📁 آخر الروايات

رواية احببت عبراني الفصل الثامن 8 بقلم مريم غريب

رواية احببت عبراني الفصل الثامن 8 بقلم مريم غريب

( 8 )

_ نزهة ! _

وضع "إبراهام" القلم من يده فوق الطاولة التي حملت أوراقاً و مجلدات متعددة ، نظر في عيني "آية" اللامعتين بالترقب ...

و في ثانية تخلص من تعبيره الصارم و إبتسم قائلاً :

-إنتهي الدرس !

أطلقت "آية" زفرة إرتياح و قالت غير مصدقة :

-أخيراً ! لقد إنقضت 4 ساعات من الشرح المتواصل .. و أكملت بتذمر :

-حسبتك لن تنتهي أبداً !

ضحك "إبراهام" قائلاً :

-بعد 3 أيام من تعليم و ممارسة اللغة . ما زلت لا تكفين عن التذمر ؟ هل تجدين الأمر صعب إلي هذه الدرجة ؟ رغم أنني ألاحظ تطور رائع

قلبت "آية" عيناها و هي تقول بإنزعاج :

-لا أجده صعباً . بل كريهاً .. لكن ماذا أفعل ؟ فأنا مضطرة حتي لا أصير كالعمياء بينكم

أومأ لها :

-أحسنت . لأول مرة أري تفكيرك حكيم .. ثم قال و قد عاد للجدية الصارمة مرة أخري :

-و الآن حان وقت المراجعة . هيا سأختبرك علي أول جزء . جاهزة ؟

آية بثقة :

-جاهزة !

أغلق "إبراهام" جميع المجلدات ، و بدأ بطرح الأسئلة البسيطة بالعربية :

-كيف حالك ؟

آية بلسان عبراني فصيح :

-ما شلومخ

إبراهام : ما أسمك ؟

آية : كين شيم ؟ شمي هو آية

إبراهام : السلام عليكم !

آية : شالوم عليخم

إبراهام : عفواً !

آية : سليحا

إبراهام : صباح الخير !

آية : بوكر توڤ

إبراهام : مساء الخير !

آية : عيرف توڤ

إبراهام : شكراً !

آية : تودا

إبراهام : شكراً جزيلاً !

آية : تودا ربا

إبراهام : يوم السبت !

آية : يوم شيبت

إبراهام : يوم الأحد !

آية : يوم راشون

إبراهام : يوم الأثنين !

آية : يوم شني

إبراهام : يوم الثلاثاء !

آية : يوم شيلشي

إبراهام : يوم الأربعاء !

آية : يوم رفيعي

إبراهام : يوم الخميس !

آية : يوم حميشي

إبراهام : يوم الجمعة !

آية : يوم ششي

-ممتازة ! .. قالها "إبراهام" بإبتسامة واسعة و قد بدا راضياً لأقصي حد

-النطق صحيح جداً و المخارج مضبوطة . أنا فخور بك يا صغيرتي

عبست "آية" قائلة :

-هل يمكنني أن أطرح عليك سؤالاً ؟

-بالتأكيد . تفضلي !

رمقته بنظرة شاملة أجفلته قليلاً ، ثم قالت :

-كم عمرك ؟

عقد حاجبيه مبتسماً بإستغراب ، لكنه أجابها :

-29 عاماً . إنما لماذا سألتي هذا السؤال تحديداً ؟

آية بضيق شديد :

-لأنك لا تنفك تناديني بصغيرتي . فكما أري أنك لست كبيراً لهذا الحد حتي تراني صغيرتك . الفرق بيننا لا يتجاوز العشرة أعوام !

إبراهام ضاحكاً بدهشة :

-مهلاً مهلاً . و لما أنت منزعجة هكذا ؟ صدقيني أنا أتصرف معك بعفوية . لا أقصد شيئاً مسيئ إطلاقاً

أشاحت بيدها غير مبالية و قالت :

-قلت أننا إنتهينا اليوم . حسناً . سأصعد إلي غرفتي الآن . بالإذن !

و بدأت بتجميع أوراقها و دفاترها ، بينما كانت أعين "إبراهام" عليها ، كان يعاين حالة ثيابها و يدقق النظر في قطع الملابس التي لم تبدلها كما يري منذ وطأت قدماها هذا البيت !!

-أخبريني يا آية .. دمدم بصوت هادئ

فرفعت وجهها إليه مجدداً ، أشار بذقنه نحوها مستطرداً :

-أليس لديك ثياب غير تلك ؟ أتذكر أنني طلبت إلي نديمة هنا بأن تعيرك بعض الملابس عندما جئت بك . ألم تعطيك سوي هذا القميص الرث و ذاك السروال البالي ؟

هزت "آية" كتفيها و قالت بلا إكتراث :

-لم تعطيني . و لكني لا أهتم كثيراً بالثياب . فأنا أقوم بغسلها بنفسي أولاً بأول و لا أنام فيها حتي لا تبلي سريعاً . أنا أعتني بنفسي لا داعي لقلقك

و لاحظ رنة سخرية في أخر عبارتها ، إلا أنه تجاوز عنها و قال بجدية :

-لا . لا يروقني هذا . أنت يجب أن تحصلي خزانة ملابس كاملة . بالطبع لن أقبل بما أنت عليه . ليس و أنت معي

آية بعناد :

-قلت لك أنني لا أهتم . لا تجهد تفكيرك بي رجاءً فأنا بخير

إبراهام بحزم :

-و أنا قلت ستحصلي علي خزانة ملابس . أنا لا أطلب رأيك . هل هذا مفهوم ؟

ملأ العبوس قسمات وجهها و لم تجسر علي التفوه بكلمة أخري ، بينما قام "إبراهام" من مكانه و هو يقول بصوت آمر :

-أبقي هنا . سأصعد لأبدل ملابسي . لن أتأخر عليك

فغرت "آية" فاها وقد باغتها بهذه الآوامر ، فقالت ببلاهة :

-ماذا ؟ لماذا ؟ ماذا تريد مني بالضبط ؟!!

إبراهام بضيق :

-و ماذا برأيك ! لا أريد شيء فقط إنتظرينني ريثما أعود إليك . سآخذك إلي السوق لتختاري كل شيء بنفسك

حملقت فيه بعدم تصديق و قالت :

-تقصد . أنني سأذهب معك ؟ سأخرج من هذا المنزل ؟؟!!

إبتسم "إبراهام" لمرآي هذا التعبير المشدوه علي وجهها و قال :

-نعم يا عزيزتي . لقد قصدت هذا تماماً .. هل من مشكلة ؟ ألا تحبين الفكرة ؟!

قفزت "آية" واقفة و هي تقول بإسراع :

-لالالالا أحببتها . بالطبع أحببتها !

إزدادت إبتسامته إتساعاً و هو يقول :

-فكرت أنك ربما بحاجة لنزهة إلي الخارج . لهذا عرضت عليك أن تأت معي . و حتي أثبت لك حسن نواياي و أنني لا أتخذك سجينة هنا . و لأنك تلميذة مجتهدة أيضاً رأيت أنك تستحقين مكافأة

إصطنعت "آية" إبتسامة و هي ترد عليه برقة :

-شكراً . شكراً لك

-سأطوف بك أرجاء المدينة و سنتناول الغداء معاً في المطعم المكشوف . أنهم يقدمون شطائر هناك لن تكتفي منها أبداً . الشطيرة الواحدة تجدينها محشوة بأكثر من مئة نوع من الجبن الفرنسي . أراهن أنك ستحبين ذلك

تظاهرت بالتجاوب معه و لو بالإشارات و الإيماءات ، لكنه لم يكن بالشخص الهين أبداً ...

إختفت إبتسامته في لحظة ، و حني رأسه نحوها قليلاً و قد ضاقت عيناه بشكل ينذر بالخطر ، ثم تمتم بخفوت :

-و لكن عليّ أن آخذ منك عهد أولاً . قبل أن تبلغي معي بوابات هذا القصر !

إبتلعت ريقها بصعوبة و قالت :

-بماذا تريدني أن أتعهد لك ؟

صمت "إبراهام" لبرهة ، و قال بما يشبه السؤال :

-أنت لا تفكرين بالهرب طبعاً !

توسع بؤبؤيها الخضراوين لجزء من الثانية ثم صاحت بإستنكار شديد :

-أنا أفكر بالهرب ! هل تمزح ؟ حتي إذا فكرت . كيف أفعل هذا ؟ فأنا لا أملك جواز سفر و لا حتي أوراق شخصية . إلي أين سأذهب ؟ و لا بد أنك ستجدني بالنهاية . فلما أجازف أساساً !!

-أتمني أن يكون هذا صحيحاً . فأنت لا قبل لك بتحمل تبعات فعلاً كذلك .. ثم قال و هو يستدير نحو الدرج :

-دقائق قليلة و تجدينني أمامك أيتها العربية !

•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

عندما أصبحت السياة تطير فوق الجسر المسفلت بالخارج ، رفعت "آية" بصرها إلي السماء و شاهدت الغيوم السوداء تتجمع في الأفق عاكسة علي الأرض جواً مكفهر يقبض الصدر

و لكن كان الطقس رائعاً رغم هذا ، و سعدت كثيراً بالآشعة الخفيفة لشمس الربيع الذهبية ، كانت مشغولة بتفحص الأماكن و الشوارع التي تمر أمامها و من جانبها

لم تعير "إبراهام" إنتباهاً منذ خروجهما ، و ذلك لم يضايقه ، بل كان مسروراً من أجلها و شعر و كأنه يصطحب طفلة إلي أرض العجائب ، فتعابيرها الإستكشافية المبهورة آسرته إلي درجة كبيرة

بعد بضعة دقائق ، كان قد أوقف السيارة في جراج تحت الأرض تابع لأحد العقارات التجارية ... و كان عليهما بعد ذلك أن يذهبا سيراً علي الأقدام إلي المنطقة الشمالية حيث المتاجر الفخمة

لم تسمح "آية" لـ"إبراهام" بلمسها بتاتاً عندما أراد أن يمسك يدها ، مما أشعره بالغيظ الشديد لكنه أذعن لرغبتها في الأخير و دعاها لتتقدمه في السير فيكون هو مرشدها و مبلغها لأي إتجاه تذهب ...

و عندما وصلا أخيراً إلي المكان المنشود ، توقفت "آية" أمام باب المتجر الدائري كالبلهاء لا تعرف كيف يستخدمونه ، لتجد الإجابة فوراً حين دفعها "إبراهام" من الخلف فإنفتح الباب تحت ثقل جسمها

ما كادت تلتفت لتوبخه علي هذا ، لتظهر إمرأة في أواسط الثلاثينيات ذات شعر أحمر و وشوم مفرطة موزعة علي كلا ذراعيها و رقبتها .. صاحت بالفرنسية ما أن رأت "إبراهام" و رمت نفسها عليه لتعانقه بحرارة

بادلها "إبراهام" العناق و هو يرد عليها بلغتها ، و سرعان ما إنخرطا في حديث لم تفهم "آية" منه حرف و كان واضحاً من إشارات "إبراهام" نحوها و نظرات المرأة الفرنسية المقيمة أنها موضوع هذا الحديث

أزعجها كثيراً أن تكون الجاهلة بينهما ، لكنها لم تجد شيء تفعله سوي الصمت و الإنتظار .. حتي إلتفت لها "إبراهام" قائلاً بلطف :

-هيا يا آية . إتبعي مدام لويز إلي صالة القياس . سأكون بإنتظارك هنا

شملت "آية" المكان بنظرة متململة و قالت :

-هل أنت متأكد بأن هذا المكان يعرض ملابس للمحجبات أمثالي ؟

فهم "إبراهام" ما ترمي إليه علي الفور و رد يطمئنها :

-لا تقلقي . لقد تحدثت مع مدام لويز . ستحضر لك ما يلائمك تماماً و ليس عليك سوي الإختيار من بين ما ستعرضه عليك . هل فهمتي ؟

زمت فمها شاعرة ببعض التردد ، لكنها تنهدت بإستسلام و تبعتها بعد لحظة ، إلي صالة فسيحة غطيت جدرانها بالمرايا ...

لم تحاول المرأة أن تتحدث معها إطلاقاً ، وما هي إلا دقيقة أخري و حضرت ثلاثة فتيات يحملن فوق أيديهن كدسات من العلب و الثياب المختلفة

و بدون مقدمات بدأن جميعهن في التعامل مع "آية" حتي شعرت و كأنها دمية ، ظلت قرابة الساعة تقيس الملابس و الأحذية و تختار منهم بالإشارة حتي كونت الخزانة التي أصر "إبراهام" علي أن تقتنيها ....

و فرغت أخيراً ، و أصبحت العلب و الصناديق كلها في السيارة ، و إستطاعت "آية" أن تري المبلغ الباهظ الذي قام "إبراهام" بدفعه لقاء كل تلك المشتريات .. لكنها لم تآبه أبداً و ركزت علي هدفها الأساسي

و كما وعدها "إبراهام" أخذها في جولة سياحية حول المدينة ، حيث نزلا مرة أخري و إستقلا قارب صغير جري بهما بنهر "السين " ثم إبتاع لها زجاجة عطر ثمينة من شارع "الشانزليزية" و أراها متحف "اللوفر" من الخارج

و أخيرا إرتادا المطعم المكشوف الذي ذكره لها علي مقربة من برج "إيڤل" المعبق برائحة التاريخ القديم ...

بعد ذلك تناولا الطعام ، الشطائر المحشوة بالجبن و كانت لذيذة جداً كما أخبرها "إبراهام" و لم تشعر بالإكتفاء منها

لكنها قسرت نفسها علي ذلك حين رأته يمسح فمه بمنديل و يلتقط قائمة المشروبات ، قررت أن هذه هي اللحظة المناسبة ، خاصة أن المطعم أضحي يغص بالزبائن في هذا الوقت ، و طمئنها وجود الجموع المحتشدة ، تستطيع التخفي بينهم بسهولة ريثما تصل إلي أقرب ميدان عام ، عندها سوف تتدبر أمرها بأي طريقة ، أهم شيء أن تفلت من قبضته بأسرع وقت

تظاهرت "آية" بالشبع و نظرت نحو "إبراهام" المشغول بإختيار نوع المشروبات و قالت بتهذيب :

-هل تسمح لي . أريد الذهاب إلي إستراحة السيدات . لن أتأخر !

تطلع إليها قائلاً بدماثة :

-بالطبع ! هل أذهب معك لأدلك علي الطريق ؟

آية بلطف :

-لا أبق من فضلك . سأجده بنفسي ! .. و قامت متجهة إلي داخل المطعم بخطوات ثابتة

ما أن غابت وسط الإزدحام حتي صارت تتلفت حولها كالمجنونة بحثاً عن مخرج ، وجدت الشرفة المفتوحة بالزاوية هناك ، فإندفعت صوبها بسرعة

خرجت منها علي الشارع الرئيسي مباشرةً ، و رغم نظرات العامة الفضولية لها ، لكنها تابعت طريقها راكضة فوق الرصيف في محاذاة صف من الأشجار ....

كانت تلهث من التعب و المجهود المضن الذي تبذله ، كم أرادت أن تتوقف لتستريح قليلاً .. لكنها تحاملت علي نفسها و ركضت بأسرع قوة لديها ، إلي أن خفت السرعة شيئاً فشيء رغماً عنها

و لم تكد تزيدها بقليل من الإجتهاد ، لتشعر بقبضة أحدهم تحيط بذراعها فجأة من الخلف .. و شهقت بقوة حين وجدت نفسها تسحب بعنف لتصطدم بحائط جانبي

شخصت بأبصارها و قد نسيت الألم و التعب تماماً عندما إلتقت بعيناه و نظراته الرمادية التي إستحالت ناراً مستعرة ...... !!!!!!!

يتبـــع ..


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات