رواية حين تكذب الملائكة الفصل الثامن 8 بقلم الكاتبة كوين اسمهان
استيقظت ليـسا على ضوء الصباح الباهت المتسلل من بين ستائر غرفتها الهادئة، عيناها المنتفختان من البكاء الليلي تكادان ترفضان فتحهما، في حين تتردد فكرة واحدة برأسها: لا شكَّ أنها ساعي البريد سيحمل إليها بعد قليل قرار فصلها من شركة غرانت!
+
و بسبب ذلك الإفتراض اليقيني... لم تتوجه للعمل، لم تكن تملك الجرأة على مواجهة ما ظنت أنه واقع مفروغ منه. بعد ما جرى على متن ذلك اليخت، لا ريب في أن راينر لن يسمح لها بالاقتراب من مكتبه ثانيةً.
+
نظرت إلى حقيبتها الملقاة على طرف الأريكة، ثم أشاحت عنها متنهدة، و تحركت ببطء إلى المطبخ، أين صنعت لرأسها المتصدع قهوة سوداء قوية، قبل أن تحمل الفنجان بتراخٍ شديد و تجلس قرب سموكي في صمت لا يمزقه سوى خفقان قلبها، و هرير القطة المتواصل!
+
في تمام الساعة الثامنة و النصف... رنّ هاتفها فجأة، و الرقم الذي ظهر على الشاشة جعلها تقفز واقفة، و تلهث متوترة، إنه راينر!
+
أجابت بعد تردد طويل:
+
"نعم!".
+
صوته جاء حادًا، جافًا كأنه صدى فولاذي:
+
"أين أنتِ؟".
+
تنفست بتقطع مجيبة:
+
"في المنزل!".
+
"و هل يفترضُ بكِ مزاولة مهامكِ من هناك! تعالي حالاً، العمل المتراكم لن يجنز نفسه!".
5
فغر فم ليسا للحظة، و أردفت متلعثمة:
+
"و لكن، أنا إعتقدتُ... أقصد... ظننت أنني... طُرِدتُ!".
+
"ظننتِ؟ هل أعلمتك الإدارة بذلك؟ هل تلقيتِ فصلاً صريحًا مني؟!".
+
«كلا، و لكن...!".
+
قاطعها ببرود:
+
"لا تفترضي آنسة كولنز!".
+
شدَّد عمدًا على نطق حروف كنيتها المزيفة، و تابع بلهجة قاسية:
+
"تأخركِ غير مبرر، و سيُخصم من راتبك، و لا تحاولي اللعب بورقة الاستقالة، أنتِ مقيّدة بعقد صارم ووقعّتِ عليه طوعًا!".
2
"...مفهوم، سيدي!".
+
أغلق الخط قبل أن تنطق بشيء آخر، رفعت الهاتف عن أذنها كما لو أنها ترفع صفعة مؤلمة، ثم زفرت تنهيدة طويلة و تحركت بسرعة لتبدّل ملابسها، لن تهرب هذه المرة... ستواجه!
1
كانت الساعة العاشرة و النصف حين دخلت امرأة عشرينية فاتنة الشركة بخطوات مترددة، وجدت أعين الزملاء عليها، بعضهم يشهق من شدة جمال هذا الوجه المتناسق، و بعضهم يتهامس ما الذي حدث ختى تحولت سكرتيرة الرئيس من امرأة مشعثة ترتدي أي شيء في دولابها إلى فاتنة حرفيا؟ أما فيكتوريا، فقد زمت شفتيها غيظا، و رفعت حاجبيها بذهول حاد، و لو لم تقسم أن هذه نفسها ثياب القبيحة ليسا، لصدقت أنها سكرتيرة جديدة أتت مكانها! و بينما كانت ليسا تمر بمحاذاتها سمعتها تهمس بغل مكبوت:
+
"يا للمسكينة، هل تألمتِ كثيرًا أثناء الجراحة التجميلية التي أجريتِها؟ في مطلق الأحوال! أصبحتِ في عداد الجميلات، لكنكِ لا زلتِ تحتلين المركز الأخير في طابور الموضة!".
6
أمسكت ليسا أنفاسها غير مصدقة هوس تلك المرأة المرضي بالنيل من ثقتها، و رغم أنها كانت في عجلة من أمرها، لكنها لم تستطع منع نفسها من توقيع رد فعال ككل مرة:
+
"لا أكترث لطوابير من هذا النوع، لأنني لستُ تلك تستغل جسدها في سباق جمال سخيف، لكن يبدو أنكِ بارعة في هذه الأمور، و بما أن لدي عمل يشغلني، تستطيعين المحاضرة مع بقية الموظفات اللاهيات حول طابور الموضة!".
+
وجدت ليسا راينر في مكتبه، لكنه أثبت ذلك الصباح أنه يمكن أن يتحول لرجل قابل للكره، لا ابتسامة، لا نظرة، لا حتى إستراحة! فقط أوامر متلاحقة، جافة، ومرهقة.
3
كان يملي عليها المهام بسرعة مرعبة، نبرته خالية من أي اهتمام بشري، و كأنها مجرد آلة تترجم التعليمات. كل ما بينهما من دفء، من نظرات، من مساحات رمادية... تحوّل إلى جليد صلد.
+
مر أسبوع، ثم آخر، ثم ثالث... و ليسا تحرث المكتب بقدميها تنفيذا لتعليماته! و طوال هذه المدة، أبقاها راينر بعد الدوام كل ليلة تقريبًا تحت مبرر "العمل الإضافي".
6
بينما كانت تفضل تسميته في سرها: «العمل العقابي!».
1
كانت تنفذ بلا اعتراض، تكاد تنهار، لكنها لا تستسلم، فقط لأنه هو، فقط لأنها تعرف أن خلف هذا القناع الجليدي، هناك رجل جُرِح أكثر مما غضب!
2
𓇼
+
في نهاية الأسبوع الثالث، دخلت ليسا حديقتها الصغيرة عائدة من العمل، لتجد شابة مألوفة تقف عند الباب، تحمل ابتسامة واسعة، و أذرعًا مفتوحة:
+
"مفاجأة!".
+
صرخت ليـسا بفرحة عارمة:
+
"ديان!".
+
كانت ديان فليبر - صديقتها من أيام الثانوية - امرأة نابضة بالحياة، قصيرة القامة، ذات عينين واسعتين و شعر أسود قصير فوضوي، و ابتسامة لا تهدأ.
+
أخبرتها أنها في بروكلين من أجل أداء تجربة غنائية لفيلم يُصوَّر محليًا، و أنها اختارت أن تقيم معها أسبوعًا كاملًا، لأنها لا تحبذ أجواء الفنادق، و تبحث عن صديقة مشجعة تؤنسها و تتمنى لها الحظ!
+
تناولتا العشاء، ثم المرطبات، و بعدها رغبت ديان في الدردشة مع قهوة. في البداية، حاولت ليـسا أن تبدو طبيعية، تبادر بالضحك، تعد القهوة، و تتحدث عن أشياء تافهة؛ لكن عينا ديان كانتا ترصدان كل ومضة شحوب، و كل لحظة شرود تعبر وجهها، و إثر إلحاح صغير منها لمعرفة ما يعتمل داخل قلب صديقتها، انفجرت ليـسا مفضية ما بجعبتها!
1
"لم أكن أريد خداعه ديان، فقط... لم أكن أريد أن أُؤذَى مجددًا! لكنه الآن يراني كذبة كاملة، امرأة جشعة جميلة كغيرها، رغم أنني كنت فقط أحاول النجاة!".
1
روت ليسا كل شيء عاشته مع راينر: من تنكرها، لليلة العشاء، لليخت، و كيف كان رد فعله مدمّرًا، و كيف حملته الصدمة ليصبح قاسيًا كاللعنة! و استمعت ديان بصبر، ثم علقت مقتنعة بحل واحد:
+
"عليك إخباره بالحقيقة عزيزتي، أخبريه بما فعله لورانس و إنتهى الأمر...!".
+
"راينر لا يمنحني فرصة لفتح فمي، هو الآن... مثل إعصار أعمى، لا يعرف كيف يهب و ماذا يكسر، لكنه لا يستطيع التوقف!".
2
𓇼
+
في نهاية ذلك الأسبوع، حاولت ديان سحبها للخروج و الاحتفال بقبولها كمغنية في الفيلم، لكن ليـسا اعتذرت، و قالت بتنهيدة ثقيلة:
+
"راينر ينتظر مني مراجعة ملفات أرشيف الشركة... لا يمكنني التخلف!".
+
تركتها ديان على موقفها، و إنصرفت دون ضغط، لكن قلبها ظل مغمورًا بالقلق حيال مصير صديقتها وسط كل ما يجري!
+
صباح السبت، دلفت ليـسا طابق الأرشيف السفلي، الجو كان خانقًا بعض الشيء، و صوت خطواتها ارتدّ عن الجدران الصامتة. كانت تراجع ملفات ثقيلة حين سمعت صوت إنغلاق الباب المعطل خلفها، ركضت نحوه، و حاولت فتحه دون جدوى، قبل أن تشرع في الصراخ و هي تركله بقوة:
3
"أخرجني من هنا! هل هذا مضحك؟ سيد غرانت! توقف عن معاقبتي بهذا الشكل! افتح الباب فورًا! أنا لا ٱطيق الأماكن المغلقة!".
3
توقفت عن ذلك حين صعقها صوت بارد يتردد خلفها:
+
"للأسف آنسة كولنز، لا أستطيع فعل شيء لأنني محبوس أيضًا!".
9
التفتت مخطوفة اللون، فوجدته يقف في الظل، عاقدًا ذراعيه، و ملامحه لا تزال غارقة في برود لا متناهٍ! قبل أن يتابع بنبرة مستفزة:
+
"الصراخ في مكان كهذا... مزعج!".
+
"أنا... كنتُ... أظنُّ أنكَ... تعاقبني!".
+
رفع حاجبًا واحدًا، و علق:
+
"تظنين دائما، أ ليس كذلك؟".
1
أحست أن أنفاسها تنساب منها، أدركت برعب الآن أن الباب أُغلق عليهما معًا... وأن لا مهرب من هذه المواجهة، ليس هذا فقط، لقد تركت حقيبتها في المكتب، و داخلها الهاتف... و بخاخ الربو!
+
بدأت الأنفاس تضيق أكثر، و بدأت تتعرق و تضطرب بشكل ملحوظ، ضيق راينر عينيه دون أن يتحرك من مكانه، فيما إنزلقت ليسا نحو الأرضية لاهثة!
+
"ما هذا الآن؟!".
+
خمن راينر أنها تبحث عن أي خيط للتشبث به و الهروب من لسانه القاسي، لعلها تدعي الإغماء، لكنه حالما دقق النظر فيها، و لاحق إهتزازات صدرها العنيفة، و شهقاتها المتواصلة، أيفن أن ذلك لا يشبه أي إغماء عادي!
2
في الطابق الأرضي، انفتحت أبواب المصعد ببطء، وخرجت منه فيكتوريا بخطى رشيقة وصوت كعبَيْها يرنّ على الأرضية اللامعة، وضعت نظاراتها الشمسية مخفية مكر عينيها، و الابتسامة المرسومة على شفتيها تشي بانتصار لذيذ كانت تنتظره طويلاً!
4
عيناها لمعتا برضى و هي تغلق بوابة المبنى من الداخل و تمنح للحارس الوحيد الذي ظل إحازة كبقية الموظفين، ثم نظرت إلى المفتاح الذي أدرجته في حقيبتها الجلدية الأنيقة، قبل أن تخرجه مجددًا وتديره ببطء بين أصابعها الناعمة، كما يدير صيّاد سكينًا بعد إسقاط فريسته!
+
تمتمت بسخرية و هي تستدير نحو سيارتها الفاخرة:
+
«ليكن درسًا لها، تلك المتصنعة الصغيرة... سيعيدها البقاء بين أكوام الغبار و السجلات القديمة إلى حجمها الحقيقي!».
+
إمتطت السيارة، شغّلت المحرك، و ألقت نظرة أخيرة على مبنى الشركة ضاحكة لنفسها:
+
«لن تنسي هذه العطلة أبدًا، آنسة كولنز!».
6
ثم انطلقت تاركة خلف صدى يتكرر، مخفية خلف رحيلها ضغينة أُنثى أنهكها الرفض، و عاصفة هوجاء قادمة، فهي لا تدري أنها حبست مع ليسا عن غير قصد الرجل الوحيد الذي تسعى إليه و تخشاه... راينر غرانت!
1
