رواية عاشقة بأرض الاوغاد الفصل السادس 6 بقلم اسراء الوزير
رواية (عاشقة بأرض الأوغاد)
الفصل السادس:
وما أشد من انكسار القلب وبكائه؟ إنها أسوأ لعنة قد يلقاها المرء على مر حياته، وما يزيد من تفاقم الألم هو الخداع وأشواكه الجارحة، فلم يختبر يوما أن يقع في حيلة كهذه وعلى يد من؟ فتاة تافهة من عالم الأغنياء والرأسماليين الذي طالما كرههم وبعد هذا الحدث ازدادت كراهيته لهم أضعافا مضاعفة!
دلف بشقته الصغيرة وأدخل الحقيبة دافعا إياها لتقع أرضا، جثى على ركبتيه ثم فتح سحاب الحقيبة وأخذ يرمق محتوياتها والغضب يعتمل بصدره فكل منها كان يحوي ذكرى خاصة صعب أن تُمحى من ذهنه، فجَّر غضبه بهذه الأشياء المسكينة وأخذ يلتقطها ويلقيها أرضا بعنف حتى هشَّم العديد منها، أخذ ينظر إلى الهدايا المحطمة وهو يلهث والعرق متفصّد بجبينه، وقف ثم اتجه إلى غرفته حيث فتح الكومود الذي كان يحتوي على ذكرياتهم معا وأخذ يعاملها كما عامل هداياه، حتى وقعت صورة لها بيده وقبل أن يعاملها كما البقية استوقفته تعبيرات البراءة الجلية على ملامحها فيها، تحدث باستهجان:
_ البراءة اللي فــ وشك دي تخدع أي حد مع إنك من جوة زبالة، انا حبيتك حب ربي شاهد عليه بس انتي طلعتي ماتستاهليش!
وهنا وجدت نفس خالد الفرصة للظهور حيث هيَّأ له عقله صورة مماثلة له تجسَّدت أمامه يقول صاحبها:
_ يعنى هتفضل كدة لحد امتى؟
لم ينقل بصره عن الصورة وتحدث بحزن:
_ يعنى اعمل إيه مثلا؟ إنت عارف اني مستحيل أأذيها
أجابه باستنكار:
_ و هو انا قلت تإذيها؟ بس ركز فى السبب اللى خلاها تلعب بيك وتسيبك كدة، إيه هو؟
ظل خالد صامتا فأجاب عنه بقتامة:
_ أنا هقولك ليه، حضرتك فقير، حتت موظف صغير لا راح و لا جه كدة كدة ماكنتوش هتكملوا، بقى بزمتك ايه اللى حققته فــ حياتك؟ ده حتى الشقة دي بتاعة أبوك وأمك ماحطيتش فيها ولا مليم، ده حتى لو واحدة فقيرة ماكانتش رضيت بيك
صرخ خالد بجزع ورجاء:
_ يا أخى ارحمنى بقى هو انا ناقصك؟
لم يرتدع أو يمتنع وإنما أكمل دون تأثر:
_ ماقدرتش تبنى نفسك و كيانك يا خالد، مفكرتش تبني نفسك وخليت الفلوس آخر همك، لو فِضْلِت سارة فــ حياتك مستحيل كنت تحط هدف ادامك، دلوقتي انت مكسور بس صدقنى لو حطيت حاجة ف دماغك دلوقتى هتحققها أسرع من لو كانت معاك
صمت خالد لدقائق قبل أن يردف موافقا بتجهم:
_ فعلا هو انا ايه إللى عملته ف حياتى؟
سؤال يعرف إجابته ويمتنع عنها لئلا تتسبب في انهياره على الرغم من كونها حقيقة! ولكن لابد من المواجهة وكما قالت نفسه إنه الآن منكسر، وحين تتجمّع قطع الزجاج المهشمة تصير أقوى بحيث لا يمكن لأحد المساس بها، وحينها لن تستطيع سارة وأمثالها الأذى مجددا بل سيصيبهم الرعب بمجرد نطق اسمه، فلن يكون متساهلا بعد الآن
ببيت أمال السيد، كان شريف جالسا على الأريكة بغرفة الضيوف حيث ورده بالبارحة اتصال من أمال يفيد بأنها تودّ رؤيته بأقرب ما يمكن، ولم يظهر من نبرتها حقيقة ما تلمح إليه بالضبط سواء بالرفض أو الإيجاب، فكان لابد من التنفيذ والقدوم لمعرفة قرارها بعد أسبوعين مرّا على هذه المفاجأة، التفت إلى الباب حين وجد أمال تدخل ويداها تحملان صينية بها كوبين من العصير، اتسعت ابتسامته ما أن رآها تقترب حتى انحنت لتضع الصينية على سطح الطاولة الزجاجي، عادت إلى الكرسي تحت أنظار شريف الذي صارالقلق حليفه خاصة بعدما لَحِظَ وجهها الذي لا ينمّ عن ابتسامة أو شئ من هذا القبيل قد يريح قلبه، انتشلته من شروده بقولها بجدية:
_ أنا فضلت 15 يوم افكر في الاقتراح اللي قلته واللي طبعا ماخدتش رأيي فيه قبل ما تنفذ، ودلوقتي بس وصلت لقرار
ثبّت عينيه بخاصتيها قائلا بهدوء:
_ وقررتي إيه؟
أجابته بذات الجدية:
_ أظن هتتعب شوية لحد ما تخلص الباسبور بتاعي
اتسعت حدقتاه بسرعة غير مصدق ما سمع توا بينما اعتلت البهجة ببسمته ولكن لم يطمئن لتلميحها هذا وأراد التأكد فقال بلهفة:
_ إنتي بتتكلمي جد؟
أجابته مع إيماءة من رأسها وابتسامة واسعة اعتلت ثغرها ليشرق وجهه وقد نال الراحة أخيرا، تحدثت بعد طول صمت:
_ وموافقة كمان على موضوع كتب الكتاب، لكن أهم حاجة توعدني ماتمنعنيش فــ يوم عن إني اطمن على ماما وأختي
تحدث مؤكدا:
_ مش هيحصل صدقيني، أهم شئ إنك وافقتي ودي نعمة كبيرة هشكر عليها ربنا كل يوم، وأهلي هينبسطوا أوي من الخبر ده
ثم استرسل يقول:
_ إبقي كلمي سارة وعرفيها
سرعان ما انقلبت ملامحها حيث زمّت شفتيها بحزن قائلة:
_ للأسف سارة مش بترد على اتصالاتي خالص، والصراحة ماكنتش فاضية أزورها واطّمن عليها
قطب حاجبيه بوجوم قائلا:
_ ربنا يسهل لها أمورها ويهدي لها الحال
ثم استطرد قائلا:
_ عموما أنا هتصل على خالد وان شاء الله يعرفها، أكيد قابل أخوها، ولا إيه رأيك؟!
أجابته بشك:
_ والله ممكن، بس لو كدة كانت هتكلمني عــالفون
_ تلاقيها مش عايزة تقول لحد ما الموضوع يتم
أماءت برأسها مردفة:
_ ربنا يديلها كل اللي نفسها فيه، هي إنسانة طيبة وتستاهل كل خير
ثم انخرطا بالحديث في أمور أخرى تتعلق بإجراءات جواز السفر، حتى أتت والدة أمال ليعقد معها شريف اتفاقا حول كتب الكتاب استعدادا لميعاد السفر والذي اقترح أن يكون بعد شهر من الآن، انقضت ساعتين تقريبا واستأذن شريف للذهاب فخرج من المنزل ثم استقل سيارة أجرة، واستغل فرصة الوقت الذي سيستغرقه الوصل في الاتصال بخالد وإعلامه، فأخرج هاتفه من جيبه ثم أجرى الاتصال ووضع الهاتف على أذنه وانتظر لبضع دقائق حتى هتف بحماس:
_ إزيك يا خالد؟ عامل إيه يا صاحبي؟....أنا الحمد لله بخير، حبيت أعرفك خبر جديد....أنا وأمال خلاص اتحدد معاد كتب كتابنا ولازم تيجي إنت وسارة....
قطب حاجبيه سريعا ما أن سمع إجابة الطرف الآخر حيث قال متسائلا بتعجب:
_ يعني إيه انت وسارة ماعدتوش مع بعض؟ إنت فين دلوقتي عشان أجيلك وأكلمك
هتف بدهشة وذهول:
_ إيـــــــه؟! وانت قاعد هناك ليه؟
انقضت برهة من الزمن روى فيها خالد باختصار ما حدث بينه وبين سارة قبل عشرة أيام مما أدى إلى أن ينفغر فاه شريف صدمة مما قد تكون سارة أقدمت عليه، حاول مجادلة خالد بكونه أخطأ أو أن هناك سوء فهم ولكن الأخير كان عازما على رأيه وأقسم بأغلظ الأيمان أن ذلك حدث ولم يبالغ بحرف واحد، أنهى الحديث معه وعلامات الاستفهام صارت بادية على وجهه، فما كان منه سوى أن يبحث عن اسم أمال بهاتفه ثم يضغط زر الاتصال وانتظر دقائق حتى أجابت أمال فأسرع يقول:
_ أمال في مصيبة كبيرة حصلت
أجفلت سارة مع صوت طرقات الباب العالية مما جعل قلبها يخفق وبشدة وقد عرفت أن هناك مصيبة أخرى حلَّت على رأسها، أسرعت إلى الباب ثم فتحته لتُصدم من أمال التي اندفعت تمسك بساعدها هاتفة بغضب:
_ الكلام اللي قاله خالد ده صح؟ قوليلي
أخذت سارة تنظر إليها والصدمة ألجمت لسانها بينما تلتقط أنفاسها المتسارعة بصعوبة وقد شعرت أنها بمأزق كبير ويبدو أن أمال عرفت الحقيقة الآن، التفتت إلى صوت فاطمة التي ركضت نحوهما قائلة بخوف:
_ و والله قلت لها تستنى تحت بس هي اللي رفضت وطلعت علطول يا هانم
تناولت سارة شهيقا طويلا ملء رئتيها ثم قالت بتساؤل:
_ أدهم وسهى فين؟
_ خرجوا من شوية
تنهدت بهدوء ثم جذبت يد أمال نحو الداخل وأمسكت بمقبض الباب آمرة:
_ تمام، روحي انتي دلوقتي
أجابتها بالطاعة وانصرفت لتغلق سارة الباب ثم التفَّت بجسدها على مضض وقد اعتلى الوجوم وجهها ولا تعرف كيف تبدأ الكلام أو كيف تنطق بالتبرير وما ستقول سيفتح أبوابا من الأسرار، بادرت أمال بشقِّ الصمت الرخيم متحدثة:
_ إنتي فعلا قلتي الكلام ده لخالد يا سارة؟ أرجوكي ريحيني وقولي لأ
أغمضت سارة عينيها بألم وقد شعرت بالدمع يعتصرهما حيث تحاول جاهدة الثبات ولكن هيهات، فبمجرد أن أماءت برأسها حتى انفجرت بالبكاء، أخذت أمال تحدِّق بصديقتها والصدمة تغلف ملامحها حيث قالت متعجبة:
_ وإي اللي خلاكي تعملي كدة؟ دانتي كنتي بتحبيه، إزاي جالك قلب تكسريه بالشكل ده؟!
صاحت سارة بصوتٍ باكٍ تتخلّله الحسرة:
_ كنت بحبه؟! أنا لسة بحبه وهفضل احبه، واللي عملته ده عشان بحبه
عقدت أمال جبينها بحيرة ولم تفهم بعد ما تريد صديقتها توضيحه، فأمسكت بساعد صديقتها التي انهارت في عبراتها ثم جذبتها نحو السرير، ما أن جلستا حتى مدّت أمال إلى صديقتها بمنديل قائلة بحنو:
_ إهدي حبيبتي وفهميني إي اللي حصل بالراحة
بدأت بسرد ما أصابها في الآوانة الأخيرة من مفاجآت كادت تدفعها إلى الانتحار، بدءا من معرفة حقيقة أخيها ومرورا بتزويجها رغما عنها ووصولا بالتهديد بالقضاء على حياته إن لم تنسَه وتبتعد عنه، كانت أمال تستمع إليها باهتمام والشفقة صارت بادية بنظراتها حتى انتهت فربتت على منكبها وهي تقول:
_ حرام عليكى اللى عملتيه في نفسك وفــ خالد ده، ليه يا بنتي اتصرفتي كدة؟
أجابتها سارة والشجن ساكن بنبرتها:
_ كان لازم اتصرف كدة عشان ولا حاجة فى الدنيا تساوى حياة خالد
نطقت أمال متسائلة باستنكار:
_ والظابط ده حتى بعد ما رفضتيه رجع برضه ووافق يتجوزك؟!
امتعضت ملامحها بينما تقول بشئ من التقزز:
_ أي واحد مكانه كان المفروض يحفظ كرامته ويغور، لكن ده الفلوس اللي هياخدها من أدهم أهم من كرامته!
ثم انتقلت إلى الحديث بشأن أمر أهم تقول راجية:
_ المهم إوعديني يا أمال، ماحدش يعرف بالموضوع ده ولا حتى جوزك، مش عايزة خالد يحس بحاجة
أطلقت أمال تنهيدة طويلة أتبعتها بقولها:
_ حاضر يا حبيبتي أوعدك
في مطعم فاخر ذا خمس نجوم، كان يجلس أدهم وسهى عند إحدى الطاولات حيث تناولا العشاء والآن يتجرعان القليل من الشراب، فكانت أمسية لابد أن تُعدَّها سهى لزوجها العزيز بعدما نال رضاها وأصرَّ على تزويج أخته غصبا من هذا المقدم مستخدما نقطة ضعفها كوسيلة لذلك، حيث سيساهم ذلك في تقليل الخسائر الخاصة بتجارته، تناولت سهى الكأس الممتلئ بالشراب المُسكر ثم ارتشفت منه القليل قبل أن تقول بشئ من الإعجاب:
_ بس ماتزعلش مني يا أدهم، أنا لحد دلوقتي مش مصدقة انك وقفت فــ وش أختك بالشكل ده وعرفت تجبرها انها تتجوز الظابط، كنت فاكراك هتسمع كلامها زي كل مرة وتنفذ لها اللي هي عايزاه
صمت للحظات وقد شردت عيناه جانبا وكأنه يفكر أو يتذكر شيئا ما، ثم بدأ بترجمة ذلك مع قوله بنبرة تغلب عليها الحدَّة والمرارة:
_ سارة دي من ساعة ما دخلت حياتنا وقلبتها خراب، ماما ماستقبلتش وجودها وبسببها بقيت تخرج وتسهر كتير لحد ما فــ الآخر عملت حادثة وهي سكرانة وماتت، بابا ماكانش بيستغنى عنها واللي عايزاه يبقى أمر مُجاب، ولما مات أبويا لقيت بنت الخدامة دي واخدة جزء كبير من الميراث وأنا الوصي عليها بموجب اني أخوها الكبير
التفت إلى زوجته فوجدها ترمقه باهتمام فأكمل من بين أسنانه بغيظ:
_ أنا نقلت أغلب أملاكها لحسابي ولما تتجوز تاخد البواقي، وعشان تنسى وما تاخدش بالها من كدة كان لازم أكسرها، وجاتلي على طبق من دهب لما عرفت انها بتحب، هددتها بخالد ده وهفضل أهددها بيه لحد ما تنسى وما تعمليش مشاكل
أردفت سهى من بين ذهولها بنظرة ثاقبة:
_ ولما دي كانت نظرتك ليها، كنت بتكلمها بالحب ده كله ليه؟ انا الصراحة افتكرتك بتعزها!
ابتسم من زاوية فمه بتهكم قبل أن يجيبها بغلظة:
_ ده كله منوِّم عشان ترتاح لي فــ كل حاجة قبل ماعرف حقيقي أستفاد منها، زي ما هي قهرت أمي وقتلتها أنا بقى هموتها بالبطيئ ويارب تعارض أو أسمع لها نفس
تحدثت سهى بنبرة واثقة:
_ لأ من الناحية دي اطمِّن يا حياتي، بعد اللي حصل ده ماظنش تطلع صوت تاني، إنت لو خدت كل فلوسها قدام عنيها مش هتتكلم، عمرك سمعت عن دبيحة نطقت بعد ما داقت طعم السكينة؟
اتسعت ابتسامته الخبيثة بينما يجيبها بسماجة:
_ معاكي حق بتفرفر من غير صوت
يحدث كثيرا في زماننا هذا أن تتحول الدماء إلى قطرات ماء، ولكن الذي يثير العجب بحق هو أن يتم تحميل برئ ذنب لم يرتكبه، فهذا المريض قد كره أخته لمجرد أنها غير شقيقة، يحملها ذنب مصرع والدته التي قتلت نفسها بيديها دون جانٍ، أعطاها مرتبة عدوته وانتقم منها بأبشع الطرق حين ذبح رغبتها في الحياة فصارت كالجثة على قيد الحياة!
بقاعة الانتظار في مطار القاهرة الدولي، كانت يجلس كلٌ من شريف وأمال وبجانبهم والدي شريف ووالدة أمال وأختها، حيث جاء اليوم الذي سيسافران فيه إلى المملكة العربية السعودية، وقد اقترب الوقت وما عاد يفصلهم عن ميعاد الطائرة سوى ثلث ساعة، مطَّت أمال شفتيها بينما ترقب الباب بغضب داخلي فلم تأتِ بعد سارة لتوديعها، أجل تعلم أن خطبتها تمت بالأمس ولكن لابد من حضورها وإن لم تفعل فلن تكلمها بعد الآن، فهي صديقتها المقربة ولن تقبل بأقل من المجيئ كما قدمت هي بالأمس على الرغم من انشغالها بإجراءات السفر، وقفت عن مجلسها سريعا بعدما تفاجأت بدخول سارة للقاعة لتهتف بسعادة:
_ ساااارة!
اقتربت منها صديقتها وهي تقول ضاحكة:
_ إنتي فاكرة ان ممكن ماجيش وأودع صاحبتي حبيبتي؟
أسرعت إليها حتى عانقتها والسعادة تكلل محياها، بعد مرور ثوان عديدة ابتعدت عنها أمال وهي تقول مبتسمة:
_ لا طبعا كنت حاسة من جوايا انك هتيجي
نطقت سارة بسعادة صادقة:
_ مبروك يا قلبي، تروحي وترجعي بالسلامة
_ الله يبارك فيكي يا سوسو
استطردت سارة تقول بينما تنظر باتجاه والدة أمال وأختها:
_ وماتقلقيش خالص، طنط وإيمان فــ عنيا لحد ما تيجي
تحدثت والدة أمال بنبرة حنون:
_ ربنا يكرمك يا حبيبتي
أجابتها سارة وقد أصابها السرور بعد دعائها الجميل:
_ تسلميلي يا طنط
وانشغلوا جميعا بالحديث في مختلف الموضوعات فوجدتها أمال فرصة جيدة كي تجذب سارة جانبا حتى تتحدثا على انفراد، رمقتها سارة بتساؤل بينما تقول:
_ في إي يا أمال؟
أجابتها صديقتها بشئ من الرجاء:
_ عايزاكي توعديني يا سارة، إنك تنسي كل اللي حصل وتفرحي بحياتك الجديدة، العمر قصير يا حبيبتي
أغمضت عينيها بقوة وقد شعرت بغصة مريرة علقت بحلقها بعد سؤال أمال هذا والذي تعلم جيدا أنها لن تقدر على تنفيذه، أجابتها بينما الحسرة تسكن معالمها:
_ للأسف ماقدرش اوعدك يا أمال
همَّت الثانية لتثنيها ولكن قاطعتها سارة موضحة بوجوم:
_ أصل بعد اللي حصل ده أنا لقيت ان انا ماليش الحق فــ الحياة، أنا بقيت مجرد لعبة يقدروا يمشوها زي ما هما عايزين، ماقدرش اوعدك اني أفرح تاني يا أمال، الفرحة دي خلاص اختفت من قاموسي
همَّت لتردعها عن فكرها العقيم هذا وتحفزها ببعض الكلمات المشجعة ولكن كان لإنذار النداء برقم رحلتها السبق في ذلك حيث اغتصبت سارة ابتسامة متكلفة ثم احتضنت أمال من جديد وهي تقول ممازحة:
_ ابقى خلي بالك من نفسك يا أمال، وخدي بالك الجو هناك برد
أجابتها أمال بابتسامة هادئة يتخللها الحزن والألم لأجل صديقتها التي ستنال من الشقاء ما لن تطيق، ويعلم الله إلى أين سينتهي بالضبط؟
أقلعت الطائرة معلنة مغادرة شريف وأمال حدود الأرض المصرية، وعرضت سارة على الأسرتين أن توصلهما بسيارتها إلى منازلهم، وعلى الرغم من رفضهم لذلك إلا أنها أصرت؛ فَهُم من رائحة الأحباب، وهذا أقل ما تقدمه لهم، كانت البسمة لا تفارق وجهها وهي تتجاذب معهم أطراف الحديث مؤجلة الحزن إلى حين تبقى وحيدة، وهو بالضبط ما حدث؛ فحين غادرت منزل السيد وتأكدت من تمام وصول أسرة أمال وقبلها أسرة شريف عادت إلى أحزانها من جديد وقد بدأت بالشرود والتفكر حول مستقبلها المُبهَمة ملامحه، ركنت سيارتها أمام كورنيش النيل، فترجَّلت ثم اقتربت حتى صارت تشاهد البحر عن كثب، أخذت تتأمل منظر الماء العذب وروعته بينما تفكر مليا بما ستكون عليه حياتها بعد رحيله عنها، حيث كان ثمن الحفاظ على حياته أن تدمر حياتها؛ فكان في وجوده السعادة وحين ذهب شعرت بأن حياتها خواء، وافقت على خداعه وصارت بقلبه مكروهة، ووافقت على العيش بلقمة حرام، ووافقت على الزواج من ضابط مرتشي فهل هذه تسمى حياة؟!
أخذت تسير ببطء متأملة طريق قصر النيل الطويل وقد شعرت أن حياتها من الآن فصاعدا ستكون مثل هذا الطريق، فقد فقدت الحماس للتخطيط مستقبلا واعتبرت نفسها كورقة شجر جافّة يحركها التيار أنّى يشاء، فقدت أقل أسباب السعادة وفقد قلبها لذة العشق حتى صارت تشعر بأنها كالجثة على قيد الحياة! قالت في نفسها بمرارة كالعلقم:
_ أحد قوانين الحب الاستعداد للتضحية لأجل الحبيب، وأنا اجتزت هذا الاختبار بنجاح، ولكني نسيت أن هذا لم يزدني سوى عذاب وعليّ أن أعتاد على ذلك حتى تُقبض روحي قريبا وأرتاح من هذه الأوجاع
كلمات تلفَّظت بها في نفسها وكان النيل شاهدا عليها، لم تنسَ ذلك العهد على مرِّ الأعوام، وإنما تذكرت بكل الأوقات التي يتسنى لها فيها أن تبقى وحيدة، أمسكت بقلم أحمر الشفاه ثم أخذت تنقل منه على شفتيها المكتنزتين وكانت تلك اللمسة الأخيرة التي تزيَّنت بها في هذا اليوم، حيث اليوم هو الذكرى الرابعة لإعدامها أو "زواجها" كلاهما يؤديان لنفس الطريق، أخذت ترمق هيئتها أمام المرآة حيث كانت ترتدي فستانا زهري اللون مليئ بالنقوش ومطرز بحبات الكريستال البيضاء اللامعة، منضبط على خصرها، منفوش إلى الأسفل كتصميم الفراشة، عاري الأكمام، أجفلت مع سماع صوت مقبض الباب لتلتفَّ بجسدها حيث دخل رجل طويل القامة يرتدي حُلّة رمادية اللون، أسمر البشرة يتميز بملامح جذابة، اقترب منها بينما يبتسم لرؤيتها على هذه الهيئة الساحرة فأجابته بالتجاهل وعادت تستدير لترمق هيئتها من جديد وكأنها لم ترَ أحدا بعد، أما هو فقام باحتضانها من الخلف قائلا بهيام:
_ إي يا حبيبتى كل ده؟ خلصي بقى انتى قمر من غير حاجة
تجاهلت مديحه بجمالها وهي تنطق بقتامة مستنكرة:
_ اخيرا جيت النهاردة يا حضرة الظابط؟ دانت لولا الحفلة ماكنتش جيت أصلا!
ابتعد عنها ثم أمسك بعضديها كي يديرها إليه بينما يقول معتذرا:
_ خلاص بقى يا سرورة انتى عارفة شغلى مطلع عينى
زمَّت شفتيها بعدم اقتناع بينما تقول بشئ من السخرية:
_ آه طبعا ربنا يعينك، عموما كلها خمس دقايق ونازلة
نطق بإصرار:
_ هستناكي
وبالفعل انتظر لدقائق حتى صارت سارة في أتم الاستعداد للنزول ومقابلة الضيوف بالأسفل في الحديقة، نزلا الدرج معا بينما يقول أحمد مبتسما:
_ في شخص عزيز جدا عليا قرب ييجي وحابب انك تستقبليه وتتعرفي عليه هو ومراته
نطقت سارة بتساؤل:
_ مين؟
أجابها مبتسما:
_ لما ييجي هقولك مين
عادت إلى الصمت من جديد وحاولت جاهدة رسم ابتسامة زائفة على ثغرها لتقابل بها الضيوف الذين علا تصفيقهم بعد رؤية الزوجين معا، حاولت الانسجام في أجواء الحفل والحديث مع الزملاء والأصدقاء حتى حانت لحظة تقطيع الكعكة والتي طالب أدهم بتعجيل قدومها بسبب اتصال مفاجئ لابد من الرحيل لإتمام طلبه، علا تصفيق الموجودين مع إطعام سارة لأحمد قطعة من الكيك وكذلك قيامه بالمثل، وازدادت التهانئ من جانب المدعوين متمنيين لهم المزيد من السعادة ودوام الزواج، اقترب أدهم من أحمد حتى همس في أذنه قائلا:
_ هشوف اللي اتصل عليا ده عايز أد إي وهكلمك، ماتقفلش الفون
أجابه أحمد بإيماءة من رأسه ثم أردف محذرا:
_ إوعى تتهاون في السعر إنت بضاعتك حلوة
تحدث أدهم بخبث:
_ لا ماتقلقش
ثم سار بضع خطوات مقتربا من أخته حتى عانقها لتبادله العناق ببرود، لم يلتفت إلى ذلك وإنما قال بابتسامة:
_ كل سنة وإنتي طيبة يا سارة
أجابته بهدوء:
_ ميرسي يا أدهم
وكذلك قدمت سهى التي حيَّت سارة وهنأتها بالذكرى الرابعة مع ابتسامات زائفة، ثم تبعت زوجها للمغادرة
أخذت سارة تتحدث مع بعض الصديقات حتى قطع حديثهم صوت قدوم سيارة نحوهم، استأذنت من السيدات قائلة:
_ بعد إذنكم هروح اشوف مين
أردفت إحداهن وهي تمسك بكأس العصير بين أناملها بطريقة راقية:
_ اتفضلي حبيبتي
اقتربت من السيارة حتى وقفت بجانب أحمد الذي كان ينتظر على مقربة خروج صاحبها، ما أن استشعر قُرب زوجته حتى التفت إليها وقال مبتسما:
_ هو ده بقى الشخص اللي كنت حابب انك تتعرفي عليه
عادت ببصرها نحو السيارة والتساؤل جليا بعينيها فأيّ عزيز هذا لزوجها لا تعرفه؟! وجدت السائق قد ترجَّل منها ثم تحرك إلى المقعد الخلفي كي يفتح الباب للمالك بينما يتشدق أحمد مكملا:
_ ده صاحبى من أيام ما كنا صغيرين، بعد مع أهله في القاهرة وما شفتهوش من وقتها، بس بالصدفة عرفت انه لسة راجع من لندن بقاله يومين، اتصلت عليه وعزمته
نطقت بشئ من عدم الفهم:
_ أنا أول مرة اعرف ان ليك صاحب من زمان ولسة راجع من لندن، اسمه إيه؟
_ خالد الصاوي
