رواية احببت عبراني الفصل الثامن 8 بقلم مريم غريب
( 8 )
_ نزهة ! _
وضع "إبراهام" القلم من يده فوق الطاولة التي حملت أوراقاً و مجلدات متعددة ، نظر في عيني "آية" اللامعتين بالترقب ...
و في ثانية تخلص من تعبيره الصارم و إبتسم قائلاً :
-إنتهي الدرس !
أطلقت "آية" زفرة إرتياح و قالت غير مصدقة :
-أخيراً ! لقد إنقضت 4 ساعات من الشرح المتواصل .. و أكملت بتذمر :
-حسبتك لن تنتهي أبداً !
ضحك "إبراهام" قائلاً :
-بعد 3 أيام من تعليم و ممارسة اللغة . ما زلت لا تكفين عن التذمر ؟ هل تجدين الأمر صعب إلي هذه الدرجة ؟ رغم أنني ألاحظ تطور رائع
قلبت "آية" عيناها و هي تقول بإنزعاج :
-لا أجده صعباً . بل كريهاً .. لكن ماذا أفعل ؟ فأنا مضطرة حتي لا أصير كالعمياء بينكم
أومأ لها :
-أحسنت . لأول مرة أري تفكيرك حكيم .. ثم قال و قد عاد للجدية الصارمة مرة أخري :
-و الآن حان وقت المراجعة . هيا سأختبرك علي أول جزء . جاهزة ؟
آية بثقة :
-جاهزة !
أغلق "إبراهام" جميع المجلدات ، و بدأ بطرح الأسئلة البسيطة بالعربية :
-كيف حالك ؟
آية بلسان عبراني فصيح :
-ما شلومخ
إبراهام : ما أسمك ؟
آية : كين شيم ؟ شمي هو آية
إبراهام : السلام عليكم !
آية : شالوم عليخم
إبراهام : عفواً !
آية : سليحا
إبراهام : صباح الخير !
آية : بوكر توڤ
إبراهام : مساء الخير !
آية : عيرف توڤ
إبراهام : شكراً !
آية : تودا
إبراهام : شكراً جزيلاً !
آية : تودا ربا
إبراهام : يوم السبت !
آية : يوم شيبت
إبراهام : يوم الأحد !
آية : يوم راشون
إبراهام : يوم الأثنين !
آية : يوم شني
إبراهام : يوم الثلاثاء !
آية : يوم شيلشي
إبراهام : يوم الأربعاء !
آية : يوم رفيعي
إبراهام : يوم الخميس !
آية : يوم حميشي
إبراهام : يوم الجمعة !
آية : يوم ششي
-ممتازة ! .. قالها "إبراهام" بإبتسامة واسعة و قد بدا راضياً لأقصي حد
-النطق صحيح جداً و المخارج مضبوطة . أنا فخور بك يا صغيرتي
عبست "آية" قائلة :
-هل يمكنني أن أطرح عليك سؤالاً ؟
-بالتأكيد . تفضلي !
رمقته بنظرة شاملة أجفلته قليلاً ، ثم قالت :
-كم عمرك ؟
عقد حاجبيه مبتسماً بإستغراب ، لكنه أجابها :
-29 عاماً . إنما لماذا سألتي هذا السؤال تحديداً ؟
آية بضيق شديد :
-لأنك لا تنفك تناديني بصغيرتي . فكما أري أنك لست كبيراً لهذا الحد حتي تراني صغيرتك . الفرق بيننا لا يتجاوز العشرة أعوام !
إبراهام ضاحكاً بدهشة :
-مهلاً مهلاً . و لما أنت منزعجة هكذا ؟ صدقيني أنا أتصرف معك بعفوية . لا أقصد شيئاً مسيئ إطلاقاً
أشاحت بيدها غير مبالية و قالت :
-قلت أننا إنتهينا اليوم . حسناً . سأصعد إلي غرفتي الآن . بالإذن !
و بدأت بتجميع أوراقها و دفاترها ، بينما كانت أعين "إبراهام" عليها ، كان يعاين حالة ثيابها و يدقق النظر في قطع الملابس التي لم تبدلها كما يري منذ وطأت قدماها هذا البيت !!
-أخبريني يا آية .. دمدم بصوت هادئ
فرفعت وجهها إليه مجدداً ، أشار بذقنه نحوها مستطرداً :
-أليس لديك ثياب غير تلك ؟ أتذكر أنني طلبت إلي نديمة هنا بأن تعيرك بعض الملابس عندما جئت بك . ألم تعطيك سوي هذا القميص الرث و ذاك السروال البالي ؟
هزت "آية" كتفيها و قالت بلا إكتراث :
-لم تعطيني . و لكني لا أهتم كثيراً بالثياب . فأنا أقوم بغسلها بنفسي أولاً بأول و لا أنام فيها حتي لا تبلي سريعاً . أنا أعتني بنفسي لا داعي لقلقك
و لاحظ رنة سخرية في أخر عبارتها ، إلا أنه تجاوز عنها و قال بجدية :
-لا . لا يروقني هذا . أنت يجب أن تحصلي خزانة ملابس كاملة . بالطبع لن أقبل بما أنت عليه . ليس و أنت معي
آية بعناد :
-قلت لك أنني لا أهتم . لا تجهد تفكيرك بي رجاءً فأنا بخير
إبراهام بحزم :
-و أنا قلت ستحصلي علي خزانة ملابس . أنا لا أطلب رأيك . هل هذا مفهوم ؟
ملأ العبوس قسمات وجهها و لم تجسر علي التفوه بكلمة أخري ، بينما قام "إبراهام" من مكانه و هو يقول بصوت آمر :
-أبقي هنا . سأصعد لأبدل ملابسي . لن أتأخر عليك
فغرت "آية" فاها وقد باغتها بهذه الآوامر ، فقالت ببلاهة :
-ماذا ؟ لماذا ؟ ماذا تريد مني بالضبط ؟!!
إبراهام بضيق :
-و ماذا برأيك ! لا أريد شيء فقط إنتظرينني ريثما أعود إليك . سآخذك إلي السوق لتختاري كل شيء بنفسك
حملقت فيه بعدم تصديق و قالت :
-تقصد . أنني سأذهب معك ؟ سأخرج من هذا المنزل ؟؟!!
إبتسم "إبراهام" لمرآي هذا التعبير المشدوه علي وجهها و قال :
-نعم يا عزيزتي . لقد قصدت هذا تماماً .. هل من مشكلة ؟ ألا تحبين الفكرة ؟!
قفزت "آية" واقفة و هي تقول بإسراع :
-لالالالا أحببتها . بالطبع أحببتها !
إزدادت إبتسامته إتساعاً و هو يقول :
-فكرت أنك ربما بحاجة لنزهة إلي الخارج . لهذا عرضت عليك أن تأت معي . و حتي أثبت لك حسن نواياي و أنني لا أتخذك سجينة هنا . و لأنك تلميذة مجتهدة أيضاً رأيت أنك تستحقين مكافأة
إصطنعت "آية" إبتسامة و هي ترد عليه برقة :
-شكراً . شكراً لك
-سأطوف بك أرجاء المدينة و سنتناول الغداء معاً في المطعم المكشوف . أنهم يقدمون شطائر هناك لن تكتفي منها أبداً . الشطيرة الواحدة تجدينها محشوة بأكثر من مئة نوع من الجبن الفرنسي . أراهن أنك ستحبين ذلك
تظاهرت بالتجاوب معه و لو بالإشارات و الإيماءات ، لكنه لم يكن بالشخص الهين أبداً ...
إختفت إبتسامته في لحظة ، و حني رأسه نحوها قليلاً و قد ضاقت عيناه بشكل ينذر بالخطر ، ثم تمتم بخفوت :
-و لكن عليّ أن آخذ منك عهد أولاً . قبل أن تبلغي معي بوابات هذا القصر !
إبتلعت ريقها بصعوبة و قالت :
-بماذا تريدني أن أتعهد لك ؟
صمت "إبراهام" لبرهة ، و قال بما يشبه السؤال :
-أنت لا تفكرين بالهرب طبعاً !
توسع بؤبؤيها الخضراوين لجزء من الثانية ثم صاحت بإستنكار شديد :
-أنا أفكر بالهرب ! هل تمزح ؟ حتي إذا فكرت . كيف أفعل هذا ؟ فأنا لا أملك جواز سفر و لا حتي أوراق شخصية . إلي أين سأذهب ؟ و لا بد أنك ستجدني بالنهاية . فلما أجازف أساساً !!
-أتمني أن يكون هذا صحيحاً . فأنت لا قبل لك بتحمل تبعات فعلاً كذلك .. ثم قال و هو يستدير نحو الدرج :
-دقائق قليلة و تجدينني أمامك أيتها العربية !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
عندما أصبحت السياة تطير فوق الجسر المسفلت بالخارج ، رفعت "آية" بصرها إلي السماء و شاهدت الغيوم السوداء تتجمع في الأفق عاكسة علي الأرض جواً مكفهر يقبض الصدر
و لكن كان الطقس رائعاً رغم هذا ، و سعدت كثيراً بالآشعة الخفيفة لشمس الربيع الذهبية ، كانت مشغولة بتفحص الأماكن و الشوارع التي تمر أمامها و من جانبها
لم تعير "إبراهام" إنتباهاً منذ خروجهما ، و ذلك لم يضايقه ، بل كان مسروراً من أجلها و شعر و كأنه يصطحب طفلة إلي أرض العجائب ، فتعابيرها الإستكشافية المبهورة آسرته إلي درجة كبيرة
بعد بضعة دقائق ، كان قد أوقف السيارة في جراج تحت الأرض تابع لأحد العقارات التجارية ... و كان عليهما بعد ذلك أن يذهبا سيراً علي الأقدام إلي المنطقة الشمالية حيث المتاجر الفخمة
لم تسمح "آية" لـ"إبراهام" بلمسها بتاتاً عندما أراد أن يمسك يدها ، مما أشعره بالغيظ الشديد لكنه أذعن لرغبتها في الأخير و دعاها لتتقدمه في السير فيكون هو مرشدها و مبلغها لأي إتجاه تذهب ...
و عندما وصلا أخيراً إلي المكان المنشود ، توقفت "آية" أمام باب المتجر الدائري كالبلهاء لا تعرف كيف يستخدمونه ، لتجد الإجابة فوراً حين دفعها "إبراهام" من الخلف فإنفتح الباب تحت ثقل جسمها
ما كادت تلتفت لتوبخه علي هذا ، لتظهر إمرأة في أواسط الثلاثينيات ذات شعر أحمر و وشوم مفرطة موزعة علي كلا ذراعيها و رقبتها .. صاحت بالفرنسية ما أن رأت "إبراهام" و رمت نفسها عليه لتعانقه بحرارة
بادلها "إبراهام" العناق و هو يرد عليها بلغتها ، و سرعان ما إنخرطا في حديث لم تفهم "آية" منه حرف و كان واضحاً من إشارات "إبراهام" نحوها و نظرات المرأة الفرنسية المقيمة أنها موضوع هذا الحديث
أزعجها كثيراً أن تكون الجاهلة بينهما ، لكنها لم تجد شيء تفعله سوي الصمت و الإنتظار .. حتي إلتفت لها "إبراهام" قائلاً بلطف :
-هيا يا آية . إتبعي مدام لويز إلي صالة القياس . سأكون بإنتظارك هنا
شملت "آية" المكان بنظرة متململة و قالت :
-هل أنت متأكد بأن هذا المكان يعرض ملابس للمحجبات أمثالي ؟
فهم "إبراهام" ما ترمي إليه علي الفور و رد يطمئنها :
-لا تقلقي . لقد تحدثت مع مدام لويز . ستحضر لك ما يلائمك تماماً و ليس عليك سوي الإختيار من بين ما ستعرضه عليك . هل فهمتي ؟
زمت فمها شاعرة ببعض التردد ، لكنها تنهدت بإستسلام و تبعتها بعد لحظة ، إلي صالة فسيحة غطيت جدرانها بالمرايا ...
لم تحاول المرأة أن تتحدث معها إطلاقاً ، وما هي إلا دقيقة أخري و حضرت ثلاثة فتيات يحملن فوق أيديهن كدسات من العلب و الثياب المختلفة
و بدون مقدمات بدأن جميعهن في التعامل مع "آية" حتي شعرت و كأنها دمية ، ظلت قرابة الساعة تقيس الملابس و الأحذية و تختار منهم بالإشارة حتي كونت الخزانة التي أصر "إبراهام" علي أن تقتنيها ....
و فرغت أخيراً ، و أصبحت العلب و الصناديق كلها في السيارة ، و إستطاعت "آية" أن تري المبلغ الباهظ الذي قام "إبراهام" بدفعه لقاء كل تلك المشتريات .. لكنها لم تآبه أبداً و ركزت علي هدفها الأساسي
و كما وعدها "إبراهام" أخذها في جولة سياحية حول المدينة ، حيث نزلا مرة أخري و إستقلا قارب صغير جري بهما بنهر "السين " ثم إبتاع لها زجاجة عطر ثمينة من شارع "الشانزليزية" و أراها متحف "اللوفر" من الخارج
و أخيرا إرتادا المطعم المكشوف الذي ذكره لها علي مقربة من برج "إيڤل" المعبق برائحة التاريخ القديم ...
بعد ذلك تناولا الطعام ، الشطائر المحشوة بالجبن و كانت لذيذة جداً كما أخبرها "إبراهام" و لم تشعر بالإكتفاء منها
لكنها قسرت نفسها علي ذلك حين رأته يمسح فمه بمنديل و يلتقط قائمة المشروبات ، قررت أن هذه هي اللحظة المناسبة ، خاصة أن المطعم أضحي يغص بالزبائن في هذا الوقت ، و طمئنها وجود الجموع المحتشدة ، تستطيع التخفي بينهم بسهولة ريثما تصل إلي أقرب ميدان عام ، عندها سوف تتدبر أمرها بأي طريقة ، أهم شيء أن تفلت من قبضته بأسرع وقت
تظاهرت "آية" بالشبع و نظرت نحو "إبراهام" المشغول بإختيار نوع المشروبات و قالت بتهذيب :
-هل تسمح لي . أريد الذهاب إلي إستراحة السيدات . لن أتأخر !
تطلع إليها قائلاً بدماثة :
-بالطبع ! هل أذهب معك لأدلك علي الطريق ؟
آية بلطف :
-لا أبق من فضلك . سأجده بنفسي ! .. و قامت متجهة إلي داخل المطعم بخطوات ثابتة
ما أن غابت وسط الإزدحام حتي صارت تتلفت حولها كالمجنونة بحثاً عن مخرج ، وجدت الشرفة المفتوحة بالزاوية هناك ، فإندفعت صوبها بسرعة
خرجت منها علي الشارع الرئيسي مباشرةً ، و رغم نظرات العامة الفضولية لها ، لكنها تابعت طريقها راكضة فوق الرصيف في محاذاة صف من الأشجار ....
كانت تلهث من التعب و المجهود المضن الذي تبذله ، كم أرادت أن تتوقف لتستريح قليلاً .. لكنها تحاملت علي نفسها و ركضت بأسرع قوة لديها ، إلي أن خفت السرعة شيئاً فشيء رغماً عنها
و لم تكد تزيدها بقليل من الإجتهاد ، لتشعر بقبضة أحدهم تحيط بذراعها فجأة من الخلف .. و شهقت بقوة حين وجدت نفسها تسحب بعنف لتصطدم بحائط جانبي
شخصت بأبصارها و قد نسيت الألم و التعب تماماً عندما إلتقت بعيناه و نظراته الرمادية التي إستحالت ناراً مستعرة ...... !!!!!!!
يتبـــع ..
_ نزهة ! _
وضع "إبراهام" القلم من يده فوق الطاولة التي حملت أوراقاً و مجلدات متعددة ، نظر في عيني "آية" اللامعتين بالترقب ...
و في ثانية تخلص من تعبيره الصارم و إبتسم قائلاً :
-إنتهي الدرس !
أطلقت "آية" زفرة إرتياح و قالت غير مصدقة :
-أخيراً ! لقد إنقضت 4 ساعات من الشرح المتواصل .. و أكملت بتذمر :
-حسبتك لن تنتهي أبداً !
ضحك "إبراهام" قائلاً :
-بعد 3 أيام من تعليم و ممارسة اللغة . ما زلت لا تكفين عن التذمر ؟ هل تجدين الأمر صعب إلي هذه الدرجة ؟ رغم أنني ألاحظ تطور رائع
قلبت "آية" عيناها و هي تقول بإنزعاج :
-لا أجده صعباً . بل كريهاً .. لكن ماذا أفعل ؟ فأنا مضطرة حتي لا أصير كالعمياء بينكم
أومأ لها :
-أحسنت . لأول مرة أري تفكيرك حكيم .. ثم قال و قد عاد للجدية الصارمة مرة أخري :
-و الآن حان وقت المراجعة . هيا سأختبرك علي أول جزء . جاهزة ؟
آية بثقة :
-جاهزة !
أغلق "إبراهام" جميع المجلدات ، و بدأ بطرح الأسئلة البسيطة بالعربية :
-كيف حالك ؟
آية بلسان عبراني فصيح :
-ما شلومخ
إبراهام : ما أسمك ؟
آية : كين شيم ؟ شمي هو آية
إبراهام : السلام عليكم !
آية : شالوم عليخم
إبراهام : عفواً !
آية : سليحا
إبراهام : صباح الخير !
آية : بوكر توڤ
إبراهام : مساء الخير !
آية : عيرف توڤ
إبراهام : شكراً !
آية : تودا
إبراهام : شكراً جزيلاً !
آية : تودا ربا
إبراهام : يوم السبت !
آية : يوم شيبت
إبراهام : يوم الأحد !
آية : يوم راشون
إبراهام : يوم الأثنين !
آية : يوم شني
إبراهام : يوم الثلاثاء !
آية : يوم شيلشي
إبراهام : يوم الأربعاء !
آية : يوم رفيعي
إبراهام : يوم الخميس !
آية : يوم حميشي
إبراهام : يوم الجمعة !
آية : يوم ششي
-ممتازة ! .. قالها "إبراهام" بإبتسامة واسعة و قد بدا راضياً لأقصي حد
-النطق صحيح جداً و المخارج مضبوطة . أنا فخور بك يا صغيرتي
عبست "آية" قائلة :
-هل يمكنني أن أطرح عليك سؤالاً ؟
-بالتأكيد . تفضلي !
رمقته بنظرة شاملة أجفلته قليلاً ، ثم قالت :
-كم عمرك ؟
عقد حاجبيه مبتسماً بإستغراب ، لكنه أجابها :
-29 عاماً . إنما لماذا سألتي هذا السؤال تحديداً ؟
آية بضيق شديد :
-لأنك لا تنفك تناديني بصغيرتي . فكما أري أنك لست كبيراً لهذا الحد حتي تراني صغيرتك . الفرق بيننا لا يتجاوز العشرة أعوام !
إبراهام ضاحكاً بدهشة :
-مهلاً مهلاً . و لما أنت منزعجة هكذا ؟ صدقيني أنا أتصرف معك بعفوية . لا أقصد شيئاً مسيئ إطلاقاً
أشاحت بيدها غير مبالية و قالت :
-قلت أننا إنتهينا اليوم . حسناً . سأصعد إلي غرفتي الآن . بالإذن !
و بدأت بتجميع أوراقها و دفاترها ، بينما كانت أعين "إبراهام" عليها ، كان يعاين حالة ثيابها و يدقق النظر في قطع الملابس التي لم تبدلها كما يري منذ وطأت قدماها هذا البيت !!
-أخبريني يا آية .. دمدم بصوت هادئ
فرفعت وجهها إليه مجدداً ، أشار بذقنه نحوها مستطرداً :
-أليس لديك ثياب غير تلك ؟ أتذكر أنني طلبت إلي نديمة هنا بأن تعيرك بعض الملابس عندما جئت بك . ألم تعطيك سوي هذا القميص الرث و ذاك السروال البالي ؟
هزت "آية" كتفيها و قالت بلا إكتراث :
-لم تعطيني . و لكني لا أهتم كثيراً بالثياب . فأنا أقوم بغسلها بنفسي أولاً بأول و لا أنام فيها حتي لا تبلي سريعاً . أنا أعتني بنفسي لا داعي لقلقك
و لاحظ رنة سخرية في أخر عبارتها ، إلا أنه تجاوز عنها و قال بجدية :
-لا . لا يروقني هذا . أنت يجب أن تحصلي خزانة ملابس كاملة . بالطبع لن أقبل بما أنت عليه . ليس و أنت معي
آية بعناد :
-قلت لك أنني لا أهتم . لا تجهد تفكيرك بي رجاءً فأنا بخير
إبراهام بحزم :
-و أنا قلت ستحصلي علي خزانة ملابس . أنا لا أطلب رأيك . هل هذا مفهوم ؟
ملأ العبوس قسمات وجهها و لم تجسر علي التفوه بكلمة أخري ، بينما قام "إبراهام" من مكانه و هو يقول بصوت آمر :
-أبقي هنا . سأصعد لأبدل ملابسي . لن أتأخر عليك
فغرت "آية" فاها وقد باغتها بهذه الآوامر ، فقالت ببلاهة :
-ماذا ؟ لماذا ؟ ماذا تريد مني بالضبط ؟!!
إبراهام بضيق :
-و ماذا برأيك ! لا أريد شيء فقط إنتظرينني ريثما أعود إليك . سآخذك إلي السوق لتختاري كل شيء بنفسك
حملقت فيه بعدم تصديق و قالت :
-تقصد . أنني سأذهب معك ؟ سأخرج من هذا المنزل ؟؟!!
إبتسم "إبراهام" لمرآي هذا التعبير المشدوه علي وجهها و قال :
-نعم يا عزيزتي . لقد قصدت هذا تماماً .. هل من مشكلة ؟ ألا تحبين الفكرة ؟!
قفزت "آية" واقفة و هي تقول بإسراع :
-لالالالا أحببتها . بالطبع أحببتها !
إزدادت إبتسامته إتساعاً و هو يقول :
-فكرت أنك ربما بحاجة لنزهة إلي الخارج . لهذا عرضت عليك أن تأت معي . و حتي أثبت لك حسن نواياي و أنني لا أتخذك سجينة هنا . و لأنك تلميذة مجتهدة أيضاً رأيت أنك تستحقين مكافأة
إصطنعت "آية" إبتسامة و هي ترد عليه برقة :
-شكراً . شكراً لك
-سأطوف بك أرجاء المدينة و سنتناول الغداء معاً في المطعم المكشوف . أنهم يقدمون شطائر هناك لن تكتفي منها أبداً . الشطيرة الواحدة تجدينها محشوة بأكثر من مئة نوع من الجبن الفرنسي . أراهن أنك ستحبين ذلك
تظاهرت بالتجاوب معه و لو بالإشارات و الإيماءات ، لكنه لم يكن بالشخص الهين أبداً ...
إختفت إبتسامته في لحظة ، و حني رأسه نحوها قليلاً و قد ضاقت عيناه بشكل ينذر بالخطر ، ثم تمتم بخفوت :
-و لكن عليّ أن آخذ منك عهد أولاً . قبل أن تبلغي معي بوابات هذا القصر !
إبتلعت ريقها بصعوبة و قالت :
-بماذا تريدني أن أتعهد لك ؟
صمت "إبراهام" لبرهة ، و قال بما يشبه السؤال :
-أنت لا تفكرين بالهرب طبعاً !
توسع بؤبؤيها الخضراوين لجزء من الثانية ثم صاحت بإستنكار شديد :
-أنا أفكر بالهرب ! هل تمزح ؟ حتي إذا فكرت . كيف أفعل هذا ؟ فأنا لا أملك جواز سفر و لا حتي أوراق شخصية . إلي أين سأذهب ؟ و لا بد أنك ستجدني بالنهاية . فلما أجازف أساساً !!
-أتمني أن يكون هذا صحيحاً . فأنت لا قبل لك بتحمل تبعات فعلاً كذلك .. ثم قال و هو يستدير نحو الدرج :
-دقائق قليلة و تجدينني أمامك أيتها العربية !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
عندما أصبحت السياة تطير فوق الجسر المسفلت بالخارج ، رفعت "آية" بصرها إلي السماء و شاهدت الغيوم السوداء تتجمع في الأفق عاكسة علي الأرض جواً مكفهر يقبض الصدر
و لكن كان الطقس رائعاً رغم هذا ، و سعدت كثيراً بالآشعة الخفيفة لشمس الربيع الذهبية ، كانت مشغولة بتفحص الأماكن و الشوارع التي تمر أمامها و من جانبها
لم تعير "إبراهام" إنتباهاً منذ خروجهما ، و ذلك لم يضايقه ، بل كان مسروراً من أجلها و شعر و كأنه يصطحب طفلة إلي أرض العجائب ، فتعابيرها الإستكشافية المبهورة آسرته إلي درجة كبيرة
بعد بضعة دقائق ، كان قد أوقف السيارة في جراج تحت الأرض تابع لأحد العقارات التجارية ... و كان عليهما بعد ذلك أن يذهبا سيراً علي الأقدام إلي المنطقة الشمالية حيث المتاجر الفخمة
لم تسمح "آية" لـ"إبراهام" بلمسها بتاتاً عندما أراد أن يمسك يدها ، مما أشعره بالغيظ الشديد لكنه أذعن لرغبتها في الأخير و دعاها لتتقدمه في السير فيكون هو مرشدها و مبلغها لأي إتجاه تذهب ...
و عندما وصلا أخيراً إلي المكان المنشود ، توقفت "آية" أمام باب المتجر الدائري كالبلهاء لا تعرف كيف يستخدمونه ، لتجد الإجابة فوراً حين دفعها "إبراهام" من الخلف فإنفتح الباب تحت ثقل جسمها
ما كادت تلتفت لتوبخه علي هذا ، لتظهر إمرأة في أواسط الثلاثينيات ذات شعر أحمر و وشوم مفرطة موزعة علي كلا ذراعيها و رقبتها .. صاحت بالفرنسية ما أن رأت "إبراهام" و رمت نفسها عليه لتعانقه بحرارة
بادلها "إبراهام" العناق و هو يرد عليها بلغتها ، و سرعان ما إنخرطا في حديث لم تفهم "آية" منه حرف و كان واضحاً من إشارات "إبراهام" نحوها و نظرات المرأة الفرنسية المقيمة أنها موضوع هذا الحديث
أزعجها كثيراً أن تكون الجاهلة بينهما ، لكنها لم تجد شيء تفعله سوي الصمت و الإنتظار .. حتي إلتفت لها "إبراهام" قائلاً بلطف :
-هيا يا آية . إتبعي مدام لويز إلي صالة القياس . سأكون بإنتظارك هنا
شملت "آية" المكان بنظرة متململة و قالت :
-هل أنت متأكد بأن هذا المكان يعرض ملابس للمحجبات أمثالي ؟
فهم "إبراهام" ما ترمي إليه علي الفور و رد يطمئنها :
-لا تقلقي . لقد تحدثت مع مدام لويز . ستحضر لك ما يلائمك تماماً و ليس عليك سوي الإختيار من بين ما ستعرضه عليك . هل فهمتي ؟
زمت فمها شاعرة ببعض التردد ، لكنها تنهدت بإستسلام و تبعتها بعد لحظة ، إلي صالة فسيحة غطيت جدرانها بالمرايا ...
لم تحاول المرأة أن تتحدث معها إطلاقاً ، وما هي إلا دقيقة أخري و حضرت ثلاثة فتيات يحملن فوق أيديهن كدسات من العلب و الثياب المختلفة
و بدون مقدمات بدأن جميعهن في التعامل مع "آية" حتي شعرت و كأنها دمية ، ظلت قرابة الساعة تقيس الملابس و الأحذية و تختار منهم بالإشارة حتي كونت الخزانة التي أصر "إبراهام" علي أن تقتنيها ....
و فرغت أخيراً ، و أصبحت العلب و الصناديق كلها في السيارة ، و إستطاعت "آية" أن تري المبلغ الباهظ الذي قام "إبراهام" بدفعه لقاء كل تلك المشتريات .. لكنها لم تآبه أبداً و ركزت علي هدفها الأساسي
و كما وعدها "إبراهام" أخذها في جولة سياحية حول المدينة ، حيث نزلا مرة أخري و إستقلا قارب صغير جري بهما بنهر "السين " ثم إبتاع لها زجاجة عطر ثمينة من شارع "الشانزليزية" و أراها متحف "اللوفر" من الخارج
و أخيرا إرتادا المطعم المكشوف الذي ذكره لها علي مقربة من برج "إيڤل" المعبق برائحة التاريخ القديم ...
بعد ذلك تناولا الطعام ، الشطائر المحشوة بالجبن و كانت لذيذة جداً كما أخبرها "إبراهام" و لم تشعر بالإكتفاء منها
لكنها قسرت نفسها علي ذلك حين رأته يمسح فمه بمنديل و يلتقط قائمة المشروبات ، قررت أن هذه هي اللحظة المناسبة ، خاصة أن المطعم أضحي يغص بالزبائن في هذا الوقت ، و طمئنها وجود الجموع المحتشدة ، تستطيع التخفي بينهم بسهولة ريثما تصل إلي أقرب ميدان عام ، عندها سوف تتدبر أمرها بأي طريقة ، أهم شيء أن تفلت من قبضته بأسرع وقت
تظاهرت "آية" بالشبع و نظرت نحو "إبراهام" المشغول بإختيار نوع المشروبات و قالت بتهذيب :
-هل تسمح لي . أريد الذهاب إلي إستراحة السيدات . لن أتأخر !
تطلع إليها قائلاً بدماثة :
-بالطبع ! هل أذهب معك لأدلك علي الطريق ؟
آية بلطف :
-لا أبق من فضلك . سأجده بنفسي ! .. و قامت متجهة إلي داخل المطعم بخطوات ثابتة
ما أن غابت وسط الإزدحام حتي صارت تتلفت حولها كالمجنونة بحثاً عن مخرج ، وجدت الشرفة المفتوحة بالزاوية هناك ، فإندفعت صوبها بسرعة
خرجت منها علي الشارع الرئيسي مباشرةً ، و رغم نظرات العامة الفضولية لها ، لكنها تابعت طريقها راكضة فوق الرصيف في محاذاة صف من الأشجار ....
كانت تلهث من التعب و المجهود المضن الذي تبذله ، كم أرادت أن تتوقف لتستريح قليلاً .. لكنها تحاملت علي نفسها و ركضت بأسرع قوة لديها ، إلي أن خفت السرعة شيئاً فشيء رغماً عنها
و لم تكد تزيدها بقليل من الإجتهاد ، لتشعر بقبضة أحدهم تحيط بذراعها فجأة من الخلف .. و شهقت بقوة حين وجدت نفسها تسحب بعنف لتصطدم بحائط جانبي
شخصت بأبصارها و قد نسيت الألم و التعب تماماً عندما إلتقت بعيناه و نظراته الرمادية التي إستحالت ناراً مستعرة ...... !!!!!!!
يتبـــع ..
