اخر الروايات

رواية عاشقة بأرض الاوغاد الفصل العاشر 10 بقلم اسراء الوزير

رواية عاشقة بأرض الاوغاد الفصل العاشر 10 بقلم اسراء الوزير


رواية (عاشقة بأرض الأوغاد)
الفصل العاشر:

أشرقت الجوناء الذهبيّة معلنة بدء يوم جديد مليئ بالجديد لأبطالنا، افترشت كبد السماء حتى شعَّ ضوؤها بمنتصف الكرة الأرضيّة، أخذت جدائلها الذهبيّة في الوصول إلى أبعد الأمكنة، حتى داعبت إحداهن رموش هذه النائمة والقلق يغلف ملامحها البريئة، فتحت عينيها وقد استفاقت لتجد نفسها مُدثَّرة متسطحة على السرير الذي تشاطره مع خالد، نهضت سريعا ثم أخذت تتلفّت حولها والعجب يعلو ملامحها حيث كانت تنام على السرير وآخر ما تذكرته بالأمس أنها غفت على الأريكة التي تتوسّط الصالون أثناء ساعات انتظار عودة خالد، فكيف انتقلت إلى هنا؟ ايعقل أن خالد عاد وحملها إلى هنا؟ نزعت الغطاء عنها ثم وقفت عن السرير سريعا مُتجهة إلى باب الغرفة وفي اعتقادها أن خالد بالخارج ولكن توقفت فجأة بعدما لحظت بعض الملابس ملقاة أرضا وبعض الدماء تخضِّب القميص الأبيض خاصته، اقتربت منه ثم انحنت كي تمسك به ليدبَّ الفزع بأوصالها بمجرد أن لاح إلى مخيلتها كون سارة قد تكون توفّيت كما قال خالد وهو يخرج مهرولا، أيعقل أنه ذهب لإغاثتها ولم يستطع إنقاذ حياتها؟ أجفلت مع صوت مقبض باب الحمام حيث التفتت إليه لتجد خالد خارجا منه وهو يرتدي البرنس الخاص به بينما يقطر الماء من خصلات شعره الكثيف ويحتل الوجوم معالم وجهه، اتّسعت عيناه ما أن وجدها مستيقظة ولم يكن بحسبانه أن تصحو قبل ذهابه ويضطر إلى استقبال تساؤلاتها المتكررة، حيث يريد تأجيل أي نقاش الآن فليس على استعداد بعد للكلام، ولكن لن يستطيع تحقيق هذه الغاية مع كل أسف، ألقت القميص أرضا ثم أسرعت إليه راكضة حتى وقفت مقابله وربتت على كتفه قائلة بخوف يتخلله الاحتجاج:
_ خالد أخيرا رجعت؟ خرجت علطول ونسيت التليفون وفضلت سهرانة الليل كله وانا قلقانة عليك!
أجابها بنبرة هادئة كما ملامحه:
_ أنا آسف يا حبيبتي، عارف انك كنتي قلقانة حتى لقيتك نايمة على الكنبة تحت ونقلتك هنا من غير ماصحيكي
نبرته الساكنة زادتها قلقا فجذبته ناحية السرير وهو خلفها يسير كالمُغيِّب ولم يفُق بعد من صدمته، جلست إلى جانبه ثم ترقَّبت عينيه المجهدتين والسواد يحوم حولهما ثم تساءلت بذات القلق:
_ إحكيلي إي اللي حصل من ساعة مامشيت؟
عرف جيدا أنه لن يسلم من هذا السؤال ولن يستطيع تأجيله إلى آن آخر فاضطر على مضض سرد ماحدث باختصار منذ اتصال سيدة وخروجه إلى فيلا أحمد لرؤية سارة والدم يسيل من فمها مثل الشلالات وحتى إحضارها إلى المشفى وإسعافها من حالة التسمّم هذه والتي فقدت بسببها جنينها، وضعت سما يدها على فمها مُكمِّمة شهقة عالية صدرت من حنجرتها بعد سماع هذا الخبر الأليم بينما يكمل خالد باتصاله بأحمد بهاتف أحد الموظفين ثم عودته في الرابعة فجرا، روى كل ما جرى ولكن دون ذكر ما حدث أثناء هلوستها والأشياء التي تفوَّهت بها منذ أن زال مفعول المخدّر وكذلك لم يذكر كونه تكفَّل بتكلفة الإسعاف عن طريق بطاقة ائتمان كان يحملها بجيب سترته، مطَّت سما شفتيها بينما تقول بحزن:
_ حقيقي أنا زعلانة عليها جدا، ربنا يعوضها
ثم تشدقت بريبة:
_ بس انا عايزة اعرف، لما أحمد كان فونه مقفول، إشمعنا الشغالة اتصلت عليك إنت بالذات؟ ليه ماتصلتش على أخوها مثلا؟!
رفع عينيه كي يرمقها بنظرات قلقة كتلميذ لم يؤدِّ الواجب منتظرا عقاب معلمته بينما أكملت هي متعجبة:
_ وكمان معنى انها اتصلت عليك من فون سارة طبعا يبقى ده معناه إن المدام مسجلة الفون بتاعك عندها! صح؟
استشعر نبرة الاتّهام بين ثنايا صوتها ليردف بنبرة جديّة:
_ بس رقمها هي ماكانش متسجل عندي يا سما، يعني كلمة زي اللي قلتيها دي ماتبينش غير انك بتشكّي فيا!
هزّت رأسها بسرعة تنفي هذا الظن عنها موضّحة:
_ لا أبدا بالعكس، أنا عارفة ان رقمها ماكانش متسجل عندك، وثقتي فيك كبيرة جدا، لكن الصراحة اللي أشك فيها مدام أحمد عبدالسلام
قالت الجملة الأخيرة مع شئ من الحدّة وقد بدت الغيرة في ريبتها فاقترب خالد منها حتى صار الفاصل بينهما عدّة إنشات ثم ربت على وجنتها برقّة قبل أن يردف بنبرة حانية تخفي بداخله جدلا كبيرا:
_ أهم حاجة انك واثقة فــ جوزك والقرارات اللي ممكن ياخدها يبقى سيبك من أي حاجة تانية
لاح شبح ابتسامة خفيفة على وجهها وقد انبعثت الطمأنينة بداخلها من كلماته الدفئة فقالت موافقة:
_ معاك حق يا حبيبي

أسرع أحمد يقطع الطريق الطويل المؤدي إلى غرفة سارة مهرولا والهلع باديا بمعالمه بينما تسير خلفه سهى بخطوات واسعة ولم تستطع اللحاق به حيث كان يركض صوب الغرفة، فهي تعلم جيدا كم أن الموقف حسّاس أن تُصاب سارة ولا يسعفها خاصة وأن أدهم غير موجود بالمدينة وإن علم بالأمر سيقع في ورطة، ما أن وصلا إلى الغرفة حتى طرق أحمد الباب مرتين قبل أن يدلف بسرعة دون أخذ الإذن حيث وجد سارة تجلس مستندة على بعض الوسادات الصغيرة، ما أن لمحته عند الباب حتى تحوَّلت عيناها إلى جمرتين مشتعلتين وقد أصابها الحنق الشديد بعدما أفاقت لتجد نفسها وحيدة وكان آخر ما تذكرته هو تشبّثها بقميص خالد الذي أتاها مهرولا لإنقاذها، كان يجلس أمامها ضابط استدعته المشفى للتحقيق بالأمر وبجانبه عسكري يرتدي زيّ ميري يكتب ما يُقال، ما أن التفت الضابط إلى الخلف ليجد هويّة الطارق حتى انفرجت شفتاه مع بسمة واسعة حيث هو زميل أحمد في القسم وقف ثم عانق أحمد بينما يتمتم بعبارات السلام والمودة، ابتعد عنه قائلا:
_ إي اللي جابك هنا؟
خطف أحمد نظرة باتجاه سارة الحانقة هناك ثم عاد إلى زميله قائلا بهدوء:
_ إللي بتحقق معاها دي مراتي
اتسعت حدقتاه دهشة بعدما أردف أحمد ليتحدث بريبة:
_ أمال ازاي الدكتور قالي ان خالد الصاوي يبقى جوزها؟ مين خالد الصاوي ده أساسا؟
ضيَّق أحمد حدقتيه بعدم فهم وقد أصابته الحيرة مما حدث، فإن كان خالد قد أنقذها في عدم وجوده فلِمَ أردف بكونه زوجها؟! همَّ ليجيبه ولكن سبقته سارة حين نطقت من بين وهنها بجدّيَّة:
_ أستاذ خالد ده صديق أحمد، وهو اللي أنقذني امبارح عشان المقدّم كان عنده مأموريّة، وأكيد عشان جابني ودفع لي المصاريف افتكره الدكتور جوزي
التفَّ الضابط ناحيتها ثم جلس قائلا:
_ كدة فهمت، دلوقتي عايزك تعرفيني......
قاطعته سارة بنبرة مُتجهِّمة:
_ ممكن اعرف انت بتسألني ومعاك العسكري ليه؟
رفع أحد حاجبيه باستنكار ثم عاد ببصره إلى أحمد الذي لم يقل عنه دهشة فتنهّد بهدوء ثم نظر إليها مجيبا:
_ عشان نفتح محضر ونشوف المسؤول عن حالة التسمّم اللي حصلت لك وخسرتك جنينك يا مدام
أجابته ولا يزال الجمود معتليا نبرتها:
_ لا أنا مش عايزة اشتكي وهتنازل عن المحضر
جحظت العيون وانفغرت الأفواه حيث ما يُقال لا يخرج من فم عاقلة أبدا، إنها تريد إلغاء إجراء سوف يمنحها القصاص من الجاني الدنيئ ولكن رفضت هذه الفرصة وكأنها ترى أنها لن تُجدي نفعا! تحدث الضابط بنبرة متعجبة:
_ إزاي يعني إنتي عايزة تتنازلي عن حقك يا مدام؟!
أجابتها بهدوء:
_ لإن مافيش حق اتّاخد عشان يرجع، دي حالة تسمّم عادية جدا مش بفعل فاعل
عاد الضابط يثنيها مسترسلا:
_ بس التقرير الطبي مش بيقول كدة
أجابته بإصرار تتخلّله الفظاظة:
_ وانا بقولك عايزة اتنازل، أظن ان انا حرة!
التفت الضابط إلى أحمد ليجده ينظر أرضا بوجوم فيقول متسائلا:
_ احضرنا ياحمد
وجاءت الكرة بنفسها إلى الملعب حيث لم يشأ أن يتمّ فتح قضيَّة لمعرفة الجاني ويتم فيها استجواب كل من بالفيلا من الخدم والعاملين فيتعرَّض أحمد إلى تساؤل "من أين لكَ هذا؟" أردف ببعض التردد:
_ اقفل المحضر وانا هعرفه بطريقتي يا طارق، بلاش حاجة تخصنا تطلع عــ النيابة وسين وجيم، إقفل المحضر
أماء طارق برأسه متفهِّما ثم أملى العسكري بعض الكلمات التي تفيد بإغلاق المحضر في ساعته وتاريخه، وقف وسلَّم على أحمد متمنّيا له العوض بإنجاب الذريّة الصالحة، ثم خرج وخلفه العسكريّ ليجلس أحمد في مكانه ممسكا بيد سارة التي أشاحت بوجهها إلى الناحية الأخرى ثم أردف بلهفة:
_ حبيبتي، أنا عايز أعرف إيه اللي حصل امبارح، تعبتي ازاي وخالد عرف منين واتنقلتي ازاي؟
التفَّت برأسها نحوه لتواجهه بعينيها اللتين يتطاير الشرر منهما بينما تجيبه بسؤال آخر بنبرة يعلوها الازدراء:
_ قلت اتنازل عن المحضر عشان اشوف انت فعلا هتعرف تكشف الجاني ولا لأ يا حضرة المقدّم
تجاهل استهزائها بينما بقيت سهى تقف بعيدا ترقب أحمد الذي بدأ بالشدّ على قبضة هذه الغاضبة بين أنامله في حين يقول مؤكدا:
_ أكيد طبعا هعرف المجرم ده وهموّته بإديا
ابتسمت بتهكم قبل أن تردف بغضب:
_ ساعتها مش هبقى موجودة
عقد جبينه بعدم فهم بينما أزاحت غبار التساؤل عن وجهه موضّحة بقتامة:
_ لإنك حالا هتطلقني

وصل خالد إلى المكتب ليجد أبوابه مفتوحة وقد سبقه الساعي والموظفين حيث قَدِمَ اليوم متأخرا، تحرّك نحو غرفة مكتبه والإنهاك واضح على معالمه قابله أحد المحامين الذي كان يتَّجه إلى غرفته ثم أردف مع ابتسامة مشرقة:
_ صباح الفل يا أستاذ خالد
أجابه خالد مع ابتسامة هادئة:
_ صباح النور يا نادر، وصلت لفين فــ قضيّة راضي شعلان؟
أجابه بموضوعيّة:
_ لقيت ثغرة مهمّة جدا ممكن تخرجه من الاتّهام من غير يوم واحد سجن
زمَّ شفتيه باهتمام قبل أن يلتفت إليه قائلا بجديّة:
_ طيب هات ملفّ القضيّة بعد نص ساعة اكون شربت القهوة وفوقت
أجابه الثاني بالطاعة قبل أن يتوجَّه إلى غرفته وكذلك خالد الذي أكمل طريقه نحو غرفة مكتبه، دخل ثم سار قليلا حتى جلس خلف مكتبه ليوافيه الساعي بعد ثوانٍ قائلا باحترام:
_ صباح الخير يا أستاذ خالد
أجابه بهدوء:
_ صباح النور يا عم توفيق
تحدث متسائلا:
_ أجيب لك إيه فطار يا أستاذ؟
أجابه نافيا:
_ لا مش عايز أفطر، هات بس فنجان قهوة
أماء برأسه ثم استدار ليخرج تاركا المجال لخالد كي يعود بالسباحة ببحر أفكاره المتضاربة؛ فلا تزال أحداث الأمس عالقة بذهنه بكل تفاصيلها الصغيرة حيث كانت سارة والمفاجأة التي أحضرتها حين كانت مُغَيَّبة ونطقت بما أضمرته بصدرها ولم يدُرْ بخلدها أن يخرج يوما لمخلوق، وبينما أودع قرارا في نفسه كي يكشف الحقيقة ويتأكد ممّا قالته سارة بأحلامها، باغتته كلمات سما في الصباح حيث قالت والصدق يشعّ بعينيها:
_ لا أبدا بالعكس، أنا عارفة ان رقمها ماكانش متسجل عندك، وثقتي فيك كبيرة جدا، لكن الصراحة اللي أشك فيها مدام أحمد عبدالسلام
تثق به أكثر ممَّا تثق بنفسها، تراه ملاكا على الأرض لا يخطئ! ما يقول تصدقه دون تفكير أو تردّد، ولا تعلم أنه سابقا كان ذا علاقة انتهت بقلبٍ منكسر، ولم يخبرها بذلك ظنّا منه بأنه أحرق هذه البطاقة ودفن رمادها وصارت نسيًا منسيّا، ولكن عادت من الأجداث لتطارده وتكشف المنستر! وليس هذا فقط بل إنه عقد العزم على تتبّع الدلائل، ولكن أوقفه ضميره مُذكِّرا إياه بكونه رجل متزوّج ولا يجب أن يهدم بيتا لأجل وهم! فماذا يفعل وقد صار متخبِّطا بين أفكاره المتصارعة بين تتبع القلب أو ما يوجبه العقل؟!

خرجت سهى من الغرفة بعدما وجدت احتدام الصدع بين كل من أحمد وهذه المغرورة حيث زاد الجدال بينهما ويحاول أحمد جاهدا إثناءها عمَّا قرَّرت ولكن لازالت عازمة على قرارها بينما تطلق عليه أقسى السّباب بسبب إهماله وفاجأته بالاتّهام بالخيانة للمرة الأولى وقد حدث ما كانا يخشياه، فلقد كان بالفعل مع سهى بالفيلا مُستغلان فرصة غياب أدهم في قضاء وقتٍ رائعٍ، فلابد من إسكاتها قبل أن تقع الفأس بالرأس ويبدأ أدهم بتقصِّي الحقيقة وراء هذا الزعم، أخرجت هاتفها من حقيبتها الصغيرة ثم ضغطت على شاشته عدة مرات قبل أن تضع مقدمته أمام أذنها مُنتظرة بضع ثوان قبل أن تقول:
_ ألو، أيوة يا أدهم....أنا بخير حبيببي لكن في حاجة حصلت مع أختك....ما تتخضّش كدة بس هي تعبت شوية وسقطت....المشكلة إن حالتها دلوقتي صعبة جدا وبتتهم أحمد بالخيانة وكمان عايزة تتطلق
ابتسمت من جانب ثغرها بلؤم بعدما سألها الثاني على عجلة عن دافع جهرها بهذا الطلب الآن بعد مرور أربع سنوات على رفضها هذا الزواج بصمت مطبق، فتشدَّقت سهى وقد شعّت عيناها بخبث واضح:
_ أصل في حد رجع تاني فــ حياتها وهو السبب فــ قلبتها كدة، خالد الصاوي رجع من لندن ومعاه فلوس كتير وباين أختك المصونة جالها أمل انها ترجّع الماية لمجاريها من تاني
بعد سماع كلمات غاضبة همهم بها زوجها عبر الهاتف قبل أن يردف بعودته في أقرب ما يمكن، عادت ابتسامتها الماكرة إلى شدقها من جديد وقد صارت الأمور تسير وفقا لهواها، فقد تحقَّقت أولا من موت الجنين الذي تحمله سارة والذي قد يمثل عقبة في طريق مخطَّطها، وفي نفس الأثناء تأكدت من بيات أحمد بين أحضانها لتغلق هاتفه بينما يغتسل؛ فيتم الاتصال بخالد الذي أعطت رقمه لسيدة آمرة إياها أن تتصل به عبر هاتف سارة فور شعورها بأعراض السمّ، وحدّثت أدهم بما يساعد على ثورته فيندفع لكسر شوكة أخته التي دبّ سنّها مؤخرا، كما نجحت أيضا في خلق بداية الصدع بين سارة وأحمد وستطعّم ذلك بورقتها الرابحة التي ظهرت فجأة "خالد الصاوي" فقد بدوا جميعا كالدمى التي تتحكّم بهم بخيوطها القويّة، فهل يوجد من يستطيع قطع هذه الخيوط لتتحرّر هذه الدّمى المسكينة؟ أم سيظلون دوما تحت سطوة هذه الماكرة؟!
أعادت الهاتف إلى الحقيبة قبل أن تعود سيرا إلى غرفة سارة لتطمئن على سير المناقشة ولأيّ صالح وقفت، ما أن دلفت حتى وجدت سارة تهتف بثورة:
_ أنا قلت اللي عندي، هتطلقني دلوقتي ورجلك فوق رقبتك
أجابها أحمد بحدَّة:
_ مش هيحصل يا سارة هانم ولَوْيِ دراع ماينفعش معايا
أسرعت سهى تحكم بالفصل حين اقتربت منهما قائلة بحزن زائف:
_ خلاص يا جماعة بقى بطلوا خناق، صوتكم وصّل لآخر المستشفى
صمت أحمد مرتقبا كلمتها الأخيرة بينما أشاحت سارة بوجهها إلى الجهة الأخرى وقد شعرت بالاختناق يكبّلها مع وجود هذَين بالغرفة، اقتربت منها سهى ثم فتئت تقول بنبرة حانية:
_ طب بصي، تعالي اقعدي فــ فيلا أخوكي يومين كدة على ما تكوني روقتي يا قلبي، إيه رأيك؟
التفتت إليها سارة بمقت قبل أن تقول بحدّة:
_ اقتراح كويس، لحد ما ييجي أدهم ويطلقني
همّ أحمد ليصرخ بها معترضا ولكن أوقفته سهى بإشارة منها ثم رمقت سارة مبتسمة:
_ تمام يا حبيبتي هيحصل اللي انتي عايزاه، ممكن تهدي بقى عشان انتي لسة تعبانة
فضّل أحمد الصمت وقد وجد من طريقة سهى المريحة في الحديث أن هناك خطّة ما وقد يفسدها بالكلام، أما عن كيف سيقنع سارة بالعودة عن هذا القرار فهو ما لم يفهمه! فلينتظر وليسمح لسهى بالولوج لمرمى الساحة

_ ألف سلامة عليكي يا سارة والله زعلت جدا على اللي حصل ده!
نطقت بها إيمان التي تجلس على طرف السرير بينما ترمق سارة التي تتسطّح عليه والغطاء يدثّر أغلب جسدها، أجابتها مع بسمة واهية:
_ تسلميلي يا إيمان، إنما انتي عرفتي منين اني سقّطت وقاعدة هنا؟!
أجابتها ببساطة:
_ اتصلت على البيت عندك وردّ عليّا حضرة المقدّم وعرفني كل اللي حصل، وقالي عنوان البيت هنا فجيت لك علطول
تحدَّثت سارة مع ابتسامة ممتنة:
_ فيكي الخير يا إيمان، تسلميلي على زيارتك يا حبيبتي
تكلَّمت إيمان بشئ من العتاب:
_ عيب يا سارة، دانتي زي اختي أمال بالظبط، وياما زورتينا وخدتي بالك مننا، ربنا يقومك منها على خير ويعوّضك بابن أفضل منه يارب
تمتمت في نفسها بتضرع وقد شردت قليلا:
_ يا رب

مرّ يومان ولا زالت الأجواء مُتّقدة دون جديد؛ حيث حضرت سارة إلى منزل أخيها عازلة نفسها عن أيٍّ من البشر ولا زال رأسها متيبّسا بشأن الطلاق، فلم تردعها محاولات أحمد باتصالاته المتكررة ولا محاولات سهى بإثنائها عن الأمر، فما عاد معهما سوى الانتظار إلى حين مجيئ أدهم من الصفقة الأخيرة المتعلقة باستيراد إحدى المواد الغذائية، وقد عجَّل بقدومه بعدما علم بما آلت إليه الأوضاع من تصميم سارة على هذا القرار الذي قد يعرقل أعماله أو بالأحرى يفسدها، فنشوب نزاع بينه وبين أحمد بسبب الطلاق قد يجعل الأخير يوقعه في خسارة كبيرها كأن يبلغ الشرطة عن ميعاد الشحنة القادمة، وهو ما يخشى حدوثه، عاد إلى المنزل لتخرج سارة من الغرفة أخيرا بعد كل هذا الوقت حبيسة بها، استقبلته وقد رأت فيه طوق النجاة الوحيد الذي قد يستطيع إخراجها من هذه الورطة خاصة بعدما يرى التراجع الذي بدا في صحتها حيث جسدها الذي صار نحيلا كما معالم وجهها المُتهدِّلة من كثرة الإرهاق والبكاء، أخذها بين ذراعيه في اشتياق بينما يقول بحب:
_ وحشتيني يا سارة
أجابته بنبرة هادئة:
_ إنت أكتر ياخويا
ابتعدت عنه سريعا وقد أرادت الولوج بصلب الموضوع دون انتظار دقائق ليرتاح فيها، فنطقت بشئ من الشكوى:
_ أدهم أنا عايزة......
أوقفها عن الإكمال بقوله بشئ من الأمر:
_ استني الأول نتغدى بعد كدة أسمع منك كل حاجة على رواق، ممكن؟
أماءت برأسها بهدوء بينما تعاني في داخلها من التوتر النفسي الذي دفعها إلى اختيار الوقت غير المناسب للحديث في هذا الأمر، فلتنتظر الغداء ثم تخبر أخاها بما أرادت لتنال الحريّة من هذا السّجن بأسرع ما يمكن

وضعت فاطمة صينية بها أكواب من الشاي على الطاولة أمام كل من سارة وأخيها والأفعى المُسمَّاة بزوجته، ما أن خرجت فاطمة حتى غمز أدهم لسهى بإشارة مفادها الخروج فوقفت والتقطت كوب الشاي خاصتها ثم قالت مع ابتسامة هادئة:
_ أسيبكم دلوقتي عشان تتكلموا براحتكم
أماء لها أدهم موافقا بينما ظلَّت سارة على حالها عاقدة ساعديها ويغلّف الاقتضاب معالمها فلم تنَل بعد مرادها ولن يهدأ بالها حتى حصول ذلك، التفت إليها أدهم ثم ربت على كفها متسائلا بهدوء:
_ ممكن تعرفيني بقى إي اللي مزعلك؟
حادت ببصرها نحوه وكل ما للاحتجاج من معنى جليَّا بوجهها فقد طفح الكيل ووصل البركان إلى الفوَّهة وصارت حِمَمَه مستعدة لكي يحرق كل من يقترب من حقوقها، أجابته بنبرة جافية دون مقدمات:
_ عايزة اتطلق يا أدهم، أحمد ما عادش يهتمّ بيا لدرجة سابني بموت في البيت وسيادته مش عارفة كان فين أصلا!
تحدث أدهم بنبرة جادّة:
_ كان عنده مأمورية يا سارة
أسرعت تجيبه مُستنكرة وكأنها أعدَّت لهذه المناقشة مُسبقا:
_ وتليفونه كمان كان عنده ماموريّة؟!
صمت للحظات يحاول التفكير بتبرير آخر بينما استرسلت بنبرة شاكية:
_ ودي مش أول مرة يهملني كدة، ده واحد أكيد بيخونني
أجابها متعجّبا:
_ يعني انتي بنيتي اتهامك في الخيانة ده على مجرد أوهام؟!
احتقنت الدماء بوجهها من نبرته الهادئة فتحدّثت بغيظ:
_ لا مش أوهام، الموضوع واضح جدا، البيه شايف واحدة غيري والكلام ده مش من دلوقتي، لا من ساعة ماتجوزنا وانا ساكتة، لكن دلوقتي ماعدتش قادرة اقبل حاجة زي كدة
وهنا وقف أدهم عن مجلسه ثم نطق بإصرار:
_ لا أوهام، لمّا سيادتك تبني حياتك على أمل إنك تتطلّقي وتتجوّزي حبيب القلب اللي فاكراه مستنيكي وهو أساسا مابيفكرش غير فــ مراته، يبقى انتي بتبني حياتك على أوهام
وقفت كذلك عن الأريكة بينما تعلو الصدمة والاستنكار وجهها فلم تفهم بعد ما يريد هذا بتلميحه، نطقت من بين ذهولها بتعجّب:
_ قــ قصدك مين يا أدهم؟
أجابها بقتامة:
_ أقصد ابن الصاوي اللي من ساعة ما شرّف فــ مصر وسيادتك حالك اتقلب لدرجة عايزة تتطلّقي عشان ترجعيله!
ضيَّقت حدقتيها بحدَّة ولم يدُر بخلدها أبدا كون أخيها قد يظنّ بها هذا الظنّ، فبدلا من التفكّر بالضّرر الذي لحق بها لأجل طلبها للطلاق، أبحرت ظنونه نحو العودة إلى صفحة طَوَتْها منذ زمن! ألجمت الصدمة حبالها الصوتيَّة فصارت بالكاد تخرج صوتا، حيث تودّ الدفاع عن نفسها هامسة:
_ أنا أنا ما حطيتش فــ بالي أبدا حاجة زي كدة، وصفحة زي كدة انا قفلتها من زمان، ولا انت مش فاكر تهديدك ليا؟
رمقها بتحدٍّ بينما يردف مُهدِّدا:
_ والله انا شايف غير كدة خصوصا ان الباشا هو اللي جه وأنقذك اليوم ده، وانتي عارفة برضه لو فكَّر بس مجرَّد تفكير هقتله ومش هيمنعه عني لا فلوسه ولا أي حاجة تاني
التمعت عيناها بغلٍّ واضح فقبضت على فكّها حتى ظهرت نواجذها بينما تقول بنبرة مُستهجنة:
_ إنت بتقول إيه يا أدهم؟! يعني بدل ما تقول كتَّر خيره عشان جه وأنقذ اختك من التسمّم، تقول هقتله؟! طب يا سيدي لو شاكك فــ أخلاقه ماتشكّش فــ أخلاقي أنا!
تشدَّق باقتضاب:
_ وده اللي بقوله، إرجعي بيتك مُعزَّزة مُكرَّمة ونرجع المايّة لمجاريها عشان ما حدش فينا يزعل
ثم استدار كي لا يضعف أمام عينيها البراقتين بالدمع المحترق بينما يتحدث من فوق كتفه بحدَّة:
_ وده آخر كلام عندي
قالها ثم سار حتّى الباب فخرج من الغرفة تاركا هذه التي احتلَّ الحزن قلبها فجثت أرضا ثم أخذت تذرف الدموع الحارّة والألم يفتك بها، فما عادت تتحمّل هذه الحياة القاسية غير العادلة والتي تفرض عليها أن تتعايش مع هذا الوضع المُقزِّز؛ فمن جهة يوجد زوجها الخائن الذي يهملها ولم يهتمّ بها وبحملها، ومن جهة أخرى يوجد أخاها الذي وضع مصلحته على النّطاق الأول من اهتمامه غير عابئٍ بما يحدث لأخته، فعادت إلى الظلام تماما كما حدث بعقلها الباطن لأجل خالد كما حدث قبل سنوات، وكأن الرحمة غير مكتوبة في نصيبها! فهل من الممكن أن تجدها؟!



الحادي عشر من هنا 

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close