اخر الروايات

رواية الغضب الاسود الفصل العاشر 10 بقلم الكاتبة كوين اسمهان

رواية الغضب الاسود الفصل العاشر 10 بقلم الكاتبة كوين اسمهان


الفصل 10|هناك نبض!


                                              

راحت اليد الصغيرة تتحرك برقة على خدها للحظات، ثم توقفت فجأة إثر صوت رجولي يقول:

+


"توقف عن ذلك! ستوقظها".

9


"لا بد أن تستيقظ في لحظة ما! أليس كذلك يا خالي؟".

+


لم ينل جوابًا فتابع:

+


"لماذا لم تتحرك و لم تفتح عينيها حتى الآن؟".

+


"لقد غادر الطبيب توا يا بطلي، ستستغرق ساعات طويلة لتستعيد نفسها".

4


"و لكن... ماذا لو لم تستيقظ؟".

+


غمر المكانَ الصمتُ مجددا فأضاف الصغير ببراءة:

+


"خالي! هل يمكن أن تستيقظ ماريغولد بقبلة؟".

50


حدق فيه هارولان بنظر مشدوه، فاستطرد لِيو بعفوية مضحكة:

+


"ألا يمكنك أن تكون الأمير الشجاع الذي يكسر تعويذة الشر و يوقظ الأميرة النائمة بقبلة؟".

51


تأمل هارولان الفتاة بفوضى مشاعره المتلاطمة لبرهة، إنه لم يرَ أميرة من قبل، و لم يسمع بقصة القبلة التي توقظ امرأة نائمة، و لا يكترث بقصص الحب السخيفة بأية حال، لكنه يجزم أنها أجمل من ألف أميرة خيالية! و يا للعجب...! إنه يتخيل ذلك! تخيل نفسه ينحني فوقها و يطبع قبلة شافية على ثغرها المنهك! فيزيل بها ظلم أيام و ليالٍ، عقد حاجبيه بنرفزة، و سحب بمعيته الطفل خارج ذلك المكان، أي سخافة طرأت على باله منذ لحظة؟ هل يمكن لقبلة أن تشفي المرء من الظلم؟ و هل يمكن لصانع الشر أن يكسر شروره بيده و أن يكون هو نفسه صاحب قبلة الشفاء؟

12


أفاقت ماريغولد مساءً شاعرة بعياء شديد يغلفها، كأنها ركضت ملايين الأميال، وجدت نفسها في غرفة غريبة، جالت بعينيها في السقف المرتفع و الجدران البيضاء دون أن تعي أين هي، السرير الذي يحمل جسدها واسع و مريح، و اللحاف الرمادي الذي يغطيها ذو خامة رفيعة، رفعت رأسها عن الوسادة مجفلة من ومضة الألم التي هاجمت صدغيها فجأة، أدركت من وجود الشرفة على يسارها أنها في غرفة بالطابق العلوي لذلك المكان، و لكن ما ذلك المكان؟ أين هي؟ و كيف وصلت إلى هنا؟

+


حاولت جاهدة أن تتذكر ما حدث، راحت تفرك صدغيها مقطبة الجبين، لتكتشف حائرة وجود ضماد يلف يسراها، أجل! إنها الآن تتذكر وقوفها في وجه هارولان كينغ، و لسعة سوطه القاسية التي أصابت يدها! جالت ببصرها في تلك الغرفة التي لم تبدُ كغرف المستشفى، هل يُعقل أنها...؟

+


قطع حبل أفكارها مزيج أصوات في الرواق، ثم تلا ذلك دخول مفاجئ لصبي صغير، ترك الباب مفتوحا، و ضحك ملء فيه ما إن وجدها على استيقاظ، أما هي فقد اتسعت عيناها غبطة حالما عرفته، و تمتمت بصوت خافت لا يزال يقبض عليه التعب:

+


"لِيو!".

5


نظر الطفل خلفه مترددا، ثم عاد بعينيه الواسعتين إليها و قال بقلق:

+



                                      


                
"ماريغولد، استيقظتِ أخيرا! هل أنتِ... بخير؟".

+


"أجل! أنا بخير، يمكنك أن تتأكد بنفسك".

+


أومأت له برأسها و يديها الممدودتين ليقترب منها، فركض نحوها جذلاً، و ارتمى بين ذراعيها كأنه لم يرها منذ سنوات! ربتت على ظهره بحنان، و أبعدته عنها متفحصة ملامحه المحببة و هي تقول:

2


"من الرائع أن أراك ثانية يا صغيري! هل قلقت علي؟".

+


"هذا مؤكد، عندما لمحتك فاقدة لوعيك بين يدي خالي ظننت أنني لن أراكِ ثانية، لكنه جس نبضك و طمأنني أنكِ لا تزالين على قيد الحياة، و أنك فقط نائمة".

12


طرفت بجفونها متسائلة:

+


"ماذا؟ عفوا...! ماذا فعل؟"

1


شرح لها محركا كلتا يديه و هو يدور حولها كأنه يؤدي مسرحية:

+


"حملك إلى هنا قلقًا، و ضعكِ على هذا السرير ثم جسَّ نبضكِ هكذا...".

19


ضغط لِيو على رسغها، ثم دنا منها و أرخى رأسه على صدرها مصغيا لدقات قلبها، قبل أن يستقيم ثانية و يردد محاولا جعل صوته خشنًا كالكبار:

+


”...«هناك نبض! ستكون بخير» هذا ما قاله قبل أن يطلب الطبيب".

9


ابتسمت ماريغولد للطافته و داعبت شعره مفكرة، إذن هي لا تزال في المزرعة، بل إنها دخلت بيت آل كينغ محمولة بين يدي هارولان نفسه، هل يعقل أن حربهما انتهت؟ هل هذا يعني أنها ستتخلص من الإصطبل و تتحرر من أسر السيد الغاضب أخيرا و تغادر كينغلاند؟ لم تدرِ ما هي أبعاد شعور الضيق الغريب الذي طغى عليها فجأة! لماذا يحزنها أن تستعيد حريتها؟ لماذا لا يبدو طيبا لها أن ترحل الآن؟

+


"هل تعلمين أنكِ أصبحتِ منا؟".

11


أثار قول الطفل دهشتها العميقة، فاستفهمت قائلة:

3


"ماذا تعني؟".

+


جلس إلى جوارها، و بدأ يردد على مسمعها أشياء يصعب تصديقها:

+


"قال خالي أن هذه أصبحت غرفتكِ منذ اليوم، بل إن البيت بأكمله أصبح بيتكِ أيضا، هل تدركين ما معنى هذا يا صديقتي الجميلة؟".

35


مأخوذة بما تسمعه... حركت رأسها نافية، فأردف لِيو بسعادة:

+


"ماريغولد، أنتِ الآن من العائلة!".

9


فغر فمها، و شعرت بشيء ساحر يدغدغ أعطافها، لتصغي إلى ما تبقى من الكلام كأنه يأتي من عالم آخر:

+


"يقول خالي هارولان أن العائلة هي التي تحميك و تقلق بشأنك، و هذا ما فعلتِه معي في الغابة، حميتني، و قلقتِ علي، و هو عينُ ما قام به خالي صباحا، حماكِ... و قلق كثيرا حين قال الطبيب أن جسمك ضعيف و يعاني انهيارًا بسبب الأرق و سوء التغذية! لقد كان عائلتكِ... رجاءً ماريغولد... كوني أنتِ أيضا عائلتَه!".

70



        

          

                
حارت جوابا، تأثرت بكلام الصبي البريء حتى الصميم، شعرت أنها بحاجة لتكون جزءً من عالمهما الصغير، بحاجة لكتف قوي يسندها حين تنذر بالانهيار، بحاجة لقلب طاهر يتقبل صيانيتها و عفويتها حين لا يفعل الآخرون، بحاجة لعائلة، لأشخاص قد تبني أذرعهم المتعانقة بيتا من الحب و الوفاء! ترقرقت عيناها بالدموع، غير أنها لم تبكِ، ليس ذلك الوقت المناسب لتفجر مكنونات قلبها، و لا تعرف متى ستتمكن من ذلك! لكنها لن تطلق العنان لعواطفها المهزوزة الآن أمام إشراقة هذا الملاك اللطيف.

2


سمعا فجأة صوت الخادمة الآتية صوب الغرفة تحدث شخصا ما:

+


"عمتَ مساءً سيد كينغ! العشاء جاهز في قاعة الطعام".

8


رفعت ماريغولد رأسها متوردة الوجه، لتقع نظراتها على المستبد بأفكارها مُذ استعادت وعيها، هل كان هارولان طوال الوقت يقف على الباب مصغيا لما دار بينها و بين إبن أخته؟ دلفت الخادمة حاملة صينية العشاء المُعدَّة لها و وضعتها أمامها قائلة بابتسامة رائعة:

6


"هانا أعدت هذه الوجبة من أجلك بكثير من الحب، الجميع يبلغونك سلامهم و يتمنون أن تتعافي بسرعة!".

9


و توجهت فورا بالحديث إلى الصغير:

+


"لِيونارد، تعال معي لتتناول وجبتك قبل خلودك للنوم!".

+


وافق لِيو الخادمة على مضض، و قبل أن يسلمها يده، لثم خد ماريغولد و استنشق عطرها مغمض العينين، ثم ارتسمت على فمه ابتسامة رضى، و انطلق رفقة الخادمة قائلا:

9


"هل ستروين لي قصة قبل النوم كما يفعل السيد لي؟".

+


"لست جيدة في هذا الشأن بقدر السيد لي، لكنني أعدك بالمحاولة، ما رأيك أن نخترع معا قصة مميزة؟ و ستكون بطلتها صديقتك ماريغولد!".

2


غاب صوتاهما في نهاية الرواق، و لم يبقَ هناك سوى امرأة تائهة عاجزة عن استيعاب تقلبات القدر، إذ حتى فجر هذا اليوم كانت مجرمة منبوذة، لتصبح بين فينة و أخرى ضيفة مبجلة، و رجل إلى غاية وقت قريب كان لعنة غضب تمشي على قدمين، و الآن ها هو يلج الغرفة مغلقا بابها، و يتقدم نحو سريرها بتؤدة، ليقف على رأسها قائلا بهدوء عجيب:

+


"تناولي طعامكِ كله لتتخطي هذه الانتكاسة بسرعة!".

20


ما خطبه؟ أين غضبه؟ أين ذهبت اتهاماته و اهاناته؟ و ماذا حلَّ بعجرفته الآن؟ إنها لا تشعر أنه يأمرها البتة، أو ربما هو يفعل ذلك بطريقة مختلفة... بلطف على غير العادة، مهلا! هو... و اللطف معا؟ يستحيل أن تصدق هذا! أدركت أنها تنظر إليه بتفرس، فأخفضت بصرها مضطربة، و تناولت الملعقة بارتعاش، يا للهول! إنها خائرة القوى إلى درجة لا تستطيع معها حمل لقمة واحدة حتى إلى فمها! حزنت لذلك، و تخلت عن رغبتها في تذوق الطعام الشهي متسائلة بحيرة بالغة:

1


"أنا لا أفهم ما الذي تغير؟ لماذا أنا هنا؟".

4


شمخ برأسه مجيبا:

+



        
          

                
"لأنني أردتُ هذا و قررته".

15


سألت ثانية بعينين لامعتين:

+


"ألم أعد سجينة الإصطبل؟ ألم أعد تلك المتطاولة على مزرعتك و خاطفة إبن أختك؟ ألم يعد يُقلقك أن أغادر أرضك و أقدم تلك الشكوى؟".

1


رفع حاجبيه الكحيلين و ردَّ ساخرا:

1


"في وضعك الحالي... لا تستطيعين حتى أن تتجاوزي باب هذه الغرفة!".

18


شمل رجفتها بنظرة خاطفة، و تابع:

+


"أنتِ عاجزة حتى على حمل الملعقة بشكل سليم".

16


شعرت أنه يتحداها، و يتهمها بالضعف، و رغبت أن تثبت له العكس، رغم أنها كانت تعي كونه على حق! غير أنها لم تستسلم، و لم تفقد شعلة المحاولة لآلاف المرات، عادت لصراعها مع الملعقة مرة أخرى مصممة أن تنجح، حاولت و حاولت دون أن تلقي بالا لفشلها الذريع في كل مرة، بينما ظل الرجل فوق رأسها محتفظا بدور الرقيب! فاجأها قوله المتسلي:

1


"يمكنكِ طلب المساعدة".

10


"لا داعي لذلك، أستطيع العناية بنفسي!".

5


تنفست ماريغولد ببطء مريحة يدها اليمنى، قبل أن تنقل جهادها المرير إلى يسراها المضمدة، فأجفلت و زمت شفتيها حتى لا تصرخ من شدة الألم، عندها... جلس هارولان على طرف السرير و التقط الملعقة من يدها مقرِّرًا إطعامها بنفسه، فاعترضت باستياء:

+


"لا ضرورة لـ...".

+


"صه!".

56


قاطعها بصرامة مطبقا إصبعين على ثغرها، و استطرد نافذ الصبر:

+


"نلتُ كفايتي من عنادكِ، أنتِ أصعبُ مِراسًا من الأطفال!".

8


أحرقتها لمسته، و امتدت النيران إلى أغوار روحها، كأن النار نفسها هي التي ألجمتها، سحب إصبعيه، فباعدت بين شفتيها حائرة، لينتهز هارولان الفرصة و يحشر الملعقة في فمها بإصرار، لم تجد بُدًّا من الانصياع لسلطانه، لو قيل لها قبل اليوم أن كينغ الأسود الذي كال لها أبشع التهم و سجنها ظلما... سيحملها إلى بيته قلقا على سلامتها، و يجلس على مقربة منها، و يطعمها بيده... لما صدقت ذلك! شعرت أنه خليط مدهش من القسوة و الرحمة، و شعر هو أنها ليست امرأة ناضجة كما يبدو عليها... بل مجرد طفلة خائفة بحاجة لمن يرعاها! طفلة أضاعت أمانها... و افتقدت الدفء!

15


ناولها آخر لقمة، فالدواء الذي وصفه لها الطبيب، ثم التقط سماعة هاتف الغرفة آمرا شخصا ما في المطبخ:

+


"سيد لي، انتظرني في مكتبي، هناك شيء أريدك أن تقوم به، لكن أولا... أرسل تِيا لتسهر على راحة الآنسة الليلة!".

2


هل يقصدها هي بالآنسة؟ تمتمت متسائلة:

+


"لماذا تفعل كل هذا من أجلي؟ لماذا تهمك راحتي الآن؟".

8


خطا نحو الباب صامتا، ثم توقف و استدار محدقا مباشرة في عينيها، و أجاب بشكل أسرها:

+


"ربما أردُّ دينًا، أو ربما أحاول استعادة الخصم القوي الذي كان يتحداني بصمود عجيب و جرأة مجنونة!".

22


أوصد الباب خلفه، و تركها لتغوص في حيرتها، تقاذفتها أفكار عديدة، و رمت بها ذكريات الإصطبل في هاوية من التساؤلات، قبل أن تقتحم وحدتها تِيا قائلة:

+


"آنستي! يُصرُّ السيد كينغ أن تنامي جيدا، فما مررتِ به تنهار على إثره هامات الرجال!".

+


غادرت بالصينية الفارغة صوب المطبخ، ثم عادت بعد لحظات مستطردة:

+


"آه! شجاعتك آنستي لا تزال على ألسن الجميع في المزرعة! أصبحتِ بطلة كينغلاند بين ليلة و ضحاها! لا يمكنني أن أصدق... حتى السيد كينغ الذي يزدري النساء أشاد بفطنتكِ و جرأتكِ، و أوصانا بمعاملتكِ كأصحاب البيت!".

+


ذهلت ماريغولد مما سمعته، إذن هذا الكينغ يزدري النساء و يمقتهن كما خمنت في مناسبات عدة، ألم يقل بعظمة لسانه أنهن أفاعي جميلة و سامة؟ ألم يكن واضحا منذ البداية أنه يكره كل ما هو ٱنثوي؟ و لكن لماذا بحق السماء يكن كل هذا الغضب الأسود تجاه النساء؟ ما الذي يجعله حاقدا عليهن هكذا؟ أرادت أن تنفق الليل بطوله لتجد أجوبة ترضي فضولها حول هارولان كينغ، لكن النعاس انتصر على أفكارها في ظرف قصير! راقبت تِيا و هي تخفض إنارة الغرفة و تستريح على أريكة بجوار سريرها، قبل أن يستحضر خيالها وجها رجوليا أسمرًا بجاذبيته القوية و وسامته الخشنة، ثم أسدلت جفونها المتعبة، و استسلمت للنوم من جديد!

16


نهاية الفصل العاشر.

+


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close