اخر الروايات

رواية عاشقة بأرض الاوغاد الفصل الثامن 8 بقلم اسراء الوزير

رواية عاشقة بأرض الاوغاد الفصل الثامن 8 بقلم اسراء الوزير


رواية (عاشقة بأرض الأوغاد)
الفصل الثامن:

زفرت بضيق لمجرد تذكر هذا النبأ السيئ الذي عرفته قبل ساعة، فقد كان الدوار الذي يزاولها هذه الأيام نتيجة الحمل، على الرغم من كونها تعشق الأطفال وتمنَّت حقا لو تصبح أمّا ولكن ليس وأحمد الأب، إنه يهملها وينسى وجودها وكأنها خيال، فهل سيعامل ابنها بهذه الطريقة أيضا؟! نفضت يديه عن ساعديها ثم واجهته بنظراتها الحادة بينما تقول بحنق:
_ مع إني ماعرفش حصل ازاي بس مش مهم، لو عايز اجهضه حدد معاد مع الدكتور
ضيَّق أحمد حدقتيه وقد اكتسى وجهه بغلالة من الدهشة حيث أردف متعجبا:
_ ليه جات الفكرة دي فــ دماغك؟
أجابته سارة بنبرة يشوبها الاستهزاء:
_ مش ده كان كلامك ليا أول يوم جواز؟ مانجيبش ولاد لحد ماتحس ان شغلك بقى تمام؟
نطق مع إيماءة من رأسه مبررا:
_ أيوة بس الكلام ده لما كنت لسة مش ظابط شغلي قلت أكيد مش هنقدر نربي طفل، لكن دلوقتي اي المانع ان يبقى معانا؟ أصلا زمايلى نفسهم بقوا يستغربوا إن لسة مابقيتش أب لحد دلوقتي!
أجابته سارة بغضب داخلي:
_ إنت خايف على منظرك أدام صحابك مش أكتر
همَّ لينفي اتهامها الموجَّه إليه ويوضِّح موقفه برغبته في إنجاب طفل ولكن قاطعته مُكملة بتهكم:
_ لو كنت فعلا عايز تجيب ولد كنت عرفتني مش استنيت على ما حصل بالغلط!
ثم استطردت باستهجان:
_ وبعدين تعالى هنا، لما انت عايز ابن، هتهتم بيه وتشوفه علطول زي أي أب ولا هتفضل على حالك ده؟ بصراحة انا مش مستعدة انك تعامل ابني زي ما بتعاملني كدة والأفضل أجهضه
زمَّ شفتيه بحزن وقد اعتلى الوجوم وجهه حيث يدري جيدا كم يقصر بحقها وأن زوجة غيرها قد تقوم بأكثر من مجرد إجهاض للطفل، تنهد بهدوء ثم ربت على وجنتها قائلا بحنو:
_ أوعدك من هنا ورايح اهتم بيكوا انتوا الاتنين
أجابته بحزن:
_ وان قلت اني مش مصدقاك؟
تحدث بعزم:
_ هثبت لك
ثم أمسك بيدها جاذبا إياها نحو السرير بينما يقول مبتسما:
_ وبعدين بقى كفاية ترتيب المكتبة لازم ترتاحي شوية
هدأت تقلصات وجهها وحاولت جديَّا الثبات كي ترى ما سيفعل هذا وكيف سيثبت، ومن جهتها لن تقوم بأيِّ شئ ينافي الصواب، فقتل جنين يعد جريمة إن لم يكن في نظر القانون ففي نظر الله بالتأكيد

في منتصف الليل، كان خالد ينقل بصره بين الأوراق أمامه ويدوِّن الملاحظات بدفتره حيث هي قضيَّة طُلِبَ للمرافعة فيها على وجه الخصوص، أصبح الآن يعمل تحت يديه عدد من المحامين الأكفاء، ولكن حين يتسلَّم قضيَّة بيده يحصل على أتعاب أعلى قد يصل ثمنها إلى الضعف في الحالات العادية، ترك القلم من بين أنامله بعدما شعر بألم شديد اكتسح عروق يده بعد الضغط المستمر عليها بالكتابة، فالتفت إلى درج مكتبه ثم أخرج "الريست" منه وأدخل رسغه فيه كي يمنع الألم قليلا، قرَّب عينيه من معصمه الأيسر حيث طالع الوقت ليجدها تجاوزت الثانية عشر، فوضع يده أمام فمه كي يتثاءب ثم أغلق ورق القضية التي كان يدرسها، وقف وخرج من الغرفة وصعد الدرج متجها إلى غرفة النوم، ما أن دلف حتى وجد سما مستلقية على السرير وهي تقرأ كتابا أغلقته ما أن رأت خالد لتطالعه بابتسامتها البشوشة بينما تقول ممازحة:
_ خلصت شغل أخيرا؟!
أماء برأسه مع ابتسامة زيَّنت شدقه ثم توجَّه إلى السرير كي يتدثَّر بالغطاء ثم يلتفت بجانبه إلى سما قائلا وقد تذكر فورا:
_ سما بقولك
طالعته باهتمام قائلة:
_ نعم يا خالد
_ أنا بفكر اكلم أحمد واعزمه هو ومراته
رفعت أحد حاجبيها بينما تقول متعجبة:
_ وإي المناسبة؟
أجابها بجدية:
_ الصراحة هو عمل معايا حاجات كتيرة، جاب الفيلا دي وكلم صاحبها عشان اشتريها وكمان الشقة اللي عملت فيها المكتب، قلت عــ الأقل أعزمه زي شكر كدة ليه
أجابته موافقة:
_ أكيد طبعا كلامك صح، اعزمهم وان شاء الله نستقبلهم أحسن استقبال

خرجت إيمان من المطبخ وهي تحمل بيديها صينية بها طبق من حلوى البسبوسة مع كوب من عصير البرتقال، تقدمت بهم إلى غرفة الصالون حيث كانت سارة في ضيافتهم، ما أن دلفت حتى سمعت والدتها تقول بابتسامة:
_ والله فرحتينا بمجيتك يا سارة، ربنا يكرمك من وسع
وضعت إيمان الصينية على سطح الطاولة الزجاجي ثم قالت بنبرة فرحة:
_ وهو في حد بيزورنا ولا بيعرف أخبارنا أد سارة؟ ده ولا أهلنا حتى!
التفتت إليها سارة ثم قالت متعجبة:
_ إخص عليكي يا إيمان، يعني لازم اكون من الأهل عشان اعرف ازوركم واطَّمن عليكم؟ دانا بعتبركم زي أهلي واكتر
تحدثت والدة أمال بنبرة حانية:
_ ربنا يعلم بعتبرك زي بنتي أمال، هي صحيح مشيت وبتزورنا فــ السنة مرة، بس انتي خدتي مكانها وبتطمني علينا
أجابتها سارة بحبور:
_ دي أقل حاجة اقدمها لحبايب أمال
قالت إيمان بابتسامة:
_ تسلمي حبيبتي
وانخرطن في الحديث بالكثير من الموضوعات والمواقف التي يتعرضون لها مثل أي زيارة تقوم بها سارة لدى أقارب صديقتها العزيزة، حيث تكرّر ذلك شهريَّا للاطمئنان على شؤونهم والحديث معهم، فهذه أسرة على الرغم من بساطتها إلا أنها تحمل من الدفء والراحة ما يجعلها تشعر كأنها تملك الدنيا وما فيها، أجل معها المال ولكن تختفي من حياتها راحة البال، تختفي من حياتها الألفة التي لا تشعر بها مع أقربائها بل تجدها مع أسرة أمال!

جاء يوم العزيمة والذي اتفق فيه خالد وأحمد على أن يكون يوم جمعة حيث هو يوم التفرغ لكليهما، وعلى طاولة الغداء الطويلة كان خالد يترأسها بصفته مالك المنزل وعلى يمينه تجلس سما وعلى يساره يجلس احمد وبجانبه سارة التي كانت تتناول ببطء ولم تستسغ رائحة الطعام فلا يزال انقلاب معدتها يُزاولها حيث الشهور الأولى في الحمل، جذب انتباه أحمد الريست الذي يغلِّف رسغ خالد فقال متسائلا:
_ هو انت ليه حاطط الريست ده يا خالد؟
أجابه خالد ببساطة:
_ دي حادثة حصلت بعد ما عزّلنا بسنتين، خبطت فــ موتسيكل خلاني وقعت وحمِّلت على إيدي، عملت عملية شرايح لمعصم ايدى و من وقتها الدكتور نصحني اني ألبس الريست ده اول ما احس ان ايدي بتوجعنى عشان الأعصاب ما بتستحملش
أجابه أحمد مداعبا:
_ بس باين انك بتحب مدام سما أوي بدليل انك كاتب على الريست K💓S))
انتبهت سارة توَّا إلى "الريست" فور سماعها لملاحظة أحمد لتتسع عيناها بقوة وقد ألجمتها الصدمة عن إبداء أيّ رد فعل، رمقت "الريست" بعينين ثاقبتين محاولة التأكد تحت مرأى خالد الذي زفر بضيق حين لاحظت ذلك، وكلاهما يتذكر جيدا هذا اليوم وكأنه صار البارحة! أما سما فقد ابتسمت بخفة وهي تعلم _كما أخبرها خالد في فترة الخطوبة كونه كتب ذلك لأجلها_ عاد خالد ببصره إلى أحمد قائلا بتأكيد:
_ طبعا بحبها أكتر من أيَّ حاجة وإلا اتجوزتها ليه يعني؟
امتعضت معالم سارة مع كلمات خالد الأخيرة والتي تفوَّه بها متعمِّدا إغاظتها فكانت تقلّب بالملعقة دون شهية للطعام، حتى أفاقت مع صوت سما التي قالت متسائلة:
_ مابتاكليش ليه يا سارة هو الأكل مش عاجبك ولا إيه؟
انتبهت إليها سارة لتجيب وهي تهزّ رأسها نفيا بفتور:
_ لا لا الأكل ممتاز
أكمل أحمد عنها موضِّحا _من وجهة نظره بالطبع_:
_ هي أكلها ضعيف عشان لسة فــ الشهر التاني
انتبه إليه خالد وكذلك سما والاستفهام يغلف ملامحهما بينما يسترسل أحمد:
_ أصل انا وسارة مستنيين ضيف جديد قريب جدا
اكتفى كلاهما بابتسامات صفراء بينما يهنّئ خالد صديقه مربتا على كتفه بنبرة هادئة:
_ ألف ألف مبروك يا أحمد
كذلك تبعته سما تهنئها والسكون يخيِّم على ملامحها، والذي فهمت سارة على الفور سبب ذلك ففضَّلت الكفّ عن الحديث بهذا النبأ وتطرَّقت لموضوع آخر بقولها متسائلة:
_ بتحبي تقرأي لمين بقى يا سما؟
وهكذا حاولت إلهاؤهما عن الحزن قليلا وقد تألمت لأجلهما، فعلى الرغم من كونها تعشق خالد وتحسد سما عليه إلا أنها لا ترضى له أن يتذوَّق نقمة الحرمان، وبالفعل عاد خالد إلى الابتسام أما سما فلم تستطع إخفاء الوجوم عن صوتها على الرغم من مجاهدتها لفعل ذلك!
انقضت الأمسية على خير حتى استأذن كل من أحمد وسارة للذهاب، خرج خالد لتوصيلهم بينما فضَّلت سما الصعود وقد اكتفت من التظاهر بالتماسك كل هذا الوقت، ما أن وقفا عند السيارة حتى عانق خالد صديقه ثم قال وهو يربت على كتفه بابتسامة ممتنة:
_ أنا لحد دلوقتي ماعرفش ازاي اشكرك عــ اللي عملته معايا ياحمد
أجابه أحمد مداعبا:
_ أعمل إيه عشان تصدق اني مش محتاج شكر؟! دانت اخويا يا خالد
أجابه خالد بسرور:
_ ونعم الأخ ياحمد
ما أن نطق بها حتى صدح صوت رنة هاتف أحمد ليخرجه من جيب السترة ثم يطالع الاسم فيجده أدهم الذي بالتأكيد يحتاجه بأمر ما، قال هامسا:
_ أستأذن دقيقة
ثم ابتعد قليلا تاركا المجال لسارة وخالد منفردين معا للمرة الثانية منذ قدوم خالد، حيث كانت الأولى حين أمسك بها عندما شعرت بدوار، ذبذبات من التوتر حلَّقت في الأجواء حولهم حيث شعرت بوجيب قلبها يعلو ويهبط باضطراب مع قربه من جديد وهو الذي يضخّ القلب لأجله، فقد عاد القلب إلى النبض حين استشعر قربه! زاد في قربه خطوة أخرى حتى صار الفاصل لا يزيد عن عشرين سنتيمتر ليزداد ارتباكها فترفع بصرها إليه بينما تزدرد ريقها منتظرة اللحظة التالية والتي كانت على هيئة صفعة مؤلمة..
رفع رسغه الأيمن أمام عينيها لترى حرفيهما يزيِّنان الريست بوضوح، ثم عاد يخفض يده متبعا ذلك بقوله مقتضبا:
_ عشان يفكرني بخيانتك
قالها ثم عاد خطوتين إلى الوراء لتنظر إليه بكامل انتباهها فتتلاقى عيناه البنيتان بعسليتيها اللامعتين إثر العبرات التي تعتصرهما، شعرت باختناق مفاجئ يكبِّل صدرها فاستدارت هاربة حين احتلَّت المقعد المُجانب للسائق ثم أقفلت الزجاج وأدارت وجهها بالناحية الأخرى لتطلق العنان لعبراتها بالخروج وفي نفس الأثناء أتى أحمد ليودِّع خالد قبل أن يركب السيارة فتمسح سارة دموعها الهاربة بأسرع ما يمكن، تحرَّكت السيارة نحو الأمام تحت أنظار خالد الذي أصابت قلبه غصَّة مؤلمة لا يعلم سببها! لقد أراد أن يُذيقها لتتعذَّب كما خطَّط، ولكن لِمَ يشعر بكونه أجحف بحقها مع هذا الفعل؟ لِمَ أصابته الحيرة في موقفه بمجرد أن لمح عينيها اللامعتين بالعبرات المختنقة؟! يَعِد نفسه يعرف الشخص بمجرد النظر بعينيه، فهذه فهمها وشخَّص أسلوبها الدنيئ عن تجربة، فلماذا شعر بكونه أخطأ التشخيص مع نظراتها الواهنة والتي رآها كأنها مستنجدة؟!
زفر بحرارة بعدما لاحت إلى ذهنه صورة سما التي أصابها الهمّ منذ حديث أحمد على طاولة الغداء، فهي أيضا تشعر بالألم الحقيقي، وما أسوأ من مذاق الحرمان حين يتمنى المرء شيئا وليس بيده حيلة ليقوم به! تستمر على العلاج وقاما بالتدخل الجراحيّ مرة ولكن دون نتيجة ممَّا سبَّب لها بالفعل عائقا نفسيا

في الطريق، التفتت سارة إلى أحمد والمقت يملأ قسماتها حيث نطقت بزجر:
_ إي اللي انت قولته في العزومة ده يا سيادة المقدم؟
أجابها دون أن يزيح بصره عن الطريق بخشونة:
_ وإي اللي انا قولته؟
أجابته بنبرة متهكمة:
_ جاي تقول بكل سعادة وانبساط اننا مستنيين بيبي والمساكين دول لسة ربنا ما أكرمهمش؟!
أصابه الضيق من نبرتها المتهمة ليقول باحتجاج:
_ ماكنتش اقصد، وبعدين كنت هعرف منين انا؟ هشمّ على ضهر إيدي؟!
قال الجملة الأخيرة باستهزاء لتجيب سخريته بقتامة وكأنها الكلمة الفاصلة:
_ لا بس مش كل الرجالة من أول يوم جواز بيقولوا انهم مش عايزين ولاد!
رسميَّا أعلنت التلميح بالخطأ فيه فأوقف السيارة بطريقة مفاجئة جعلتها ترتدّ إلى الأمام، عادت تنظر إليه بوجه متجهم ليواجهها بعينيه البركانيتين بينما يقول محذرا:
_ ماسمعش صوتك تاني وعدّي الليلة على خير يا سارة أحسن لك وأحسن للكل
ثم عاد يضغط على المحرِّك لتعود السيارة للعمل متجهة إلى المنزل فيخيِّم الصمت الرخيم على الأجواء ويزيدها قتامة على قتامة!

أغلق الباب الداخليّ للفيلا ثم اتجه إلى الدرج حيث صعد ثم دلف بالغرفة ليجد سما _كما توقع_ تدفن جسدها بالكامل أسفل الغطاء ويظهر بكاؤها عبر اهتزاز جسدها إثر شهقاتها المكتومة وقد شعرت بألم الجرح بعد إضافة بعض الملح عليه، زمَّ شفتيه حزنا على حالها فأغلق الباب خلفه ثم اقترب حتى جلس على السرير ليزيح الغطاء عن رأسها فتبدأ بردع دموعها عن الانهمار وهي تجفِّف خدّها بالمنديل الورقي كي لا ينتبه لكونها تبكي، فَهِمَ ما تحاول القيام به فأسرع يمنع ذلك حين اقترب وأمسك بذقنها ليدير وجهها إليه فتطالعه بخضراوتيها المغلفتين بالاحمرار إثر الدمع الحارق، نطق بنبرة واجمة:
_ مالك يا سما؟ احكيلي حبيبتي إي اللي مزعلك بدل ما تعيطي كدة
أجابته من بين شهقاتها المختنقة:
_ انا كمان نفسى اجيب ولد يا خالد، هموت ويبقى معايا ابن من دمي، هو ده كتير عليا يعني؟!
أمسك بيدها ثم لثمها بقبلة حانية قبل أن يردف بهدوء:
_ يا قلبي مش أهم حاجة انتي ماشية على العلاج و سايباها على ربنا، يبقى انسي ولما ييجي الأوان هيحصل علطول بس الصبر
نطقت سما بنبرة شاكية:
_ بقالي تلات سنين عــ العلاج و مفيش فايدة!
تنهد بخفوت قبل أن يقول بعتاب:
_ حرام تقولي كدة إدعي ربنا وهو عليه الاستجابة
ثم استطرد مُلطِّفا الأجواء:
_ وبعدين يا ستي أحمد و سارة بقالهم أربع سنين متجوزين وأخيرا ربنا كرمهم!
هزَّت رأسها إلى الجهتين نفيا ثم فتئت بعبوس:
_ لا مش استنوا سارة قالتلى لما كنا فــ شرم انهم كانوا متفقين مايجيبوش ولاد لحد ما أمورهم تتظبط، وأهو هيجيبوا بيبي بمجرد ما قرّروا!
ألجم الذهول لسانه مع كلماتها الأخيرة وقد أخبرته بأمر كان به جاهلا، اتفق كلاهما بعدم الإنجاب لمدة تجاوزت سنوات! لماذا؟ّ! تُرى هل لأن سارة مُدلَّلة وأرادت الاستمتاع بحياتها قليلا؟ أم لأن أحمد بالفعل أراد التأكد من سير أموره على ما يرام ولم يسمح بذلك إلا مع تكوين جوٍّ مناسب؟ ولكن مهلا لحظة، من أين قد يكون أحمد حصل على كل هذا المال الذي يساعده على شراء فيلا وهو الذي يندرج من عائلة متوسطة الحال؟ أيعقل أن يكون أدهم ساعده؟ وإن فعل، فما كان المقابل لذلك؟
قبل أن ينخرط مع هذه المتاهة عن سارة الغامضة وما يخص القريبين منها من أحوال غير مفهومة، التفت إلى سما ليحتويها بين ذراعيه فتدفن رأسها بصدره وقد شعرت بالأمان في عناقه الدافئ حيث أخذ يمسّد على شعرها برقة بينما يقول بحنو:
_ ماتقلقيش، ربنا هيكرمنا يا قلبي، بس ماتحطيش الموضوع ده فــ دماغك، أوكي؟
أجابته هامسة:
_ حاضر

وكأنه ينتظر أقل حجَّة للغضب بشأنها فيقطع الوصال ولا يعود للكلام، فقد صار الأمر منذ أمس ولا يزال خشن المعاملة يريد عقابها بالجفاء، جلست على السرير بينما تقول في نفسها مستنكرة:
_ يعني هو هيفضل معاقبني كدة كتير وقاعد فى البلكونة؟!
أجل يصيبها الضيق من معاملته الجافَّة وكأنه يخلق من الحبَّة قبَّة لأجل الابتعاد! فإن كان لا يريد لقاءها بهذا الشكل فهل في أولوياته غيرها؟! ولا تقصد بالأولويات العمل مع الشرطة أو أدهم، بل قد تكون امرأة غيرها!
نفضت تلك الأفكار المرعبة بمجرد عبورها بخطِّ توقعاتها فلا يمكن أن يصل أحمد إل هذا المستوى، وما تفكر به نتج عن عودة خالد من جديد ولقائها المتكرر معه، نطقت في نفسها باعتراف:
_ بس ليه مايكونش المشكلة مني انا؟ ليه ماكونش انا مش عارفة اوصل لدماغه؟
ثم فتئت بإصرار:
_ خلاص انا مش هخليه يغيب عني بالشكل ده تاني

على الجانب الآخر في الشرفة كان يقف أحمد مستندا بذراعيه إلى السور بينما يجرى مكالمة هاتفية بصوت غير مسموع حيث يأتي إلى مسامعه هُتاف الطرف الاخر بعصبية:
_ هى إي حكاية الحمل دي ان شاء الله؟ مش كنا متفقين ماتخلفوش خالص؟!
زفر بحرارة من لذوعة أسلوبها فقال بنبرة احتجاج:
_ والله يا سهى انا من حقي ابقى اب، هو انا هفضل العمر كله مش معايا ولاد يعني؟!
أجابته مع بعض الحزن الذي نجحت باصطناعه:
_ طب ما هو انا مش معايا ولاد برضه
أجابها بنبرة متهكمة:
_ لا يا ماما انتي جوزك أساسا ما بيخلفش، أنا ذنبي اي بقى؟!
تنهدت بغضب وقد وجدت أن لا سبيل لإقناعه بهذه الطريقة المكشوفة أوراقها فبدَّلت الأفعى جلدها بثوان حين نطقت بصوت حانٍ:
_ طيب أدهم النهاردة سافر، تيجى كدة نقضى كام ليلة سوا؟!
ـقبل ان يجيبها فوجئ حين وجد ذراعين من الخلف التفَّتا حول صدره مع صوت تقول صاحبته بغنج:
_ حبيبي مشغول فــ ايه؟
شعر بالارتباك الشديد حتى تعرَّق جبينه فأغلق الهاتف بسرعة قبل أن يلتفَّ بجسده قائلا بتوتر:
_ مكالمة شغل يا حبيبـ...
بتركلمته ما أن ألقى نظرة سريعة للحظة ليبدأ بمراقبتها من رأسها إلى أخمص قدميها محاولا التأكد من كون هذه التي ترتدي الفستان الوردي القصير عاري الأكمام مع لمحة الزينة على وجهها هي سارة زوجته وليست امرأة أخرى، فلم تقم أبدا بذلك من تلقاء نفسها إلا بطلبه أولا، والآن صريحة تطلب اللقاء! إنه لأمر يثير الدهشة والذهول! نطق ولا تزال عيناه على مفاتنها:
_ إنما إي القمر ده؟!
أصابت حمرة الخجل وجنتيها من نظراته الجريئة ولكنها لم تلتفت وإنما داعبت وجهه بأناملها بينما تجيبه:
_ أصلك وحشتني وعايزة اصالحك
ثم وضعت يده على بطنها وأكملت:
_ وابننا كمان عايز يشوف باباه
سلط عينيه بخاصتيها فقال بوَلَه:
_ انا عنيا ليكم إنتو الاتنين
ثمّ غمزها مكملا:
_ طيب ما تيجى اقولك كلمة سر
ضحكت بدلال ثم أجابت:
_ أمرك
وهكذا قضى ليلة مع سارة تعدّ الأجمل على الإطلاق حيث تناست فكرة النقائص التي تشوِّه صورته أمامها ووضعت بناء بيت آمن ومستقر نصب عينيها؛ فكان لابد من اتخاذ هذه الخطوة، وإن كان يجافيها في المعاملة فذلك يرجع أصله إلى كثرة نزقها من عدم اهتمامه، والاهتمام لا يُطلب وإنما يتبادله الأطراف تدريجيا، فهي ستُلقي الطُّعم وتنتظر الإجابة، فالاهتمام أقل ما يحكم على العلاقة بالاستمرار، يتبعه الإخلاص وهي متأكدة بكونه لها وفيَّا ولا يعرف غيرها، يقضي وقته الرائع معها تاركا سهى التي وصل غضبها إلى حدِّ الغليان؛ فلم تحسب أبدا أن يتم التقارب بين أحمد وسارة إلى درجة أن ينتظرا طفلا! لقد استغلت عشق سارة لآخر وإجبارها على الزواج من أحمد سيجعلها لا تطيق الحياة معه لا أن تحمل طفلا منه! خطَّطت مسبقا لحدوث الزواج لتكون قريبة من أحمد كما تستطيع تأمين رفاهية بحياته عند العمل مع أدهم، وقد وجدت من سارة فائدة أخيرا كي تحسن استغلال الفرصة وتستطيع السيطرة على مخ أدهم للوصول إلى ما تبغى، ولكنها لن تنتظر حتى ينقلب السحر على الساحر بل لابد من التصرف قبل أن تقع الفأس بالرأس ويذهب كل ما أرادت سُدى!

وكان التنفيذ يسبق التخطيط لديها حيث لم تترك لأحمد فرصة كي يبقى مع سارة سويا وإنما كانت تُلهيه دوما بسفر أدهم المتكرر، صار يعود للمنزل في ساعة متأخرة حتى تكون سارة قد استغرقت بالنوم، وفي الحقيقة يرى في ذلك أمرا جيدا حيث يمنح عقله الراحة من شكاويها الدائمة، يقوم بذلك متعمّدا تجاهلها حيث سهى هي العشق بالتأكيد، ولكنه كأيِّ رجل على كوكب الأرض يضعف أمام غرائزه، كما كانت تلك المرة الأولى التي تبادر فيها سارة طالبة الحب، وعلى الرغم من تأكّد سهى من حقيقة عشيقها إلا أن هذا لم يكن كافيا، ولابد من تنفيذ خطوتها التالية حتى وإن كانت ستحقِّق الألم له

في المساء كان خالد يجلس بغرفة مكتبه والتي يخصِّص فيها المجال لدراسة القضايا التي يتعيَّن عليه المرافعة فيها، وبينما يدوِّن بعض الملاحظات استوقفته رؤية سارة التي لاحت صورتها إلى ذهنه، بهيئتها الجديدة بعد أربع سنوات، دوما يراها واجمة يخيِّم الحزن على ملامحها، على خلاف أيام الجامعة حيث كانت تمثّل ملكة الجمال في الإشراق والسعادة، يبدو وكأنها تحمل همَّا كبيرا ولا تريد البوح به، وفي نفس الوقت تمثّل الصمود وكأن لا شئ هنا يؤرّق ذهنها! وبذكر سارة تذكَّر صاحبه أحمد حيث عاد من جديد إلى الشكِّ بكونه يقوم بنشاط جانبي مع العمل لدى الشرطة، فهو يعرف كيف أن صديقه يندرج من أسرة متوسطة الدَّخل ولا تصل ثروتها إلى شراء فيلا! كما أن العمل لدى الشرطة لن يدرّ عليه هذا المال، قد يكون يستثمر من أمواله في البورصة هذا احتمال آخر، هناك غموض بأمره ويتشوَّق إلى اكتشافه، فروح المحامي بداخله لن تيأس عن تقصّي الدلائل لمعرفة الحقيقة!

نهضت سارة عن السرير الأبيض ثم عادت تهندم ملابسها بعدما أنهى الطبيب فحصه، جلست على الكرسي أمام المكتب بينما ترقب الطبيب الذي يدوِّن بعض الكلمات اللاتينية على دفتره، ما أن انتهى التفت إليها ثم قال بابتسامة:
_ الجنين صحته كويسة الحمد لله
تحدثت سارة بتعجب:
_ أمال ليه حاسة بدوخة علطول؟
اجابها موضّحا:
_ عشان مش بتتغذى على بروتين، ياريت يوميا كوباية لبن صبح و ليل، وتلتزمي بالدوا والراحة الفترة اللى جاية عشان عايزة حرص
أمسكت بالورقة المُدوَّن بها العلاج بينما تقول بطاعة:
_ حاضر يا دكتور
أردف بشئ من الرجاء:
_ سلميلي على حضرة المقدم، أنا عارف انه مشغول جدا سبب حتى مش بييجي معاكى خالص!
وقفت عن الكرسي ثم أجابته باختصار مع نبرة يعلوها الوجوم:
_ فعلا المواعيد مش بتناسب معاه
لفظت بها ثم استدارت لتخرج وقد شعرت بخيبة الأمل تحاصرها وما من ملجأ للاحتماء منها! مجرد الشعور بإهمال أحمد لها يقتلها ويدمر أنوثتها، فهي الجميلة ذات المعالم التي تضجّ جمالا والتي أطفأها حضرة المقدم بضغطة زرّ! وما يزيد من تفاقم الأمر كونه صار يتجاهلها أكثر من السابق ممّا يؤكّد بأنها لم تقصّر بحقه بل قامت بواجباتها على نحو كامل، فالأمر لا يتعلّق بالتقصير بل صار واضحا أن العين فارغة لن يملؤها سوى التراب! باحتمال كبير تعتقد بكونه يرى غيرها كونيسة! ألا يكفيه أنها كالدجاجة التي تنتج ذهبا عبرأخيها أدهم؟! لا إنه وبدون الأخذ بالاعتبار انساق وراء غرائزه مُسيَّرا بشهواته!

مرَّ أسبوع بأيامه ولياليه وسارة كعادتها تجلس أمام طاولة المكتب بينما تستذكر بعضا من فصول الدراسة في محاولة يائسة تساعدها على السهر وانتظار أحمد حتى تتمّ بينهما مناقشة جادة، أبعدت القلم عن يدها ما أن سمعت صوت طرقة الباب لتقول:
_ ادخل
دلفت خادمتها "سيّدة" وهي تحمل كوب اللبن بيدها فاقتربت حتى وضعتها على سطح المكتب أمام سارة قائلة:
_ اللبن يا سارة هانم
أجابتها سارة بنبرة هادئة الهدوء الذي يسبقه العاصفة:
_ تمام هشربها
أماءت سيدة برأسها طاعة قبل أن تتوجَّه للخروج بينما تلمح سارة الوقت على ساعت الحائط حيث قارب الثانية عشر، زفرت بخفوت بينما اكتسى وجهها بغلالة من العبوس حيث شعرت بالألم يطبق على صدرها بعدما رأت ما يعاملها به أحمد من الإهمال والجفاء! تذكَّرت اليوم الأول الذي التقيا فيه _زفافهما_ حين كانت تجلس على السرير والحزن مُغلِّف ملامحها بينما تحاول التظاهر بالسعادة، حتى فاجأها أحمد بإخراجه شريطٍ دوائيٍ لتنقل بصرها بينه والشريط بينما يتشدَّق موضِّحا:
_ ياريت مانجيبش اولاد دلوقتى لحد ما نأمن مستقبلنا الأول، ولا إيه رأيك؟

كانت إجابتها الموافقة بالتأكيد وذلك بسبب إقدامها على الزواج غصبا من رجل لا تحبه وبعد معاشرته صارت حرفيَّا لا تطيقه، حاولت التماسك لئلا تضعف أمامه وموقفها يحتاج الحزم، فأمسكت بكوب الحليب الموضوع أمامها ثم تجرَّعته في دقيقتين قبل أن تعيد الكوب ثم يعود إلى ذاكرتها طيف خالد وما يقوم به هذا الخارق لإبهارها ككل مرة، فلم يشأ أن يفضح أمرها على الرغم من تواجد الكرة بملعبه، تظاهر بتجاهلها لئلا يُلفت الأنظار محافظا على شرفها أمام صديقه، تصرف بنبل كي يقابل سيئتها بحسنته مثبتا أنه الأفضل على الإطلاق، وأقسى الأذى الذي تسبَّب به عندما ذكر كونه يرتدي "الريست" المنقوش عليه حرفيهما ليذكّره بخيانتها، ولكن هذه ليست حقيقة؛ فلديها إحساس كبير يؤكد لها ببقاء مكانتها في قلبه على الرغم ممَّا تسبَّبت به من خداع لمشاعره!



التاسع من هنا 

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close