اخر الروايات

رواية حين تكذب الملائكة الفصل السادس 6 بقلم الكاتبة كوين اسمهان

رواية حين تكذب الملائكة الفصل السادس 6 بقلم الكاتبة كوين اسمهان

٦|موازين مقلوبة!

                                              
كانت السماء قد بدأت تميل إلى زرقتها الهادئة عندما غادرت ليـسا منزلها، تمسك بحقيبة ملفاتها و تخفض بصرها، بينما الريح الصباحية تداعب أطراف تنورتها الكحلية الطويلة. خطواتها كانت ثابتة، مدروسة، كما لو أنها تخشى من أن يفضح وقع كعبها العالي اضطرابها الداخلي.

+


وصلت إلى الشركة، ووقفت لحظة أمام واجهتها الزجاجية، ترتب شعرها المشعث، و تعدّل نظاراتها السميكة، وتتنهد متوسلة الحظ من السماء... قبل أن تدخل!

+


و من ترتيبات القدر العجيبة أن تجد الرجل الذي دعاها ليلة البارحة للعشاء داخل عربة المصعد قبل أن يغلق بوابته!

+


أومأت نحوه تحييه، و وقفت إلى جواره صامتة، مرتبكة، تترنحُ كزورق تائه وسط المحيط! أما راينر فكان يقف بثبات قربها، بيدين متراخيتين داخل جيوبه، و نظرات مسلّطة عليها من خلال انعكاس الجدار المعدني المواجه لهما، لم تلتقِ أعينهما، لكن قلبها خفق بطريقة فضحت توترها و لهفتها للخروج معه الليلة...

1


الليلة! يا له من وقت قريب... و بعيد جدا في الآن نفسه!

+


حين لفظهما المصعد، أسرعت نحو مكتبها، و جلست بهدوء على المقعد، تحاول تجاهل تلك النظرات العميقة التي اعتادت أن تراها من خلف الزجاج. غير أنها في هذا الصباح، لم تكن كسابقتها؛ كانت أصفى و أعمق من أي وقت مضى!

+


خلال إستراحة الغداء، خرج راينر في غداء عمل مع بعض المستثمرين المتعاملين مع شركته، وجدت ليسا الفرصة سانحة كي تطلب وجبة خفيفة تتناولها في مكتبها، و حالما فرغت منها، قصدت الحمام لتغسل يديها، وهناك كانت فيكتوريا بإنتظارها، كأنها تراقبها عن كثب، لتهز كيانها بكلماتها السامة مرة ٱخرى!

+


تعاملت ليسا وجودها هناك ببرود قاتل، لكن ذلك لم يردع الٱخرى من المحاولة، كانت فيكتوريا تنظر إلى إنعكاسها الباهر في المرآة، و تضع طبقة من الحمرة الفاخرة على شفتيها، حين لمحت ليسا تظهر خلفها من العدم، رمشت بسخرية، ثم ضحكت بخفة سامة، و استدارت نحوها متهكمة من تنورتها السوداء البشعة:

+


"يا للهول! ما زال ذوقك في الملابس ميؤوسًا منه، أليس كذلك؟".

+


كانت فيكتوريا تتحدث بنبرة خالية من اللطف، و تابعت ملتفتة إلى إنعكاسها مجددا:

+


"أم أنكِ تحاولين التستر تحت هذا القبح؟".

+


ليـسا لم تجبها، بل غسلت يديها بصمت، و إحتشدت الكلمات الساخطة بصدرها:

+


«رائع! لم يكن ينقصني الآن سوى أن تحاول هذه المرأة الحسودة سبر أغواري و وضعي تحت المجهر!».

+


أضافت فيكتوريا دون رحمة معدلة زوايا الحمرة بطرف إصبعها:

+


"أتساءل كم عدد المرات التي سمعتِ فيها إطراءً أو غزلاً من رجل؟ صفر... أ لستُ محقة؟!".

6




                
كانت ليسا تغلق الصنبور و تجفف يديها بمنديل ورقي، حين أصدرت فيكتوريا صوتًا صغيرًا تدعي من خلاله الشفقة متابعة تهكمها:

+


"أوه، لا تنظري إلي هكذا آنسة كولنز، كلنا نعرف أن الحياة ليست عادلة، إنها لا تمنح الجمال للجميع!".

1


عثرت ليـسا على الفرصة الأنسب للرد، فقالت قبل أن تستدير و تغادر الحمام منتصرة:

+


"يبدو أنها لا تمنح العقل للجميع أيضا!".

25


رغم أن ردَّها القوي و المحكم دفع فيكتوريا لسحق حمرتها تحت كعب حذائها غيظا، إلا أن ليسا كانت تغلي حين عادت إلى مكتبها، وجدت راينر ينتظرها هناك، فأرغمت نفسها على الهدوء لتركز في العمل!

+


هيأت دفترها و قلمها كالعادة مستعدة لإلتقاط كلماته السريعة، إلا أنها فوجئت هذه المرة بإنقلاب في الموازين، أخذ راينر يملي عليها بعض التعليمات و الملاحظات ببطء جديد على ٱسلوبه، بعكس عادته حين كان يطلق الأوامر في سرعة تُرهق أصابعها في ملاحقتها على الورق. ها هو نفس الرجل الآن، بعقلية مختلفة تماما، و صوت أعمق، يبطئ من إيقاع كلماته، و يتوقف بين الجمل، كما لو أنه يلتقط أنفاسه، أو يبحث عن أفكاره المشتتة، كأن ذهنه مشغول بشيء آخر غير العمل!

+


تأخر في الإملاء، فرفعت رأسها نحوه لتسأله عن بقية الجملة، و هناك كانت الصدمة، وثب قلبها في جوفها بعنف ما إن تبينت أن عينيه الرماديتين تلمعان بينما تتركزان عليها، أ يعقل أنها هي الشيء البعيد عن العمل الذي يشغل ذهنه و يشتت أفكاره؟ مستحيل! كل ما في الأمر أنه سيخرج في موعد عشاء عملي مع سكرتيرته، لا يمكن أن يكون متوترًا مثلها!

4


بعد قليل إكتفى بذلك القدر من العمل، و ألقى نظرة على ساعة يده، مدركًا أنها قاربت على بلوغ الثانية بعد منتصف النهار، تنهد بخفة، و خاطبها متسائلاً بصوت يخلو من تسلط رئيس تجاه موظفته:

+


"أ ما زلتِ متمسكة بتلبية الدعوة؟!".

+


شعرت لبسا أن الهواء فرغ فجأة، بحثت عن أنفاس قوية، و هزّت رأسها بابتسامة ضيقة، لكنها لم تقل شيئًا!

+


فاكتفى هو الآخر بتلك الإيماءة، و أعلن:

+


"خذي ما تبقى من اليوم كإجازة لكِ لتستعدّي، سأمرُّ لأخذكِ في السابعة و النصف".

+


خرجت من مكتبه مغلفة بهالة من الخجل و التطلع و القلق، خجلت من نظراته و لطفه الجديد، و تطلعت بشوق للموتد اللذي ينتظرهما، أما القلق فكان بسبب حدس غريب رافق كل دقة سعادة حركت قلبها مُذ جلست خلف عجلة القيادة... و حتى وصولها إلى بروكلين!

3


أغلق راينر باب مكتبه، و تفاجأ بفيكتوريا تقف خلف تكاد تصطدم به، تمتمت بإعتذار مدع، و إختلقت كذبة أنها ليست على ما يرام، لكن سعيها إرتد خائبا، بأن سمعته يعلق و هو يمنح نفسه إجازة أيضا و يسير بإتجاه المصعد:

+



        
          

                
"لا أحد يجبركِ على العمل آنسة هادلي، لكنكِ تحبين لعب دور شبح الشركة الذي يمكن أن يظهر من أي جدار! عالجي هذا قبل أن ٱعالجه بنفسي!".

12


   ارتبكت فيكتوريا من رده الذي أفحمها، ثم غادرت... غاضبة، مغتاظة، أما هو فخرج أيضا باكرًا، و في طريقه إلى المنزل، أجرى اتصالًا و عقله لا يزال عالقًا مع ليسا!

+


𓇼

+


مساءً وقفت ليـسا أمام خزانة ثيابها، يدها تتردد بين الفساتين، كلها أنيقة، مبهرة، جذابة، لكنها لم تلبس أيًا منها منذ تلك الليلة المظلمة، التي جعلها فيها لورانس تشعر و كأن أنوثتها و جمالها مجرد لعنة حلت عليها و لن تزول!

+


لكن راينر مختلف، هو ليس وحشا ينقض على النساء كما يفعل لورانس و غيره، إنه راقٍ و نبيل، و إن بدا ظاهره صارمًا، إلا أنه لم يسئ إليها يوما، جداله معها في قاعة الإجتماعات كان بسبب قلقه عليها لأنها تسرعت و عرضت نفسها للخطر، و قبلة أمس كانت أكثر صدقًا و براءة من أن تأخذها على محمل التحرش و الطمع بمفاتن جسدها! كانت قبلة حقيقية بنية الإعتذار!

12


بعد بروفات طويلة حضرتها القطة سموكي متابعة كل حركة و خطوة حتى أصابها الدوار، تمكنت ليسا أخيرًا من اختيار فستان مناسب، ينسجم مع خصلاتها الذهبية التي عقصتها و ترتكتها تترنح بحرية على ظهرها و كتفيها!

+


و رغم ذلك، لم تتخلَّ عن وضع الجلد الاصطناعي، لكنها إكتفت الليلة بطبقة رقيقة فقط، ثم أضفت عليها لمسات خفيفة من الحمرة، و رقصتين من فرشاة زهرية على خديها، و خط كحل رفيع عند زوايا عينيها اللتين وضعت داخلهما العدسات البنية، و برشة من عطرها المفضل - مزيج الفانيلا والياسمين، أنهت فصل التجهز للموعد، و أصغت بقلب خافق لرنين جرس الباب!

+


ألقت نظرة أخيرة على انعكاسها في المرآة، و ارتعبت، كانت جميلة... رغم وجود القناع!

1


أسرعت لفتح الباب آمرة سموكي بالبقاء داخلاً حتى عودتها! و بينما كانت تتجاوز العتبة و هي تخبره كيف حصلت على تلك القطة، كان راينر فقط يحدق و يحدق بامرأة ٱخرى غير التي إنتظرها!

+


حين ظهرت أمامه فاتحة بابها، بدا و كأنها لا تسير، بل تنساب بخفة، كأنما هي أنثى خُلقت من خيوط الليل و نبض الغموض. كان فستانها النيلي متوسط الطول، من الكريب، يلمع تحت أضواء الحي بخفوت ساحر، كأنّه الموج المتهادي على الرمال حين يهمس للضوء في مرافئ الشوق!

4


قصّته المتدرجة المائلة تنساب على جسدها برقة محسوبة، تتسع تدريجيًا من الخصر، ثم تتسع، كأنها زهرة تنفتح بهدوء، لتكشف عن ذوقها الأنيق و بساطتها المترفّة. كان الفستان بلا أكمام، بقبة مربعة، تنسدل برقيّ محافظ زادها غموضًا أنيقًا. و بشريطين عريضين يمتدان من زوايا الصدر حول الكتفين، ثم يتقاطعان عبر ظهرها كسيفين!

3



        
          

                
كان إختيارها اللون النيلي العميق موفقا، أوحت له بأنها لوخة مسروقة من وحي الليل، و عندما اقتربت من "راينر"، لاح في عينيه بريق غريب! كما لو رأى ملاكًا ضلّ طريقه إلى العشاء، وقرر أن يستريح قليلاً في قلبه!

+


إنتظرها تغلق الباب بإحكام، ثم تناول يدها ريثما تزل درجات المنزل الفاصلة بينه و بين الحديقة، ثم رفه تلك اليد إلى فمه، و قال مفتونًا:

4


"تبدين جميلة جدا!".

+


همست بشكر خجول، و مضت بدورها تدرسه، لم تكن أناقته شيئا جديدا عليها، لكنها لمست إختلافا ما فيه الليلة، كأنه ليس رئيسها غرانت، بل رجل آخر سقط من جنة ما لإختطافها إلى سعادة ضاعت منها منذ زمن!

+


لاحظت أنه جذاب في بدلته الكريمية الهادئة، كأنها الموج و هو الزبد الفائض حولها، قميصه مفتوح الرقبة دون ربطة عنق منحها شعورًا بالراحة و عدم الرسمية، و هذا ما كانت تريده ليسا لليلة واحدة، أن تكون حرة!

+


فتح لها باب السيارة، و ساعدها في إتخاذ مقعدها، ثم إستوى هو الآخر في مكانه قربها، و بعث الحياة في المحرك. طوال الطريق راقبت ليسا يديه حول عجلة القيادة، محاولة تجاهل الإرتعاشة الخفيفة في قلبها!

+


قال فجأة و هو يتخطى الإشارة:

+


"حتى لا ترتبكي في اختيار مكان العشاء، حجزتُ طاولتين بمطعمين شهيرين، «ٱوغوست الفرنسي» و «ماريا الإيطالي»، و ما عليكِ إلا إنتقاء الأفضل في نظرك، ٱحب أن أحتكمَ لذوقكِ الليلة!".

+


ابتسمت بذهول معلقة:

+


"لقد جعلتَ المهمة أصعب سيدي، كلاهما ضمن قائمة مطاعمي المفضلة!".

+


هز رأسه معجبًا لتطابق ذوقيهما، و أردف:

+


"حقا؟ إعذري حماسي إذن! أردت فقط أن أختصر الإحتمالات المطروحة أمامكِ!".

1


"ٱقدر هذا حقا سيد غرانت، و أظن أنني سأختار المطعم الإيطالي".

+


أضافت و هي تبتسم دون أن تشعر:

+


"أميل إلى الأطباق البحرية أكثر!".

+


بادلها الإبتسام بعينين لامعتين، و علق:

+


"إختيار موفق، إنها الأنسب للصيف!".

+


كان مطعم ماريا فخمًا، بأضوائه الذهبية ومقاعده المخملية، والنادل البشوش الذي قدم لهما الشامبانيا كأنهما عاشقان، وسط نغمات آلة الأكورديون التي تعزف خلفهما لحنًا ينساب إلى القلب.

+


نظرات راينر إتسمت بدفء غير مسبوق، و نظرات فضولية تسعى لإكتشاف ليسا مختلفة غير تلك التي تتوارى خلف لقب السكرتيرة، راقب كل حركاتها، كيف تمسك طرف الشوكة بخفة، و ترفع الكأس برشاقة، كيف يهتزُّ صدرها باضطراب حين تتلامس أيديهما، كانت تأكل بأطراف شفتيها، كأنها وُلدت في الحفلات الراقية!

+



        
          

                
لوقت طويل لم تستطع عيناه إطلاق سراح شعرها الذهبي الذي يغلف كتفيها و ذراعيها كستار من بريق صباح صيفي! و عندما صفّقت بعفوية لعازف الأكورديون الذي أنهى مقطوعته و إنحنى، ابتسم راينر و قال بصوت يشبه السحر:

1


"كأنكِ مصنوعة من خيال!".

2


أخذتها الكلمات بغتة، غارت عيناها لنقطة بعيدة في روحها، و أحنت رأسها تخفي ارتباكها، ثم غيرت دفة الحديث بينما تأخذ قضمة صغيرة من التحلية الصيفية - تارت الفراولة بالكريمة - وهي تنظر من نوافذ المطعم، متسائلة كيف ستنتهي هذه الليلة؟!

+


بعد مغادرتهما المطعم، سحبت ليسا نفسًا عميقًا نحو رئتيها، و أغمضت عينيها، كأنما تسمح بذلك لليل بأن يتسرب إلى خلايا جسدها، و يسكن حناياها. أطال راينر النظر إليها و هي على تلك الحال، ثم إقترح أن يقوما بنزهة قصيرة قبل إنطلاقهما نحو بروكلين.

+


سارا جنبًا إلى جنب وسط خبب المارة و صخب الحياة الليلية، ثم إنتقلا إلى زقاق أخف زحمة صامتين. كانت لحظات آسرة يغلفها الهدوء، حتى إمتدَّت قبضة راينر لتغلف يدها برقة، كأنه يحرسها من الظلال!

1


رنت إليه بنظرة جانبية قصيرة، و فكرت أنه يبدو ودودًا و قريبًا من القلب الليلة، فأجلت حنجرتها، و قالت مستعذبة النسمات العابرة التي جعلت خصلاتها تتراقص:

+


"عجيبة هذه المدينة، توهمنا أنها رمادية و كئيبة، لكنها تخفي سحرًا مختلفًا، يا له من تناقض يحبس الأنفاس!".

8


توقف راينر غير تارك مسافة كافية بينهما لتحمي نفسها من نظراته الثاقبة، كانت المرة الٱولى التي يسمعها تعبر عن شيء بتلك النعومة و الشاعرية، شعر مجددًا أن هناك إمرأة ٱخرى تحت تلك الشخصية الباهتة التي تصر على تصديرها للكل، و قرر ألا يضيع فرصته للنبش عن حقيقة ضائعة داخلها، فعقَّب بعينين ضيقتين:

+


"كأنكِ تصفين نفسكِ!".

2


تجمدت الدماء في عروقها، في حين تابع راينر محتفظًا بيدها:

+


"و ربما لن أجد من هي أكثر تناقضًا منكِ! ٱحاول بإستمرار فهمكِ، لكنني أصطدم دائما بسور قاسٍ من الغموض! لا أعلم حقا من أنتِ؟ مجردة سكرتيرة أتت إلى شركتي للعمل؛ أم امرأة رقيقة إختبأت في عالمي لسبب أجهله!".

2


أصبحت يدها داخل قبضته باردة كالثلج، بدت و كأنها أضاعت صوتها، لكنها غامرت بالسؤال:

+


"ماذا لو كنتُ المرأة الثانية؟ ماذا لو كنتُ المرأة أوت إلى عالمكَ هربًا من ذاتها؟".

+


إن أبدى راينر إستعداده لسماع قصتها، فلن تختبئ بعد الآن، ليس أمام رجل جذبته أعماقها و تاق لتحرير روحها من قشرتها المزيفة، لكن سؤالها ظل معلقًا، لأن هاتفه رن، و كان المتصل أحد معارفه المهمين، إذ أفلت يدها، و لم يتردد في فتح الخط رغم إهتمامه بما كانت تردده:

+


"مرحبا يا صديقي، في أحسن حال، حقا؟ يا له من توقيت! لحظة... لا تقطع المكالمة!".

2


غطى الهاتف بيده، و إنحنى عليها هامسًا:

+


"يبدو أن القدر لا يريد لهذه الليلة أن تنتهي بمجرد نزهة! صديق قديم دعاني لحفل على يخته، فما رأيكِ لو نستكمل السهرة هناك؟".

5


فاته أن يلمح الجمود الذي زجج عينيها، و أضاف بحماس يؤكد أنه يتصيد الأسباب ليطيل ذلك اللقاء:

+


"لم أحضر مثل هذه الحفلات منذ زمن، هل حضرتِ أنتِ من قبل حفلًا على يخت؟"

1


لا زال الجمود يقيدها، الذكريات هاجمت عقلها بوحشية، رائحة البحر، حفل على اليخت، و رجلٌ خبيث يحاول تثبيتها في زاوية مظلمة من مقصورته!

7


ضغطت على فستانها تشد أطرافه لأسفل كأنها عارية، و تمتمت بخشونة:

+


"كلا! لم أملك أي وقت لمناسبات مشابهة!".

+


"إذن يجب أن تغيري هذا الآن، قد تحبين الأجواء هناك!".

+


صرخت كل ذرة من كيانها برفض مرير، لكن لسانها وافق على مضض، سارت إلى جانبه بضعة خطوات فقط نحو المرفأ القريب، و ما إن صعدت اليخت المنشود، حتى بدأت تدرك أنها تسير إلى ماضيها الأسود، هذا ليس مجرد يخت، إنها تتذكر تفاصيله كما كانت ذات ليلة مشؤومة!

3


وقفت مترنحة بعدما إجتازت صفوفًا كثيفة من الشخصيات التي تحتفل بمناسبة ما هناك، بين أحضان امرأتين جذابتين تجلسان على مقعد أبيض طويل من المخمل، رأت وجها أشعرها بالغثيان، إبتعدت الأصوات فجأة عن أذنيها، و لم تعد تسمع سوى ضحكته الصاخبة، لم يتغير! لا زال يملك النظرات الوقحة، و لا زال يجمع حولت النساء المتعلقات به!

+


روائح الخمر و البحر و التبغ المتمازجة، قلبت معدتها و رجت قلبها، هل هذا كابوس؛ أم هي لعبة القدر أن تنتهي ليلتها الساحرة مع راينر بمواجهة لورانس، رئيسها السابق الذي تفضل الموت على النظر إليه ثانية؟!


1


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close