اخر الروايات

رواية آية في الجنون الفصل الثامن 8 بقلم ندي محسن

رواية آية في الجنون الفصل الثامن 8 بقلم ندي محسن

الفصل الثامن ♡حفل♡
#الكاتبة_ندى_محسن

#اذكروا_الله♡
صعدت "أية" إلى شقتها مع شقيقتها وهي لا تصدق ما سمعته من هذا الغريب، لقد هربت من أمامه على الفور، لم تستطيع أن تطول الحديث، ابتسمت ساخرة:
-عيل طايش بجد، أنا غلطانة إني ركبت معاه.

فتحت الباب لتجد "أيات" أمامها وهي في حالة من الغضب الشديد:
-أنتِ فاكرة نفسك مين علشان تحبسيني هنا فهميني؟

تجاهلتها"أية" وهي تدخل وتغلق الباب من خلفها، رمقتها بغضب من بعدها:
-تقدري تقوليلي أنتِ اتصلتي بخالتك ليه؟ عايزة توصلي لأيه؟ فاكرة أنك كدة هتبقي البنت الرقيقة اللي مفيش منها ورأيهم هيغير نظرتي ليكِ؟ عارفة أخر مزهق هعمل فيكِ أيه يا أيات؟

كانت الأخرى تنظر لها بغضب، نظراتها مشتعلة لو تستطيع أن تصل إليها لقضت عليها، تابعت "أية" حديثها:
-أخر مزهق هجوزك خالد ووريني ساعتها بقى هتعملي أيه في حياتك، خلي خالتك ساعتها تنفعك، مش كفاية عليها عيالها لا كمان أنتِ جاية تزوديها.

تجاهلت "أيات" حديث "أية" وهمت بسؤالها الذي خرج بانفعال شديد بعد أن رأتها من خلال النافذة في سيارة "محمد":
-كنتِ بتعملي أيه مع محمد؟ ليه يوصلك بعربيته وقابلتيه فين؟ هو أيه حرام عليا وحلال عليكِ! ولا تحبي دلوقتي أضربك بالألم وأحبسك.

اتسعت أعين "أية" وهي ترمقها بعدم تصديق، لقد بدت شقيقتها كالمجنونة وهي تقف وتحرك قدمها باستمرار، تعلم أنها متوترة، غاضبة، منفعلة إلى أقصى حد، تحدثت بهدوء إليها:

-محمد اللي بتتكلمي عنه ده ميفرقش معايا، ده مجرد عيل طايش بالنسبالي، عربيتي اتعطلت فجأة وقابلته صدفه وألح يوصلني علشان يقولي على سوء التفاهم اللي حصل ويشرحلي وضعه معاكِ.

نظرت "أيات" لها وهي لا تعلم ما الذي يجب عليها أن تقوله، تعلم أن شقيقتها لا تكذب مهما كلف الأمر، لكنها فاجأتها عندما اقتربت فجأة منها قائلة:

-احضنيني طيب.

تعجبت "أية" من رد فعلها ولكنها لم تأخذ الكثير من الوقت لتستجيب إلى رغبتها وتقترب لتحتضنها، تفاجأت ببكاء الأخرى دون سابق إنذار، لم تعتاد عليها هكذا، كانت تشعر بالتعجب من تقلب مزاجها، تحدثت "أيات" من بين دموعها:
-مش عايزة أتجوز خالد.

مسحت "أية" دموعها وهي تحرك رأسها بنفي وهي تعلم نقطة ضعفها جيدًا:
-مش هتتجوزيه، أنا مستحيل أقبل بحاجة أنتِ مش عايزاها، أهدي بقى.

مرت دقائق و"أيات" لم تتحرك من مكانها، مسحت "أية" على شعرها وهي تقاطع صمتها:
-عندي شغل وجيت بس علشانك مش صح اتأخر، كمان في حفلة لرجال وسيدات الأعمال ومش هروح من غيرك علشان متقوليش إني حرماكِ من حاجة بس.

ابتعدت "أيات" رافعة إحدى حاجبيها وهي تتعمد إثارة استفزاز شقيقتها:
-أومال أيه دور المرأة القاسية دي فهميني؟

دفعتها "أية" وهي ترفع سبابتها محذرة:
-خلي بالك يا حبيبتي إن المرأة القاسية دي هتطلع عينك لو حصل أي موقف بايخ في الحفلة يا أيات، مش ناقصة شدة أعصاب وعايزة أكون هادية فرجاءً ساعديني أني أفصل.

ضمت "أيات" شفتيها بتفكير وهي تضيق عينيها بمكر ومن ثم سألتها:
-إلا قوليلي يا يويو مين جابلك الورد اللي جوا ده؟

احمرت وجنتها، شعرت أن الدماء بأكملها تجتمع لتتركز في وجهها، تتذكر رائحة عطره التي مازالت عالقة في أنفها، اكملت شقيقتها بخبث وهي تقترب لتغمز لها:
-صباحو غرام أوعي تقولي موسى؟ منا مشوفتش معاكِ حد غيره فأكيد هو صح؟!

ابعدت "أية" وجهها حتى لا تقابل أعين شقيقتها وهي تظن أن "موسى" من ارسله حقًا، حاولت أن تغير مرمى الحديث:
-أيات أنا مش فاضية للهبل ده، أنا بقولك أيه وأنتِ بتتكلمي في أيه، ورد أيه وبتاع أيه بلا هبل، متنسيش تعرفي خالك إننا قريب هنزور مارسانا علشان عمك مش مبطل إتصالات وأنا عايزة أخلص من الزيارة التقيلة على قلبي دي.

حركت "أيات" رأسها بضيق شديد وانفعال واضح:
-لا برا عني، أنتِ مشوفتيش لما كانوا عندنا قبل مجدك يسافر أيه اللي حصل؟ ده سيف الدين ده يا ساتر عليه عصبية مش على حد، كمان أبوه وأمه مبطلوش بص في كل حتى في الشقة، ده غير أخواته يعني عنبر دي حرباية كدة إنما عهود كانت نوعا ما لطيفة.

كانت "أية" منتبهة لحديثها وهي تعلم بماذا سوف تختتمه شقيقتها التي تابعت:
-إنما نوح ده يعني منعرفش ماله كان مش معانا تقريبًا، بيضحكوا وده ثابت ويتناقشوا وده بيراقب بس أخته اللي زي العسل وخسارة في العيلة دي، ندخل بقى على أمين جوز عمتك سمر ده راجل شمال وش عينه مفيش بنت ولا ست إلا وبصتلها، يا بنتي أنا نفسي أخاف على نفسي من عينيه اللي تدب فيها رصاصة دي معرفش مراته وبناته مستحملين أزاي والله أكيد عمتك هي كمان عينيها تدب فيها رصاصة علشان كدة مجمع إلا أما وفق.

ها قد وصلوا إلى نهاية الحديث لتتابع"أيات"بانفعال شديد قد اكتسبته من تفكيك عائلتها إلى شر مطلق:
-جدك وسابنا وسافر وبيتابعنا من بعيد وعمامك أصلًا مكنوش معانا والله لو وقفوا على شعورهم مهزورهم وخليني مؤدبة.

ابتسمت "أية" ساخرة وهي تحرك رأسها باستنكار شديد:
-مؤدبة؟ ده أنتِ ممكن تجمعي كل الصفات في طابعك إلا مؤدبة دي، وبرضو بعد كل الكلام الماسخ اللي قولتيه رجلي على رجلك يا أيات، أبقي اتصلي واشتكي حلو بقى يا مظلومة.

تركتها ومن ثم خرجت، رفعت "أيات" حاجبيها بإعجاب:
-تبارك الله البت عليها صحة تتحسد عليها، ده أنا يا دوبك بطلع في الأسانسير بنهج ودي بتتعاملي مع شركتها على إنها قي الشارع اللي ورا.. بس بحبها والله لما تيجي هبوسها وأديها حضن كبير يخليها تزود المصروف شويتين كدة.

ابتسمت برضا ومن ثم ركضت إلى غرفتها وهي تنظر إلى الخزانة:
-ألبس أيه بقى في الحفلة اللي شكلها هتفاجأني بمعادها دي؟ لا لا بلاش فواتح أنا عايزة أبقى الزنبوقة السوداء في نفسي كدة.

اومأت برضا وهي تبتسم لتختفي إبتسامتها سريعًا وهي تتذكر حديث أختها عن سفرهم إلى قرية "مارسانا" التي تقع بجوار المنصورة تأففت ولكنها وجدت حل ربما يساعدها وهو التحدث مع ابن خالها المقرب لها وجعله يصر على والده أن يتحدث مع "أية" ويستضيفهم لديه.

لم يمر الكثير من الوقت واجابها "مصطفى" وهو يسألها عن أخبارها، ابتسمت بسعادة وهي تجيبه:
-أنا كويسة يا مصطفى أنت أيه أخبارك كويس؟!

ابتسم باصطناع وهو يجيبها:
-الحمد لله ماشية يا بنت عمتي، بس أيه سبب المكالمة بعد الغيبة دي؟ أكيد عايزة حاجة يا أيات مش كدة؟

ابتسمت وهي ترفع حاجبيها بثقة:
-ناصح يبني طالعلي، بقولك أيه يا مصطفى أنا ليا عندك طلب ومتخذلنيش، أنا مش عايزة أنزل في بيت عمي وهو مصمم نزوره وواكل دماغ أية اللي كلت دماغي.

عقد "مصطفى" حاجبيه بتعجب شديد:
-تنزلوا في بيته أنتِ بتهزري؟

تحدثت ببراءة مصطنعة وهي تتحدث باستنكار:
-شوفت يعني واحدة زيي كدة بسكوتاية تقعد في وسط الجماعة دول؟

اجابها بعدم اكتراث:
-سيبك من الهبل ده الفكرة إن فيروز كبيرتهم مش هتدخلكوا البيت أصلًا سوري يعني يا أيات بس دي لا كانت بتحب جدتك اللي هي تبقى ضرتها ولا أبوكي اللي هو ابن ضرتها ولا أمك اللي هي عمتي ومرات ابن ضرتها ولا أنتو يا أحفاد ضرتها ولا إحنا علشان نبقى قرايب مرات ابن ضرتها..

قاطعته "أيات" بتأفف وهي تصيح:
-مخلاص بقى يا ممل أنت، أهو ده اللي حصل والعيلة مصممة زي مفهمت من أية، منّا مستغربة برضو أيه الإهتمام ده كله اللي نزل عليهم.

فكر "مصطفى" للحظات وهو لا يفهم ما الذي يريدوه بهذا الفعل، هو يعرفهم جيدًا، بالأخص "نوح" هذا الملاك في أعين الجميع والشيطان في عينيه:
-والله قلبي مش متطمن بس هتكلم مع بابا في الحوار ده وكدة كدة هو كان ناوي يعزمكوا أنتو وعمتي التانية و..

قاطعته "أيات" محذرة قبل أن يكمل جملته:
-لا يا مصطفى أنا مش عايزة أتقابل مع خالد نهائي ولا مع أخواته البنات اللي محسسني إني ظلمته أوي لما سيبته.

تفهم "مصطفى" ما تعنيه ليومأ في النهاية مستسلمًا:
-خلاص يا ستي اللي عايزاه هيحصل روحي شوفي بقى أنتِ بتعملي أيه علشان قطعتي حبل أفكاري.

اجابته بسخريتها المعتادة وهي تتجه للخزانة الخاصة بها من جديد:
-طيب يا أبو حبل أفكار متنساش تتكلم مع خالو أحسن منطب عليكو وهخلي شكلك مش حلو اديني حذرت أهو.

اغلقت الهاتف في وجهه ليرمقه بغضب شديد:
-هي استعبدتني! إيه البواخة دي يا شيخة ربنا يكون في عون أختك.

♕♕♕
جلس "عبد الرحمن" بجوار "موسى" على الأريكة، كان صامت تمامًا، لا يبدو في حال جيد أبدًا، طالعه الآخر بتعجب:
-كل ده علشان قولتلك تعالى أنت؟ مفي داهية الشغل أيه اللي يضايقك.

ابتسم "عبد الرحمن" باصطناع وهو يحاول أن يتحكم في ضيقه:
-مفيش حاجة بس تقدر تقول كدة هبطت.

أشار له "موسى" وهو يطالع الأوراق الخاصة بصفقتهم الجديدة:
-طيب أنت جيبت الورق اللي هشوفه وكتر خيرك قوم بقى روح علشان ترتاح.

لا يعلم "عبد الرحمن" ما الذي يجب عليه أن يقوله، لقد أتى من أجل غرض آخر، غرض يخجل من الإعتراف به أمام صديقه الذي قد يظنها خيانة له، لا يعلم هل الأمر صعب أم لا لكنه على ثقة أن شيء ما في داخله يتحطم.

اقتربت "ماريانا" في هذا الوقت، كانت تسير هنا وهناك دون هدف، لا يعلم لماذا تشعر بكل هذا الخوف، أنفاسها تضيق كما لو كانت على وشك أن توأد نفسها، اقترب "موسى" منها وهو يحيط بوجهها:

-مالك يا بابا في أيه؟ أهدي يا حبيبي.

نظرت له بأعين قد امتلأت بالدموع، لا تعلم كيف تقولها لكنها أخيرًا تحدثت:
-مش عايزة ده، أنا مش عايزة أتجوز يا موسى، مش مستعدة لده، لسة صغيرة ولسة منعرفهمش، وأفرض أنه مش كويس ولا هما عيلة فيها حاجة غلط؟ أفرض حاول يتعرضلي و..

قاطع حديثها "موسى" وهو يحرك رأسه بانتباه لها وهو يحاول جعلها تطمئن:
-معاكِ، ده كله معرض يا حبيبتي وعلشان كدة بيبقى في فترة خطوبة بتدرسوا بعض فيها شوية، بلاش تفكري بالطريقة دي وأنسى أي حاجة فاتت.

نظرت "ماريانا" إليه وقبل أن تتحدث قاطعهم صوت "عبد الرحمن" وهو يتدخل في حديثهم عكس العادي:
-أيه اللي بتقوله ده يا موسى؟ هي لا مستعدة للجواز ولا حابة يبقى خلاص من أولها كدة ويا دار مدخلك شار.

رفع "موسى" أحد حاجبيه وهو يطالعه بتبجح:
-نعم يا حنين!

ابتسمت "ماريانا" وهي تشير على "عبد الرحمن" كأنها تدعم حديثه وأكدته بحديثها:
-شوفت أهو مش رأيي لوحدي، هو كمان زيي يا موسى ويا دار مدخلك شر.

ابتسم "موسى" ساخرًا وهو يعض على شفته السفلى بغيظ، انتابته حالة الهوس وبدأ لسانة بالتحدث بجرأة لو كان في حالته الطبيعية لم يكن ليفعلها:
-وأنتِ جاية تفتكري الكلام ده دلوقتي بروح أمك؟!

اتسعت عينها وكذلك رمقته "حلم" بصدمة، لقد أتت في الوقت الخاطئ، حذره "عبد الرحمن" بعينيه وابتعدت "ماريانا" عنه بضيق شديد، ابتسم "موسى" وهو يحاول أن يتحكم في انفعالاته:

-شوفوا بتخرجوا المحترم عن شعوره أزاي، هتشوفيه لو يا ستي فيه غلطة هنمشيه ونتلككله حاضر، لكن مينفعش يبقوا على الباب وأقولهم معلش يا دار مدخلك شار وإحنا جايبينك أنت وأهلك نهزأكوا علشان نتسلى حبة.

انفعلت "حلم" وهي لا تصدق ما يحدث، تعلم أن "موسى" يتشتت ولكن ماذا عن ابنتها:

-أنتو بتقولوا أيه دي تعتبر خطوبة وهيلبسها الشبكة، عجبها أيه مهي شفته كذا مرة قبل كدة!

نظر "موسى" لها وقد علم الآن سبب قلقها، سحبتها "حلم" إلى غرفتها وقد قررت أنها سوف تتحدث معها من جديد لتحاول اقناعها أن تعطي إلى "عادل" الفرصة، في هذا الوقت دلف "محمد" إلى المنزل وهو يدندن:

-حاجة غريبة حاجة غريبة، الدنيا لها طعم جديد، حاجة غريبة..

قاطعه "موسى" في هذا الوقت وقد ارتفعا حاجبيه وهو يتعجب من حالة شقيقه:

-تعالالي يا عندليب زمانك.

اقترب "محمد" وهو يحرك مفاتيح السيارة حول أصبعه في يده اليمنى، ظهرت أسنانه وهو يقوم بضم "موسى" قائلًا:

-يا أخي الواحد أفتقد كلامك معاه.

دفعه "موسى" وهو يرمقه بتحذير وقد تذكر هذا اليوم الذي أتى به إلى المنزل وهو ثمل:

-تاني مرة مش هعديها يا محمد، أقسم بالله أنيمك في الشارع زي الكلب، يا أخي بايع دنيتك وأخرتك فكر في أختك ذنبها أيه تشوفك بالمنظر المقرف ده؟

شعر "محمد" بالخجل وهو يعلم أن شقيقه محق، عزم على الابتعاد عن تلك الأجواء ولم يكن يحاول مجاراة شقيقه وحسب، بالفعل أتى "عادل" بعدها، كان يحضر الكثير من الأشياء إلى "ماريانا" قدم لها باقة من الورود وباقة أخرى من الحلوى، أخذ أحد علبة تلو الأخرى ليفتحها وهو ينتظر رأيها، نظرت إليه وهي تلاحظ سعادته، شعرت بالتخبط ولكنها أعجبت بذوقه:

-حلو.. بس مكنش في داعي تتعب نفسه كدة.

نظر "عبد الرحمن" إلى "عادل" رأه يفتح علبة صغيرة من اللون الزهري ليظهر خاتم يعرف جيدًا انه خاتم الخطبة الخاص بها، كان جميل بحق، ابتسم وهو ينظر إلى "موسى" بتردد:

-تسمح؟

نظر "موسى" تجاه "ماريانا" لم يرى أي اعتراض بل استطاع "عادل" أن يجعلها ترتاح أكثر، أومأ له موسى واقترب هو ياخذ الخاتم ليتعجب الآخر، اجابه باسمًا:

-معندناش حد يمسك أيد قبل الجواز معلش كان فيه وخلص.

رمقته "حلم" بغضب من طريقته السيئة، وضع الخاتم في أصبع "ماريانا" ما إن انتهى من حديثه وقرب يدها ليطبع قبلة عليها، ابتسمت له وكذلك ابتسم "عادل" ومن ثم اقترب "محمد" ليقوم بضم شقيقته وهو يهنئها وكذلك اقتربت والدة "عادل" لتضمه وقد تمردت دمعة لتهبط من عينيها.

كان "موسى" يلاحظ نظرات "عبد الرحمن" إليها، يتابعها بأعين طفل قد حُرم من أهله وألقى مشردًا وها هو يرى آخر ضاحك بين عائلته، لمعت عينيه وهذا صدمه أكثر هل صديقه على وشك أن يبكي؟!

تدارك "عبد الرحمن" نفسه وما إن رأى "موسى" ينظر له حتى ارتبك كثيرًا، رسم إبتسامة مزيفة وهو يقترب ليقف أمام "ماريانا" قال بهدوء:

-مبارك ليكم، ربنا يسعدكم يا رب، كان نفسي أفضل بس أنا هموت وأنام والراجل اللي اسمه موسى ده ميعرفش ياما ارحميني في الشغل.

يعلم أنه لا يعلم ماذا يقول، يعلم ان صديقه يحاول أن يهرب، فقط يريد الهرب، بالفعل استأذن منهم واتجه للباب كمن كان يختنق ويبحث عن الأكسچين، ما إن ابتعد عن أعينهم حتى تنفس، رفع وجهه للسماء لتلتقي عينيه الفيروزية بالقمر، خللت أصابعه شعره الأسود وهو ينهر نفسه:

-بلاش أرجوك أهدى، بلاش.

شعر بأنفاسه تضيق أكثر ولا يعرف ماذا يفعل، سار خارج الحديقه ليصعد في سيارته وقد تساقطت دموعه ليمسحها على الفور، أتى ليفتح الباب ليصده يد "موسى" الذي لم يتوقع أن يحدث شيء كهذا:

-أنت فيك أيه؟

ابتسم "عبد الرحمن" وهو يرفع كتفه وينزله بتعجب وهو يتظاهر انه لا يفهم ما يعنيه:

-مفيش هروح أتقلب وأنام، تحب أروح أحرس الشركة لتاني يوم ولا أيه؟

اجابه "موسى" وهو يحرك رأسه بنفي ومازالت يده اليمنى على الباب ويمنعه من فتحه:

-مبهزرش يا عبد الرحمن، قولي اللي أنا شوفته ده مش حقيقي، عمرك مكذبت علشان تكذب المرة دي.

كان يحاول الهرب بشتى الطرق وهو يتلاشى إنفجار يمنعه منذ أن وصل إلى منزل "موسى" في انتظار عريس الفتاة الوحيدة الذي وقع في حبها، تحدث بانفعال وقد ارتفع صوته:

-مالك يا موسى في أيه متسيبني أروح أنام!

لكمه "موسى" بخفة وهو يتحدث بسخرية:
-الشوية دول مش عليا، مش خدوهم بالصوت وبلاش تلعب على الكينج لأني فاهمك.

حرك "عبد الرحمن" رأسه نافيًا بضيق شديد، أمسك "موسى" بيده اليمنى ليرى السبابة فوق أصبعه الأوسط، رفع يده أمام عينه وهو يريه ما قام به بشكل عفوي:

-من أول معرفتك ودي الحركة الوحيدة اللي بتخليك تسيطر على نفسك، لما تحاول تخبي، لما تحاول تداري، لما بتكذب.. أنا أخوك يا عبد الرحمن مش بس صاحبك.

لمعت أعين "عبد الرحمن" بفعل الدموع وهو يرفع وجهه لتلتقي عينيه مع القمر، تحدث بصعوبة:

-خليني أمشي ونتكلم بعدين.

حرك "موسى" رأسه بنفي قائلًا بتصميم شديد:
-مش هتمشي يا عبد الرحمن لحد متتكلم ومش هسيبك في الحالة دي.

نظر له "عبد الرحمن" بانفعال واضح وتحدث بصوت ملئه الاستنكار:
-عايزني أقولك أيه؟ حبيتها! عايزني أقولك أني مقدرتش محبهاش ومقدرتش متمنهاش يا موسى؟

أخذ نفس عميق وقد مسح عينيه بأطراف أصابعه بكبرياء خالطه الألم، تابع حديثه وهو ينظر إلى صديق عمره:

-حبيتها.. للأسف حبيتها، حبيتها بالطريقة اللي والله محد هيحبها في الكون كله قدي، أنا عارف إنك بتموت فيها بس لو حد هيحبها اكتر منك هيبقى أنا.

تساقطت دموعه وهو يصفع سيارته وقد كره حالته تلك وبغضها كثيرًا:
-هي بنتي مش حبيبتي، هي الجوهرة اللي بتابعها بصمت وبحافظ عليها من نظراتي حتى، دي مش خطوبة يا موسى ده خنجر مسموم طعن كل شراييني.

نظر له بألم حقيقي وهو يرى "موسى" ثابتًا، لا يوجد على وجهه أي تعبير، تابع حديثه بألم:
-سامحني والله منعت نفسي كتير والله كنت بعذب قلبي وأنا بنهره أنها أخت صاحبي وأختي ومينفعش أفكر فيها.. بس كلنا ملناش أوامر عليه.

أشار على قلبه بخيبة أمل والألم يعتصره:
-من قبل متدخل الجامعة وأنا فاقد السيطرة بس والله مفكرت فيها وحش، لو قارنت حبي ليها بحبي وعلاقتنا هختارك يا موسى، أنا أسف لو مكنتش قد الثقة.. بالله عليك متحسسنيش أني قذر للدرجادي.

كان على وشك الابتعاد ليسحبه "موسى" ومن ثم قام بضمه، تفاجئ"عبد الرحمن" لا ينكر أنه توقع توبيخ من صديقه، لكنه كان مخطأ.. كان مخطأ للحد الذي جعله يخسرها.

♕♕♕
*أنت المجهول الذي لا يعرفه أحد، أنت قطعة البازل الذي يبحث عنها الجميع ليكمل حكايته، شتان بين أنت وأنت.. شتان بين شخص يعرفك جيدًا وشخص يفهمك أكثر منك*.

كان يجلس أمام النافورة في قرية "مارسانا" يشرب الشاي بالنعناع الذي اعتاد عليه، يبتسم وكأنه لم يمر بأي ألم، يبستم كأنه لم يخطأ يومًا، يبتسم من حديثه مع نفسه، قاطعه جلوس آخر شخص يريد مجالسته وهو يعلم الحديث الذي سيشرع في فتحه ولم ينتظر كثيرًا حيث سمع صوته:

-يا شيخ كل مرة بتفاجأني، لولا واثق أنك بتعمل كله بأيديك كنت قولت أنك جبت يأجوج ومأجوج يوأدوا العربية.

رمقه "نوح" ببرود شديد ولم ينطق بحرف واحد، تابع الآخر وهو يضيق عينيه:
-من رحمة ربنا أن بيتكم ماسكاه واحدة ست ومش أي ست لا دي الست فيروز، من رحمة ربنا بينا أنك مش أنت الكبير يا نوح.

ابتسم "نوح" بسخرية وهو يضيق عينيه ليواجهه:
-شوف مع جرأتك دي ولسة أيدك بتترعش كل متقرب وتقول هتستفزني، عارف كويس أنها مهمة مش بسيطة! رايح لجحر التعابين بمزمار وفاكر نفسك بطل.

ضحك "مصطفى" والكارثة أنه يعلم أن "نوح" محق هو يخشاه، هو يخشى مفاجأته، يخشى أفعاله الغير متوقعة، يخشى جنونه الغير معروف، تابع الآخر حديثه بعد أن وقف أمامه وهو يقترب منه ليهمس بجوار أذنه:

-أنا خلاص فهمت أن مش ضروري تنبح علشان تثبت إنك كلب كفاية إنك بتشمشم ورا أخباري، أستمر.

ابتعد وهو يبتسم له إبتسامة جعلته يشتعل غضبًا، قام "نوح" بالمسح على شعره كما لو كان أمام كلب حقًا:

-good dog.

سار مبتعدًا من بعدها وهو يبتسم بانتصار أما الآخر
كان يرمقه بغضب ليقرر الحديث:

-عايزين أيه من أية وأيات وليه معرفش حاجة عن الحوار ده؟

عقد "نوح" حاجبيه والتفت له قائلًا ببراءة مصطنعة:

-معلش المرة الجاية يا حبيبي أي خطوة هتتاخد هيكون عندك علم بيها (تابع حديثه جامدًا وهو يوبخه بعد ان سخر منه) أنت مال أمك بقى بتدخل ليه؟

اقترب "مصطفى" منه بانفعال واضح:
-دول ملكش ولا لأهلك دعوة بيهم وأمي متجيبش سيرتها على لسانك يا ابن مهاب وكريمة.

لم ينجح "نوح" في كبت غضبه وعلى الفور قام بلكمه بقوة في بطنه، انحنى الآخر وهو يحاوط معدته بألم شديد:
-انت اتجننت يا نوح؟

سحبه ليهمس بالقرب منه من جديد بغل جعل عينيه تشتغل غضبًا:
-لسة متجننتش وإلا كنت أول واحد هطلع عليه جناني، نوح مبينساش، صدقني مش هسيبك تتهنى، هفضل أفكرك وأدوس عليك في كل مرة أشوف وشك اللي عاملي أزمة في حياتي.

انفعل "مصطفى" وقد لمعت الدموع داخل عينيه:
-أنت عايش في وهم كبير.

هم "نوح" بضربه ليقاطعهم صوت "لينا" التي اقتربت منهم:
-مصطفى بابا بيتصل بيك قافل تليفونك ليه؟ هو متعصب جدًا وعايزك.. ازيك يا أستاذ نوح؟

ابتسم "نوح" وهو يهندم ملابس "مصطفى" وعلى وجهه ترتسم إبتسامة هادئة كأن الغضب لم يعرف الطريق لوجهه يومًا:

-حلو يا لينا، خلي بالك من أخوكِ، يا عيني كان بيتلوى من الوجع زي ميكون حية قرصته.

رمقه "مصطفى" بتوعد وغضب شديد، سار وهو يشير إلى لينا لتسبقه، ما إن وقف بالقرب من "نوح" حتى تحدث إليه من بين أسنانه:

-الحلو لعبتك وأنت عاملي فيها ملاك والشيطان بيقولك يا أستاذي.

اجابه "نوح" بهدوء ومازال يحتفظ بابتسامته الذي يبغضها "مصطفى" كثيرًا:
-عمرك مهتفهم بس خليك حاول يمكن تبقى زيي في يوم، يلا بقى علشان معكرش مزاجي، يا رب متشوف سلام.

رحل وكأنه ألقى التحية عليه، وقف "مصطفى"وهو يلمس معدته بألم، أومأ له وهو يتذكر حديث" أيات" ويقسم إن حاول "نوح" فعل شيء سيء لهم سوف ينسى السلام بين العائلتين ومن جديد سوف يشعل الحرب ولن يهتم لدماء ستروي أرض "مارسانا".

♕♕♕
وها قد بدأ الحفل، الموسيقى الهادئة، أشخاص تتوافد وثيابهم تدل على الرقي والثراء، كانت" أية" من بينهم، ترتدي فستان من اللون البني الفاتح تم نثر زهور عباد الشمس عند أكتافه وغطاء رأس من نفس اللون وأسفله تداري شعرها بطبقة أخرى من اللون الأسود، أما عن "أيات" ارتدت فستان من اللون الأحمر عاري الأكتاف، وضعت أحمر شفاة من نفس اللون لتبدو غاية في الجمال، ابتسمت بإعجاب شديد:

-ده طلع الشغل حلو أوي يا أية، لا إذا كان كدة خديني معاكِ دايمًا، وبعدين بصي حواليكِ كدة وأنتِ تشوفي اللبس العريان اللي على حق مش على كتفي اللي مسكتي في خناقي بسببه.

رمقتها"أية" بغضب وهي تتحدث بتحذير واضح إلى شقيقتها التي أينما حلت تتبعها المشاكل:
-

ملناش دعوة بحد وبحذرك من أي فعل كدة ولا كدة هاخدك وأمشي.

رمقتها "أيات" بضيق شديد وفجأة امسكت بيدها وهي توقفها عن السير وتتحدث بمكر:
-بصي بصي مش ده موسى؟ واقف مع بنت زي القمر تبقى مين دي يا أية.

رمقتها "أية" بغضب ونفاذ صبر، ابعدت "أيات" وجهها عنها وهي تتلاشى النظر لها، وجدت "رامي" يقترب منها وهو يبتسم:
-متخيلتش أنك هتيجي!

تعجبت من وجوده وعلمت أنه لا يفوت فرص كهذه أبدًا، نظر تجاه "أيات" ومن ثم أبعد عينيه وهو ينظر إلى "أية" برجاء:
-ممكن تيجي معايا نتكلم؟!

رمقته بغضب وخرج حديثها حاد، لم تهتم لنظرة الرجاء في عينيه:
-أجي معاك فين؟

أشار لها على الحديقة بالقرب من المكان، ترددت ولكنها نظرت تجاه"أيات" فابتسمت الأخرى لها وهي تومأ:

-متتأخريش ومش هتحرك من هنا، لو في أي حاجة كدة ولا كدة اديني رنة بس وأجي أطربقها فوق دماغه، وعلى أيه هو أخره هيعلي صوته وينبح.

حاول "رامي" السيطرة على أعصابه وسارت معه"أية" اقترب هو من "أيات" هامسًا بسرعة:
-هموت وأجيبك من شعرك ده بس للأسف مش من حقي يا أم لسان طويل.

ابتسمت ساخرة منه وهمست له هي الأخرى:
-طيب أتكل بقى قبل مشنقك بيه.

عقد حاجبيه لتجيبه بإبتسامة اثارت إستفزازه:
-بلساني الطويل يعني يا نرم.

بالفعل رحل خلف "أية" قبل أن تنتبه لما يحدث، حركت رأسها بتشفي:

-مش هتديله فرصة أنا واثقة البت دي حاجدة ومبترجعش في قرارها.

وصلة من الرجاء بدأها "رامي" وهو يقف أمامها، تحدث إليها بألم شعرت بصدقه:
-صدقيني مقصدتش مرة أضايقك، كنت سايبك براحتك وبحبك، أنا بجد بحبك يا أية، أنا معاكِ وعمري مهتخلى عنك.

قال الكثير من الكلمات، كانت ستؤثر بها إن قالها مبكرًا، لكنه تأخر كثيرًا، نظرت له ولم تتغير رسميتها في الحديث:
-موضوعنا انتهى وافتكر اللي بيجمعنا شغل، أنت شريك في الشركة ومن حقك تبقى، لكن افتكر أني من حقي أطلع برة حياتي أي حاجة متناسبنيش.

انفعل "رامي" وهو ينظر لها، لا يعلم كيف تغيرت لتصبح بهذا الجمود معه، لقد كان يزين ثغرها الإبتسامة كلما كانت معه:
-أية قوليلي هو في حد تاني في حياتك؟

رمقته بغضب وهي ترفع سبابتها أمامه لتنهيه عن التحدث بأي شيء أحمق:
-إياك تتجرأ وتتجاوز حدودك، أنا سيبتك علشان مش أنت الراجل اللي أنا عايزاه، حاولت مرة وأتنين بس أنا أيه اللي يجبرني؟

لم يعطي بالًا لحديثها، كالعادة لا يستمع سوى لنفسه، سألها وقد تجرأ هذه المرة ليمسك بيدها قائلًا بغيرة لم تعهدها عليه:
-موسى ايه شغله معاكِ يا أية؟ يبقى مين ده علشان يتدخل في حياتك الشخصية؟

أتاه الرد قبل أن تعترض على مسكه ليدها وقد تجمدت مكانها عندما استمعت إلى صوته الذي يملأه الغرور وتسيطر عليه السخرية:
-يبقى سيدك.



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close