اخر الروايات

رواية حين تكذب الملائكة الفصل السابع 7 بقلم الكاتبة كوين اسمهان

رواية حين تكذب الملائكة الفصل السابع 7 بقلم الكاتبة كوين اسمهان


٧|تحت الجلد... كذبة!


                                              
   كان البحر متوهجًا بالأنوار، تتمايل أنغام الساكسفون في الهواء المالح الرطب، على متن يخت ضخم تلمع على سطحه الأضواء كما لو كانت نجومًا زائفة، خطت ليـسا بخطوات مترددة إلى جوار راينر، بينما تحاول حبس رعشة قلبها بين ضلوعها!

2


   صوت ضحكات لورانس المرتفعة شقت صدرها، نساء بكؤوس الشامبانيا، و رجال يرتدون البدلات المترفة بعطرٍ فواح، كان المكان كأنه مشهد مأخوذ من كابوس قديم... أو من ذاكرة موجعة رفضت أن تندثر!

+


   ذاكرة ليسا التي ظنت أنها لن تتنفس من جديد... و لن تلفظ الرماد ذاته في وجهها!

+


   كانت عيناها تتسعان كلما خطت أعمق في قلب الحفل، و في اللحظة التي رآها فيها الرجل الذي يضحك بصوتٍ أجش و يطوق جسدي فاتنتين تتغنجان تحت لمساته، توقف نبضها، تجهزت للحظة لم تكن في الحسبان، الآن سينظر نحوها... و سينتهي كل شيء!

+


   لكن لورانس شيلدون الذي هبَّ واقفًا لإستقبال صديقه، إكتفى بنظرة عابرة لوجه المرأة الشاحبة، و صافح راينر بحرارة قائلاً:

5


"يا لها من فترة غياب يا رجل، لم أركَ منذ سنة تقريبًا!".

+


   أردف راينر هازًّا كتفيه:

+


"أحكام المال و الأعمال!".

+


   لم تتغير طريقة لورانس في احتواء النساء كما لو كنّ زينة تُبدل، فبعد حوار قصير مع صديقه، لمح ضيفة ٱخرى تصل، و كانت أجمل من المرأتين اللتين كانتا تطوقانه، لوت ليسا شفتيها إشمئزازا حين سحب لورانس تلك الضيفة من بين الحاضرين، و قادها نحو الدرج الذي ينزل إلى ممر القمرات، ضاق صدرها مخمنة ما الذي سيجري هناك، و لم تفق إلا و هي تبتعد عن دائرة راينر و أصدقائه القدامى، و تستند على الحاجز الجانبي لليخت باحثة عن أنفاسها، كأن الهواء كان يتلاشى من حولها دونما رجعة!

1


   عاد لورانس للظهور ثانيةً، و عادت ضيفته الجذابة للسطح أيضا، نظرت نحوها ليسا مدركة أنها ليست النوع الذي يتمنع و يتعفف أمام رغبات رجل جامح!

+


   و ظنت أن السهرة ستقف عند ذلك الحد من الحروب النفسية، لكن الحرب الفعلية إنطلقت حين عادت للوقوف بمحاذاة رئيسها و دنا منها لورانس بعيون فضولية:

+


"لم نتعرف!".

+


   تنكرت له في البداية، كأنها لا تراه و لا تسمعه، لكن نظرات راينر الضيقة دفعتها لتقديم نفسها بإقتضاب:

+


"سكرتيرة السيد غرانت!".

+


«من الواضح طبعا أنكِ سكرتيرة، ماذا يمكن أن تكوني أكثر؟!».

9


   قال لنفسه هذا و هو يمشطها بنظرات تتأرجح بين السخرية و النفور، على أنه قال و هو يحدق مليا بخصلاتها المميزة:

+


"يذكرني هذا الشعر الذهبي الملفت بسكرتيرتي السابقة؛ لكن أليسيا كولمان! كانت مختلفة، فاتنة... ذكية... تسقط جيش رجال بعينيها الخضراوين البريئتين! و لو لم تكن جشعة و متسلقة إجتماعية لكانت الآن تلعب دور الزوجة في حياتي، لكنني كشفتُ ألاعيبها و طردتها قبل أن توقعني في الشباك!".

22



   
                
   بدأ قلبها ينبض كطبول حرب، أرادت أن تصرخ و تمزق وجهه بأظافرها لأنه يختلق الأكاذيب بشأنها، فلم يحدث يوما أن تسلقت أحدًا نحو النجاح أو جشعت بمال غيرها، أو طمحت للزواج من رب عملها! إنه يقلب الأدوار بعدما كان هو الطرف الجشع و المتلاعب في القصة!

+


   لم تعرف كيف إستطاعت إمساك لسانها و ضبط أعصابها، كان لورانس بحاجة لعشرات الصفعات، لكنها إشمأزت من فكرة لمسه حتى، و رأت أن منفذها الوحيد من الجنون هو الرحيل عن ذلك اليخت بأية حجة، و كم بدا راينر شبيهًا بالفارس المنقذ حين قرأ أفكارها و إقترح بلطف ملاحظًا ضيقها:

+


"ليسا... هل أنتِ على ما يُرام؟".

+


   انكمشت روحها، إذ رمقها بنظرة غريبة، متفحصة، و تقطيبة خفيفة تشوب حاجبيه، لكنها تماسكت تحت بصره، و كذبت:

+


"أعاني صداعًا و حسب سيدي!".

+


   رفعت ليـسا رأسها ببطء آسفة لأن هوة أكاذيبها على راينر تتسع يومًا بعد يوم، فيما وجنتاها تحترقان من الداخل، محاولة الحفاظ على توازنها. فعلق مقررا:

+


"إذن لن نبقى أكثر!".

+


"لا بأس سيدي، بإمكانكَ البقاء مع أصدقائك، و لا تقلق بشأني، سأوقف سيارة ٱجرة حالما أنزل من اليخت!".

+


"يستحيل أن يحدث شيء كهذا...!".

+


   أصر و هو يقودها خارج حلقة الصخب و الأضواء لينتقلا إلى أرصفة المدينة ثانية، و أضاف ممسكًا يدها من جديد ريثما يقطعان الشارع:

+


"لن أبقى و رفيقتي راحلة!".


6


لم تسأله ليسا عن أي شيء طوال طريقهما إلى المكان الذي صف فيه السيارة، فقط اتبعت خطواته بإذعان بريء كأنها وجدت خيط النجاة في صوته المهدئ، و قبضته المواسية؛ و رغم ذلك... ظلت كلمات لورانس مغروزة بأعماقها كنصل صدئ!


+


   قاد راينر بإتحاه بروكلين في صمت، بينما هي تتنفس ببطء، و تطرد رائحة الكحول والذكريات من أنفها. حاول أن يشتت الجو بنبرة مرحة وهو يسأل:

+


"هل تشعرين بتحسن؟!".

+


ردت بوجوم:

+


 "لا أعرف، أشك أن هذا الصداع سيتوقف سريعًا!".

+


   ابتسم محاولاً بث القوة فيها، و رغم أنه لم يقتنع بذريعة الصداع، إلا أنه أردف بنبرة حكيمة:

+


"بعض الأمور تستغرق وقتًا أكثر مما يتسع صبرنا!".

3


   أجل، لعله محق، لقد كلفها التعافي من لعنة لورانس أشهرًا طويلة، و الليلة... سقطت تلك الأشهر النضالية في لحظة مباغتة تثقلها المرارة! و هذا بحد ذاته سيكلفها ثمنًا أقسى في قانون الزمن!

+


"من الواضح أنكِ لا تحبذين الأماكن المزدحمة و الأصوات العالية! لكن هذه هي حفلات لورانس شيلدون، صاخبة... و متاخمة بالنساء!".

+



        
          

                
   أضاف و هو يجهل أن كل كلمة يقولها عن ذلك الرجل تتعس ليسا أكثر مما تُبدي:

+


"كان زميلي في الجامعة، و لا أذكر أنني رأيته يومًا دون أن تلتصق به امرأة ما!".

+


   شعرت باختناق لا يُطاق، أرادت الوصول للمنزل، الهروب، التلاشي، أرادت كل ذلك دفعة واحدة، لكنها لم تقوَ على التلاشي، ظلت عالقة في سيارة راينر، و في شرنقة الماضي القاسية!

+


   أدرك راينر أنها ليست بخير، استخرجها من السيارة بلطف و قلقه يعلو وجهه، و سندها حتى دلفا البيت، كانت خطواتها متعثرة، وشفاهها ترتجف، فكر أنها ستفقد وعيها في أية لحظة، فحملها برقة و أجلسها على أريكة غرفة الجلوس قائلا:

1


"يا للهول! أنتِ لستِ بخير على الإطلاق! انتظري لحظة!".

+


   أسرع إلى مطبخها ناظرًا حوله، تناول قارورة مياه معدنية من البرَّاد، و عاد إليها مقرفصًا قربها، يسقيها بروية، محاذرً عدم تبليل فستانها. شعرت ببعض الراحة تسري في أوصالها، و كان سيقترح أن يأخذها إلى أقرب مستشفى ليطمئن، لكنه صعق و تسمر بمكانه حين فركت ليسا عينيها، ثم فتحتهما على وسعهما و رمقته شاكرة، و بعد فوات الأوان أدركت أنها فقدت إحدى عدساتها، و تكشَّف أمامه أول أسرارها، حقل منسي في عينها اليسرى، لونٌ أخضرٌ فاتحٌ يمكن أن يسحب الروح ببطء، غير أن ما سحبه في تلك اللحظة هو خيط السحر الذي نشأ بينهما!

3


   تجمد الزمن، حملق راينر في عينيها، ثم التقط العدسة الساقطة، و تحولت نظراته إلى سيوف فتاكة من الغضب و الإستنكار! نهض و تراجع خطوة، عيناه تتسعان في غير تصديق، قبل أن ينحني عليها و يمزق جزءً من الجلد الإصطناعي أسفل شفتها!

17


   لم يسقط قناعها لوحده، سقطت معه دموعها مهزومة أمام قسوة اللحظة، حدق راينر في وجهها الحقيقي بفم ملتوٍ و عينين تنضج داخلهما إتهامات ظالمة! تذكر التوقيع الذي تركته سهوًا على تلك الورقة بحرف A، تذكر شعوره الدائم بأنها تلعب دورًا ما و تخفي الكثير، و كان أسوء ما تذكره... كلمات لورانس:

1


«تذكرينني بسكرتيرتي السابقة...!».

+


"أنتِ...!".

+


    لم تملك لبسا صوتًا يدافع عنها، في حين تابع راينر بعنف:

+


"أليسيا كولمان!".

+


   بللت شفتيها لتشرح له، لكنه قبض على كتفيها بقسوة و هزَّها متسائلاً:

2


"و أنا الصيد الجديد... أليس كذلك؟".

20


"راينر، أرجوك... دعني ٱفسر لكَ ما...".

+


   لكنه قاطعها، نبرته الدافئة انقلبت، مرّة، جارحة، و باردة كالصقيع:

1


"ما الذي ستفسرينه بعد هذا ليسا؟".

2


   توقف ممتعضًا، و تدارك خطأه بطريقة قاسية جعلت قلبها يتهاوى:

+


"أنا لا أعرف حتى أيهما إسمكِ الحقيقي... ليسا... أم أليسيا؟!".

+


تمتمت مهزوزة تغالب الدموع:

+


" لا تفعل هذا! لا فكرة لديكَ عما مررتُ به...!".

1


"و فيمَ سيهم هذا الآن، لا شيء يبرر الأكاذيب!".

2


   اقترب منها كأنه بتنفسها للمرة الأخيرة، نظر إلى وجهها المبلل بالدموع، ثم تمتم بمرارة:

+


"تبين أن حدسي كان في محله، تحت كل هذا الجلد البارد تتنفس إمرأة ٱخرى، أجمل مما يتصوره أي رجل، لكنها خبيثة... كما يتوقع من شقراء فاتنة أن تكون!".

5


   استدار بحدة، و إجتاز الباب صافقًا إياه، نهضا ليسا في محاولة أخيرة للكلام، غير أن ساقيها خانتاها، فتهالكت على الأريكة، و إستسلمت لدموع غزيرة تتفجر من عينيها، كانت شهقاتها تصطدم بالجدران، و رجفاتها تحاول خلع جلد الألم عن عظامها. راحت تئن و تنتحب، لا من لسان راينر، بل من العدالة الغائبة، من القدر الذي سمح لها أن تُجرح مرتين في المكان ذاته!

2


   بكت، بكت ليسا طويلاً... و الليل خارج نافذتها لا يتغير، فقط يتكثف، و يصغي بصمت مفزع لأنينها!



+


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close