رواية احببت عبراني الفصل السادس 6 بقلم مريم غريب
( 6 )
_ إنفصال ! _
كانت "إليان" علي علم مسبق بمخطط زوجة إبنها المستقبلية ، و رغم أنها كانت تدعمها و ما زالت ، إلا أنها لم تستطع منع شعور التوتر الذي راح يجيش بأعماقها بسبب ترقب اللحظة المنشودة ...
كانوا جميعهم علي مائدة العشاء الآن .. "إبراهام" ، الأخوين "ريتشل" و "خوان" ، و الأم "إليان"
و بينما كان "إبراهام" منخرطاً في تناول طعامه اللذيذ ، دارت سلسلة من التحاور الصامت بين مرافقيه ، الحيرة تكتنفهم ، لا يعرفوا من يبدأ بالحديث و كيف !
إلي أن وضعت "ريتشل" كأس شرابها فوق المائدة بقوة قائلة بصوتها الناعم القوي :
-إذن كيف وجدت الوافدة العربية يا خالتي ؟ هل هي طيبة المعشر أم مثل أولئك الفلسطنيون القتلة ؟ .. و نظرت نحو "إبراهام" الذي جمد لوهلة و أكملت بإبتسامة بريئة :
-أنا أتساءل فقط حتي أكون مطمئنة علي حبيبي إبراهام . ربما حاولت أن تؤذيه بطريقة ما بعد رحلينا !
ندت عن الأم تنهيدة حارة ثم قالت بتعبير غير راضي :
-لا يا عزيزتي . للآسف لم أتشرف برؤيتها حتي الآن . لم أحصل علي الإذن بعد !
لاحظت "ريتشل" بطرف عينها إشتداد فكي "إبراهام" و إطباقة أصابعه حول السكين و الشوكة مما يدل علي عدم تقبله للحديث
لكنها تجاهلت مزاجيته الحادة تلك و مضت متابعة بنفس اللهجة الناعمة و هي تعبث بصحنها :
-سمعت أنها موصلية . عراقية .. يا للخسارة ! كنت آمل لو أنك رأيتيها . فالبعض يقولون أن نساء العراق حسناوات إلي حد كبير
-تقول ليونيلا أنها جميلة ! .. قالتها "إليان" بإمتعاض شديد
-فهي فقط المسموح لها بالدخول عندها لتضع لها الطعام و الشراب
-و ماذا يهمك إن كانت جميلة أو قبيحة يا عزيزتي ريتشل ؟! .. كان هذا صوت "إبراهام"
كان قد ترك الطعام تماماً في هذه اللحظة ، و عقد مرفقيه فوق المائدة مسنداً ذقنه إليهما و هو يحدق فيها بنظرات متجهمة ...
همت "ريتشل" بالرد عليه ، و كان ردها جاهز و سهل .. إلا أن شقيقها إستبقها قائلاً بشجاعة :
-بصراحة أنا من يهتم لهذا الأمر إبراهام !
أدار "إبراهام" وجهه نحو شقيق خطيبته ، صمت قليلاً ثم سأله بصوت جاف :
-خوان إلفمان ! و ما سبب إهتمامك يا تري ؟
تنحنح الأخير متخلصاً من الإرتياب الذي دائماً ما يسببه له وجود الصهر المستقبلي ، حدق بعينيه و قال بصوت متماسك :
-في الحقيقة لقد أتيت خصيصاً من أجل تلك الفتاة . عندما سمعت بقصتك معها و عرفت إلي أي مدي تضررت من صحبتها إلي هنا . لذلك قررت أن أريحك منها تماماً
-و كيف ذلك برأيك ؟ .. تساءل "إبراهام" متظاهراً بالبرود
تنفس"خوان" بعمق و قال مبتسماً بمكر :
-سأشتريها منك . سأدفع لك نصف المبلغ الذي أخذه منك باروخ .. هه ! ماذا قلت ؟
لم يرد "إبراهام" في الحال ، ظل محملقاً فيه لبرهة بنظراته القوية .. و فجأة هب واقفاً و هو يقول بجمود :
-هكذا إذن ! هذا كان الغرض الأساسي من الزيارة الكريمة يا عزيزتي ريتشل أنت و أخيك !!
تطلعت "ريتشل" إليه بوجوم ، أدركت عند ذلك أن الأمر بالنسبة له غير قابل للنقاش ، لكنها إستمعت إليه حين تابع بنبرته الجلفة :
-بالطبع يؤسفني قول هذا . و لكن إذا كانت هذه رغبتكم الحقيقية من الزيارة . فلا أعتقد أن الإقامة ستكون جيدة و مثمرة إلي الحد الذي تخيلتموه .. ثم نظر إلي "خوان" و أضاف بإبتسامة مزدرية :
-آسف يا خوان . هذا البيت ليس بسوق نخاسة . نحن لا نبيع الجواري و العبيد هنا .. عليك بالبحث بمكان أخر . بالإذن . سأصعد لأتحمم !
و وليّ متوجهاً إلي غرفته ...
-ألم أقل لك ؟! .. قالها "خوان" متهكماً و هو يصوب ناظريه نحو أخته
-نحن نضيع وقتنا هنا
إليان بحيرة :
-و ماذا سنفعل الآن . فعلي ما يبدو ولدي ليس لديه النية للتفاوض . تلك العربية الملعونة . لم تمكث معه سوي بضعة أيام و ها هو يظهر تعلقاً بها يثير هلعي .. أظن أنه لن يفرط بها أبداً !
-سيفعل ! .. هتفت "ريتشل" بشراسة ، ثم غرست السكين بقطعة اللحم بمنتهي القوة و أكملت :
-الليلة ستكون خارج هذا البيت و فرنسا كلها . و إن أضطررت لوضعه أمام الأمر الواقع .. و نظرت لأخيها قائلة بغلظة :
-جهز نفسك . لابد أن ينتهي الأمر بسرعة !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
جلست "آية" أمام الشرفة بعد أداء فريضة العشاء ، طوت ساقيها تحتها و تناولت المصحف الشريف ، فتحته علي الجزء الأخير من سورة البقرة
ثم بدأت من حيث توقفت البارحة ... إنسابت من فمها تلاوتها الشجية الخاشعة بسلاسة و طريقة مريحة للأعصاب ، بدأت بالإندماج فوراً مع كل حرف ، مع كل كلمة ، مع كل آية ، حتي ذابت تماماً في غور ذكرها و فاضت دموعها اللاشعورية
لتنتفض فجأة ، حين إنفتح باب غرفتها _ علي غير العادة _ بقوة و بدون سابق إنذار ...
وثبت قائمة و هي تضم المصحف إلي صدرها ، طارت نظراتها تلقائياً نحو الدخلاء .. كانوا إثنين ، رجل و إمرأة تراهما لأول مرة ، و لم يبدو عليهما الخير أبداً
جمدت مكانها محدقة فيهما بنظرات وجلة و قد حبس الترقب أنفاسها ، بينما تقدمت المرأة خطوة و هي تقول بإبتسامة خبيثة :
-ها أنت أخيراً أيتها العربية ! أخيراً رأيتك . يبدو أن الشائعات صحيحة يا خوان .. و نظرت لمرافقها
-إنها جميلة حقاً . و بإمكاني رؤية الرضا علي وجهك !
أومأ لها "خوان" الذي لم يرفع عيناه عن "آية" للحظة منذ إقتحامهما للغرفة ، كانت نظراته مركزة علي وجهها المتوهج تحديداً و عيناه المتسعة لم يرف لها جفن
مما ضاعف شعور "إليان" بالحبور و الإطمئنان علي سلامة المخطط الذي باتت شريكة فيه ، لكنها ما لبثت أن تذكرت عامل الوقت
فإستحثته قائلة :
-خوان . هيا يا عزيزي ليس لدينا وقت . المروحية جاهزة علي البرج الشمالي !
كانت "آية" ترمقهم بتوجس شديد ، فهي لا تفقه اللغة التي يتبادلها هؤلاء ، و غير ذلك ، شعور غير مطمئن بالمرة ينتابها في وجود هذين
الله وحده يعلم علام ينويان !!!!
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
ملأت الأبخرة قاعة الحمام الفخم بفعل إنهمار رذاذ المياه الساخنة عبر الصنبور المستحدث ...
وقف "إبراهام" أسفله يفرك شعر رأسه بالصابون الفاخر ذي العلامة التجارية الشهيرة ، نفض رأسه مرتان ثم فتح عيناه عندما تأكد من أزالة الصابون عن وجهه تماماً
مد يده نحو أحد الرفوف بحثاً عن علبة سائل الإستحمام الخاصة بالجسم ، لم يكد يصل لها حتي قبضت علي يده أصابع ناعمة يعرفها جيداً
لم يتسني له أيضاً فرصة الإلتفات ليري صاحبتها ، فقد إلتف ذراعاها حوله و طوقته بقوة و هي تهمس له :
-دعني أقوم بذلك !
إبتسم "إبراهام" بسخرية :
-بالطبع . سيكون من دواعي سروري . و لكن ألا يخجلك مشاهدة رجلاً عارياً ريتشل !
سكبت علي كتفه سائل الإسحتمام متمتمة بغنج مثير :
-أنت خطيبي . لست أي رجلاً .. و قريباً ستصبح زوجي
-و هل ما تفعلينه علي سبيل التدريب ؟! .. كان الهزأ واضحاً بصوته
لكنها تجاوزته و قالت بدلال و هي تفرك عنقه و ذراعيه بحركات متناغمة :
-نعم . تستطيع أن تقول ذلك . هلا إسترخيت قليلاً ؟ أريد منحك شعوراً بالإمتنان . أتسمح لي ؟
إبراهام ضاحكاً بتهكم :
-بالتأكيد بالتأكيد . تفضلي . أنا لك تماماً إفعلي بي ما شئت !
و مضي الوقت و هي تصارع لجعله باقياً حيث هو حتي ينتهي ما خططت له بالخارج ، فعلت قصاري جهدها ، إستعملت كل حيلة لديها ، و بالفعل ، لم تخيب واحدة
إلي أن أمسك بيدها فجأة ليوقفها عما تفعله ، نظرت له بإستغراب ، لتراه عابساً ، مرهفاً سمعه للجهة الخارجية حيث بدا و كأنه يسمع شيئاً لم تسمعه هي ...
-ما بك حبيبي ؟ .. تساءلت "ريتشل" بقلق
إبراهام بتركيز أكبر :
-أعتقد أنني سمعت أحداً يصرخ !
جحظت عيناها للحظة ، ثم تداركت نفسها بسرعة قائلة بنعومة و هي تحيط رقبته بذراعيها :
-أي صراخ حبيبي ! و هنا بقصرك ؟ أنت حتماً تتخيل .. و قالت بخبث لتستميله :
-ربما لأنك تريدني أن أصرخ بأسمك . تأكد أنني علي أتم الإستعداد لهذا !
لكنه لم يكن يستمع لها ، في هذه اللخظة تماماً تكرر الأمر فأصبح متأكداً ...
دفعها عنه بحزم ، و مد يده ساحباً روب الإستحمام ، مر بالحمام و الغرفة و هو يرتديه ، بينما تركض "ريتشل" خلفه محاولة إجتذابه نحوها قبل أن يصل لباب الغرفة و هي تقول :
-ماذا تفعل إبراهام " هذا لا يصح ؟ ستصاب بالرشح هكذا . إلي أين تذهب أخبرني ؟ علي الأقل عد للحمام ريثما أحضر لك ملابسك !
و لكن فات الآوان ، فور أن فتح الباب و صار بالخارج ...
وقف و الماء يقطر من شعره المتهدل فوق جبينه و عيناه المتسعتان بغضب مفاجئ ، سرعان ما إستحال إلي إعصار مدمر و هو ينطلق صوب نقطة معينة صائحاً بصوت جهوري :
-خوآاااااااان !
كان المشهد كالتالي ...
السيدة "إليان" في المقدمة ، تحاول درء أفراد الحراسة عن "خوان" الذي يقوم بجرجرة "آية" فوق الأرض لتذهب معه رغماً عنها ، بينما الأخيرة تكافح صارخة للخلاص منه و لكن من دون جدوي
كانت منهارة تماماً و قلبها يكاد ينفجر من حدة صراخها و بكائها الهستيري ، و أخيراً وصل "إبراهام" إليها ...
أمسك بـ"خوان" من تلابيبه و هو يجأر بعنف :
-أيها الـ×××× . كيف تجرؤ علي المساس بها ؟ أين تظن نفسك يا ××××× . أنت هنا علي أرضي . يكفي أن أشير بإصبعي لتسحق بموضعك
-أترك أخي إبراهـام ! .. قالتها "ريتشل" بصلابة و قد إختفي دلال اللحظات الماضية كله كأنه لم يكن
نظر لها "إبراهام" دون أن يترك أخيها ، كان وجهه مضرجاً بحمرة خطيرة و هو يهتف بها :
-أنت أردت خداعي . أنت و شقيقك الـ×××× هذا .. هل كنت تظنين بأنك ستنجحين في هذا . لا أحد يأخذ مني ما لا أريد منحه إياه أتفهمين ؟!!
حاولت أن تبدو قوية أمام غضبه غير المعهود إطلاقاً ، خرج صوتها مغلفاً بحدة شديدة و هي تحاول فك يداه عن ثياب أخيها :
-هذه أول مرة . و قد تصرفت بدافع غيرتي عليك . إذن ذلك لا يسمي خداعاً . و ليكن بعلمك . لن ينتهي هذا حتي تخرج هذه الفتاة من بيتك و الآن .. و ألا خرجت أنا من حياتك و للأبد !
ران الصمت عند ذلك ، تنامي لبضعة دقائق هدأ "إبراهام" خلالهم و إرتخت قبضتاه عن "خوان" أخيراً ...
طالعته "ريتشل" بنظرات مرتابة و هو يعتدل رافعاً يده اليمني ، و إتسعت عيناها بصدمة حين رأته ينزع خاتم الخطبة من بنصره الغليظ
أمسك بيدها ، ثم أسقطه بكفها و هو يقول ببرود :
-لتخرجي أنت إذن !
يتبـــــع ......
_ إنفصال ! _
كانت "إليان" علي علم مسبق بمخطط زوجة إبنها المستقبلية ، و رغم أنها كانت تدعمها و ما زالت ، إلا أنها لم تستطع منع شعور التوتر الذي راح يجيش بأعماقها بسبب ترقب اللحظة المنشودة ...
كانوا جميعهم علي مائدة العشاء الآن .. "إبراهام" ، الأخوين "ريتشل" و "خوان" ، و الأم "إليان"
و بينما كان "إبراهام" منخرطاً في تناول طعامه اللذيذ ، دارت سلسلة من التحاور الصامت بين مرافقيه ، الحيرة تكتنفهم ، لا يعرفوا من يبدأ بالحديث و كيف !
إلي أن وضعت "ريتشل" كأس شرابها فوق المائدة بقوة قائلة بصوتها الناعم القوي :
-إذن كيف وجدت الوافدة العربية يا خالتي ؟ هل هي طيبة المعشر أم مثل أولئك الفلسطنيون القتلة ؟ .. و نظرت نحو "إبراهام" الذي جمد لوهلة و أكملت بإبتسامة بريئة :
-أنا أتساءل فقط حتي أكون مطمئنة علي حبيبي إبراهام . ربما حاولت أن تؤذيه بطريقة ما بعد رحلينا !
ندت عن الأم تنهيدة حارة ثم قالت بتعبير غير راضي :
-لا يا عزيزتي . للآسف لم أتشرف برؤيتها حتي الآن . لم أحصل علي الإذن بعد !
لاحظت "ريتشل" بطرف عينها إشتداد فكي "إبراهام" و إطباقة أصابعه حول السكين و الشوكة مما يدل علي عدم تقبله للحديث
لكنها تجاهلت مزاجيته الحادة تلك و مضت متابعة بنفس اللهجة الناعمة و هي تعبث بصحنها :
-سمعت أنها موصلية . عراقية .. يا للخسارة ! كنت آمل لو أنك رأيتيها . فالبعض يقولون أن نساء العراق حسناوات إلي حد كبير
-تقول ليونيلا أنها جميلة ! .. قالتها "إليان" بإمتعاض شديد
-فهي فقط المسموح لها بالدخول عندها لتضع لها الطعام و الشراب
-و ماذا يهمك إن كانت جميلة أو قبيحة يا عزيزتي ريتشل ؟! .. كان هذا صوت "إبراهام"
كان قد ترك الطعام تماماً في هذه اللحظة ، و عقد مرفقيه فوق المائدة مسنداً ذقنه إليهما و هو يحدق فيها بنظرات متجهمة ...
همت "ريتشل" بالرد عليه ، و كان ردها جاهز و سهل .. إلا أن شقيقها إستبقها قائلاً بشجاعة :
-بصراحة أنا من يهتم لهذا الأمر إبراهام !
أدار "إبراهام" وجهه نحو شقيق خطيبته ، صمت قليلاً ثم سأله بصوت جاف :
-خوان إلفمان ! و ما سبب إهتمامك يا تري ؟
تنحنح الأخير متخلصاً من الإرتياب الذي دائماً ما يسببه له وجود الصهر المستقبلي ، حدق بعينيه و قال بصوت متماسك :
-في الحقيقة لقد أتيت خصيصاً من أجل تلك الفتاة . عندما سمعت بقصتك معها و عرفت إلي أي مدي تضررت من صحبتها إلي هنا . لذلك قررت أن أريحك منها تماماً
-و كيف ذلك برأيك ؟ .. تساءل "إبراهام" متظاهراً بالبرود
تنفس"خوان" بعمق و قال مبتسماً بمكر :
-سأشتريها منك . سأدفع لك نصف المبلغ الذي أخذه منك باروخ .. هه ! ماذا قلت ؟
لم يرد "إبراهام" في الحال ، ظل محملقاً فيه لبرهة بنظراته القوية .. و فجأة هب واقفاً و هو يقول بجمود :
-هكذا إذن ! هذا كان الغرض الأساسي من الزيارة الكريمة يا عزيزتي ريتشل أنت و أخيك !!
تطلعت "ريتشل" إليه بوجوم ، أدركت عند ذلك أن الأمر بالنسبة له غير قابل للنقاش ، لكنها إستمعت إليه حين تابع بنبرته الجلفة :
-بالطبع يؤسفني قول هذا . و لكن إذا كانت هذه رغبتكم الحقيقية من الزيارة . فلا أعتقد أن الإقامة ستكون جيدة و مثمرة إلي الحد الذي تخيلتموه .. ثم نظر إلي "خوان" و أضاف بإبتسامة مزدرية :
-آسف يا خوان . هذا البيت ليس بسوق نخاسة . نحن لا نبيع الجواري و العبيد هنا .. عليك بالبحث بمكان أخر . بالإذن . سأصعد لأتحمم !
و وليّ متوجهاً إلي غرفته ...
-ألم أقل لك ؟! .. قالها "خوان" متهكماً و هو يصوب ناظريه نحو أخته
-نحن نضيع وقتنا هنا
إليان بحيرة :
-و ماذا سنفعل الآن . فعلي ما يبدو ولدي ليس لديه النية للتفاوض . تلك العربية الملعونة . لم تمكث معه سوي بضعة أيام و ها هو يظهر تعلقاً بها يثير هلعي .. أظن أنه لن يفرط بها أبداً !
-سيفعل ! .. هتفت "ريتشل" بشراسة ، ثم غرست السكين بقطعة اللحم بمنتهي القوة و أكملت :
-الليلة ستكون خارج هذا البيت و فرنسا كلها . و إن أضطررت لوضعه أمام الأمر الواقع .. و نظرت لأخيها قائلة بغلظة :
-جهز نفسك . لابد أن ينتهي الأمر بسرعة !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
جلست "آية" أمام الشرفة بعد أداء فريضة العشاء ، طوت ساقيها تحتها و تناولت المصحف الشريف ، فتحته علي الجزء الأخير من سورة البقرة
ثم بدأت من حيث توقفت البارحة ... إنسابت من فمها تلاوتها الشجية الخاشعة بسلاسة و طريقة مريحة للأعصاب ، بدأت بالإندماج فوراً مع كل حرف ، مع كل كلمة ، مع كل آية ، حتي ذابت تماماً في غور ذكرها و فاضت دموعها اللاشعورية
لتنتفض فجأة ، حين إنفتح باب غرفتها _ علي غير العادة _ بقوة و بدون سابق إنذار ...
وثبت قائمة و هي تضم المصحف إلي صدرها ، طارت نظراتها تلقائياً نحو الدخلاء .. كانوا إثنين ، رجل و إمرأة تراهما لأول مرة ، و لم يبدو عليهما الخير أبداً
جمدت مكانها محدقة فيهما بنظرات وجلة و قد حبس الترقب أنفاسها ، بينما تقدمت المرأة خطوة و هي تقول بإبتسامة خبيثة :
-ها أنت أخيراً أيتها العربية ! أخيراً رأيتك . يبدو أن الشائعات صحيحة يا خوان .. و نظرت لمرافقها
-إنها جميلة حقاً . و بإمكاني رؤية الرضا علي وجهك !
أومأ لها "خوان" الذي لم يرفع عيناه عن "آية" للحظة منذ إقتحامهما للغرفة ، كانت نظراته مركزة علي وجهها المتوهج تحديداً و عيناه المتسعة لم يرف لها جفن
مما ضاعف شعور "إليان" بالحبور و الإطمئنان علي سلامة المخطط الذي باتت شريكة فيه ، لكنها ما لبثت أن تذكرت عامل الوقت
فإستحثته قائلة :
-خوان . هيا يا عزيزي ليس لدينا وقت . المروحية جاهزة علي البرج الشمالي !
كانت "آية" ترمقهم بتوجس شديد ، فهي لا تفقه اللغة التي يتبادلها هؤلاء ، و غير ذلك ، شعور غير مطمئن بالمرة ينتابها في وجود هذين
الله وحده يعلم علام ينويان !!!!
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
ملأت الأبخرة قاعة الحمام الفخم بفعل إنهمار رذاذ المياه الساخنة عبر الصنبور المستحدث ...
وقف "إبراهام" أسفله يفرك شعر رأسه بالصابون الفاخر ذي العلامة التجارية الشهيرة ، نفض رأسه مرتان ثم فتح عيناه عندما تأكد من أزالة الصابون عن وجهه تماماً
مد يده نحو أحد الرفوف بحثاً عن علبة سائل الإستحمام الخاصة بالجسم ، لم يكد يصل لها حتي قبضت علي يده أصابع ناعمة يعرفها جيداً
لم يتسني له أيضاً فرصة الإلتفات ليري صاحبتها ، فقد إلتف ذراعاها حوله و طوقته بقوة و هي تهمس له :
-دعني أقوم بذلك !
إبتسم "إبراهام" بسخرية :
-بالطبع . سيكون من دواعي سروري . و لكن ألا يخجلك مشاهدة رجلاً عارياً ريتشل !
سكبت علي كتفه سائل الإسحتمام متمتمة بغنج مثير :
-أنت خطيبي . لست أي رجلاً .. و قريباً ستصبح زوجي
-و هل ما تفعلينه علي سبيل التدريب ؟! .. كان الهزأ واضحاً بصوته
لكنها تجاوزته و قالت بدلال و هي تفرك عنقه و ذراعيه بحركات متناغمة :
-نعم . تستطيع أن تقول ذلك . هلا إسترخيت قليلاً ؟ أريد منحك شعوراً بالإمتنان . أتسمح لي ؟
إبراهام ضاحكاً بتهكم :
-بالتأكيد بالتأكيد . تفضلي . أنا لك تماماً إفعلي بي ما شئت !
و مضي الوقت و هي تصارع لجعله باقياً حيث هو حتي ينتهي ما خططت له بالخارج ، فعلت قصاري جهدها ، إستعملت كل حيلة لديها ، و بالفعل ، لم تخيب واحدة
إلي أن أمسك بيدها فجأة ليوقفها عما تفعله ، نظرت له بإستغراب ، لتراه عابساً ، مرهفاً سمعه للجهة الخارجية حيث بدا و كأنه يسمع شيئاً لم تسمعه هي ...
-ما بك حبيبي ؟ .. تساءلت "ريتشل" بقلق
إبراهام بتركيز أكبر :
-أعتقد أنني سمعت أحداً يصرخ !
جحظت عيناها للحظة ، ثم تداركت نفسها بسرعة قائلة بنعومة و هي تحيط رقبته بذراعيها :
-أي صراخ حبيبي ! و هنا بقصرك ؟ أنت حتماً تتخيل .. و قالت بخبث لتستميله :
-ربما لأنك تريدني أن أصرخ بأسمك . تأكد أنني علي أتم الإستعداد لهذا !
لكنه لم يكن يستمع لها ، في هذه اللخظة تماماً تكرر الأمر فأصبح متأكداً ...
دفعها عنه بحزم ، و مد يده ساحباً روب الإستحمام ، مر بالحمام و الغرفة و هو يرتديه ، بينما تركض "ريتشل" خلفه محاولة إجتذابه نحوها قبل أن يصل لباب الغرفة و هي تقول :
-ماذا تفعل إبراهام " هذا لا يصح ؟ ستصاب بالرشح هكذا . إلي أين تذهب أخبرني ؟ علي الأقل عد للحمام ريثما أحضر لك ملابسك !
و لكن فات الآوان ، فور أن فتح الباب و صار بالخارج ...
وقف و الماء يقطر من شعره المتهدل فوق جبينه و عيناه المتسعتان بغضب مفاجئ ، سرعان ما إستحال إلي إعصار مدمر و هو ينطلق صوب نقطة معينة صائحاً بصوت جهوري :
-خوآاااااااان !
كان المشهد كالتالي ...
السيدة "إليان" في المقدمة ، تحاول درء أفراد الحراسة عن "خوان" الذي يقوم بجرجرة "آية" فوق الأرض لتذهب معه رغماً عنها ، بينما الأخيرة تكافح صارخة للخلاص منه و لكن من دون جدوي
كانت منهارة تماماً و قلبها يكاد ينفجر من حدة صراخها و بكائها الهستيري ، و أخيراً وصل "إبراهام" إليها ...
أمسك بـ"خوان" من تلابيبه و هو يجأر بعنف :
-أيها الـ×××× . كيف تجرؤ علي المساس بها ؟ أين تظن نفسك يا ××××× . أنت هنا علي أرضي . يكفي أن أشير بإصبعي لتسحق بموضعك
-أترك أخي إبراهـام ! .. قالتها "ريتشل" بصلابة و قد إختفي دلال اللحظات الماضية كله كأنه لم يكن
نظر لها "إبراهام" دون أن يترك أخيها ، كان وجهه مضرجاً بحمرة خطيرة و هو يهتف بها :
-أنت أردت خداعي . أنت و شقيقك الـ×××× هذا .. هل كنت تظنين بأنك ستنجحين في هذا . لا أحد يأخذ مني ما لا أريد منحه إياه أتفهمين ؟!!
حاولت أن تبدو قوية أمام غضبه غير المعهود إطلاقاً ، خرج صوتها مغلفاً بحدة شديدة و هي تحاول فك يداه عن ثياب أخيها :
-هذه أول مرة . و قد تصرفت بدافع غيرتي عليك . إذن ذلك لا يسمي خداعاً . و ليكن بعلمك . لن ينتهي هذا حتي تخرج هذه الفتاة من بيتك و الآن .. و ألا خرجت أنا من حياتك و للأبد !
ران الصمت عند ذلك ، تنامي لبضعة دقائق هدأ "إبراهام" خلالهم و إرتخت قبضتاه عن "خوان" أخيراً ...
طالعته "ريتشل" بنظرات مرتابة و هو يعتدل رافعاً يده اليمني ، و إتسعت عيناها بصدمة حين رأته ينزع خاتم الخطبة من بنصره الغليظ
أمسك بيدها ، ثم أسقطه بكفها و هو يقول ببرود :
-لتخرجي أنت إذن !
يتبـــــع ......
