اخر الروايات

رواية الغضب الاسود الفصل التاسع 9 بقلم الكاتبة كوين اسمهان

رواية الغضب الاسود الفصل التاسع 9 بقلم الكاتبة كوين اسمهان


الفصل 9|فراشة على قلبه!


                                              
تردَّدت أصداء الضرب في أرجاء أرض الجياد بقوة في ساعات الليل الأولى، دون أن يهتدي إليها أحد، و دون أن ينجح هارولان في كسر شيء من البوابة، رغم جسده المصقول و بنيته الخشنة، إلا أن السدادة التي وضعها حديثا غير قابلة للكسر! وقف آخر الأمر أمام خيبته يتنفس بحدة و يتصبب عرقا، و بدا ما يحدثُ الآن خزيًا و عارًا بالنسبة له خصوصا أنه يحدثُ على مرأى من سجينته، ظل على وقوفه هناك يوليها ظهره، فلا رغبة له في رؤية نظرة سخرية شامتة ترمقه بها؛ لكن شيئا ما قاومه في الأعماق، و هزم عناده، و دفعه للالتفات قسرا، و المُدهشُ أنها لم تكن مكترثة بما يفعله، و لا ترمقه بأي سخرية أو شماتة، بل إنها لم تكن حتى تنظر نحوه، كانت ماريغولد جالسة في مكانها المعتاد فوق كومة القش، تسندُ ظهرها المتصلب إلى الجدار الخشبي، و تضمُّ كلتا ساقيها إلى حرارة صدرها المتآكلِ حسرةً، بذراعين مشدودتين تحاولان التماسكَ رغم التعب المضني!

6


أخبره وجهها الشارد أنها ليست هناك، و لا تتابع ضاحكة محاولاته الفاشلة في كسر قيود السجن التي صنعها بنفسه؛ و إنما هي... بروحها و عقلها و كل ذرة من كيانها... في عالم آخر بعيد تماما عن عالمه، و حين دقق النظر أكثر لاحظ أنها تنظر إلى نقطة وهمية منذ وقت طويل دون أن تتزحزح عيناها عن مسارهما، و دون أن يصدر جسدها حركة واحدة تدل أنها على قيد الحياة، فيما كانت نسمات الليل المتسللة إلى الإصطبل تكسر شيئا من ذلك الجمود محركة خصلات شعرها، لم يعرف لماذا افتقدَ فيها تلك المرأة المجنونة التي كانت كل نظرة منها تنطقُ بالصمود و العنفوان، لا شيء من ذلك في مظهرها الآن، لا شيء سوى التهالك، و كم ساءَه -لسبب مجهول- أن يراها هكذا! لماذا تبدو على هذا النحو الآن؟ جسدٌ سُرقت روحه... و وجهٌ كل قسماته منقوعة في الحزن! هل ستنهار و تستسلم؟ تُرى ما الذي ينهشها بهذا الشكل؟ و ماذا سيأتي بعد هذا السكون؟!

11


ارتمى إلى جانبها على القش، و طيلة نصف ساعة أخرى لم ينبس ببنت شفة، غير أنه شعر بالصمت يفقده صوابه، و استعاد صورًا كثيرة في عقله أوقدت نار حيرته بشأن الأنثى التي لم تترك شرودها بعد، فسألها فجأة دون مقدمات:

+


"لماذا سرقتِ تلك الأشياء؟"

18


حظي باهتمامها أخيرا، إذ أجفلت و استدارت تحدق فيه بعجب متمتمة:

+


"ماذا تعني؟".

+


فأضاف موضحا:

+


"الأغراض الثمينة بحقيبتكِ! هذا ما أعنيه".

+


فتحت فمها لتجيب، لكنها أحجمت عن الكلام؛ أو بالأحرى... لم تجد ما يقال إزاء اتهامه الأعمى، أما هو فلم يعجبه صمتها، و منظر العجز الذي لفها على نحو محير، فكرَّر استفساره بشكل مهين هذه المرة ليحثَّها على الرد:

+


"هل هي لمخدومتكِ الثرية... أم أنكِ سطوتِ على قصرٍ ما قبل أن تطئي أرضي؟ إنكِ لا تملكين مظهر من تخونُ الثقة... لكنَّكِ من المعشر نفسه! سُحقًا لكنَّ أنتنَّ النساء!".

24



                
تفرَّسَ في ملامحها بغضب، و استطردَ مشيحًا عن حُسنها المؤثر:

+


"لستنَّ أكثر من أفاعي جميلة و سامَّة!".

31


خرجت ماريغولد عن صمتها محاولة كبت دموعها قدر المستطاع:

+


"لا يهمُّني رأيكَ ببنات جنسي، و لا أتوقع أن يهمَّكَ ما أقوم به في حياتي!".

12


كانت كلماتها لدغةً أكثر منها جوابًا، شعر هارولان أنها سكبت زيتا على نيران غضبه، فاجأتها يده التي امتدت إليها دون سابق إنذار، و أحست أصابعه القوية التي التفت حول عنقها كأصابع من النار، أدار رأسها و سحبها إليه بسرعة خاطفة، و وجدت نفسها تكاد تلتصق به، تشابكت نظراتهما، و أسرعت النسمات متلهفة لتخفقَ بأنفاسهما المتلاحقة التي امتزجت بسبب تقارب رأسيهما، كان ملمس شعر ماريغولد الناعم على طرف يده مثبطا لغضبه، و لكل ذرة حقد يكنها لها، لكنه تتبع خيط ظلامه بدلا من خيط أبيض ينسجه جمالُ عينيها الصافيتين، و زمجر بكل قسوة ممكنة في وجهها:

7


"بل يُهمني! منذُ اللحظة التي اقتحمت فيها أرضي و وضعت يدكِ على وريث كينغلاند الصغير... باتَ كل ما يتعلق بك... يعنيني!".

27


رغم قسوة كلماته، و حدة نظراته، و هالة الغطرسة القوية التي تحلق حول هذا الرجل؛ إلا أن يده لم تكن مؤذية! تأملها مليا بعقل مأخوذ، ثم ثاب لرشده، فأفلتها كالممسوس، و أشاح عنها مجددا، لكنه عجز عن تجاهل وجودها قربه، و قال مناقضا رغبته بالصمت:

+


"إذن... لماذا لم ترافقي خطيبكِ الشرطي؟".

+


لم ينتظر جوابها، و سخر من نفسه متهكما:

+


"ماذا دهاني؟ ما الذي أتفوه به؟ لا بُدَّ أنه لم يكن ثريًّا كفايةً ليشبع أطماعكِ! أو لعله عديم الرجولة و ليس باستطاعته كبح جماح امرأة مجنونة مثلك فرحلَ ناجيًا بنفسه!".

19


أجابه الصمت ثانية، فانسحب من ذلك الحوار الفاشل مفكرًا أنها تتعمد استفزازه بسكوتها، لكنه سمعها تقول بعد لحظات طويلة بصوت مقاوم:

+


"انفصلنا!".

1


تمتمت باقتضاب ثم استطردت:

+


"ذلك الشرطي... لم يكن مجرد خطيب بالنسبة لي!".

+


التفت هارولان يتابع عينين منطفئتين، و شفتين تتحركان بوهن، و أصغى بذهول، فيما تابعت ماريغولد قولها مسترجعة أيامًا من الماضي:

1


"كان الجار الذي أصطدمُ بابتسامته كل صباح، و الرفيق الذي يشاركني جولاتي على الشاطئ، و الصديق الذي يمكن أن أريح رأسي المرهق على كتفه، كان الحامي بعد أبي، و العائلة التي فقدتها، و البيت الذي خسرته! هذا ما توهمتُه على الأقل! كنتُ حمقاء حين ظننتُ أنه سيبقى إلى جانبي مهما حدث!".

9


نظرت إليه مضيفة:

+


"ربما لا تريد أن تعرف سبب انفصالي عنه إلا إرضاءً لفضولك و غرورك كسيد كينغلاند، لكن... إن كنتَ تتلهفُ لذلك، فليكن إذن! في مطلق الأحوال... أنت لك الفضل الأكبر في القطيعة التي حدثت بيننا!".

+



        

          

                
حدق بها هارولان متفاجئا، فشرحت مقصدها بنبرة خيبة:

+


"وجدتُ من العار أن أقترن بمن يتخلى عن طفل ضائع و حيوان جريح وسط الغابة، كان ذلك الشرطي الشجاع بطلي لسنوات، و في لحظة... أحرق كل بطولاته حين لم يتحمل وزرَ الأذى الذي سببه للمهرة و فرَّ ببساطة لأن اسم الخال هارولان كينغ أرعبه! لم يكن انفصالاً عاديًا كما ترى، كان شقاقًا مخيبًا للآمال بين جارين، و خيانةً طاعنةً من رفيق الدرب! لقد خذل الساذجة التي آمنت بصداقته، جردني من اطمئناني، حطم أحلامي كفتاة كانت تراهُ زوجا مسؤولاً يليق أن يشاركها بقية العمر! و شوَّه الكثير من الذكريات العزيزة! أنت محق... هو من رحل، لكنني أنا التي انفصلت عنه، و أنا التي نجوت من حياة مأساوية كانت تنتظرني معه! و لم أسمح له بسرقة إنسانيتي مني! لذا مهما أنزلتَ بي من عقاب، لن أشعر بأسى مماثل لما شعرتُ به حين بقيتُ لوحدي مع طفل و مهرة في طريق لا أعرفه!".

33


إذن هي لم تكن تحاولُ حقا خطف لِيو أو استغلاله! و إنما... تمَّ التخلي عنها! لم يعرف هارولان ما الذي شعر به تحديدا آنذاك؟ الإستياء... الحيرة... الإشمئزاز... السعادة! أم جميعها معا! أرضاه أن اسمه كفيلٌ بفض علاقتهما، أجل! أرضاه ذلك، إنه يُدركُ غرابة شعوره بالرضى لانفصال شخصين غريبين عنه، لكنه راضٍ بذلك، و يعجبه بشكل غير طبيعي أن الأحداث انتهت بهذه الفتاة إلى عرينه و لم تذهب مع ذلك الشرطي الجبان! كيف اختارت لنفسها زوجا كهذا؟ أ هي حمقاء إلى هذا الحد؟ أم أنها فقط... بريئة!

27


اختنق بأفكاره، فقفز نحو المارد يداعبه و يطعمه لعله يهربُ من الندم الذي وُلدَ للتو بداخله، في تلك اللحظة تذكرت ماريغولد أنها تتضورُ جوعًا، و أيقنت أن لا نفع يُرجى من إخفاء الصينية، سيغضب، سيتساءلُ من يزودها بالطعام؟ و ربما سيعاقب الحارس ستانلي إن كشف أمره! لكنها لن تتناول تلك الوجبة لوحدها، التقطت صينية العشاء، و أرغمت ساقيها المنهكتين على حمل جسدها، لتتجه نحو رفيقها في السجن قائلة بابتسامة متسامحة:

+


"فلنأكُل! لا بُدَّ أنك جائع أيضا".

11


قال دون أن يوجه إليها نظرة واحدة:

+


"لا أريد!".

+


"لكنَّك ستريدُ لاحقًا!".

+


"ألا تفهمين الكلام؟ قلتُ لا أريد!".

1


أصرَّت ماريغولد بعناد:

+


"مكوثُك هنا سيطول على ما يبدو! و لا أعتقدُ أن شخصًا ثريًّا مثلك معتادٌ على تحمل الجوع!".

+


انتفض هارولان بجنون لا يصدق، خرج عن عقال هدوئه، و أمسك كتفيها بكلتا يديه، و راح يهزَّها بعنف حتى أوقعت الصينية على الأرض، ثم قربها إليه و نظر بوحشية في عينيها الجاحظتين قائلا:

21


"أنتِ لا تعرفين شيئا عما عشته و اعتدته!".

6


"جيد!".

4


تمتمت ماريغولد متحمِّلة الألم جراء قبضتيه القاسيتين، و تابعت بدهاء:

+



        
          

                
"ها أنت تُقرُّ بنفسك أن على الإنسان معرفة غيره جيِّدا قبل الحكم عليه!".

21


حيَّرته هذه المرأة، ابتعد عنها و طاف بنظراته المنفعلة في وجهها، في حين انحنت هي تتفقد الأطباق التي انقلبت على القاع غير عابئة بحاله، و أضافت بهدوء:

+


"لقد افترضتُ فقط أن الجوع شيءٌ بعيدٌ عن أمثالك، و الافتراضات كلها قائمة حتى تظهر الحقيقة! أليس هذا الكأس الذي أذقتني منه؟ حسنا، أنا لا ألومك على جهلك حقيقتي! و ما هي الحقيقة في كل الأحوال؟ إنها ماكرة، ترتدي ألف ثوب، و تتنكر بألف وجه، و لا يمكنك أن تستقر على وجه واحد متأكدًا أنه الوجه الأصلي، لأن حلقة الوجوه المتلاحمة ترميك في دوامة من الفراغ المظلم ما إن تقربها! وجوهٌ لا تؤتمن أبدًا! كان أبي يقول دائما: «لا تبنِ أحكامك على التكهُّنات لأنها أكثرُ الأسسُ هشاشةً!»".

18


أيقنت ماريغولد بعد تفحص دقيق لفوضى الأطباق أن الطعام لم يعد صالحا للأكل بعدما جرى، و لم يتبقَّ سوى التفاحة الوحيدة التي ٱرسلت من أجلها، فازدردت ريقها، و التقطتها ببطء، نظفتها بمسحة جيدة من قميصها، و استقامت دافعة بها إليه دون تردد! رفع هارولان حاجبيه مندهشا، و تأملها للحظة غير قادر على تحديد الخانة التي يمكن أن يضع فيها هذه المخلوقة العجيبة! أتؤثره على نفسها بعدما كان يُعنِّفها للتو؟ بعد كل تلك القسوة التي ذاقتها على يديه... تحرمُ نفسها من الزاد الوحيد و تقدمه له هو بالذات! أزعجه أن تنتصر عليه برحمتها، فضرب التفاحة لتطير و تسقط بعيدا عنهما، و هل جعل ذلك ماريغولد تستسلم؟ كلا! التقطتها ثانية و أعادت تنظيفها لتقدمها إليه بصمت و إصرار مذهلين، و الأغرب أنها كانت خلال قيامها بذلك تبتسم له! ألا توجد حدود لهذا العناد المجنون؟ استمر تحديقه بها دون أن يتحرك، و قال:

37


"التفاحة الأولى كانت من نصيب المارد، فلتكن هذه من نصيبكِ أنتِ!". 

+


دُهشت لما سمعته و علقت:

+


"كنتَ تراقبُ كل شيء إذن!".

+


"كينغلاند أرضي، و أنا سيدها، أرى و أسمع كل شاردة و واردة!".

3


"حسنا يا سيد كينغلاند، ٱصرُّ أن تقبلها".

+


دفعتها كبرياؤها لتضيف:

+


"أنا لا أشعر بالجوع!".

+


كان على استعداد أن يجزم بالعكس، الفتاة على شفير الانهيار لولا صبرها العجيب و قوة تحملها الهائلة، احتدَّت نظرته و عقب:

+


"كاذبة!".

4


تورد وجه ماريغولد و حاولت إخفاء ما بدأ يتجلى عليها، لن تزحف أمامه و لو كلفها ذلك حياتها، شمخت برأسها مردفة:

+


"لا يشكل الجوع مأساة بالنسبة لي!".

2


دنت منه أكثر، و تناولت يده، وضعت التفاحة فيها برقة، و ضمت أصابعه حولها قبل أن تعود إلى مكان جلوسها، و في مسرح بصره، استلقت ماريغولد فوق القش و أولته ظهرها تحاول مجابهة الجوع بالنوم! تأملها هارولان طويلا، لم ينجده حديث الأعين الذي تبادله مع حصانه، و لا أفكاره التي ذهبت و جاءت بعقله حتى أرهقته، كان باختصار في حالة رهيبة من الكر و الفر، شق منه يتوق لاحتضانها تعويضا على ما كابدته من أهوال، و شق آخر لا يأبه بشيء سوى الغضب! و هكذا مرت ساعات الليل، حتى أطل الفجر مبشرًا بخيط النور الأول، اقترب هارولان من البوابة متطلعا، لعل أحدهم يأتي فيسترعي انتباهه ليفتح البوابة، لكن... لم يعثر سوى على عطر أرضه العبق الذي تراقصت به الرياح! لمح فجأة غرابا يحطُّ فوق صناديق العلف الجديدة، و لاحظ للمرة الأولى أن الصندوق العلوي مفتوح، و راقب الطائر الأسود يحشر منقاره الدقيق في العلف طويلا، ثم ينشر جناحيه و يحاول التحليق بعيدا، إلا أن طيرانه كان مضطربا، قبل أن يخرَّ صريعا دون حراك!

19



        
          

                
ذُهل هارولان مما جرى أمام عينيه، و بدأ يربط ذلك بما قالته الفتاة التي كال لها أبشع التهم، هذا صحيح إذن! أحدهم سمَّم علف جياده، و هي كانت صادقة بشأن الرجل الملثم الذي تسلل و رش مادة ما على الصناديق، بل لا شك أنها كانت صادقة في كل شيء منذ البداية! ما الذي فعله؟ ما الذي اقترفته يداه؟ أسند رأسه إلى الخشب متضايقا، و اكتشف داخله شعورا هائلا بالندم، تذكر كل كلمة وجهها لها، ما أبشع ما ألحقه بها من عذاب! بينما هي... أنقذت صغيره لِيو و مهرته، و جازفت بحياتها لتخمد النيران في مروجه و تبحث عن قطيعه الضائع! تذكر حين كان يحارب النار هناك مع رجاله فراشة حطت على يده دون أن تجفل من الجحيم الذي يحيط بها، إنها هكذا، ماريغولد ليست سوى فراشة زاهية حطت على قلبه الأسود من العدم! التفت ببطء ليجدها تغط في نوم عميق، فرنا إليها و فوق صدره يجثم شيء غريب يثقل عليه أنفاسه، لم يشعر هكذا أبدا من قبل! خاصة إزاء امرأة! أراد أن يلمس هذا الوجه الجميل الغافي بيد حانية، لكنه لم يستطع، كانت يده ملوثة بالغضب، و ربما لا يحق له حتى النظر إلى جسدها الملائكي! أرغم نفسه على الابتعاد عنها، و سرَّه في اللحظة التالية سماع صوت خطوات في الخارج!

12


كان ستانلي عائدا للتو لمحرسه، حالته مزرية، و عيناه مؤرقتان هو الآخر، اشتعل غضب السيد كينغ حين تبينه، و لم يكترث لمعرفة أي جحيم كان بها، ففي قوانينه الجزاء دائما يسبق أي شيء آخر، و قبل أن يجلس الحارس على مقعده، سمع صوتا جهنميا خلفه يخاطبه:

2


"افتح هذه البوابة اللعينة!".

+


ظن ستانلي الظنون بالسجينة، هل تلبستها الشياطين ليغدو صوتها على هذه الشاكلة؟ ارتعش للحظة، ثم ابتلع ريقه و مد يده رافعا السدادة بتردد، و تراجع على الفور متوقعا شبحا ما، لكن رؤيته لوجه سيده الغاضب جعلت الأشباح تبدو ألطف في نظره! شحب غير مصدق، و تمتم متلعثما:

44


"سـ... سـ... سيدي! ما الذي... تفعله... هنا؟".

+


"أنا من يُفترض به أن يوجه الأسئلة هنا".

1


استلَّ هارولان السوط من حزام ستانلي، و باشر جلده كيفما اتفق، تجمع حولهم العمال اللذين أقبلوا توا لمباشرة مهامهم، و لم يجرؤ منهم أحد على إيقاف عقاب السيد القاسي، حتى رام سينغ لا يمكنه تحريك ساكن أمام ثورته، إنه المعلم! من يجرؤ على الوقوف بوجهه على أية حال؟ اقتحمت أصوات الضرب و الصياح المعذب عقل ماريغولد، فتحت عينيها متسائلة عما يحدث، و لم تصدق أن البوابة مفتوحة على مصراعيها، وازنت جسدها بصعوبة و سارت نحو منبع النور مكتشفة سبب الجلبة، جحظت مستنكرة! هل يجلده لأنه قدم لها الطعام؟ و ساءها أن ترى الحارس المسكين يتلوى تحت لسعات سوط السيد المتوحش، و ساءها أكثر أن الجمع الغفير وقف متفرجا، فزمت شفتيها و انبرت بشجاعة للدفاع عنه، و دون أن تدرك ما تفعله، دفعت بعض العمال جانبا و حشرت نفسها بين هارولان و ستانلي مشهرة كفها في وجه السوط!

21


توقف هارولان متأخرا، لقد جلد يدها بدلا من عامله الأحمق، ما هذه المرأة؟ حتى السوط الذي يرعب الرجال لم يؤثر بها! لعن نفسه، مد يده ليتفقد إصابتها، لكنها تراجعت مرددة:

12


"إياك أن تلمسني! حتى الأمس ظننتك مجرد راعي بقر خشن، لكن ما رأيته الآن يثبت شيئا واحدا، أنت وحش آدمي سيد كينغ!".

1


أظلمت عيناه بشدة، كيف يشرح لها أسبابه؟ تهامس البقية حول جرأتها الفريدة، قبل أن يصل وكيل أعماله واين هوكينز أخيرا، كان الوحيد الذي يتمتع بدبلوماسية جيدة و يستطيع تجاذب حوار لا بأس به مع المعلم في حالات كهذه.

+


"سيد كينغ! ما الذي يجري؟".

+


"غولدمان... أعلن الحرب من جديد! و لن أكون رحيما هذه المرة يا واين!".

5


"أنا هنا لأحدثك بشأن الحريق، و لكن... ما دخل ستانلي؟ لماذا كنت تجلده؟".

+


تجاهل هارولان نظرة ماريغولد الحانقة، و أجاب ممتعضا:

+


"هذا الأحمق كاد يكلفني جيادي! لو لازم محرسه كما أمرته، لرأى المتسلل الذي سمم العلف الجديد و لاذ بجلده! لذا هو يستحق أقسى من هذا العقاب! كان يجدر بي أن أحبسه مكان هذه الفتاة التي تفوقت بذكائها و شجاعتها على رجال كينغلاند و بفضلها فقط سلمت الجياد!".

18


تفرست فيه بحيرة بالغة، هل يمدحها كينغ الأسود أم أنها جُنَّت؟! خصَّ هارولان عامله ستانلي بنظرة حادة و تابع:

+


"حريٌّ بك أن تنظف العار الذي لحق بك، أو أن تنقع وجهك في روث البقر بدل مواجهتي!".

7


انتحى السيد كينغ بوكيل أعماله جانبا و انطلقا هناك في حديث ساخن لم يصل إلى سمع ماريغولد، أحنى ستانلي رأسه خجلا، و تفرق العمال كلٌّ إلى مهمته. لاحظت عبوس العامل و الخزي الذي غمر وجهه، فساعدته في الوقوف بثبات، و أعادت له قبعته التي سقطت منه خلال تعرضه للجلد، ثم تمتمت بحزن:

+


"آسفة لما حصل! أنا أعرف سبب غضبه الحقيقي، لا ريب أنه اكتشف مساعدتك لي!".

6


لملم ستانلي شهقات ألمه، و تساءل بغباء:

+


"مساعدتي! عمَّ تتحدثين؟".

+


"أقصد صينية الطعام التي أعددتها من أجلي كانت هذه شهامة منك، لكنها عرضتك للمتاعب!".

+


"لم تكن مني!".

+


لم تستوعب كلامه، طرفت بجفونها بينما كان ستانلي يقول متأوها:

+


"السيد كينغ هو من أحضر الصينية بنفسه، أساسا... لا أحد غيره يقترب من هذا الاصطبل بالذات!".

17


عصفت بها المفاجأة، آخر ما توقعته أن يقسو عليها هارولان كينغ بيد و يرحمها بيد أخرى، يبدو أنها هي الأخرى كانت قاسية بشأنه، و أصدرت أحكاما ظالمة في حقه، إنه ليس وحشا آدميا أبدا! و من غير وعي، خطت داخل سجنها ثانية، و وقفت وسط ذلك المكان مترنحة، لم تعد قادرة على التحمل أكثر، لمحت ظلا يقف على عتبة البوابة حاجبا عنها النور، ثم راح يقترب و صوت خطواته يبتعد في نفس اللحظة، برز الوجه الأسمر الجذاب، و تحركت شفاهه بكلام غير مفهوم، إنها لا تسمع بوضوح، و لا ترى سوى ظلالاً رمادية تسبح أمامها، تقلبت معدتها بقوة، و دار رأسها فوق كتفيها، جاهدت لتثبت مكانها، لكنها بلغت ذروة التحمل، كان واضحا له أنها لن تصمد أكثر، وجهها لا لون له، و شفتاها تشققتا، سقطت فجأة فالتقطتها ذراعا هارولان بسرعة، و اشتدتا حولها، ناضلت ماريغولد لتنظر إليه و تحلل تعابير وجهه في تلك اللحظة، غير أنها عجزت عن فتح عينيها، فأرخت جفنيها مرغمة، و أسلمت نفسها للظلام الدامس!



10


نهاية الفصل التاسع.

+


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close