رواية عاشقة بأرض الاوغاد الفصل السابع 7 بقلم اسراء الوزير
رواية (عاشقة بأرض الأوغاد)
الفصل السابع:
صدمة وذهول بديا بقسماتها تزامنا مع جحوظ عينيها ولم يصدق عقلها بعد ما أرسلته الأذن من إشارة بالاسم "خالد الصاوي" بالتأكيد الأمر ليس على هذا النحو وبالتأكيد أخطأت الأذن في الترجمة، أرادت فورا التأكد فالتفتت ببصرها نحو المالك الذي كان يترجل من السيارة حيث ظهرت قدمه بالحذاء الأسود اللامع ذا الطراز الحديث ملامسة الأرض ثم حُلَّته السوداء الأنيقة فوق قميص أبيض اللون ووصولا إلى وجهه ذا الملامح الرجولية المألوفة والتي تبيَّنت منها على الفور بكونه خالد لا غير، حبيبها الذي باعت الكون لأجل سلامته والآن تراه حيّا يرزق! تراه على هيئة مختلفة تماما، يرتدي نظارة طبيَّة واختفت لحيته الخفيفة ذات الشعر القصير كما أصبح شعره الأسود الكثيف مُسَرَّح باتجاه الخلف مما زاده وسامة على وسامة، ترجَّل عن السيارة ثم انتظر للحظات حتى خرجت سيدة شقراء ذات شعر عسليّ وعيون خضراء مما يؤكد أنها ذات أصول أجنبية، أمسك بيدها ثم تقدّما نحو هذين الزوجين اللذَين يحتفلان بذكرى زواجهما، انفغر فاه خالد واتسعت عيناه من فرط الدهشة ما أن لحظ الزوجة هناك والتي لم تكن بأقل منه بهوتا، حاول الحفاظ على ثباته بابتسامته الجامدة وقد صدّق توا كيف أن الدنيا صغيرة! وكيف أن آخر من أراد رؤيتها في هذا العالم هي أمامه الآن تقف كحاله مذهولة والخوف صار يكبّل نظراتها، عانقه أحمد بحرارة قائلا بابتسامة:
_ واحشني يا صاحبي والله
أجابه خالد بسعادة:
_ وانت أكتر يا أحمد، الحمد لله شفتك بخير بعد كل السنين دي
ثم التفت إلى سارة وخفتت ابتسامته تدريجيا فمدّ يده لها، تردّدت قليلا ثم صافحته ببرودة انبعثت من تجمّد أطرافها، بعد لحظات أبعد يده عنها ثم أشار إلى السيدة الواقفة بجانبه قائلا والثقة تبدو بنبرته:
_ اقدملكم مدام سما مراتي
الكثير من المفاجآت تسقط على رأس سارة الواحدة تلو الأخرى، إذا فإن تلك الشقراء صاحبة العيون الخضراء والممسكة بيده تكون زوجته!
صافحها أحمد وهو يقول بترحيب:
_ اتشرفنا بحضرتك
أجابته بحبور:
_ الشرف ليا يا حضرة الظابط، مبروك ليكم
تحدث بابتسامة:
_ الله يبارك فيكي
ثم استطرد مشيرا نحو الداخل:
_ اتفضلوا يالا
سار أربعتهم نحو إحدى الطاولات وسارة رسمت بصعوبة ابتسامة زائفة على ثغرها وقد شعرت بالدماء تتجمّد في عروقها، لقد انتابها الخوف بمجرد لقائه، فعلى الرغم من التغير الجذري والثراء الذي يبدو على هيئته وهو بالطبع ما يجعلها سعيدة إلا أنها تشعر بالرعب لمجرد فكرة وجوده هنا، حمدت الله في سرها أن أدهم وسهى انصرفوا قبل وصولهم وإلا ما كانت تدري أي عاقبة سيئة ستحدث حينها؟ وعلى الرغم من كتمانها لما تكنّه داخلها خلف ابتسامات باردة إلا أنه لم يصعب على خالد ملاحظة هذا الخوف الكامن في نظراتها وقد تأكد من ظنونه، فهي بالطبع تخشى أن يفضح أمر علاقتهما السابقة أمام زوجها وهو ما سيسبب لها أضرارا مميتة، ما أن جلسوا حتى التفت أحمد إلى صديقه الشارد قائلا:
_ ناوي تقعد اد اي فــ مصر يا خالد؟
أجفل خالد مع صوت أحمد ليلتفت نحوه قائلا بنبرة مترددة:
_ هه! لا خلاص صفيت شغلي وشغل سما وهنقعد هنا علطول، عشان اشتقنا للوطن
التفتت سارة إلى سما مردفة بارتباك:
_ هو حضرتك مصرية؟
أجابتها سما ببساطة:
_ أيوة بابا مصري بس ماما انجليزية، قضينا عشر سنين فــ مصر بعدين سافرنا إنجلترا، وبعدها شفت خالد واتجوزنا من تلات سنين، وعرض عليا نرجع دلوقتي ووافقت
ثم نطقت ببهجة:
_ الحقيقة مافيش حاجة أجمل من مصر
أجابتها سارة بابتسامة صفراء بينما قال احمد موجها حديثه إلى خالد:
_ هتقعد فين بقى؟
اجابه خالد بهدوء:
_ مأجر فيلا فى الهرم، بس وانا جاي لقيت الحيّ هنا كويس جدا، ونويت أشتري فيلا قريب من هنا، وكمان عايز شقة حلوة أفتح فيها مكتب المحاماة
أجابه أحمد بحبور:
_ سيب دي عليا هوصيلك على فيلا وشقة وان شاء الله يعجبوك
نطق خالد بامتنان:
_ تسلم ياحمد ده العشم
وعاد الاثنان إلى الحديث عن الأيام الماضية ويرويان عن ذكرياتهما معا حتى فرقتهما الظروف، والآن عادا إلى اللقاء من جديد، وكانت سما تستمع إليهما باهتمام بدا بنظراتها أما سارة فكانت تحاول الاندماج قدر المستطاع ولكن الأمر صار أصعب مما تتخيَّل، فيبدو أن صداقة خالد وأحمد القوية ستدفعهما إلى اللقاء مرات في العديد من المناسبات، خاصة وقد عرض زوجها المساعدة وسيبقى خالد منها قريبا! إن الأمر قد يصل إلى حد الخطورة على حياة خالد والتي بسببها باعت حياتها هي! هو عاد لصديقه وبالتأكيد لا يعلم كم هو وغد كبير قَبِلَ بيع ضميره في مقابل حفنة من الأموال!
بعد انتهاء فقرات الحفل، غادر المدعوون الواحد تلو الآخر وكان آخرهم خالد وزوجته بعدما قضيا أمسية رائعة مع أحمد وسارة، عادا إلى الفيلا الخاصة بهما، حيث تجاوزا الباب الداخلي وصعدا إلى الطابق العلوي حيث توجد غرفة النوم، بدَّلت سما ملابسها بفستان حريري طويل يصل إلى كاحلها ثم جلست أمام المرآة كي تتعطر وتمشِّط شعرها، نظرت إلى انعكاس خالد المستلقي على السرير والصمت صار حليفه منذ غادرا، أرادت شقَّ السكون بقولها مبتسمة:
_ بس لطيف أوي المقدم أحمد، ده غير ما كنت متوقعة خالص!
التفت إليها رافعا أحد حاجبيه قائلا بتعجب:
_ مش فاهم إنتي كنتي متوقعة إيه؟
أجابته دون أن تزيح بصرها عن المرآة بينما تمشِّط شعرها بسلاسة:
_ أصل لما قلتلي انه مقدم في الشرطة وكدة قلت أكيد هيكون قاسي أو مابيحبش يهزر، كدة يعني
تحدث مع ابتسامة تزيِّن شدقه وقد فهم مقصدها:
_ لا أحمد عبدالسلام فيه خفة الدم من أيام ما كان في المدرسة والشرطة ما غيّرتش منه كتير
تركت المشط على سطح المرآة ثم التفَّت بجسدها نصف دورة كي تقول بتعجب:
_ بس واضح ان المدام بتاعته انطوائية، ده كلامها بسيط جدا!
صمت للحظات كي يفكر بإجابة مناسبة لتخمينها ثم أردف مفسِّرا:
_ لا مش انطوائية، هي باين عليها من الشخصيات اللي ما بتاخدش على حد بسرعة، ومحتاجة تتكلم مع اللي قدامها أكتر من مرة عشان تتعود عليه
وقفت عن الكرسي ثم اقتربت من السرير وهي تحدِّق في زوجها بإعجاب ثم جلست قائلة مع ابتسامة رقيقة:
_ بحب فيك تحليلك للشخصيات يا خالد
بادلها بابتسامة واسعة بينما شرد عقله مع الجملة الأخيرة التي تفوَّهت بها وكأن بها شيئا مميزا تلمَّس أوتار فؤاده! وعلى الفور تذكر لماذا؟
حيث كان يسند ذراعه على كتف سارة بينما تريح رأسها على كتفه وهي تقول برقة:
_ أجمل حاجة فيك انك فاهم جدا في الحياة وأي شخص تعرف تحلّله من أول نظرة
نظر باتجاهها مداعبا:
_ بحمد ربنا عشان فيا حاجة عاجباكي؟!
ابتعدت عنه وهي ترمقه مع حاجب مرفوع عن مستوى الآخر بينما تكمل بحب:
_ إنت كل حاجة فيك عاجباني
أفاق من شروده مع لمسة من سما لذراعه لينظر باتجاهها ثم سرعان ما يجد نفسه في واقع مع غيرها على خلاف الذكريات التي دوما تلاحقه رغم كرهه الشديد لها، نطقت سما بتساؤل:
_ إيه يا خالد؟ بتفكر فــ إيه؟
عاد يبتسم من جديد وهو يحدِّق بها بحب قائلا بنبرة حانية:
_ بفكر فيكي
أخفضت بصرها أرضا وقد أصابها الخجل من نظراته بينما يمسِّد على وجنتها قبل أن يضع يده خلف رأسها مقربا إياها منه لينال قبلته الأولى منها هذه الليلة والتي كانت من نصيب شفتيها، يبثها من فيض عشقه وفي الواقع أخرى تأخذ هذا النصيب دون قصد منه، فلا يريد ارتكاب ذنبٍ بخيانة زوجته حتى وإن كان في عقله، لكن ما بيده حيلة؛ فمجرد رؤيتها اليوم بعثت بحبه الجريح الحياة من جديد
في اليوم التالي، أمسكت سارة بالهاتف الخاص بها ثم ضغطت على أيقونة التطبيق (واتساب) لتجد رسالة بُعِثَت إليها أمس من السعودية حيث كانت أمال المُرسلة، تقول فيها:
_ ألف مبروك يا قلبي، عقبال ما تكوني سعيدة فــ حياتك دايما
ابتسمت سارة وهي ترمق الرسالة بحبور، فكتبت تجيبها:
_ الله يبارك فيكي يا أمال، تسلميلي يا حبيبتي
وكانت شبكة الإنترنت متصلة لدى أمال أيضا حيث أجابتها بعد وصول الرسالة بدقائق:
_ علفكرة بقى، عيد جوازك وشه حلو عليا
نظرت إلى الرسالة باهتمام فعادت تكتب بسرعة:
_ اي اللي حصل؟ فرحيني
_ أنا حامل يا سارة
خفتت ابتسامتها تدريجيا وقد تجمَّدت أصابعها عن الحركة حتى أحست أنها عاجزة عن كتابة المزيد، التقطت شهيقا عميقا ثم زفرته ببطء قبل أن تعود لكتابة:
_ الف الف مبرووووك يا مولة أحلى خبر ده ولا إيه؟ ربنا يحفظه ليكم هو وإسلام يارب
أجابتها أمال مرسلة:
_ يارب، عقبالك حبيبتي
_ تسلميلي
كانت تلك آخر كلمة أرسلتها في هذه الدردشة قبل أن تخرج من التطبيق وتغلق شبكة الاتصال ثم تلقي الهاتف جانبا وقد شردت بما عرفته الآن، صديقتها أمال ستنجب ابنا آخر بعد إسلام الذي يبلغ من العمر الآن ثلاث سنوات، نبأ عظيم وفي أتم سرورها لأجل صديقتها المقربة، ولكن ما يُنقِص فرحتها حقا كونها تُحرم من هذه النعمة، حتى وإن كانت تكره أحمد ولا تطيق الحياة معه إلا أن الممنوع مرغوب كما يُقال! فهل تنال ما تتمنى أم تنتظر الوقت المناسب؟!
وما أصعب من علاقة لا يحظى الاهتمام بجانب فيها، علاقة جامدة خالية من المشاعر، فهي تجلس أمام المكتب كي تنقل بعضا من المراجع الإنجليزية كما تحتِّم عليها رسالتها في درجة الماجيستير، تنظر إلى الساعة كل حين وآخر حتى وصلت إلى الثانية عشر صباحا ولم يصل أحمد بعد، شعرت بالحنق لتأخره كل هذا الوقت دون الاهتمام بوجودها وأن هذا بالفعل يؤدي إلى إزعاجها، ولكن بالنسبة له لا يهم سوى ما يقوم به بالاشتراك مع أخيها لأجل المال، هذا إن لم يكن هناك اهتمام آخر بالطبع! سمعت صوت بوق سيارته في الخارج فزمَّت شفتيها وقد تملّك الانزعاج من ملامح وجهها، خرجت من غرفة المكتب لتجده يغلق الباب خلفه ثم يستدير ليُفاجأ بكونها تقف أمامه وليست نائمة كما خمَّن مستقبلا، لم تدع له فرصة للكلام وإنما نطقت بغيظ:
_ ما لسة بدري يا حضرة المقدم
نظر إليها أحمد بهدوء بينما يقول متعجبا:
_ اي مسهرك لحد دلوقتي؟
تجاهلت سؤاله بسؤال يعلوه التهكم:
_ بقالك تلات ايام ماجيتش ولا حتى اتصلت بيا تعرفني، هو معقول الشغل بيعمل كل ده؟
تأفّف بنفاذ صبر قبل أن يلتفت إليها ثم يقول بغضب:
_ سارة أنا عايز انام ومش ناقص
احتدت نبرتها أكثر فزمجرت باستهجان:
_ يعنى بسببى انا بقيت مش ناقص صح؟!
زفر بغضب قبل أن يلتفت إليها هاتفا بتساؤل:
_ يعني انتي عايزة إي دلوقتي؟
أجابته بجدية:
_ تجاوبني إنت اختفيت فين اليومين اللي فاتوا دول
أطلق تنهيدة طويلة قبل أن يسترسل موضحا:
_ لقيت فيلا لخالد أخيرا وكلمته عشان يظبط معاد ويكلم صاحبها، وبعد كدة خدت أجازة من الشغل عشان ظبطنا سفرية فــ شرم الشيخ أسبوع بدل الفترة اللى فاتت وكنت ناوى اقولك بس انتى مش مديانى فرصة
أغمضت عينيها بتعب ثم زفرت بحرارة قبل أن تردف بشئ من الاعتذار:
_ أوكى آسفة
هز رأسه نافيا بينما يقول بهدوء:
_ مش قصدي والله إنتي قلبي، ويالا جهزى الشنط كدة عشان خالد و سما هيبقوا موجودين الصبح
صمتت للحظات محاولة التأكد من صحة ما سمعت توا قبل أن تنطق بريبة:
_ خالد و سما؟؟
أجابها مع إيماءة من رأسه:
_ أيوة خالد وسما جايين معانا فــ شاليه جنبنا
وهنا عادت سارة إلى الانفعال من جديد وكأنها صارت مستعدة إلى الغضب في أي لحظة، حيث نطقت باحتقان:
_ وانت مين قالك تجيب دول معانا؟ مش دي رحلتنا مع بعض؟!
أجابها بعملية:
_ الراجل قال هيتفسح مع مراته فــ شرم ولقيتها فرصة حلوة عشان انا وانتي كمان نغير جو وتفرحي كدة
ما أن وجد إجابتها الصمت حتى استطرد يقول:
_ انا طالع فوق اغيّر
ثم صعد إلى الأعلى تاركا المجال لسارة كي تفكر وقد احتقنت الدماء بوجهها حيث اقتراح السفر كان لخالد من الأساس للنزهة مع زوجته، وليس من عند أحمد الذي ظنَّته لوهلة يريد قضاء الوقت معها، دوما هي ليست من أولوياته وإنما توضع في المرتبة الثانية! ولكن ليت المصيبة تقتصر على ذلك وإنما الأدهى هو تكرار اللقاء مع خالد والذي سيدوم لمدة أسبوع، كلما يمر الوقت تشعر باقتراب الخطر أكثر، لابد من تحجيم لهذا اللقاء ولكن كيف؟
ركب أربعتهم السيارة التي انطلقت نحو شرم الشيخ، وكان أحمد يحتل مقعد السائق وجانبه خالد يتحدثان حول العديد من الأمور بينما انتباه الأخير مع المرآة التي تعكس هيئة سارة الواجمة والتي بالكاد تنطق بكلمة ولا تجيب أكثر من السؤال الموجه لها، أصابه الحنق من رؤيتها بهذا الشكل وهو يدري جيدا حقيقة خوفها من اللقاء معهم، فهي تلك المادية التي تعشق المال والثروة أكثر من أي شئ آخر، يود حقا لو يُطلِق عليها من الحمم البركانية المتأجّجة بداخله بعد ما أقدمت عليه قبل أربع سنوات، فالأمر صعب النسيان بل إن كلمة تفوَّهت بها لاتزال بعقله محفورة، فلقد اتخذ من السم ترياقا لعلاج علَّته بعدما أوضحت له هذه كيف أن الفقر علَّة!
في اليوم التالي، خرج كل زوج من وحدته السكنية واتَّجه أربعتهم إلى الشاطئ، استقروا بالكراسي القماشية والمظلات فوق رؤوسهم تحميهم من أشعة الشمس الحارقة، وقف خالد ممسكا بهاتفه ثم قال مستأذنا:
_ أستأذنكم هعمل اتصال وراجع
أماء كل من أحمد وسما بالموافقة أما سارة فلم تنظر إليه من الأساس وكأنه هواء، عبست ملامحه من تلميحات هذه الغبية التي جعلته يندم بحق على دعوة أحمد واصطحابه معهم، فسوف تُعكِّر أجواء الرحلة التي من المفترض أن ينسوا فيها همومهم ويلقوها بالشاطئ كي تبتلعها الأمواج!
وقفت كذلك سارة ثم وجَّهت حديثها إلى سما بنبرة هادئة:
_ أنا رايحة اغيّر، مش هتيجي يا سما؟
أخرجت سما كتابا ذا عنوان باللغة الأجنبية من حقيبتها ثم أجابت نافية:
_ لا انا هقرأ، ماليش في الماية
أجابتها مع ابتسامة خافتة:
_ اللي يريحك
همّت لتذهب ولكن اعترضت سما طريقها حين تساءلت بحماس:
_ هو انتي بتعرفي تعومي يا سارة؟
أماءت برأسها بينما تقول إيجابا:
_ أيوة متعلمة السباحة من زمان
تحدثت سما مع ابتسامة واسعة:
_ عاملة زى خالد بالظبط هو كمان بيحب السباحة
أجابتها بابتسامة طفيفة اعتلت ثغرها بينما الاستنكار باديا بنظراتها، حيث تخبرها سما بكون خالد يحب السباحة! حريّ بسما أن تسألها عن خالد وطبيعته وهي من تجيبها، فهي تلك التي تحفظ خالد وحياته أكثر من نفسها ولم تنسَ عنه تفصيل صغير حتى بعد مرور الأعوام! أسندت الملابس على ساعدها ثم نطقت بهدوء:
_ آه أصلها هواية مش كله بيحبها
قالتها ثم تحركت باتجاه المرحاض حيث تريد تبديل ملابسها قبل مقابلة البحر، إنه بالطبع يوم رائع حيث ستلتقي أخيرا هذا الغامض بزرقة أمواجه، فلم تأتِ منذ فترة طويلة بسبب أعمال أحمد العديدة كما يزعم دوما للهروب، أجل اشتاقت له وتريد حقا لقاءه لتبثّ من همومها وتشكوه من أحزانها وما يريد هؤلاء الأوغاد منها
توقفت في منتصف الطريق وقد شعرت بالأرض تميد بها وقد تصدَّع رأسها وما عادت تشعر بأقدامها حيث أمسكت برأسها بقوة والألم باديا بقسماتها حتى كادت تقع أرضا لولا من انتشلها من الغرق في اللاوعي حين أمسك بكلا ساعديها مسندا إياها، حاولت أن تفتح عينيها ولكن ما استطاعت حتى جاءتها المفاجأة حين تحدث هو بصوته الجامد محذرا:
_ حاسبي يا مدام سارة
مدام! أتى الوقت الذي يناديها خالد فيه بلقب وفي السابق كان يناديها باسمها مجردا بالكثير من الحنان! أيّ عقاب أسوأ قد تحصل عليه وقد صار من باعت سعادتها لأجله يعاملها كالغريب؟!
حاولت السيطرة على أعصابها والوقوف ولا تزال تتخذه كدعامة للثبات فقالت بشئ من الضعف:
_ أنا أنا كويسة، شكرا
أسند يدها حول رقبته لتتسنَّد عليه ثم سار معها مُغيِّرا الاتجاه نحو الشاطئ قائلا:
_ أقول لاحمد يجيب لك دكتور؟
أجابته رافضة بصوت واهن:
_ لا مافيش داعي، بلاش تقوله اني تعبانة أصلا
ثم استجمعت قوتها وهي تُبعد يدها عن منكبه ثم تحاول الوقوف بينما تشعر بالقليل من الدوار، ولكن حاولت التماسك لئلا يعمَّ القلق بالأجواء إن صارت مريضة، ما أن عادت حتى نطق أحمد بتعجب بعد رؤية ملابسها:
_ إي ده؟ إنتي مش هتنزلي البحر ولا إيه؟
هزَّت رأسها نافية بينما تقول:
_ لا ماليش نفس، خليها بكرة
ولم تستطع الإيفاء بموعدها مع البحر حتى مع مرور الأيام فقد صار الدوار من نصيبها دائما وتخشى أن تجازف بالمغامرة فلا تقوَ على أمواج البحر وتغرق فيها! وفي نفس الوقت ترفض أن يلاحظ أحمد لئلا يتخذ من ذلك حجَّة ويعود من جديد، فهي تعرف كيف يشعر بالضيق هنا ولم يأتِ سوى لإلحاح خالد كمكافأة صغيرة على إيجاد الفيلا، فلم يقُم بالأمر من تلقاء نفسه أو لإحساسه بأن زوجته اشتاقت لجوِّ البحر وصفائه
توقفت السيارة عند الفيلا التي يستأجرها خالد حيث خرج وتبعته زوجته وخرج أحمد معهم والذي قال:
_ ماتنساش بكرة بقى تقابل المالك عشان تتفقوا عــ السعر، وعلفكرة أنا لقيت لك شقة جميلة جدا 300 متر تقدر تفتح فيها المكتب
تحدث خالد والفرحة تكلل ملامحه:
_ دي أخبار جميلة جدا، شكرا لوقوفك جنبي يا احمد
نطق أحمد بابتسامة:
_ عيب يابني، أمال صحاب ازاي؟
_ معاك حق
ثم استطرد يقول ممسكا بيد زوجته:
_ أشوفك تاني قريب
أجابه أحمد بتأكيد:
_ أكيد
ترجَّلت سارة عن المقعد لكي تودِّع سما قبل ذهابها، ثم عادت للمقعد الأمامي كما احتلَّ أحمد مقعد السائق ثم لوَّح لخالد من داخل السيارة وكذلك سارة، تحركت السيارة للأمام اتجاها نحو منزلهم الخاص وبصر سارة لم ينتقل عن المرآة التي تبين لها انعكاس خالد وسما وهما يدخلان بالفيلا، ابتسمت بمرارة والحسرة صارت تسكنها من الداخل لفقدانه وحصول أخرى على حبه وحنانه، فعلى الرغم من قيامها بالصواب لحمايته إلا أنها لم تشعر بعاقبة ذلك سوى بعد لقائه من جديد، فلقد أزهر الحب بداخلها بعدما تأكدت من موت بذوره مسبقا، ولكن دبَّ البعث فيهما ليبدأ قلبها بالخفقان عشقا لأجل هذا الحبيب
عاد أحمد إلى المنزل فور انتهاء عمله فصعد الدرج على عجلة وكأنه يركض من شئ ما، ما أن دلف إلى الغرفة حتى وجد سارة ترتب الكتب بالمكتبة الخاصة بدراستها، عندما لمحته قالت بصوت جافّ تسكنه السخرية:
_ مش عادتك تيجي بدري يعني!
تجاهل سخريتها بسؤالها مباشرة:
_ الكلام اللى سمعته ده صحيح يا سارة؟
أجابته بلا مبالاة بينما تفحص أسماء الكتب:
_ أيوة
-اقترب منها ثم وضع يديه على عضديها فجعلها تقف مقابله ثم قال محاولا التأكد:
_ يعني انتي حامل؟!
دلف خالد بالشقة متجاوزا الباب بعدما أنهى إجراءات الشراء مع مالكها وقد اشتراها بثمن كبير طبقا لتصميمها الجيد وموقعها المتميز، أغلق الباب خلفه ثم أخذ يتنقل بين غُرفها الخمس والفخر جليٌّ بتعبيرات وجهه، فلقد استطاع أخيرا المضيّ قدما لتحقيق أحلامه، وقف بمنتصف الشقة ثم أخرج من جيبه لفافة تبغ بنيَّة وبدأ يستنشق من سمومها، ما أن زفر أول دخان رمادي حتى أخذ ينقل بصره بين جوانب الشقة ليمرَّ أمامه شريط ذكرياته منذ ترك مصر قبل أربع سنوات، فكيف دفعته كلمات سارة واستهزائها بحاله كي يتحرك للأمام، كيف جاهد للحصول على فرصة لمغادرة البلاد لتحقيق أولى خطوات حلمه، استطاع إحضار رقم السيد "محمد البنداري" عن طريق أحد الأساتذة حيث كان يعمل في الجامعة قبل سفره، أرسل إليه داعيا الله بأن يوافق على ضمِّه للعمل هناك، ووافق البنداري بعد اطّلاعه على ملفه الدراسي، وحين حادثه شريف كان في مطار الأقصر ينتظر الطائرة، تذكر جيدا كيف اجتهد في العمل بمكتب البنداري للمحاماة وكيف تعلَّم على يديه الكثير في إدارة القضايا إلى جانب التحاقه بمنحة لإكمال دراسة الماجيستير في لندن، صار مقرّبا إلى محمد حتى بات يعده ابنه الذي لم ينجبه، وتأكد بكونه لم يخطئ حين وافق على ضمِّه إلى دائرة المحامين في مكتبه، واستشعر فيه النبل والأصالة إلى أن أفصح بشكل غير مباشر عن رغبته لضمِّ خالد إلى عائلته، فقد كان يقصد زواجه من ابنته الوحيدة "سما" فلن يحافظ عليها بعد فنائه سوى زوج صالح كخالد، وافق على الزواج منها بعدما ظنَّ كونه لن يقرب امرأة بعد هذا الخداع الذي تعرض له، ولكنه لَحِظَ بسما لمعة البساطة التي لا توجد في الكثير من الجميلات مثلها، شعر أنه قد ينخدع كما حدث مع سارة ولكنه استبعد ذلك حيث كان بالفعل صنع _بفضل حلّ القضايا التي يتعرض لها_ ما يكفيه ليصير مستقلّا ببيت منفرد، حتى مات والدَي سما قبل عام ليبدأ بالتفكير جديّاً بالعودة من جديد، وصار مضمون ثروته التي تبلغ خمسمائة ألف دولار يقابل ما يقارب العشرة ملايين، أقنع سما بالعودة إلى أرض الوطن وقد أفرد إرثها بحساب بعيد عن حسابه حيث لم يبخس منه شيئا بل هو حقها الذي تركه والدها، ليثبت للبنداري أنه خير زوج ولم يخطئ بالاختيار، أجل لقد جاهد ونال حق الجهاد وعاد من جديد وهو أقوى من ذي قبل، عاد وهو يظن كونه سيسحق الأثرياء وأولهم سارة انتقاما ولكن هل يوافق ضميره على ذلك؟!
