نائمة بفعل المخدر بينما تلتقط أنفاسها بصعوبة، وبدأ المُخدِّر بنفاذ مفعوله وبدأت معه أعراض الهلوسة حيث يستفيق الفرد دون أن يستفيق، بمعنى أن يبدأ بالكلام ولكن دون وعيٍ بما يجب قوله فيبدأ بلفظ كل ما يجول بخاطره من أحداث أجرت مفعولها بخطِّ سير حياته، بفستان أبيض طويل كانت تقف بطريق صحراوي غريب لا بناء فيه ولا بشر، أخذت تتلفَّت حولها باحثة عن ملجإٍ أو عزيز يرشدها لطريق المنزل حتى توقَّفت سريعا ما إن وجدت والدها يقف أمامها وابتسامة هادئة تُزيِّن ثغره حيث اقترب منها بضع خطوات حتى مدَّ كفَّه ليمسِّد برقِّة على وجنتها الورديَّة، ابتسمت بسرعة وقد وجدت الإنقاذ أخيرا، ومن أفضل من والدها للإنقاذ؟! نطقت تقول بفرحة واشتياق:
_ وحشتني أوي يا بابا
أجابها باسما:
_ إنتي كمان يا حبيبة بابا، جيت أسلم عليكي قبل مامشي
انفغر فاهها واختفت ابتسامتها حيث تُردف بقلق:
_ تمشي فين؟
أجابها ولا زالت البسمة تعلو شدقه:
_ ماما طالباني ولازم اروح لها
تشبثت بيده بسرعة بينما تقول راجية:
_ خدني معاك ليها
ابتسم لسذاجتها في السؤال فأجابها بجدية:
_ لسة بدري يا حبيبتي، إنتي مكانك هنا
تحدثت بنبرة أقرب إلى البكاء:
_ العالم هنا وحش أوي يا بابا، ماحدش فيهم هيبقى حنين عليا أدَّك
رفع أحد حاجبيها بينما يردف متعجبا:
_ مين قال كدة؟! أكيد طبعا في اللي هيعاملك أدي وأحسن مني كمان
نطقت بلهفة:
_ مين ده اللي ممكن يبقى حنيِّن زيَّك؟!
أشار نحو أحد الجهات لتنظر باتجاه سبابته فترى شابا يوليه ظهرها متقدِّما نحو الأمام دون أن تتبيَّن وجهه، بينما تحاول تخمين هويَّته اقترب والدها أكثر حتى همس إلى جانب أذنها بنبرة واثقة:
_ هو ده اللي هيحبك ويخاف عليكي أدي، روحيله قبل ما يبعد
حادت ببصرها لتعود إلى والدها ولكن أصابتها الدهشة حين وجدته اختفى! فعادت تنظر باتجاه الفتى الغامض هناك لتبدأ بالتحرك صوبه وقد لاح الذهول على محياها، تود الوصول إلى هذا الذي أوصى والدها بضرورة بقائه في حياتها حتى تجد الملجأ والأمان، بينما تقول بحماس:
_ يا ترى مين إنت عشان بابا يديك مكانه؟
ولقد كان صوت والدها في مُخيِّلتها فقد إنما ما كان حقيقيا ويحدث بالواقع هو صوتها هي، حيث كل إجابة تلفَّظت بها سمعها خالد الذي أرهف السمع نحوها مُنتظرا كحالها معرفة هذا الغامض الذي _كما فهم_ سيحمل اللواء من والدها بالمحافظة عليها، بالتأكيد هذه محادثة بخيالها ولكن تحمل بطيَّاتها الواقع نفسه
أخذت تسير دون انقطاع حتى أوقفتها رؤية فتاة يافعة تبلغ من العمر ما يقارب السادسة عشر، توجد كدمة بيسار جبهتها كما لاصقة طبِّيَّة بذقنها ترمق سارة بغيظ، فحدجتها الأخيرة بنظرات مشتعلة وقد نسيت هدفها بالبحث ثم قالت بنبرة زاجرة:
_ إللي فــ وشك ده حاجة قليلة بالنسبة لشتيمتك لماما
نطقت الثانية من بين أسنانها بغضب مكتوم:
_ هي خدّامة واستدرجت باباكي عشان يتجوزها
هتفت سارة بنزق:
_ عمرها ما كانت خدامة، دي أميرة طيبة جاهدت لآخر نفس عشان أطلع للنور وبكل حب دفعت حياتها تمن عشان أعيش انا!
لم تلتفت لكلماتها المُثنية بحقِّ والدتها وإنما أكملت بسماجة:
_ طمعت في الفلوس، ودفعت التمن حياتها عشان الفلوس مش عشانك
هدرت بغضب:
_ إخرســـــــي
ثم اندفعت نحوها كي تُلقِّنها درسا ولكن فجأة اختفت!
أماء خالد برأسه متفهِّما وقد تذكَّر هذه الحادثة من لسان سارة حيث أخبرته بشأن فتاة صادقتها تُدعى دعاء، أحبتها إلى درجة أن أخبرتها بسر والدتها وكونها ليست شقيقة أدهم، وخُيَّل إليها أنها ستحفظ السر، ولكن مع أول مشكلة دارت بينهما بسبب امتناعها عن مساعدتها في الامتحان، استغلَّت دعاء ذلك وفضحت أمرها أمام الفتيات بشكل آخر عن طريق سبِّ والدتها ممَّا دفع سارة إلى تعليمها درسا لن تنساه، ثم انتقلت بعد ذلك إلى مدرسة جديدة بمساعدة أدهم، وهذا الموقف كان من أكبر الأدلة التي دفعتها إلى عدم الثقة بالناس، ظنَّ أن هذه أكذوبة بعد ما حدث قبل أربع سنوات، ولكن ما دام سمع هذا في فترة اللاوعي فهي حتما كانت صادقة! ولكن كيف أخبرته بذلك اليوم المشؤوم أنها لم تكن مريضة أو عدائية؟! يحتاج إلى المزيد من التوضيح ولابد من انتظار إكمالها حيث ينكشف التبرير!
لمَّا وجدتها اختفت عادت تنظر باتجاه الغامض لتراه لا يزال موجودا ولكن يتقدم للأمام دون الالتفات إلى الخلف، تنهدت بتعب ثم قررت أن تقتفي أثره حتى توقفت من جديد حين وجدت ساندي ورامي ينظران لها ببغض شديد فتحدَّثت من بين أسنانها وهي ترمقهما بمُقت:
_ ربنا هيوريكم على اللي حاولتوا تعملوه فيا، الحمد لله
ظلَّ خالد على حاله من عدم الفهم حيث انتقلت إلى مكان جديد دون توضيح بماهيَّة البشر فيه، أجفل مع صوتها هاتفة:
_ إستنى بقى، ليه بتمشي بسرعة كدة؟ وليه مديني ضهرك؟ أنا عايزة اشوفك
من هذا الذي يوليها ظهره ويرفض أن تراه؟! أيعقل أن يكون الغامض؟! عاد يستمع إليها وكل حواسه منصب اهتمامها معه حيث بدأت بالركض خلف هذا الغامض حتى أوقفتها أمال التي تقف جانبا ترمقها بسعادة بينما تمسِّد على بطنها المنتفخ وقد أثقل حملها، التفتت إليها سارة ثم سرعان ما سكنت ملامحها برؤية رفيقة العمر فاقتربت منها ثم نطقت بحب:
_ أمال حبيبتي وأختي اللي ماجابتهاش أمي، بحبك وبستنى أما تيجي من السنة للسنة، وبعد ما بتمشي بزور مامتك وأختك علطول
أجابتها بابتسامة واسعة دون كلام فلفت انتباه سارة بطن أمال لتقول بسرور:
_ أنا كمان هيجيلي بيبي قريّب
امتقعت ملامح خالد مع لفظها الأخير، هذه المسكينة التي لم تتلقَّ خبراً بالفاجعة المؤلمة بعد! كانت تنتظره على أحر من الجمر ولكن حدث ما جعلها تخسره!
وضعت يدها على بطنها لتلاحظ أن الانتفاخ الذي كان يميِّز شهرها السادس قد اختفى! أخفضت بصرها إلى الأسفل لتجد نفسها بلا الجنين الذي كانت تنتظره قبل ستة أشهر! عادت ببصرها إلى أمال بينما تردف بقلق:
_ إبني فين؟! كان موجود فــ بطني، راح فيـــن؟!
اقتربت منها أمال بمقدار خطوتين قبل أن تشير بيدها باتجاه الغامض المُكمل في سيره بينما تقول بنبرة تاكيدية:
_ روحي اسأليه هو
سلَّطت سارة بصرها عليه للحظات بينما تقول متعجبة:
_ ازاي يعني هو عارف ابني فين؟
همَّت لتنظر باتجاه أمال ولكن كغيرها وجدتها اختفت! عادت لتنظر إلى الغامض فوجدته لا يزال موجوداً! إنه لأمر يثير الحيرة والعجب، تركض خلفه محاولة اللحاق به ولكن دون جدوى؛ فكلما اقتربت زاد في البعاد وكلما توقَّفت تسمَّر مكانه وكأنه يأبى الفراق ولكن يوجد ما يمنعه! نفذ صبرها وما عادت تستطيع الإكمال فهدرت بثورة:
_ أبعدين بقى أقف ووريني وشك، تعالى وخدني معاك وجاوبني على كل أسئلتي
أجابها بالطاعة كي يمنحها الراحة التي تنشدها ويزيح كومة الأسئلة المتناقضة عن ذهنها، فتوقَّف ثم بدأ يستدير بهدوء لتُصيبها الصاعقة الكبرى مع رؤية وجهه، فهتفت بدهشة:
_ خــــالد؟!
اتسعت عينا خالد بعد سماع هتافها باسمه، تُرى هل هو خالد الصاوي أم آخر يحمل نفس الاسم؟، بالتأكيد ابن الصاوي فلا يوجد بحياتها خالد آخر، ولكن التساؤل الأهم، هل هو فعلا من سيتحمَّل أمر سعادتها وابتسامتها؟! هل هو نفس الغامض الذي لم يختفِ من أمامها مع تواتر الأشخاص المختلفين في عقلها، ولِمَ هو بالذات وعلى حدِّ علمه أنها لم تحبه بل كانت تحتال عليه فقط؟! أيعقل أن ذلك إثر شعورها بالذنب نحوه؟!
عقد جبينه بتساؤل وقد وجد حلقة مفقودة هنا، فقد تذكرت كل من كان يقربها من صغير إلى كبير، ولكن العجيب أن لا تذكر أدهم أو سهى أو أحمد زوجها! لِمَ لمْ تقابل أحدهم إلى الآن؟!
شرعت في الركض نحوه والبهجة تُغلف معالمها بينما يحدجها هو بنظراته المحبة حتى فتح ذراعيه منتظرها أن تقع بأحضانه ولكن بدون إرادتها وجدت نفسها بمكان آخر تعلوه الظُلمة فقط القليل من الضوء المنبعث من ثقب صغير فيها، أخذت تتلفَّت حولها وقد أصابها الذعر من هول ما ترى في هذا المكان الموحش، نطقت من بين خوفها بجزع:
_ خالد! خالد إنت فييين؟! خالد أنا خايفة أوي هنا
أجفلت حين وجدت بطريقها أخاها أدهم الذي كان يرمقها بنظرات بركانيَّة ينطلق الكره من شرارتها، فتكلمت بخوف:
_ خرجني من هنا يا أدهم، أنا خايفة أوي
أجابها مع بسمة سمجة في زاوية فمه:
_ مكانك هنا يا سارة، ليه عايزة تبعدي؟!
أخذت تهزّ رأسها معترضة بينما تقول بتصميم:
_ لأ لأ يستحيل أكون هنا
ثم أخذت تتراجع إلى الخلف ببطء بينما تقول باشمئزاز:
_ إبعد عني يا تاجر المخدرات انت، إوعى تلمسني حتى!
رفع خالد أحد حاجبيه متعجبا والدهشة تكسو ملامحه حيث ارتسمت علامة استفهام بعقله حول ماهية صاحب هذا العمل، تجارة المخدرات! لقد كانت تُحادث أخاها فماذا حدث لكي تنطق باسم تاجر مخدرات؟! هل هو أخوها؟! أيعقل أن أخاها يعمل بتجارة المخدرات وليس بإدارة الأعمال فقط كما ظنّ؟!
وبينما تتراجع إلى الخلف عازمة الهروب اصطدم ظهرها بجسد يخص إحداهنّ فالتفَّت سريعا لتجدها زوجة أخيها سهى التي تطالعها والخبث يشعّ من عينيها، قالت ما أن استحضرت انتباه سارة بتعجب:
_ ليه بتقولي كدة يا سارة؟ مكانك وسطنا يا حبيبتي
تحدثت سارة باحتجاج:
_ لا أنا يستحيل اعيش معاكم في الضلمة دي! سيبوني أعيش مع خالد حبيبي!
هل اقترنت الآن كلمة "خالد" مع "حبيبي"! هل هو يتوهَّم أم أن اشتياقه لسماع هذه الكلمة وصل إلى مرحلة غير معقولة؟! لابد من الإيضاح وإلا سيصاب خالد الحقيقي بالجنون حتما من هذه الأحداث المتناقضة! فمن ناحية تكرهه واختارت فراقه بالواقع، ومن ناحية تقول أنه حبيبها وتريد الذهاب إليه بعقلها! فأيهما صادق؟!
_ مالكيش حبيب غيري أنا يا سارة
انبعثت هذه الكلمات من الخلف مما جعل سارة تستدير لتجد أحمد الذي ينظر إليها والبرود يسكن بعينيه نحوها فلا يرى مشاعر حقيقية نحوها، أجابته بتبرم:
_ لا إنت مش حبيبي، إنت إنسان مرتشي وخاين ما بتحبش الا نفسك والفلوس أول همَّك، سيبتني مع ابنك ودلوقتي ضاع!
مَن هذا الآخر الذي تطلق عليه لقب مرتشي؟! هل هي في عصابة أم بدأت تهذي بخرافات لا تمتّ للواقع بصلة؟! ففي البداية كانت تتحدث بشكل صحيح وسير الأحداث يمشي بمنطقيَّة، ولكن الآن بات يشعر بأنها مُتأثرة بالأفلام حتى باتت تُقلِّدهم! أراد القيام وفعل شئٍ جديد ولكن استوقفه هتافها باستغاثة:
_ خاااالد!
كان ذلك حين وجدت نفسها بأرض الأوغاد الثلاثة يحاصرونها بهذا المكان المُظلم ويجبرونها غصبا على البقاء فيه والانتماء إليه ولكن عقلها يأبى الخضوع بينما قلبها يرجوها ان تنظر إلى مكان السطوع، مكان بصيص النور الذي سينقذها من هذا المستنقع بالتأكيد، سارت إلى هناك متجاهلة نداءات هؤلاء الأنذال حتى وصلت إلى حيث يوجد الباب الغير مُغلق فجذبته إلى الداخل لترى النور من جديد وخالد يقف عنده يرمقها ببهجة فهتفت بحماس باسمه، أجابها بنبرة حانية بعثت الطمأنينة بقلبها بعد كل هذا الجدال مع الأوغاد:
_ سيبك من كل ده وتعالي معايا، أنا اللي هعرف احميكي واحافظ عليكي زي ما قال باباكي، انا اللي هعرف اوصلك لابنك زي ما قالت أمال، وانا اللي هعرف انقذك من كل اللي جوة دول
نطقت من بين ذهولها بتساؤل:
_ إزاي؟
أكمل موضحا:
_ أنا هحميكي زي ما باباكي زمان كان بيحميكي، وانا اللي هعرف أخلصك من كل الأغاد دول لإني دلوقتي قوي ومش سهل يوقعوني، هعرفك فين ابننا بمجرد ما تبقي معايا لإن قدر أولادك يكونوا من صلبي أنا
اعتلت البهجة وجهها وقد وجدت بالفعل السكينة من حديثه الناعم لتقول بسعادة:
_ وانا موافقة يكون ولادي منك، أرجوك طلعني من هنا وخدني معاك
مدَّ يده لها ثم أشار لها بعينه كي تمسك بها وبالفعل أطاعت وأمسكت بيده حتى خرجت من هذا المكان الذي يشبه القبر من كمِّ ظلمته والأفاعي التي تسكنه، ظل يرمقها بنظرات عاشقة بينما تعلو الابتسامة شدقها والسعادة ترفرف حولها، ولكن سرعان ما تلاشت هذه الابتسامة مع صوت أدهم من الداخل متوعِّدا:
_ ماتحاوليش تقابليه وإلا نهايته على إيدي، أنا بحذرك
أصابها القلق بطريقة فجائية بعدما فهمت مقصد أخيها والكابوس الذي يذيقها إياه منذ أربع سنوات، نفضت يدها عن خاصة خالد بسرعة ثم قالت بامتناع:
_ لأ
حدجها خالد بنظرات مشدوهة بينما يقول متعجبا:
_ لأ إيه يا سارة؟!
أخذت تتراجع ببطء نحو الباب بينما تقول بألم:
_ إبعد عني يا خالد
عقد حاجبيه بعدم فهم ثم نطق بخوف وقلق على حالها الذي تغيَّر فجأة:
_ إيه يا سارة ده أنا حبيبك، عايزاني أبعد ليه؟!
أجابته هي تتراجع للخلف بهستيرية:
_ لأ إنت مش حبيبي، إنت لازم تبعد عني وإلا هتموت
عاد يقترب منها بينما تبتعد الضعف فيقول مطمئنا:
_ مش هيحصل لي حاجة يا سارة، خليكي معايا واطمِّني
صرخت بإصرار:
_ لأ هيأذوك بمجرد ما تحاول تقرب مني، إبعد يا خالد، إنت حياتك أهم عندي، واعرف إني بحبك ومش هحب غيرك بس همَّا مش هيسمحوا بالحب ده!
ثم أسرعت تركض إلى الداخل عائدة حيث يوجد ثلاثتهم وما أن رأت خالد يعدو خلفها كي يدخل ويحضرها أسرعت بغلق الباب بقوَّة كانت كفيلة لتجعلها تشهق بصوتٍ عالٍ في الحياة الواقعيَّة، مما جعل خالد ينتفض من مكانه واقفا وقد أصابه الهلع لأجلها ولكن كانت تلك آخر ما ذكرت في عقلها الباطن فعادت إلى النوم والسكون، هدأت خفقاته بعدما اطمأن على هدوئها بعد هذا التشنج والعصبية في العالم الآخر، فما كان منه سوى أن يترك المكان مانحا لها الراحة وقد اكتفى وما عاد يريد سماع المزيد، خرج ثم اتَّجه إلى مكتب الاستعلامات حيث استأذن أن يطلب مكالمة فهاتفه منسيُّ بالمنزل، وضع الهاتف على أذنه بعدما ضغط بعض الأرقام عليه حيث نطق ما أن أجاب الطرف الآخر:
_ أيوة ياحمد معاك خالد....
أخبره بما حدث منذ إتيان هاتف الاستغاثة قبل أربع ساعات ومرورا بإيصالها للمستشفى ووصولا لفقد جنينها إثر التسمّم الذي أصابها عبر أحد الأطعمة، ما أن أغلق الهاتف حتى زفر بخفوت قبل أن يخرج من المشفى ويستقلّ سيارته عائدا إلى البيت، وأثناء طريقه للعودة بدأ بربط الأحداث عبر ما توهَّمت سارة عن طريق الهلوسة، ففي الحقيقة لا يوجد شئ مما أخبرته به قبلا كان خطأ خاصة وقد بدأت بذكر كل ما يحدث دون وعيٍ منها، يرى أن هناك تناقضا في الأحداث، فمن جهة أخبرته أنها لا تحبه وتسخر من فقره، ومن جهة ثانية كان هو الفارس الأول الذي أشار نحوه والدها وأوصى بضرورة قربه! ومع تواتر الأحداث بدأ الخطر يداهمها مع خوفها من مكان ما، هذا المكان يوجد به أدهم وسهى وأحمد، ثم بدأت بالتلفّظ بعبارات غريبة؛ منها تجارة المخدرات والرشوة والخيانة ولا يعلم حقا صلة ذلك بمن حولها، ثم انتقلت بعد ذلك إلى حديث غراميّ بينها وبين خالد الوهميّ انتهى بانتفاضها وابتعادها سريعا مع ذكر أن هذا الأفضل لحياته، ما هذه المتاهة الغريبة؟! إلى أين أرادت سارة الوصول؟! جحظت عيناه فجأة وقد لاح إلى ذهنه احتمال استطاع عبره ربط كل حبال الأحداث الناقصة، فضغط على المكابح سريعا لتصطك العجلات بالطريق بينما يرتدّ بجسده إلى الأمام، أراح ظهره إلى الخلف ثم قال في نفسه مُخمِّنا:
_ إللي ممكن يتاجر في المخدرات هو أدهم واللي ممكن يرتشي أحمد زي ما كُنت شاكك فيه، وأكيد حصلت مصلحة بينهم هما الاتنين عشان يعرف يمشيله شغله وعشان كدة اتجوز سارة، بس من كلامها معاهم في الحلم واضح إنها مش راضية أصلا على حياتها، مش زعلانة عشان شافتني زي ما كنت فاكر! وبرضه من كلامها وتخيلاتها فهمت انها بتفكَّر فيا يبقى ازاي قالت لي من اربع سنين انها مابتحبنيش؟! وكمان لما قالت انها لازم تبعد وحياتي أهم يبقى ده معناه انهم هددوها بحاجة تخصني! مالهاش تفسير غير كدة!
ثم استرسل والألم يقبع على صدره مندهشا:
_ يعني معقول يكون اللي عملته سارة ده كان تمثيل عشان تنقذ حياتي مش أكتر؟!
