رواية احببت عبراني الفصل التاسع 9 بقلم مريم غريب
( 9 )
_ لا تفعل ! _
كان كفه الغليظ يحيط بذراعها كالكماشة ، عندما إقتحم بها المنزل مرة أخري ، كانت مسحوبة خلفه كالشاه المساقة للمذبح ، تحاول عبثاً الإفلات منه بشتي الطرق .. حتي وصلت معه إلي غرفتها
صفق الباب ورائهما بعنف ، ثم شدها بقوة مسنداً إياها إلي الجدار البارد ... أمسك يداها بكلتا يديه و رفعهما حذو رأسها ، ثبتهما جيداً و إقترب منها علي نحو خطير ، بحيث إستطاعت أن تشعر بحرارة جسمه و أنفاسه المحرقة علي وجهها
إزدردت ريقها بتوتر جم و هي تحملق فيه ملء عيناها ، بينما لم تهدأ شعلتيه الرمادتين أبداً و هو يصوب نحوها نظراته الفتاكة ...
-هل هذا ما إتفقنا عليه ؟ .. نطق "إبراهام" من بين أسنانه
-هكذا يكون الوفاء بالعهد ؟ هه . ردي . قولي شيئاً .. إنطـقـــي !
إرتعدت مذعورة إثر صراخه فيها ، خرج صوتها مرتجفاً و هي تقول مغالبة إرتباكها :
-لا تنتظر مني أن أطيعك . أبداً .. أنا لست معك بإرادتي و لن أكف عن محاولة الهرب منك . لن تكون هذه المرة الأخيرة
و ندمت فوراً علي أسرافها في الكلام ، حين رأت تضرج وجهه بحمرة خطيرة ، و فجأة إنفجر صائحاً بغضب :
-إذن لن تهدأي حتي أدق عنقك بيدي . هل تحسبينني عاجزاً عن إيذائك ؟ ثقي أن الأمر لن يستمر هكذا . أستطيع أن أمحيك من الوجود في لحظة و أريح بالي من هذا العناء
صرخت بتهور :
-فلتفعل هذا . ماذا تنتظر ؟ علي الأقل سوف أتخلص منك . تلك أمنيتي . أيها اليهودي الكريه ! .. و فرغت لاهثة بقوة
أطال النظر في عينيها صامتاً لبرهة ، و بصوت أرسل الرعب إلي قلبها قال و هو يدنو منها أكثر :
-يبدو لي أنني أعطيتك مساحة كبيرة من الحرية . و بالغت في تدليلك حقاً بحيث ظننت أنك كذلك حرة بالفعل .. و لكن لم يفت الآوان بعد . أستطيع تدارك هذا
و قبل أن تفهم ماذا يقصد تماماً ، كان قد أمسك بكتفيها و إجتذبها أمامه إلي منتصف الغرفة ، صرخت برعب حين مد يده محاولاً نزع الحجاب من فوق رأسها و هو يزمجر بشراسة :
-من الآن فصاعداً لا أريد أن أري هذا القرف فوق رأسك . و كتابك المقدس هذا سأسحبه منك و لن تتخذي بقعة واحدة من أرض منزلي مسجداً لك بعد اليوم أتفهمين ؟
كانت الدموع قد بدأت بالإنهمار من عينيها كالشلالات ، لم تتوقف عن مقاومة يده لحظة واحدة و هي تصيح بعنف :
-لا لم أفهم . حجابي ليس قرفاً و أنا لن أخلعه أبداً و لن أتوقف عن أداء صلاتي حتي لو وضعت السكين علي عنقي . تباً لك أيها الصهيوني الكافر !!
تصاعدت الدماء الحارة إلي وجهه ، فغمغم و هو يرتجف من قمة الغضب :
-الآن يريك الصهيوني الكافر كيف يعامل أمثالك !
و في طرفة عين كان قد حل عقدة حجابها و إنتزعه منها عنوة ، ليتفجر شعرها الغزير من معقله محدثاً غلالة من الحرير الأسود حول وجهها
تسمر أمامها حابساً أنفاسه لوهلة ، و سرعان ما أفاق حين رآها تهم بالفرار صوب باب الحمام الموارب ، إنقض عليها مطوقاً خصرها بذراعاه و هو يتمتم بصوت مستثار :
-إلي أين تذهبين ؟ لا يجوز لجارية مثلك أن تترك سيدها و تذهب هكذا قبل أن يأذن لها
-لست جاريـة ! .. قالتها "آية" بصراخ شديد
إبراهام بخشونة :
-بل أنت جاريتي . سآخذ منك كل ما أريد و ستفعلين كل ما آمرك به . لقد دفعت فيك ثمناً لا يمكن أن تحلمي به حتي . و إن كنت تركتك و شأنك كل هذه المدة و حرصت علي معاملتك بلطف فهذا لأنني رجلاً نبيل بطبعي . و لكن طالما أنك تظنين هذا ضعفاً و تساهلاً مني فسأثبت لك حالاً إنك مخطئة .. ثم دفعها بعنف لتسقط فوق السرير
لم يكد عقلها يعمل حتي ، إتسعت عيناها بصدمة و هي تراه يخلع كنزته ليبقي جزعه العلوي عاري تماماً ... همت بالهرب منه ثانيةً ، لكنه أحبط محاولتها ممسكاً بقدمها ، سحبها نحوه بإصرار و جثم فوقها مباعداً بين ساقيها ، حشر نفسه بينهما فعجزت عن رفسه ، إلتجأت إلي ضربه بقبضتاها و هي لا تنفك عن الصراخ
ليمسك برسغيها و يحبسهما في يد ، و بيده الأخري بدأ بتمزيق قميصها و هو يكتم فمها الصارخ بفمه المصمم
تدفقت دموعها بغزارة الآن و صراخات الرفض و القهر التي علت بداخلها علقت بحلقها ، عاودتها مشاعر الخوف السالفة من جديد ، تراءات لها ذكري القصف ، تتبعها ذكري الأسر و وقوعها سبية تحت أيدي جنود الإحتلال و أعوانهم رؤوس الأفاعي الأشرار وصولاً إلي حاضرها هذا
صحت "آية" من ذكرياتها و قلبها يخفق وجلاً ، عندما شعرت بأصابعه تجد طريقها إلي مشبك صدريتها ثم سحاب سروالها ...
أشاحت بوجهها عنه بصعوبة كبيرة و هدرت بإنهيار تام :
-أرجـووك . توقـف أرجـوك . توقـف . لا تفعل هذا بي . أتوسل إليك لا تفعل . لن أعصي لك أمراً بعد الآن أعدك بأنني سأكون مطيعة . لن أخرج من غرفتي لو كان هذا سيرضيك لن تصلك شكوي مني و لن تسمع صوتي أبداً . أتركني أرجوك . لو تقتلني ليكونن أهون عليّ من ذلك . لن أعيش ثانية واحدة أصلاً إذا فعلت بي هذا !!!
كان لهاثه الحار يضرب وجهها بقوة ، و بشرته البرونزية مخضبة بالدم و هو ينظر إلي الدموع المترقرقة بعيناها ، و شفاهها المتورمة بفعل قبلاته الوحشية
هكذا روضته ببضعة كلمات ، رغم أنه لم يود أن يتركها أبداً ، فقد أثارت شيئاً بداخله ، شيء تحرك لأول مرة ، شغف من نوع جديد كبحه بمنتهي الصعوبة ...
تراجع عنها مدققاً النظر بذهول في الشق الذي أحدثه بقميصها ، ما أن تركها حتي إبتعدت فوراً متكورة علي نفسها بأخر الفراش ، تبكي و تشهق كالأطفال و هي تضم طرفي القميص حول صدرها
مد يده ساحباً كنزته عن حافة السرير ، ألقاها علي كتفه و إستدار متوجهاً نحو باب الغرفة دون أن يفه بكلمة ...
كان شعوره بالإنزعاج من نفسه عظيم جداً ، لوهلة أحس بالإشمئزاز من ذاته ، فهو الذي لطالما كره أفعال ذويه و أبناء وطنه ، كاد اليوم أن يفعل مثلهم و يقلدهم بالضبط
وصل "إبراهام" إلي غرفته و ألقي بنفسه فوق أقرب كرسي واضعاً رأسه بين كفيه ، ملأه الشعور بالخزي بسبب ما أقدم عليه قبل قليل و تساءل بإلحاح شديد عن العلة التي دفعته لذلك
فلو كان يريد معاقبتها لوجد أكثر من طريقة فعالة دون ذلك ، لكنه تحول تماماً ، تجرد من الإنسانية التي لطالما كان يدعيها و كاد يدعس مبادئه كلها في لحظة !
-اللعنة ! .. غمغم بقنوط شديد و هو يفرك وجهه بقوة
-هل أصبحت مثلهم الآن ؟
بعد أن فرغ من إستحمامه ، إرتدي ثيابه و إستعاد شخصيته الأصلية المتماسكة ، شعر ببعض التردد و هو يقف علي عتبة غرفته ، لكنه حسم أمره و توجه مرة أخري نحو غرفتها
نقر نقرتين ، و لأنه يعرف أنها لن ترد فتح الباب و دفعه بروية ... تطلع بحذر إلي الداخل ، وجدها تجلس أمام الشرفة ، في مكانها المعتاد ، بيد أنها تحممت بدورها ، و قد إرتدت من الملابس الجديدة ، بيجامة صفراء و وشاح رأس زيتوني
نظر إلي تلة العلب في وسط الغرفة ، فعرف أن الخدم قد لبوا آوامره و نقلوا كل شيء بعد خروجه من عندها ...
ندت عنه تنهيدة حارة ، أقفل الباب بهدوء و مشي ناحيتها ببطء .. ركع علي إحدي ركبتيه خلفها و حط بيده علي كتفها هامساً :
-آيـة !
إنتفضت لسماع صوته قبل إحساسها بلمسته ، إلتفتت قافزة للخلف بسرعة رهيبة و قامت واقفة علي قدميها و هي تهتف بذعر :
-مـ ماذا ! ماذا تريد مني ؟ لم أفعل شيء . لماذا جئت مجدداً ؟!!
إنزعج كثيراً لمرأي كل هذا الخوف منه بعينيها ، شعر بأنه صار وحشاً مثل البقية .. رفع يداه مظهراً حسن نيته و قال يطمئنها :
-إهدأي يا آية . أنا لن أؤذيك
جلب صوته الرجولي ذي النبرة المبحوحة طوفاناً من ذكريات الساعة الماضية ، فإبتعدت دون أن تدير له ظهرها و هي تقول بعدم ثقة :
-إبتعد . إذهب أرجوك .. أخرج من هنا !
عقد حاجبيه بشدة كارهاً نفسه أكثر ، لم ينتظر لحظة أخري و قطع المسافة بينهما محوطاً كتفاها بيديه و هو يقول بهدوء :
-أعرف أن لا شيء يمكن أن يمحو إساءتي إليك يا آية . لم يكن لها أي مبرر . لكني أعتذر منك . صدقيني أنا نادم و بشدة . أنا آسف .. حقاً آسف
كانت تتملص منه بضعف غير قادرة علي منع دموعها من الهطول ، حاولت أن تبعده عنها و هي تقول بصوت غص بنشيجها المحموم :
-أتركني . أرجوك أتركني . أعرف بأنني أصبحت ملكاً لك . أعرف بأنني صرت جاريتك منذ فترة . لكني لن أتحمل ذلك . لن أطيق العيش مع هذا الإثم حتي لو كنت مرغمة .. و الله أنا أضعف مما تتصور . لا تؤذني !
رمقها بنظرات مشفقة و شدها إلي صدره قسراً عنها ، ضمها بحنان متمتماً لها بعذوبة :
-أقسم لك لن أفعل هذا بك مرة أخري . مهما حصل .. أساساً لم يحدث شيء بيننا يا آية . لقد كنت غاضب فقط و تصرفت بدون وعي . أنت من دفعني لذلك . كذبت عليّ و حاولت الهرب مني . ثم قمت بإستفزازي بالحديث هنا . لكن مع هذا أنا آسف . أغفري لي أرجوك . أنا لست مثلهم كما تعتقدين
لم تهدأ حتي إبتعدت عنه ، و هو لم يجبرها علي البقاء بين أحضانه ، فقد أراد أن يبث فيها الشعور بالآمان فقط ...
-أمازلت حزينة ؟ .. تساءل "إبراهام" مبتسماً
-أنسي كل ما قلته لك . لست جاريتي . بل أنت ضيفتي و أجمل فتاة عربية رأيتها في حياتي . لن أجبرك أبداً علي خلع حجابك . و تستطيعين أداء جميع فرائضك و صلاتك . لن أعترض علي هذا
كفكفت دموعها بظاهر يدها و ردت عليه بصوت مهزوز :
-و أنا لن أحاول الهرب . و لن أزعجك بعد الآن .. أعدك !
إتسعت إبتسامته أكثر و هو يقول بصوته اللطيف :
-هذا جيد .. لقد تصالحنا إذن . و الآن هلا نزلت معي من فضلك ؟ لن أصدق أنك سامحتني إلا إذا إحتسينا القهوة سوياً مثل البارحة
نظرت له علي إستحياء ، و ردت عليه بإبتسامة خفيفة :
-حاضر .. إذهب أنت أولاً . و سألحق بك قريباً !
يتبـــع .
_ لا تفعل ! _
كان كفه الغليظ يحيط بذراعها كالكماشة ، عندما إقتحم بها المنزل مرة أخري ، كانت مسحوبة خلفه كالشاه المساقة للمذبح ، تحاول عبثاً الإفلات منه بشتي الطرق .. حتي وصلت معه إلي غرفتها
صفق الباب ورائهما بعنف ، ثم شدها بقوة مسنداً إياها إلي الجدار البارد ... أمسك يداها بكلتا يديه و رفعهما حذو رأسها ، ثبتهما جيداً و إقترب منها علي نحو خطير ، بحيث إستطاعت أن تشعر بحرارة جسمه و أنفاسه المحرقة علي وجهها
إزدردت ريقها بتوتر جم و هي تحملق فيه ملء عيناها ، بينما لم تهدأ شعلتيه الرمادتين أبداً و هو يصوب نحوها نظراته الفتاكة ...
-هل هذا ما إتفقنا عليه ؟ .. نطق "إبراهام" من بين أسنانه
-هكذا يكون الوفاء بالعهد ؟ هه . ردي . قولي شيئاً .. إنطـقـــي !
إرتعدت مذعورة إثر صراخه فيها ، خرج صوتها مرتجفاً و هي تقول مغالبة إرتباكها :
-لا تنتظر مني أن أطيعك . أبداً .. أنا لست معك بإرادتي و لن أكف عن محاولة الهرب منك . لن تكون هذه المرة الأخيرة
و ندمت فوراً علي أسرافها في الكلام ، حين رأت تضرج وجهه بحمرة خطيرة ، و فجأة إنفجر صائحاً بغضب :
-إذن لن تهدأي حتي أدق عنقك بيدي . هل تحسبينني عاجزاً عن إيذائك ؟ ثقي أن الأمر لن يستمر هكذا . أستطيع أن أمحيك من الوجود في لحظة و أريح بالي من هذا العناء
صرخت بتهور :
-فلتفعل هذا . ماذا تنتظر ؟ علي الأقل سوف أتخلص منك . تلك أمنيتي . أيها اليهودي الكريه ! .. و فرغت لاهثة بقوة
أطال النظر في عينيها صامتاً لبرهة ، و بصوت أرسل الرعب إلي قلبها قال و هو يدنو منها أكثر :
-يبدو لي أنني أعطيتك مساحة كبيرة من الحرية . و بالغت في تدليلك حقاً بحيث ظننت أنك كذلك حرة بالفعل .. و لكن لم يفت الآوان بعد . أستطيع تدارك هذا
و قبل أن تفهم ماذا يقصد تماماً ، كان قد أمسك بكتفيها و إجتذبها أمامه إلي منتصف الغرفة ، صرخت برعب حين مد يده محاولاً نزع الحجاب من فوق رأسها و هو يزمجر بشراسة :
-من الآن فصاعداً لا أريد أن أري هذا القرف فوق رأسك . و كتابك المقدس هذا سأسحبه منك و لن تتخذي بقعة واحدة من أرض منزلي مسجداً لك بعد اليوم أتفهمين ؟
كانت الدموع قد بدأت بالإنهمار من عينيها كالشلالات ، لم تتوقف عن مقاومة يده لحظة واحدة و هي تصيح بعنف :
-لا لم أفهم . حجابي ليس قرفاً و أنا لن أخلعه أبداً و لن أتوقف عن أداء صلاتي حتي لو وضعت السكين علي عنقي . تباً لك أيها الصهيوني الكافر !!
تصاعدت الدماء الحارة إلي وجهه ، فغمغم و هو يرتجف من قمة الغضب :
-الآن يريك الصهيوني الكافر كيف يعامل أمثالك !
و في طرفة عين كان قد حل عقدة حجابها و إنتزعه منها عنوة ، ليتفجر شعرها الغزير من معقله محدثاً غلالة من الحرير الأسود حول وجهها
تسمر أمامها حابساً أنفاسه لوهلة ، و سرعان ما أفاق حين رآها تهم بالفرار صوب باب الحمام الموارب ، إنقض عليها مطوقاً خصرها بذراعاه و هو يتمتم بصوت مستثار :
-إلي أين تذهبين ؟ لا يجوز لجارية مثلك أن تترك سيدها و تذهب هكذا قبل أن يأذن لها
-لست جاريـة ! .. قالتها "آية" بصراخ شديد
إبراهام بخشونة :
-بل أنت جاريتي . سآخذ منك كل ما أريد و ستفعلين كل ما آمرك به . لقد دفعت فيك ثمناً لا يمكن أن تحلمي به حتي . و إن كنت تركتك و شأنك كل هذه المدة و حرصت علي معاملتك بلطف فهذا لأنني رجلاً نبيل بطبعي . و لكن طالما أنك تظنين هذا ضعفاً و تساهلاً مني فسأثبت لك حالاً إنك مخطئة .. ثم دفعها بعنف لتسقط فوق السرير
لم يكد عقلها يعمل حتي ، إتسعت عيناها بصدمة و هي تراه يخلع كنزته ليبقي جزعه العلوي عاري تماماً ... همت بالهرب منه ثانيةً ، لكنه أحبط محاولتها ممسكاً بقدمها ، سحبها نحوه بإصرار و جثم فوقها مباعداً بين ساقيها ، حشر نفسه بينهما فعجزت عن رفسه ، إلتجأت إلي ضربه بقبضتاها و هي لا تنفك عن الصراخ
ليمسك برسغيها و يحبسهما في يد ، و بيده الأخري بدأ بتمزيق قميصها و هو يكتم فمها الصارخ بفمه المصمم
تدفقت دموعها بغزارة الآن و صراخات الرفض و القهر التي علت بداخلها علقت بحلقها ، عاودتها مشاعر الخوف السالفة من جديد ، تراءات لها ذكري القصف ، تتبعها ذكري الأسر و وقوعها سبية تحت أيدي جنود الإحتلال و أعوانهم رؤوس الأفاعي الأشرار وصولاً إلي حاضرها هذا
صحت "آية" من ذكرياتها و قلبها يخفق وجلاً ، عندما شعرت بأصابعه تجد طريقها إلي مشبك صدريتها ثم سحاب سروالها ...
أشاحت بوجهها عنه بصعوبة كبيرة و هدرت بإنهيار تام :
-أرجـووك . توقـف أرجـوك . توقـف . لا تفعل هذا بي . أتوسل إليك لا تفعل . لن أعصي لك أمراً بعد الآن أعدك بأنني سأكون مطيعة . لن أخرج من غرفتي لو كان هذا سيرضيك لن تصلك شكوي مني و لن تسمع صوتي أبداً . أتركني أرجوك . لو تقتلني ليكونن أهون عليّ من ذلك . لن أعيش ثانية واحدة أصلاً إذا فعلت بي هذا !!!
كان لهاثه الحار يضرب وجهها بقوة ، و بشرته البرونزية مخضبة بالدم و هو ينظر إلي الدموع المترقرقة بعيناها ، و شفاهها المتورمة بفعل قبلاته الوحشية
هكذا روضته ببضعة كلمات ، رغم أنه لم يود أن يتركها أبداً ، فقد أثارت شيئاً بداخله ، شيء تحرك لأول مرة ، شغف من نوع جديد كبحه بمنتهي الصعوبة ...
تراجع عنها مدققاً النظر بذهول في الشق الذي أحدثه بقميصها ، ما أن تركها حتي إبتعدت فوراً متكورة علي نفسها بأخر الفراش ، تبكي و تشهق كالأطفال و هي تضم طرفي القميص حول صدرها
مد يده ساحباً كنزته عن حافة السرير ، ألقاها علي كتفه و إستدار متوجهاً نحو باب الغرفة دون أن يفه بكلمة ...
كان شعوره بالإنزعاج من نفسه عظيم جداً ، لوهلة أحس بالإشمئزاز من ذاته ، فهو الذي لطالما كره أفعال ذويه و أبناء وطنه ، كاد اليوم أن يفعل مثلهم و يقلدهم بالضبط
وصل "إبراهام" إلي غرفته و ألقي بنفسه فوق أقرب كرسي واضعاً رأسه بين كفيه ، ملأه الشعور بالخزي بسبب ما أقدم عليه قبل قليل و تساءل بإلحاح شديد عن العلة التي دفعته لذلك
فلو كان يريد معاقبتها لوجد أكثر من طريقة فعالة دون ذلك ، لكنه تحول تماماً ، تجرد من الإنسانية التي لطالما كان يدعيها و كاد يدعس مبادئه كلها في لحظة !
-اللعنة ! .. غمغم بقنوط شديد و هو يفرك وجهه بقوة
-هل أصبحت مثلهم الآن ؟
بعد أن فرغ من إستحمامه ، إرتدي ثيابه و إستعاد شخصيته الأصلية المتماسكة ، شعر ببعض التردد و هو يقف علي عتبة غرفته ، لكنه حسم أمره و توجه مرة أخري نحو غرفتها
نقر نقرتين ، و لأنه يعرف أنها لن ترد فتح الباب و دفعه بروية ... تطلع بحذر إلي الداخل ، وجدها تجلس أمام الشرفة ، في مكانها المعتاد ، بيد أنها تحممت بدورها ، و قد إرتدت من الملابس الجديدة ، بيجامة صفراء و وشاح رأس زيتوني
نظر إلي تلة العلب في وسط الغرفة ، فعرف أن الخدم قد لبوا آوامره و نقلوا كل شيء بعد خروجه من عندها ...
ندت عنه تنهيدة حارة ، أقفل الباب بهدوء و مشي ناحيتها ببطء .. ركع علي إحدي ركبتيه خلفها و حط بيده علي كتفها هامساً :
-آيـة !
إنتفضت لسماع صوته قبل إحساسها بلمسته ، إلتفتت قافزة للخلف بسرعة رهيبة و قامت واقفة علي قدميها و هي تهتف بذعر :
-مـ ماذا ! ماذا تريد مني ؟ لم أفعل شيء . لماذا جئت مجدداً ؟!!
إنزعج كثيراً لمرأي كل هذا الخوف منه بعينيها ، شعر بأنه صار وحشاً مثل البقية .. رفع يداه مظهراً حسن نيته و قال يطمئنها :
-إهدأي يا آية . أنا لن أؤذيك
جلب صوته الرجولي ذي النبرة المبحوحة طوفاناً من ذكريات الساعة الماضية ، فإبتعدت دون أن تدير له ظهرها و هي تقول بعدم ثقة :
-إبتعد . إذهب أرجوك .. أخرج من هنا !
عقد حاجبيه بشدة كارهاً نفسه أكثر ، لم ينتظر لحظة أخري و قطع المسافة بينهما محوطاً كتفاها بيديه و هو يقول بهدوء :
-أعرف أن لا شيء يمكن أن يمحو إساءتي إليك يا آية . لم يكن لها أي مبرر . لكني أعتذر منك . صدقيني أنا نادم و بشدة . أنا آسف .. حقاً آسف
كانت تتملص منه بضعف غير قادرة علي منع دموعها من الهطول ، حاولت أن تبعده عنها و هي تقول بصوت غص بنشيجها المحموم :
-أتركني . أرجوك أتركني . أعرف بأنني أصبحت ملكاً لك . أعرف بأنني صرت جاريتك منذ فترة . لكني لن أتحمل ذلك . لن أطيق العيش مع هذا الإثم حتي لو كنت مرغمة .. و الله أنا أضعف مما تتصور . لا تؤذني !
رمقها بنظرات مشفقة و شدها إلي صدره قسراً عنها ، ضمها بحنان متمتماً لها بعذوبة :
-أقسم لك لن أفعل هذا بك مرة أخري . مهما حصل .. أساساً لم يحدث شيء بيننا يا آية . لقد كنت غاضب فقط و تصرفت بدون وعي . أنت من دفعني لذلك . كذبت عليّ و حاولت الهرب مني . ثم قمت بإستفزازي بالحديث هنا . لكن مع هذا أنا آسف . أغفري لي أرجوك . أنا لست مثلهم كما تعتقدين
لم تهدأ حتي إبتعدت عنه ، و هو لم يجبرها علي البقاء بين أحضانه ، فقد أراد أن يبث فيها الشعور بالآمان فقط ...
-أمازلت حزينة ؟ .. تساءل "إبراهام" مبتسماً
-أنسي كل ما قلته لك . لست جاريتي . بل أنت ضيفتي و أجمل فتاة عربية رأيتها في حياتي . لن أجبرك أبداً علي خلع حجابك . و تستطيعين أداء جميع فرائضك و صلاتك . لن أعترض علي هذا
كفكفت دموعها بظاهر يدها و ردت عليه بصوت مهزوز :
-و أنا لن أحاول الهرب . و لن أزعجك بعد الآن .. أعدك !
إتسعت إبتسامته أكثر و هو يقول بصوته اللطيف :
-هذا جيد .. لقد تصالحنا إذن . و الآن هلا نزلت معي من فضلك ؟ لن أصدق أنك سامحتني إلا إذا إحتسينا القهوة سوياً مثل البارحة
نظرت له علي إستحياء ، و ردت عليه بإبتسامة خفيفة :
-حاضر .. إذهب أنت أولاً . و سألحق بك قريباً !
يتبـــع .
