رواية نون حائرة الفصل السادس 6 بقلم سمر شكري
الفصل السادس
أسلحة القتل كثيرة، قد تكون طعنة سكين أو طلقة رصاص، أو سُم يُدَس فى طعام
أرحمها هي ما تُرديك قتيلًا في الحال وأشقها هي ما تُدمي روحك أولًا
وما حدث معها ما هو إلا موت على قيد الحياة، جسد لا روح فيه، ما يبقيه حيًا هو ما تصر عليها والدتها تناوله من طعام لايُسمن ولا يُغني من جوع ولكن بالكاد يضمن عمل أعضاء جسدها، فقد بدت هزيلة وضعيفة، بلغ الوهن منها مبلغه، تنام بفراشها مولية صديقتها ظهرها، رافضة التحدث إليها كما هو الحال معهم جميعا
ربتت (ندى) على ظهرها ولاحظت انتفاضة جسدها بمجرد ملامستها لها، حزنت لحال صديقتها، فقد كانت تظن أن ما فعله (طارق) معها هو أكثر ما يُؤلم الفتاة، ولكن برؤيتها لصديقتها وما آلت إليها حالتها أيقنت أن ما حدث معها لم يكن نهاية الكون وعليها ألا تستسلم لأى قوى تحاول كسرها كما أنها ستفعل ما بوسعها لمساعدة صديقتها
تركتها نائمة أو مُدعية ذلك وتوجهت للحديث مع والدي (نسمة) ، جلست برفقة (شمس) وتحدثت بحزن : وبعدين يا طنط، هنفضل سايبينها فى الحالة دى كده كتير ؟
تنهدت (شمس) وترقرق الدمع في عينيها : أنا حاولت معاها بكل الطرق ومفيش فايدة، إحنا غلطنا لما سمعنا كلامها وسبناها تخرج من المستشفى
بمجرد إنهاء جملتها أتى إليهم (منصور) وشبح إبتسامة يلوح على وجهه، نظرا إليه منتظرين ما سيخبرهم إياه
(منصور) : حازم لسه قافل معايا، قالي إن فيه واحدة قريبته دكتورة نفسية حكالها حالة نسمة وهتيجي تشوفها إن شاء الله، زمانهم على وصول
(شمس) بحزن : هترفض تكلمها زي اللى قبلها
قاطعها (منصور) قائلا : لا هو أكدلي إنها بالها طويل وهي الوحيدة اللى هتقدر تعالج نسمة وتخرجها من اللى هي فيه
ربتت (ندى) على كتف (شمس) قائلة : نستبشر خير يا طنط وإن شاء الله شفاء نسمة على ايدها
رفعت (شمس) عينيها إلى السماء مبتهلة إلى الله أن يستجيب دعواها
****************************************
توجه (يحيى) إلى (أمجد) الذي يجري مكالمة هاتفية ويبدو على ملامحه الجدية، وبمجرد رؤيته أنهى مكالمته وتوجه إليه قائلًا : كويس إنك جيت، جالي تليفون من الشغل ولازم أمشي
أخذ هاتفه ومفاتيح سيارته وشرع في الرحيل ولكنه تذكر شئ ما، فعاد أدراجه مُخبرًا أخيه : كابتن سارة سألت عليك، بتقول عايزاك فى موضوع بخصوص فرح
أومأ إليه (يحيى) برأسه : تمام هشوفها، حاول متتأخرش هستناك أنا وفرح نتغدى سوا
أجابه (أمجد) قائلا : خلاص اسبقوني ع البيت لأنى مش ضامن أرجع النادي تاني
وبمجرد رحيل (أمجد) توجه (يحيى) لرؤية مدربة السباحة الخاصة بابنته التي وجدها قد أنهت تدريبها للتو
تهللت أسارير (فرح) لرؤية والدها، ركضت إليه محتضنة إياه : بااااابي، وحشتني كتيييير
احتضنها (يحيى) مقبلًا إياها : وانتى كمان وحشتيني يا روح بابي
سألته بطفولتها المشاغبة : جبتلي معاك عروسة جديدة ؟
أجابها مبتسما : جبتلك عرايس كتير، وهنروح البيت حالا نشوفهم ونلعب بيهم، بس ممكن تلعبي مع صحباتك شويه لحد ما أكلم كابتن سارة
أومأت الطفلة برأسها وركضت تجاه صديقاتها
مد يده مصافحًا (سارة) التي كانت تتابع لقاء الاب وابنته التى يضطر للغياب عنها لأيام بحكم عمله ك كابتن طيار، صافحته هي الأخرى : حمد الله على السلامة
ابتسم إليها (يحيى) : الله يسلمك، أمجد قالي إنك عايزاني بخصوص فرح
التفتت إلى الفتاة التي تتابع صديقاتها أثناء لعبهم بهدوءها المعتاد : غياب مامة فرح مأثر عليها، البنت بدأت تنطوي وزي ما حضرتك شايف مش بتشارك صحباتها فى اللعب، بقت ساكتة وهادية زيادة عن اللزوم، تقريبا مش بتتكلم غير معاك
حانت منه إلتفاتة تجاه ابنته، وجدها تتابع شئ ما بانتباه ويبدو على ملامحها الحزن، أدار بصره إلى ما تنظر إليه فوجد أنها تتابع أم تداعب طفلها
أكملت (سارة) حديثها عندما لاحظت ما ينظر تجاهه : ودا كمان أنا لاحظته عليها، فرح محتاجة أم تعوضها عن مامتها الله يرحمها، أنا مش عايزة أقلق حضرتك أكتر بس الأمر وصل معاها إنها تخترع شخص خيالي كأم ليها تتكلم معاها
شعر بالصدمة مما تقصه عليه مدربتها، هل وصل الأمر لذلك، هل تُراه من أوصل طفلته لهذه الحالة، ولكنه عندما يضطر لتركها بسبب عمله؛ يضمن أنها بأمان برفقة والدته و أخيه
شكرها (يحيى) : أنا بشكرك جدا لاهتمامك واوعدك انى هشوف حل للموضوع دا
تلعثمت قليلا قبل إخباره : أنا آسفة فى اللى هقوله بس يكون أفضل لو استشرت دكتور نفسي
أومأ برأسه : هحط دا فى اعتباري
شكرها مرة أخرى وتوجه إلى طفلته حاملًا إياها بين ذراعيه يدغدغها بمرح، لا يشغل تفكيره سوى كلامه مع (سارة) وما وصلت إليه ابنته نتيجة عدم وجود والدتها بحياتها
*************************
وقفت (نيرة) أمام منزل عمتها منتظرة أن يُفتح لها الباب، فقد وردها اتصال من ابنة عمتها تطلب فيه رؤيتها ولولا صوتها الباكي في الهاتف لما ذهبت، فزيارة عمتها باتت حمل ثقيل مؤخرًا
فتحت لها ابنة العمة الباب، والتي صدمت من رؤيتها بهيئتها تلك، فوجهها المتورم وعينيها المنتفخة من كثرة البكاء يدلان على أنها اصطدمت بشاحنة ما، يوجد كدمة زرقاء أسفل عينها اليسرى وأخرى بذراعها
شهقت (نيرة) فور رؤيتها واحتضنتها قائلة : إيه عمل فيكي كده؟ انتى عملتى حادثة ولا إيه ؟
انهمرت الدموع بغزارة من عيني (سلمى) وتعالى نحيبها : لا دى آخر التطورات، أنا خلاص تعبت ومبقتش عارفه ارضيه
شعرت (نيرة) بالصدمة : هو جوزك هو اللى عمل فيكى كده!
أومأت (سلمى) برأسها علامة الإيجاب، فظهر الغضب جليًا بملامح (نيرة) : وانتى ليه تسمحيله يمد ايده عليكي و يبهدلك بالشكل دا
أجابتها (سلمى) من بين شهقاتها : طلبت منه يزود مصروف البيت أو أنزل أشتغل موافقش، اتعصبت و زعقت معاه مد ايده عليا وضربني
سألتها (نيرة) : هو مد ايده عليكي قبل كده ؟
أومأت (سلمى) برأسها : ايوه، بس أول مرة يبهدلني بالشكل دا
شعرت (نيرة) بالغضب من ابنة عمتها : تستاهلي، عشان سمحتي له يعملها مرة قبل كده أهو اتمادى فيها ولو سكتيله المرة دى هيعمل فيكي اكتر من كده
أجابتها (سلمى) بحزن : وأنا فى ايدى ايه اعمله، أنا بمشي المركب عشان الولاد
ازداد غضب (نيرة) : فى ايدك كتير، إيه يجبرك تعيشي مع واحد همجي كده، ومتقوليش الولاد، لأنهم لما يشوفو التعامل بينكم كده يبقى انفصالكم أهون ليهم
قاطعها صوت عمتها قائلة : إيه يا نيرة، هو انتى عشان اتطلقتي عايزة بنات العيلة تطلق كلها زيك، دا بدل ماتعقليها بكلمتين
ثم توجهت بالحديث إلى ابنتها قائلة : قومي روحي بيتك وبلاش تخربي على نفسك وأنا هخلى ابوكي وخالك يكلمو جوزك يسمعوه كلمتين، قومي وبلاش تسمعي لحد عايز يخرب عليكى
أنهت جملتها ناظرة إلى (نيرة) وكأنها تُعلمها بأنها المقصودة بحديثها
آثرت (نيرة) كلمات عمتها بنفسها ولعنت نفسها سرًا على قدومها إلى منزلها، فهي لن تسلم دائما من لسانها، قبَّلت ابنة عمتها واستأذنتهم في الرحيل
***************************
توجهت (شمس) لاستقبال (حازم) و (أميرة) اللذان وصلا للتو و يجلسان برفقة (منصور) بغرفة المعيشة : أهلا وسهلا شرفتونا
تبادلا التحية ثم توجهت (أميرة) إليها بالحديث : أنا عرفت من حازم واستاذ منصور كل اللى حصل مع نسمة، هو في الاغلب انا مش بشتغل مع حالات خارج العيادة بس أنا هعمل استثناء مع نسمة، وأكيد حضراتكم جميعا ليكم دور مهم في العلاج، حتى أصدقاءها
قالت جملتها ناظرة تجاه (ندى) التى كانت تجلس برفقتهم، فاندفعت قائلة : إحنا مستعدين نعمل اى حاجة حضرتك تقولي عليها بس نسمة تخرج من حالتها دي
أكملت (أميرة) حديثها : كده إحنا متفقين، وفيه حاجة كمان حابة أقول لكم عليها، اى حوار يدور بيني وبين نسمة ياريت محدش يسألنى عنه لأن دى تعتبر خيانة لأسرارها، وعالعموم أنا واثقة إن شاء الله إنها فترة قليلة وهتبدأ هي تيجي الجلسات في العيادة، ياريت لو أمكن دلوقتي أقابلها واتعرف عليها
اصطحبتها (شمس) لغرفة ابنتها التي كانت تجلس بفراشها تحدق بالفراغ أمامها، كلما رأتها بهيئتها تلك يتملكها الحزن : نسمة فيه ضيفة عايزة تقابلك
قاطعتها (أميرة) بابتسامة : حضرتك اتفضلي واحنا هنتعرف على بعض
غادرت (شمس) وأغلقت باب الغرفة وراءها، جلست (أميرة) على مقعد بجوار الفراش وبدأت حديثها بهدوء : إزيك يا نسمة، أخبارك إيه ؟
لم تلق جواب من الصامتة أمامها فأكملت حديثها مبتسمة : بصي اولا متفكريش إنك بسكوتك دا هتزهقيني وأمشي، أنا طبعا واثقة إنك عرفتي انى دكتورة نفسية، بس أنا عايزاكي تعتبريني صديقة تحكيلها كل اللى جواكى، انتى مش حابة تتكلمي مع حد تعرفيه فجربي تتكلمي مع حد متعرفهوش
لامست يدها تستشعر منها أى استجابة وقد كان، فقد التفتت إليها (نسمة) والدموع تترقرق فى عينيها، انتظرت منها أن تتحدث ولكنها أجهشت بالبكاء وأخفت وجهها بيديها
علا ثغر (أميرة) ابتسامة خفيفة، فهاهي قد حصلت على استجابة، حتى وإن كانت على هيئة بكاء فهي تعتبرها بداية الطريق
أخرجت الكارت الخاص بعيادتها والذي يحوي العنوان ورقم هاتفها، وتركته على المنضدة الصغيرة المجاورة للفراش قائلة : دا الكارت بتاعي، فيه عنوان العيادة ورقم التليفون، أنا مش هضغط عليكي النهارده، بس وقت ما تحتاجيني كلميني أو تعالى العيادة
ثم أكملت مبتسمة : وعلى فكرة لو مكلمتنيش أنا هجيلك تاني، بس أنا حابة إن الموضوع ييجي منك ويكون عندك إستعداد تتكلمي، وعالعموم يا ستي جربي مش هتخسري حاجة
وقفت (أميرة) مودعة إياها : أنا همشي دلوقتي وهستنى منك تليفون
غادرت الغرفة وذهبت للحديث مع والديها، طمأنتهم بأنها تستبشر خيرًا، وكل ما طلبته منهما ألا يضغطا عليها ثم استأذنتهم في الرحيل وغادرت برفقة (حازم)
**************************
شعرت (نيرة) بالضيق مما حدث بمنزل عمتها، ولم يكن لديها رغبة بالعودة إلى المنزل فقررت الذهاب لزيارة (نور) وهاتفت والدتها لتخبرها بذلك
خرجت (نور) من المطبخ حاملة أكواب العصير بينما كانت (نيرة) تداعب (همس) ابنة (نور) فأخبرتها ضاحكة : ما تخليكي جدعة بقى واقعدو العبو سوا لحد ما أخلص الشغل اللى ورايا
حملت (نيرة) الصغيرة وانهالت عليها بالقبلات : لا أنا هاخدها معايا هي خسارة فيكي اصلا
ثم أكملت حديثها بجدية : قوليلى صحيح انتى اقنعتي مامتك انك تنزلي تشتغلي ازاى
رفعت (نور) كتفيها : ومين قالك إنها اقتنعت، هي حاليا معتقدة أني بقول كلام وخلاص، هى بس قررت تأجيل الخناق لبعد عدتي ما تخلص
سألتها (نيرة) باهتمام : بس انتي قررتي القرار دا ليه، انتى كنتى حبيتي البيت واستغنيتي عن الشغل عشان أدم وهمس
تنهدت (نور) : وخلاص أدم مبقاش موجود، الحياة من غيره مملة، حابة اشغل نفسي، اللى استغنيت عن الشغل عشان هو كل دنيتي مبقاش موجود، يبقى ارجع بقى أشوف مستقبلي
ربتت (نيرة) على كفها : ربنا يرحمه، ويعينك يا حبيبتي، هى مامتك فين صحيح؟
أجابتها (نور) : نزلت تشتري شويه طلبات للبيت
اعتدلت (نور) فى جلستها سائلة إياها : قوليلى بقى إيه مزعلك ؟ انتى من ساعة ما جيتي وأنا حساكي متغيرة
زفرت (نيرة) بضيق : عادى، كنت عند عمتي وإنتي عارفة كلامها طبعا ومضايقتها ليا، سلمى كلمتنى أروح لها هناك و ياريتنى ما رحت، عكننت عليا بعد ما كنت مبسوطة
ضحكت (نور) : طب كده عرفنا إيه مزعلك، فرحينا بقى معاكي فى اللى فرحك ولا هو إحنا للنكد بس
داعبت ابتسامة ثغر (نيرة) : أصل قابلت يحيى النهارده
سألتها (نور) : يحيى مين ؟…. ثم هتفت بعد أن تذكرت الاسم : إوعى يكون قصدك يحيى الطحان أخو أمجد
أومأت (نيرة) برأسها علامة الإيجاب، فضحكت (نور) مصفقة بيديها : ايوه بقى يا عم كراش ثانوي وأيام المراهقة
أخبرتها (نيرة) : زى ما انتى قلتي أيام المراهقة يعني كان مشاعر عيال، وعلى فكرة هو متجوز ومخلف. ابتسمت (نور) بمشاكسة : وهو أنا كنت قلت لك روحي اتجوزيه
شردت (نيرة) بذكريات الماضي، تذكرت أول مرة رأته، كم كانت مُعحبة بوسامته، ولكنها عندما رأته اليوم اكتشفت أنه ازداد وسامة
أسلحة القتل كثيرة، قد تكون طعنة سكين أو طلقة رصاص، أو سُم يُدَس فى طعام
أرحمها هي ما تُرديك قتيلًا في الحال وأشقها هي ما تُدمي روحك أولًا
وما حدث معها ما هو إلا موت على قيد الحياة، جسد لا روح فيه، ما يبقيه حيًا هو ما تصر عليها والدتها تناوله من طعام لايُسمن ولا يُغني من جوع ولكن بالكاد يضمن عمل أعضاء جسدها، فقد بدت هزيلة وضعيفة، بلغ الوهن منها مبلغه، تنام بفراشها مولية صديقتها ظهرها، رافضة التحدث إليها كما هو الحال معهم جميعا
ربتت (ندى) على ظهرها ولاحظت انتفاضة جسدها بمجرد ملامستها لها، حزنت لحال صديقتها، فقد كانت تظن أن ما فعله (طارق) معها هو أكثر ما يُؤلم الفتاة، ولكن برؤيتها لصديقتها وما آلت إليها حالتها أيقنت أن ما حدث معها لم يكن نهاية الكون وعليها ألا تستسلم لأى قوى تحاول كسرها كما أنها ستفعل ما بوسعها لمساعدة صديقتها
تركتها نائمة أو مُدعية ذلك وتوجهت للحديث مع والدي (نسمة) ، جلست برفقة (شمس) وتحدثت بحزن : وبعدين يا طنط، هنفضل سايبينها فى الحالة دى كده كتير ؟
تنهدت (شمس) وترقرق الدمع في عينيها : أنا حاولت معاها بكل الطرق ومفيش فايدة، إحنا غلطنا لما سمعنا كلامها وسبناها تخرج من المستشفى
بمجرد إنهاء جملتها أتى إليهم (منصور) وشبح إبتسامة يلوح على وجهه، نظرا إليه منتظرين ما سيخبرهم إياه
(منصور) : حازم لسه قافل معايا، قالي إن فيه واحدة قريبته دكتورة نفسية حكالها حالة نسمة وهتيجي تشوفها إن شاء الله، زمانهم على وصول
(شمس) بحزن : هترفض تكلمها زي اللى قبلها
قاطعها (منصور) قائلا : لا هو أكدلي إنها بالها طويل وهي الوحيدة اللى هتقدر تعالج نسمة وتخرجها من اللى هي فيه
ربتت (ندى) على كتف (شمس) قائلة : نستبشر خير يا طنط وإن شاء الله شفاء نسمة على ايدها
رفعت (شمس) عينيها إلى السماء مبتهلة إلى الله أن يستجيب دعواها
****************************************
توجه (يحيى) إلى (أمجد) الذي يجري مكالمة هاتفية ويبدو على ملامحه الجدية، وبمجرد رؤيته أنهى مكالمته وتوجه إليه قائلًا : كويس إنك جيت، جالي تليفون من الشغل ولازم أمشي
أخذ هاتفه ومفاتيح سيارته وشرع في الرحيل ولكنه تذكر شئ ما، فعاد أدراجه مُخبرًا أخيه : كابتن سارة سألت عليك، بتقول عايزاك فى موضوع بخصوص فرح
أومأ إليه (يحيى) برأسه : تمام هشوفها، حاول متتأخرش هستناك أنا وفرح نتغدى سوا
أجابه (أمجد) قائلا : خلاص اسبقوني ع البيت لأنى مش ضامن أرجع النادي تاني
وبمجرد رحيل (أمجد) توجه (يحيى) لرؤية مدربة السباحة الخاصة بابنته التي وجدها قد أنهت تدريبها للتو
تهللت أسارير (فرح) لرؤية والدها، ركضت إليه محتضنة إياه : بااااابي، وحشتني كتيييير
احتضنها (يحيى) مقبلًا إياها : وانتى كمان وحشتيني يا روح بابي
سألته بطفولتها المشاغبة : جبتلي معاك عروسة جديدة ؟
أجابها مبتسما : جبتلك عرايس كتير، وهنروح البيت حالا نشوفهم ونلعب بيهم، بس ممكن تلعبي مع صحباتك شويه لحد ما أكلم كابتن سارة
أومأت الطفلة برأسها وركضت تجاه صديقاتها
مد يده مصافحًا (سارة) التي كانت تتابع لقاء الاب وابنته التى يضطر للغياب عنها لأيام بحكم عمله ك كابتن طيار، صافحته هي الأخرى : حمد الله على السلامة
ابتسم إليها (يحيى) : الله يسلمك، أمجد قالي إنك عايزاني بخصوص فرح
التفتت إلى الفتاة التي تتابع صديقاتها أثناء لعبهم بهدوءها المعتاد : غياب مامة فرح مأثر عليها، البنت بدأت تنطوي وزي ما حضرتك شايف مش بتشارك صحباتها فى اللعب، بقت ساكتة وهادية زيادة عن اللزوم، تقريبا مش بتتكلم غير معاك
حانت منه إلتفاتة تجاه ابنته، وجدها تتابع شئ ما بانتباه ويبدو على ملامحها الحزن، أدار بصره إلى ما تنظر إليه فوجد أنها تتابع أم تداعب طفلها
أكملت (سارة) حديثها عندما لاحظت ما ينظر تجاهه : ودا كمان أنا لاحظته عليها، فرح محتاجة أم تعوضها عن مامتها الله يرحمها، أنا مش عايزة أقلق حضرتك أكتر بس الأمر وصل معاها إنها تخترع شخص خيالي كأم ليها تتكلم معاها
شعر بالصدمة مما تقصه عليه مدربتها، هل وصل الأمر لذلك، هل تُراه من أوصل طفلته لهذه الحالة، ولكنه عندما يضطر لتركها بسبب عمله؛ يضمن أنها بأمان برفقة والدته و أخيه
شكرها (يحيى) : أنا بشكرك جدا لاهتمامك واوعدك انى هشوف حل للموضوع دا
تلعثمت قليلا قبل إخباره : أنا آسفة فى اللى هقوله بس يكون أفضل لو استشرت دكتور نفسي
أومأ برأسه : هحط دا فى اعتباري
شكرها مرة أخرى وتوجه إلى طفلته حاملًا إياها بين ذراعيه يدغدغها بمرح، لا يشغل تفكيره سوى كلامه مع (سارة) وما وصلت إليه ابنته نتيجة عدم وجود والدتها بحياتها
*************************
وقفت (نيرة) أمام منزل عمتها منتظرة أن يُفتح لها الباب، فقد وردها اتصال من ابنة عمتها تطلب فيه رؤيتها ولولا صوتها الباكي في الهاتف لما ذهبت، فزيارة عمتها باتت حمل ثقيل مؤخرًا
فتحت لها ابنة العمة الباب، والتي صدمت من رؤيتها بهيئتها تلك، فوجهها المتورم وعينيها المنتفخة من كثرة البكاء يدلان على أنها اصطدمت بشاحنة ما، يوجد كدمة زرقاء أسفل عينها اليسرى وأخرى بذراعها
شهقت (نيرة) فور رؤيتها واحتضنتها قائلة : إيه عمل فيكي كده؟ انتى عملتى حادثة ولا إيه ؟
انهمرت الدموع بغزارة من عيني (سلمى) وتعالى نحيبها : لا دى آخر التطورات، أنا خلاص تعبت ومبقتش عارفه ارضيه
شعرت (نيرة) بالصدمة : هو جوزك هو اللى عمل فيكى كده!
أومأت (سلمى) برأسها علامة الإيجاب، فظهر الغضب جليًا بملامح (نيرة) : وانتى ليه تسمحيله يمد ايده عليكي و يبهدلك بالشكل دا
أجابتها (سلمى) من بين شهقاتها : طلبت منه يزود مصروف البيت أو أنزل أشتغل موافقش، اتعصبت و زعقت معاه مد ايده عليا وضربني
سألتها (نيرة) : هو مد ايده عليكي قبل كده ؟
أومأت (سلمى) برأسها : ايوه، بس أول مرة يبهدلني بالشكل دا
شعرت (نيرة) بالغضب من ابنة عمتها : تستاهلي، عشان سمحتي له يعملها مرة قبل كده أهو اتمادى فيها ولو سكتيله المرة دى هيعمل فيكي اكتر من كده
أجابتها (سلمى) بحزن : وأنا فى ايدى ايه اعمله، أنا بمشي المركب عشان الولاد
ازداد غضب (نيرة) : فى ايدك كتير، إيه يجبرك تعيشي مع واحد همجي كده، ومتقوليش الولاد، لأنهم لما يشوفو التعامل بينكم كده يبقى انفصالكم أهون ليهم
قاطعها صوت عمتها قائلة : إيه يا نيرة، هو انتى عشان اتطلقتي عايزة بنات العيلة تطلق كلها زيك، دا بدل ماتعقليها بكلمتين
ثم توجهت بالحديث إلى ابنتها قائلة : قومي روحي بيتك وبلاش تخربي على نفسك وأنا هخلى ابوكي وخالك يكلمو جوزك يسمعوه كلمتين، قومي وبلاش تسمعي لحد عايز يخرب عليكى
أنهت جملتها ناظرة إلى (نيرة) وكأنها تُعلمها بأنها المقصودة بحديثها
آثرت (نيرة) كلمات عمتها بنفسها ولعنت نفسها سرًا على قدومها إلى منزلها، فهي لن تسلم دائما من لسانها، قبَّلت ابنة عمتها واستأذنتهم في الرحيل
***************************
توجهت (شمس) لاستقبال (حازم) و (أميرة) اللذان وصلا للتو و يجلسان برفقة (منصور) بغرفة المعيشة : أهلا وسهلا شرفتونا
تبادلا التحية ثم توجهت (أميرة) إليها بالحديث : أنا عرفت من حازم واستاذ منصور كل اللى حصل مع نسمة، هو في الاغلب انا مش بشتغل مع حالات خارج العيادة بس أنا هعمل استثناء مع نسمة، وأكيد حضراتكم جميعا ليكم دور مهم في العلاج، حتى أصدقاءها
قالت جملتها ناظرة تجاه (ندى) التى كانت تجلس برفقتهم، فاندفعت قائلة : إحنا مستعدين نعمل اى حاجة حضرتك تقولي عليها بس نسمة تخرج من حالتها دي
أكملت (أميرة) حديثها : كده إحنا متفقين، وفيه حاجة كمان حابة أقول لكم عليها، اى حوار يدور بيني وبين نسمة ياريت محدش يسألنى عنه لأن دى تعتبر خيانة لأسرارها، وعالعموم أنا واثقة إن شاء الله إنها فترة قليلة وهتبدأ هي تيجي الجلسات في العيادة، ياريت لو أمكن دلوقتي أقابلها واتعرف عليها
اصطحبتها (شمس) لغرفة ابنتها التي كانت تجلس بفراشها تحدق بالفراغ أمامها، كلما رأتها بهيئتها تلك يتملكها الحزن : نسمة فيه ضيفة عايزة تقابلك
قاطعتها (أميرة) بابتسامة : حضرتك اتفضلي واحنا هنتعرف على بعض
غادرت (شمس) وأغلقت باب الغرفة وراءها، جلست (أميرة) على مقعد بجوار الفراش وبدأت حديثها بهدوء : إزيك يا نسمة، أخبارك إيه ؟
لم تلق جواب من الصامتة أمامها فأكملت حديثها مبتسمة : بصي اولا متفكريش إنك بسكوتك دا هتزهقيني وأمشي، أنا طبعا واثقة إنك عرفتي انى دكتورة نفسية، بس أنا عايزاكي تعتبريني صديقة تحكيلها كل اللى جواكى، انتى مش حابة تتكلمي مع حد تعرفيه فجربي تتكلمي مع حد متعرفهوش
لامست يدها تستشعر منها أى استجابة وقد كان، فقد التفتت إليها (نسمة) والدموع تترقرق فى عينيها، انتظرت منها أن تتحدث ولكنها أجهشت بالبكاء وأخفت وجهها بيديها
علا ثغر (أميرة) ابتسامة خفيفة، فهاهي قد حصلت على استجابة، حتى وإن كانت على هيئة بكاء فهي تعتبرها بداية الطريق
أخرجت الكارت الخاص بعيادتها والذي يحوي العنوان ورقم هاتفها، وتركته على المنضدة الصغيرة المجاورة للفراش قائلة : دا الكارت بتاعي، فيه عنوان العيادة ورقم التليفون، أنا مش هضغط عليكي النهارده، بس وقت ما تحتاجيني كلميني أو تعالى العيادة
ثم أكملت مبتسمة : وعلى فكرة لو مكلمتنيش أنا هجيلك تاني، بس أنا حابة إن الموضوع ييجي منك ويكون عندك إستعداد تتكلمي، وعالعموم يا ستي جربي مش هتخسري حاجة
وقفت (أميرة) مودعة إياها : أنا همشي دلوقتي وهستنى منك تليفون
غادرت الغرفة وذهبت للحديث مع والديها، طمأنتهم بأنها تستبشر خيرًا، وكل ما طلبته منهما ألا يضغطا عليها ثم استأذنتهم في الرحيل وغادرت برفقة (حازم)
**************************
شعرت (نيرة) بالضيق مما حدث بمنزل عمتها، ولم يكن لديها رغبة بالعودة إلى المنزل فقررت الذهاب لزيارة (نور) وهاتفت والدتها لتخبرها بذلك
خرجت (نور) من المطبخ حاملة أكواب العصير بينما كانت (نيرة) تداعب (همس) ابنة (نور) فأخبرتها ضاحكة : ما تخليكي جدعة بقى واقعدو العبو سوا لحد ما أخلص الشغل اللى ورايا
حملت (نيرة) الصغيرة وانهالت عليها بالقبلات : لا أنا هاخدها معايا هي خسارة فيكي اصلا
ثم أكملت حديثها بجدية : قوليلى صحيح انتى اقنعتي مامتك انك تنزلي تشتغلي ازاى
رفعت (نور) كتفيها : ومين قالك إنها اقتنعت، هي حاليا معتقدة أني بقول كلام وخلاص، هى بس قررت تأجيل الخناق لبعد عدتي ما تخلص
سألتها (نيرة) باهتمام : بس انتي قررتي القرار دا ليه، انتى كنتى حبيتي البيت واستغنيتي عن الشغل عشان أدم وهمس
تنهدت (نور) : وخلاص أدم مبقاش موجود، الحياة من غيره مملة، حابة اشغل نفسي، اللى استغنيت عن الشغل عشان هو كل دنيتي مبقاش موجود، يبقى ارجع بقى أشوف مستقبلي
ربتت (نيرة) على كفها : ربنا يرحمه، ويعينك يا حبيبتي، هى مامتك فين صحيح؟
أجابتها (نور) : نزلت تشتري شويه طلبات للبيت
اعتدلت (نور) فى جلستها سائلة إياها : قوليلى بقى إيه مزعلك ؟ انتى من ساعة ما جيتي وأنا حساكي متغيرة
زفرت (نيرة) بضيق : عادى، كنت عند عمتي وإنتي عارفة كلامها طبعا ومضايقتها ليا، سلمى كلمتنى أروح لها هناك و ياريتنى ما رحت، عكننت عليا بعد ما كنت مبسوطة
ضحكت (نور) : طب كده عرفنا إيه مزعلك، فرحينا بقى معاكي فى اللى فرحك ولا هو إحنا للنكد بس
داعبت ابتسامة ثغر (نيرة) : أصل قابلت يحيى النهارده
سألتها (نور) : يحيى مين ؟…. ثم هتفت بعد أن تذكرت الاسم : إوعى يكون قصدك يحيى الطحان أخو أمجد
أومأت (نيرة) برأسها علامة الإيجاب، فضحكت (نور) مصفقة بيديها : ايوه بقى يا عم كراش ثانوي وأيام المراهقة
أخبرتها (نيرة) : زى ما انتى قلتي أيام المراهقة يعني كان مشاعر عيال، وعلى فكرة هو متجوز ومخلف. ابتسمت (نور) بمشاكسة : وهو أنا كنت قلت لك روحي اتجوزيه
شردت (نيرة) بذكريات الماضي، تذكرت أول مرة رأته، كم كانت مُعحبة بوسامته، ولكنها عندما رأته اليوم اكتشفت أنه ازداد وسامة