رواية حصني المنيع الفصل السادس 6 بقلم ماريان بطرس
الفصل السادس
دخل للمنزل بضيق وهو يصرخ بغضب يشعر ب انه كالمقبوض عليه ب احدى التهم صارخا بضيق غاضب
_سيبنى يا اكرم سيبنى بدل والله
_ماتحلفش
حصل على إجابة باردة من فم الاخر ليصرخ بضيق
_هو أنا خدام عند أبوك علشان تجيبنى على ملا وشى!! فيه ايه هو حد قالك انى شغال عند جناب البيه بتاعك؟
احتدت عينى أكرم بغضب وهو يسمعه يسب برئيسه ولكنه حاول ان يهدئ أعصابه ويُجبِر نفسه على الصمت ليصرخ الآخر بغضب
_بارد... والله انتَ تلاجه، ايه مابتحسش يا مُغف
قطع سلسله لعناته ذلك الصوت الصارخ بغضب
_ايه اللى بيُحصُل اهنه؟؟
انتفض الآخر بمكانه من حدة ذلك الصوت وهيبته لكنه سرعان ما سيطر على نفسه صارخا بضيق
_الحيوان ده جا
_احترم نفسك
صرخ بها صاحب الصوت بغضب اعمى ليُكمِل بضيق
_لما تكلم حد تحترم نفسك وانت بتكلمه او بتتكلم عنه
ثم نظر له باحتقار ليكمل
_احترامك للى حواليك بيزود احترامك لكن اهانتك بتخليك ملكش جيمة وتافه
قالها ب ازدراء ملحوظ ليصرخ الاخر بغضب وقد أحمر وجهه كله من الاحراج الذى يتلقاه دون داعى
_مش شايف يا جدى هو جايبنى ازاى من غير اذنى وعلى ملا وشى!! كله دة علشان البيه بتاعه امر بكدة
صرخ به الجد بغضب مسكتا اياه
_حاتم
نظر حاتم ارضا مجيبا بضيق وقد علم ان جده اصبح على نهايته من الغضب
_نعم يا جدى
نظر له بإحتقار ليجيبه بضيق
_آدم ملوش دعوة، انا اللى امرت انك تاچى اهناه، انا اللى جولت انى عاوزك وجولت انهم يچيبوك
ثم اكمل ب ازدراء
_ولو انى معاوزش اشوف وشك وكنت ناوى اتحرم من طلتك البهيه ومعاها هحرمك من كل شى
ارتفع رأس حاتم بصدمة ليكمل الجد بصرامة
_لولا آدم اللى اتوسطلك ف چيبتك اهناه لما اشوف هعمل معاك ايه
_جدى
قالها حاتم بضيق وقد كان يود الاعتراض ليصرخ عبد الرحمن
_معاوزش اسمع صوتك، اللى شوفته منك وانت بتهين رچالتى كفاية جوى
ثم صرخ بصرامة
_غور من وشى غير خلجاتك واتسبح مطايجش اشوف وشك، وبعدين مش ناجصك ولا ناجص مصايبك
احمر وجه حاتم من الضيق فى حين نظر الاخر جهة ذاك الرجل الذى يقف خلفه بإحترام ولم يرفع وجهه عن الارض ليهتف بشكر
_تعبناك معانا يا أكرم يا ولدى كتر خيرك
ثم نظر جهة حفيده بضيق ليحول أنظاره له متمتما باعتذار
_ومعلهش حجك عليا انى اتفضل ارتاح
_العفو ياحاچ على ايه؟ ده حجك على راسى من فوج وجزمتك اشيلها على دماغى
قالها بإعتذار واحترام مبالغ به جهة ذاك الرجل ليتحرك قائلا بهدوء
بعد اذنك ياحاچ
اومأ العجوز بهدوء ليحول انظاره جهة ذاك الذى يصرخ بغضب
_كدة يا جدى؟ كدة تقل قيمتى قدام اللى يسوى واللى ميسواش؟
قاطعه عبد الرحمن ب ازدراء
_انتَ اللى بتجل جيمة نفسك، عمل ايه الراچل علشان تسب وتلعن فيه؟ دة ضفره برجبتك
صرخ حاتم بضيق وهو يشير بسبابته جهة صدره
_بقى بتساوينى انا بخدام!!
صرخ عبد الرحمن بغضب اعمى
_أكرم ولد سباعى ماهواش خدام، أبوه هو دراعى اليمين وبير اسرارنا كلنا والواد متربى جدامنا وفى بيتنا ماعمرناش شفنا منه حاچة عفشة دة ان حكم الامر هيفدونا برجابيهم
ثم نظر جهته باحتقار متسائلا بإزدراء لا يحاول حتى مداراته
_انتَ تجدر تفدينى برجبتك
اجابه بسرعة ودون تفكير
_مكانش ينعز، لو عندى واحدة تانية كنت عملت بس هو انا عندى كام رقبة علشان افديك بيها
صمت بصدمة من حديثه وقد وعى اخير لما قال، ليرفع انظاره جهة جده ليجده ينظر جهته بإشمئزاز واضح، ليتنحنح مكملا بسخط لا يخلو من الحرج
_بس برده يا جدى انتَ ضيعت هيبتى و برستيچى
اجابه عبد الرحمن بسخرية
_طيب ميل ودور عليه يا اخويا
نظر الاخر ارضا بضيق ليهتف به الاخر بقرف
_غور من خلجتى اتسبح لحد ما افضى واشوف هعمل معاك ايه
قلب شفتيه بضيق ليتحرك من وجهه صاعدا لاعلى ليصطدم فجاءة باحدهم، نظر جهتها ليهتف بضيق
_عاجبك كدة يا جدتى؟ كدة جدى يصرخ فيا قدام الاغراب؟
ارتفع حاجبها له لتجيبه بهدوء مؤنب
_ازيك يا حاتم يا ولدى عامل ايه؟ حمد الله على سلامتك ليك وحشة
قلب وجهه ليجيبها بضيق
_الله يسلمك يا جدتى
نظرت له لتجيبه بسخط
_يعنى مش شايفاك مشتاج لچدتك، ولا بتسلم عليها، ولا بتحضنها، ولا بتمد يدك ليها حتى؟ ايه هو انتَ جطعت جواصر الدم خالص؟
نظر ارضا بإحراج من عتابها ليهتف عبد الرحمن بسخط
_ماتزعليش نفسك يا حاچة دة واد عاق وسفيه مايتاخدش على عمايله، اذا كان مسلمش على چده
اشاح هو بيده صارخا بسخط وهو يصعد لاعلى
_سيبتلكم الحب انتو، وكفاية عليكم آدم يبقى هو اللى مقطع السمكة وديلها فى الحب
صرخت به فاطمة بضيق
_وماله آدم دلوك وايه دخله فى الموضوع؟
ولكنه تجاهل الرد عليها ليربت عبد الرحمن على كتفها بحنان
_ماتزعليش منه، هو غيرته هتموته ادعيله ربنا يصلح حاله
هزت رأسه لتجيبه برجاء
_يارب
رفعت انظارها جهته لتتساءل وهى تفرك يديها بتوتر
_كلمت سباعى شوفت وصلو لايه؟
سحب شهيقا طويلا ليجيبها بهدوء
_كلمته الصبح وجال انه وصل لبيته ومستنيه
_طيب كلمه وشوفه عمل ايه
قالتها بحزن ليومئ برأسه وهو يرفع هاتفه جهة اذنه يطلب الرقم ثوانى ووجده يرد عليه
_الو يا حاچ
اجابه عبد الرحمن
_ايوة يا سباعى عملت ايه؟ وصلتو؟
صمت سباعى لبرهة من الوقت ثم اجابه
_ايوة يا حاج وصلنا وچايين فى الطريج
ثم صمت لثوانى ينظر فى المرآه الامامية جهة تلك الغافية بالخلف مكملا
_وفيه مفاچأة معايا ياحاچ
_مفاجأة مفاچأة ايه؟
صمت سباعى ثم اجابه بهدوء
_هتعرف لما نيچى
_لعله خير
اجابته خرجت متوترة ليومئ الرجل وكأنه يراه مجيبا بهدوء لا يخلو من ابتسامة
_خير يا حاچ، خير ماتجلجش احنا خلاص على وصول
اومأ العجوز برأسه مغلقا هاتفه إلتفت له فاطمة بتساؤل ليجيبها بهدوء
_بيقول چايين على وصول
ثم صمت لبرهة ليجد عيناها متسائلة وبما انه يعلم انها كانت تستمع جيدا للمكالمة لذا قال
_بيجول چايبين مفاچاءة بس معرفش ايه هى
ظلت تنظر إليه متسائلة لبعض الوقت وحينما لم تحصل على اجابة اومأت برأسها متحركة وهى تقول بهدوء
_هروح اشوف البنات عملو ايه فى الوكل، وأكد على صابحة انها تنضف الاوضة لعاصم
اومأ برأسه وحينما خرجت وجد ذلك الذى يدخل براحة جالسا أمامه بعد ان تحمم وبدل ملابسه بأخرى نظيفة ثم تساءل بتعجب
_فيه ايه؟ حاسس ان الجو مكهرب وكأن فيه حاجة غريبة مش فاهمها، فيه حاجة حصلت؟ حاسس ان فيه ترقب لحاجة، وكمان جدتى شكلها زعلانه
ارتفع حاجبى عبد الرحمن بذهول ثم تساءل بتعجب
_ايه دة انت طلعت بتعرف تفكر زيينا وكمان بتعرف تحس؟ دة الواحد كان يفتكر انك معنديكش دم
أحمر وجه بالغضب ليصيح بضيق
_اومال عايش على ايه يا جدى؟
اجابه عبد الرحمن بسخرية لاذعة
_على ماية البطيخ اللى انت نايم فيها
احمر وجهه من الغضب ليصرخ به بضيق وهو يقف
_يوووه احترمنى شوية يا جدى مش كدة
نظر له عبد الرحمن ليجيبه بهدوء
_ماهو انتَ اللى مش بتحترم نفسك علشان كدة مش مخلى حد يحترمك
اشاح بيده وهو خارج صارخا
_لا دى مش عيشة انا هغور اشوف حته اقعد فيها ولا حاجة اعملها بدال التهزيء فى الرايحة والجاية دة، دة واضح انى جاية هنا بس لقلة القيمة
صرخ به جده
_رايح فين؟
_فى داهية
كانت اجابته غاضبة ولكنه حينما نظر لعينى جده الغاضبة بشدة تنحنح ليجيبه بضيق
_هروح اتمشى فى البلد، ممكن اروح الجنينه أو اروح الارض
نظر له جدة ليهتف بحزم
_غور روح المزرعة بتاعة المواشى انده لعمك صلاح علشان عاوزه، وانت تجعد اهناك وماتچيش غير لما اطلبك، وتابع الشغل بداله بدل السرمحة الفاضية دى
_يعنى ايه هروح عند البهايم؟
نظرة واحدة زاجرة جعلته يتراجع مجيبا بهدوء
_حاضر
يعلم جده جيدا ويعلم غضبه الذى لا يفرق بين عدو وحبيب، ربما إن أغضبه سيربطه باحدى النخلات ويجلده أو يربطه هو بجانب احدى البقرات داخل المزرعة لذا لابد من الصمت، فهو دخل الى هنا برغبة جده ويعلم انه استحالة يخرج الا برغبته مهما فعل، فهذا المكان وتلك البلدة اشبه بحصن محصن تحت سيطرة شخص واحد وهو عبد الرحمن المنشاوى والكل خاضع تحت امرته، ف المنشاوية هى حصنه والداخل اليها مفقود والخارج منها مولود
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نظر سباعى للخلف ليتأكد من نومها ثم نظر جهة عاصم خلفه وهو يتساءل
_ايه سبب الغيبة دى كلها؟ ليه اختفيت اكدة؟
حول عاصم نظره جهة صغيرته التى تنام على كتفه ثم اجابه بطريقة مبهمة
_ظروف
_هى بجد ماتت؟ وازاى؟
كان سؤال سباعى مستنكر فى حين عيناه كانت تطالع تلك النائمة والتى وللعجب تشبه والدتها بشدة بل هى صورة مصغرة منها، ليجيبه عاصم بما لم يرضى فضوله
_الموت علينا حق يا سباعى، وهى كان وقتها آن خلاص
صرخ سباعى بغضب
_ماترد عليا بكلمة مفهومة يا عاصم بيه
انتفضت ملك من نومها بفزع تضع يدها على صدرها، ثم تلفتت حولها برعب،ولكن سرعان ما وقعت عيناها على ذاك الذى ينظر جهتها بحدة فى حين كان وجهه قريب منها بشدة، لتتراجع للخلف برعب ممسكة عضد والدها مستمدة منه الامان ثم سألته بتوجس
_هو فيه ايه؟
ربت على رأسها بحنان وهو يجيبها بلطف
_مفيش دة صوت عمك سباعى كدة
نفخ سباعى بضيق وهو يعيد وجهه للأمام، كلما ظن انها "هنا" نظر الى خصلاتها وجدها ليست هى بل انها لوالدها، وعيناها البندقية التى تشبه عينى والدها تؤكد وبصدق انها ليست "هنا" بل انها عينى وخصلات كل من ينتمى الى تلك العائلة "الدوينى"، فهى اكثر الصفات المميزة بهم بالاضافة لبشرتهم الحنطية التى وللعجب لم ترثها الفتاة انما ورثت بشرة والدتها الفاتحة، نفخ بضيق وهو يؤكد لنفسه انها ليست "هنا" ف الاخرى تتميز بالثقة الغير محدودة وبقوة الشخصية التى تستطيع لمحها بسهولة بالإضافة لثقتها بنفسها اما هذه فهى متوترة خائفة كما انها رقيقة بطريقة غير مسبوقة، ليست هى ابدا انما بالفعل ابنتها
فى حين اومأت الفتاة برأسها ثم اراحت رأسها على كتف والدها لبعض الوقت متفكرة فيما يحدث ناظرة من زجاج السيارة بشرود وان كانت بالفعل لاترى ما امامها الى ان افاقت على صوت سباعى يهتف بجمود وهو ينظر امامه
_حمد الله على السلامة وصلنا
انتفضت تنظر من زجاج نافذة السيارة لترى تلك البلدة العجيب،
هى بالفعل نشأت فى قرية ريفية ولكن تلك البلدة مختلفة، تشبه حصن كبير،فقد كان هناك اثنان يقفان على اول البلدة ومعهم اسلحة رفعا ايديهم بالسلام لذاك الجالس بالامام، اراضى شاسعة على بعضها ليست بينها فواصل وكأنها تنتمى لشخص واحد وهناك اراضى صغيرة على الجانب الاخر بينهم فواصل اذا ف تلك لاشخاص مختلفة، لمحت من بعيد مكان ملتف كبير بشدة لتشير جهته تسأل والدها.
_ايه دة؟؟
نظر عاصم جهته بتدقيق وكأنه يسترجع ذاكرته ليرفع نظراته جهة سباعى بتساؤل
_ايه دة دة مكانش هنا قبل كدة؟؟
اجابه الآخر بهدوء
_لا دة كان موجود بس جددناه، دى مزرعة المواشى بس جددناها ورفعنا السور بتاعها اكتر، ووراها مزرعة الطيور
اردف بالجملة الاخيرة وهو يشير بيده الى تاليا ثم اكمل وهو يشير بيده الى جزء بعيد
_وهناك اكدة جزء من مزرعة الخيل
تساءل عاصم بتعجب
_مزرعة خيل ليه هو مش كان بيربيهم فى البيت؟
ابتسم الاخر وهو بجيبه
_لا ماهم كترو فعملو مزرعة، يعنى الحاچ اتوسع فى الموضوع، وطبعا فيه چزء صغير فى البيت لاحفاده لما بييچو
نظر له عاصم بتساؤل
_هو كلهم قاعدين فى العاصمة
نفى سباعى برأسه وهو يجيب
_لا الحاچ صلاح واولاده عايشين هنا ورفضو يسيبو البلد
ابتسم عاصم وهو يعود برأسه للخلف وهو يقول
_اكيد.. صلاح مايقدرش يسيب الحاج ولا البلد دة زى السمك مايقدرش يطلع من الماية
اومأ سباعى برأسه وهو يجيب بهدوء
_بالظبط واولاده زيه بيحبو المكان وميجدروش يسيبوه او يسيبو الحاچ والحاچة
اومأ الاول برأسه فى حين كانت ملك تتابع المكان بابتسامة، مكان يُشعرك بالدفئ، المنازل البعيدة متراصة بجوار بعضها بعيدا عن الارض، اطفال يلعبون بالشارع بضفائرهم، ونساء يتراصون امام المنازل يتسامرون، ورجال يعملون بالارض، فى حين التفت لوالدها لتشير جهة شئ تتساءل عنه لتجد عيناه تسبح فى اتجاه بعينه بحنين شديد وقبل ان تسأله عن مابه لتجد ان ذاك الرجل قد لاحظ الامر ليجبب اسئلته غير المنطوقة
_باعو البيت وكل حاچة ليهم اهناه ومشيو، فيه حاچات اشتراها الفلاحين وفيه اماكن اشتراها الحاچ
_والبيت؟؟
تساءل بها عاصم بلهفة ليجيبه بهدوء مبهم بالنسبة لها
_البيت والارض اشتراهم الحاچ بعد ما لجاهم چايبين واحد من بره يشتريهم ف اضطر يشتريهم، هو البيت مجفول والارض بيزرعها زى ما كنتو بتعملو زمان
اومأ برأسه بحزن فى حين حولت الاخرى عينيها وسطهم بتساؤل وحينما فتحت فاها لتسأل وجدت الاول يهتف بهدوء
_وصلنا
رفعت عيناها لتفغر فاها بإنشداه، لا ليس حقيقيا ذلك البيت، لا ليس بيتا انما هو قصر كأحد قصور الملوك، قصر يقف شامخا غريبا وسط تلك الاراضى وان كان مبتعدا كثيرا عن تلك الاراضى والبيوت الخاصة بالفلاحين، ولكن هل هناك قصور فى الارياف وفى وسط القرى؟ ربما هى نشأت فى قرية بالفعل وتؤكد ذلك ولكن لم ترى بحياتها شيئا مماثل وكأنها فى ثوانى تحولت من حقبه لاخرى غريبة عنها،
رفعت عيناها لتسأل والدها ولكنها تفاجأت بنظراته الشاردة تجاه المنزل، نظرات تتراقص بها الحنين والحزن، نظرات لم ترها بعين والدها من قبل، ربما كانت تراها فقط حينما تجده يتحدث عن والدتها او يمسك صورتها وان كانت الاخرى مختلفة بها حنين وحزن اشد وحب كبير يستطيع الاعمى رؤيته،
ابتسمت بهدوء وان كانت تتساءل فى قرارة نفسها كيف يربطهم بتلك العائلة روابط بينما بينهم فوارق تكاد تختلف بين السماء والارض، فهم من اثرى الاثرياء مزارع، مواشى، وخيل،، وما الى ذلك وقصر كأحد قصور الملوك يينما هم كالمعدمين امامهم، وان كان لديهم صلة قرابة اذا لما ام يساعدوهم من قبل فى العمل؟ ولما لم يتواصلو معهم؟ اصبحت الافكار تضج برأسها اكثر واكثر ولكنها يجب ان ترجئ الحديث لوقت لاحق فلكل مقام مقال،
تحركت السيارة لتدخل ذاك المنزل مجازا وبالطبع يقف أمامه حارسان هذا اصبح امر مفروغ منه لتمشى على ممشى من الحجارة المرصوفة يحيط بها النجيل والزرع والحشائش بالاضافة الى الاشجار والزهور، حديقة كالحدائق التى تراها بالتلفاز لتتساءل بتعجب
_هو الحاج عبد الرحمن دة غنى اوى كدة يا بابا؟؟!!
انتفضت رأس سباعى للخلف يناظرها بذهول متعجب ماهذا؟؟!! كيف تسأل هكذا سؤال!! كيف تسأل عن غناه وهم تقريبا يمتلكون ما يمتلكه عبد الرحمن المنشاوى وان كانت الفروق قليله بعض الشئ؟؟ وكيف يترك ابن الحسب والنسب مكانه ويعيش فى هكذا مستوى حقير كذاك الذى رآه؟؟ وكيف يختفى تلك السنوات دون ان يسمع عنه احد لدرجة تصديقهم بموته ليتفاجئو بأنه على قيد الحياة وحينما يرغب بالظهور يؤكد بأنه لن يأتى الا بحماية؟؟!! ماذا حدث له فى كل تلك السنوات ليختبئ كالجرذ فى الجحر؟؟ ولماذا اصر الان على الخروج منه؟؟ والعجيب لما ابنته لا تعلم شيئا عن ما يخصه او يخص عائلته؟؟ اسئلة كثيرة تضج برأسه منذ سمع بإسمه وبالاخص منذ رآه ولكن الاخر يُغلِق على نفسه يرفض الحديث او الكلام، افاق من دوامته على اجابة المذكور الشاردة
_اه اكتر مما تتصورى او تتخيلى
صمتت وهى تنظر للمكان بذهول مشوب بالفرحة فى حين توقفت السيارات امام الباب الداخلى للمنزل ليتحرك الجميع يخرجون، فى حين تحرك احد الرجال يفتح الباب الخاص بهم ليخرجو وتبرع احدهم بإخراج حقائبهم من الحقيبة الخلفية وتحرك امامهم لُيدخلها المنزل، اما ذاك الخشن المسمى سباعى ذهب ليضرب الجرس ثم صرخ بصوته القوى الخشن
_ياساتر... ياحاچ
ثم دخل يسبقهم فى بينما توقف والدها مكانه يتطلع الى ارجاء المنزل بحب وحنين الى ان وجدت الرجل يخرج مرة اخرى ومعه آخر عجوز ولكن مازالت قوته به، يتحرك ممسكا عصاه وهو يرتدى جلبابه فى حين ملامحه تبدو عليه الهيبة، والوقار، والسلطة، والصرامة، وان كانت بها الكثير من الحنان.
لتجده يركض ليقف امام والدها كشاب بالعشرين من عمره يناظره بحنان وحب وحنين شديد لتتراجع هى للخلف تختفى خلف ظهر والدها سامحة له بالحركة براحة تتابع مايحدث بهدوء لتجده ينظر لوالدها بإبتسامة فى حين اغرورقت عيناه بدموع ابى هطولها وهو يهتف بصوت متحشرج
_عاصم!!
نظر له عاصم بحب وحنين فى حين بادله نفس النظرة ليجيبه بحشرجة وبصوت اجش
_ازيك يا حاج واحشنى
ثم وجدته يميل على يده يقبلها ليسحبه الرجل داخل احضانه يربت على ظهره بحب وهو يهتف به
_واحشنى ياعاصم، واحشنى ياولدى، فينك من زمان ياحبيبى، اختفيت ولا سألتش عنى ولا رفعت السماعة تسأل عن عمك العچوز، اتوحشتك جوى ياولدى واتوحشت ريحتك، عشرين سنة ياعاصم!! عشرين سنة لا حس ولا خبر!!
اجابه الاخر بصوت بانت به اثار البكاء
_غصب عنى ياعمى، غصب عنى والله، غصب عنى انى اعيش مقطوع كدة بس ما باليد حيلة
ظل الرجل يربت على ظهره الى ان ابعده عن احضانه ينظر جهة وجهه الذى زارته بعض التجاعيد وعيناه التى سكنها الوجع والالم وخصلاته الكستنائية الجميلة التى زارها الشيب على استحياء ليتأوه بألم على زهرة شباب تلك العائلة وابن رفيقه وولده الذى لم ينجبه
_يااه كبرت جوى ياعاصم، ده انا فاكرك كنت لسة امبارح بتلعب اهناه مع العيال، كبرت جوى ياولدى
ضحك عاصم بألم ليجيبه ب ابتسامة حزينة
_عشرين سنة مش حاجة قليلة يا حاج
ابتسم العجوز وهو يسحبه داخل احضانه ثانية ولكنه تفاجئ مرة واحدة بتلك التى تقف خلفه لتتهدل يداه وهو ينظر جهتها بصدمة ليبتعد عنه مقتربا منها بخوف وهو ينظر جهتها بتركيز الى ان وقف امامها، وعى عاصم لنظراته ليتف يقف بجوارها، اشار عبد الرحمن جهتها بصدمة وهو يهتف بصوت مبهوت
_"هنا"!! ازاى!! مش انت جولت انها اتوفاها الله؟؟ ازاى؟؟!!!
احتضنها عاصم ليجيبه بنبرة حزينة
_دى مش "هنا" ياعمى الحاج دى ملك
التف له عبد الرحمن بصدمة يريد تفسير لاجابته ليجيبه عن سؤاله الغير منطوق
_ملك بنتى الوحيدة، وحيدتى، وكل اللى ليا فى الدنيا
ابتسمت له ملك بإستحياء من نظراته المدققة جهتها ليجيبه عبد الرحمن بصدمة
_ازاى دى هى؟؟!!
ابتسم الاخر وهو يجيبه ب ابتسامة حزينة
_امر الله يا حاج، يقطع من هنا ويوصل من هنا
اومأ عبد الرحمن وهو مازال تحت تأثير الصدمة ليُشير جهة المنزل قائلا
_طيب اتفضلو ادخلو
اوماأ الجميع برؤسهم فى حين تقدمهم هو ليهتف بصوت جهورى
_ياحاچة فاطمة، ياحاچة.. يا ام صلاح تعالى استجبلى الضيوف
فجاءة ظهرت سيدة عجوز تركض من الداخل كطفلة فى الخامسة عشر، ملامحها جميلة لم تمحى حتى وان كانت زارتها الكثير من التجاعيد توضح كم كانت بارعة الجمال فى صغرها، ترتدى جلباب طويل داكن، تمسك بيدها بفوطة قطنية تمسحها به وهى تهتف بسعادة
_عاصم!!
ركض عاصم تجاهها يقبل يدها مجيبا بابتسامة
_عاملة ايه يا امى؟
ربتت على ظهره بحنان وهى تجيبه بإبتسامة
_كيفك ياولدى، وكيف حال؟
قطعت كلماتها وهى ترفع عيناها لترى تلك الشابة الصغيرة التى تقف خلفه لتهتف بصوت مبهوت بعد ان اسقطت يديها
_"هنا"
اغمض عاصم عينيه بشدة، هذا اصعب ما يتوقعه الامر خارج عن السيطرة، لذا كان يخبئها فهى كصورة طبق الاصل فى حين هتفت تلك الصغير ة بإبتسامة بعد ان استوعبت الشبه الكبير الذى يخلطونها به بوالدتها وان كانت على علم بذلك من صورها القديمة ولكن الواضح ان الجميع يعلمون والدتها وبشدة؛ لذا هتفت بابتسامة ناعمة وبصوت رقيق خجول كملامحها المتوردة
_انا ملك بنتها
رمشت تلك العجوز بعينيها لبعض الوقت وكأنها تجد صعوبة فى استيعاب ماتقوله تلك الصغيرة لذا ابتسمت الاولى صامتة واعطتها كل الوقت اللزم للاستيعاب لتهتف الاخرى بتعجب
_مش معقولة دة انتى نسخة منها
ابتسمت الاولى وقد تورد وجنتيها بشدة من الخجل لتجد تلك السيدة تركض نحوها تسحبها داخل احضانها وتربت عليها بشدة وهى تقبل وجهها، صُدمت ملك من ذاك الهجوم المفاجئ عليها وبالأخص حينما وجدت تلك العجوز تبكى وهى تهتف من بين دموعها وشهقاتها
_ياحبيبتى يابتى... ياحبيبتى، الحمد لله يارب... الحمد لله... عشت وشفت بتك ياهنا، عشت وشفت بنتك ياعاصم، الحمد لله يارب على نعمك محرمتنيش اشوف هنا فى بنتها، الحمد لله
لم تعلم ملك ماذا تفعل امام هذا الهجوم العجيب من الحب والحنان الذى لم تكن اهلا له فى ذلك الوقت لذا لم تجد سوى ان ترفع يديها وتربت على ظهر تلك السيدة بهدوء دون ان يجد لسانها القدرة على التعبير لتجدها تبعدها عنها بعد برهة صارخة فى والدها بغضب
_كدة يا عاصم، كدة السنين دى كلها يا ولدى تحرمنى اشوفك واشوف" هنا" وكمان بنتك؟ كدة يا عاصم
صمت والدها لبعض الوقت الى ان اجابها بهدوء
_كل شئ وله اوانه يا حاجة
ارتفع حاجبها بنظرة زاجرة ليبتسم معدلا
_امى الحاجة
ربتت على ظهر الفتاة بحنان وهى تتمعن النظر جهتها بحب ثم تحول عيناها جهة ذلك الرجل بحزن بعد ان ضاعت سنوات عمره وهى ترى الحزن خيم على ملامحه والفقر ظاهر على هيئته كما انه اصبح مبعثر؛ يبدو انه عانى كثيرا،
لم ترتئ الحديث امام تلك الصغيرة التى يبدو انها لا تعلم عنهم شئ بالاضافة الى نظرات زوجها الزاجرة لذا زعقت بصوتها
_يا صابحة، بت ياصابحة
ركضت اليها تلك السيدة ترفل فى جلبابها الطويل مجيبة اياها
_نعم يا ستى الحاچة
اجابتها السيدة بهدوء
_اندهى حد من الرچالة يطلع شنط سيدك عاصم على اوضته اللى جهزناها وبعدها خدى شنط ستك ملك طلعيها على اوضة تانية تكونى منضفاها تجعد فيها بسرعة
اومأت الفتاة برأسها لتهتف ملك بحرج وخوف
_لا ملوش لزوم انا هنام مع بابا
تطلعت اليها تلك السيدة بحنان ثم ربتت على كتفها مجيبة اياها بنبرة زاجرة ولكنها حنونة
_ياخبر تنامى فى اوضتة ليه معندناش مكان ولا ايه؟ دة البيت ماشاء الله كبير ويساع من الحبايب الف
نفت ملك برأسها وهى تجيبها ب احراج
_لا ملوش لزوم انا هبقى مرتاحة معاه اكتر
هنا صدح صوت الرجل المهيب بنبرة لا تقبل الجدال او النقاش
_مايصحش يا بنتى، انتى تنامى فى اوضتك من غير خجل، وبعدين ماتخافيش محدش هيضايجك اهدى واطمنى
نفت برأسها وهى تجيب بخوف من فكرة ابتعادها عن والدها
_لا مش كدة بس انا
_خلاص يا بتى متخافيش مش هنخطفك عاد
فتحت فمها ولكن قاطعها والدها بهدوء
_خلاص يا ملك
ربتت تلك العجوز على ظهرها وهى تقول
_ماتخفيش انتى فى بيتك يابتى وان مشالتكيش الارض نشيلك فى عنينا، دة انتى الغالية بنت الغاليين
ابتسمت وهى تجيبها
_شكرا يا حاجة
نظرت لها فاطمة لتجيبها بتأنيب مستنكر
_حاچة!! حاجة ايه هو انا غريبة؟ جوليلى يا ستى
نظرت لها ملك بهدوء وبابتسامة ناعمة لتضحك العجوز وكأنه صبية صغيرة وهى تستدرك قولها
_لاه ستى ماتمشيش معاكى وانتى كيف البسكوته اكدة، اجولك جوليلى يا چدتى كيف ما بيجولى حاتم ولا تيتا كيف مابتجولى نرمين
قربت ملك حاحبيها من بعضهم بتساؤل لتجيبها السيدة
_دول احفادى، ولاد ولادى يعنى
ابتسمت ملك وهى تجدها من فرط سعادتها تثرثر دون توقف وهى تسألها
_وانتى عندك كام سنة ياملك؟ وفى كلية ولا لاه؟ ولو دخلتى انتى فى سنة كام؟
ضحك الرجال عليها بينما اتسعت ابتسامة ملك فى حين هتف عبد الرحمن من بين ضحكاته
_بالراحة عليها يا فاطمة البت مش هتطير، اكدة هتخوفيها منينا
ابتسمت فاطمة قائلة بسعادة
_الله مش بتعرف عليها يا حاچ، كفاية انى معرفتش انها موجودة غير من خمس دجايج بس، وهى المفروض كانت اتربت بين ولادى وفى حضنى
ابتسم عاصم بحزن فى حين اجابها عبد الرحمن بقهقهة سعيدة بوجود تلك الصغيرة أمامهم التى هى تعويض عن والدتها، ولارادة ربنا تشبها وبشدة
_اهى معاكى ماهتهربش منيكى عاد، بس بالراحة على البت دى جاية من طريج طويل وتعبانة، معاكى الوجت كله تتعرفى عليها بس واحدة واحدة
زمت العجوز شفتيها بحزن لتبتسم ملك عليها، يبدو انها رقيقة بشدة ويبدو انها كانت بايامها فتنة تسر الناظر لها فلم تمنع سنوات عمرها من تغيير مرحها وطفوليتها لتجيبه بحب
_بالراحة عليها ياجدى هى متقصدش
نظر لها بابتسامة حنونة وهو يقول بهدوء
_يفتح عليكى يابتى ويفرح جلبك زى مافرحتى جلبى بكلمة چدى دى
لم تعلق ملك واستسلمت لشعور الامان والود الذى يكتنفها ثم حولت نظراتها جهة والدها لتجده ولاول مرة عيناه يكتنفها راحة لم ترها من قبل وكأنه حقق اخيرا ما كان يصبو اليه، كالمسافر او المهاجر الذى حط اخيرا على ارضه
دخل للمنزل بضيق وهو يصرخ بغضب يشعر ب انه كالمقبوض عليه ب احدى التهم صارخا بضيق غاضب
_سيبنى يا اكرم سيبنى بدل والله
_ماتحلفش
حصل على إجابة باردة من فم الاخر ليصرخ بضيق
_هو أنا خدام عند أبوك علشان تجيبنى على ملا وشى!! فيه ايه هو حد قالك انى شغال عند جناب البيه بتاعك؟
احتدت عينى أكرم بغضب وهو يسمعه يسب برئيسه ولكنه حاول ان يهدئ أعصابه ويُجبِر نفسه على الصمت ليصرخ الآخر بغضب
_بارد... والله انتَ تلاجه، ايه مابتحسش يا مُغف
قطع سلسله لعناته ذلك الصوت الصارخ بغضب
_ايه اللى بيُحصُل اهنه؟؟
انتفض الآخر بمكانه من حدة ذلك الصوت وهيبته لكنه سرعان ما سيطر على نفسه صارخا بضيق
_الحيوان ده جا
_احترم نفسك
صرخ بها صاحب الصوت بغضب اعمى ليُكمِل بضيق
_لما تكلم حد تحترم نفسك وانت بتكلمه او بتتكلم عنه
ثم نظر له باحتقار ليكمل
_احترامك للى حواليك بيزود احترامك لكن اهانتك بتخليك ملكش جيمة وتافه
قالها ب ازدراء ملحوظ ليصرخ الاخر بغضب وقد أحمر وجهه كله من الاحراج الذى يتلقاه دون داعى
_مش شايف يا جدى هو جايبنى ازاى من غير اذنى وعلى ملا وشى!! كله دة علشان البيه بتاعه امر بكدة
صرخ به الجد بغضب مسكتا اياه
_حاتم
نظر حاتم ارضا مجيبا بضيق وقد علم ان جده اصبح على نهايته من الغضب
_نعم يا جدى
نظر له بإحتقار ليجيبه بضيق
_آدم ملوش دعوة، انا اللى امرت انك تاچى اهناه، انا اللى جولت انى عاوزك وجولت انهم يچيبوك
ثم اكمل ب ازدراء
_ولو انى معاوزش اشوف وشك وكنت ناوى اتحرم من طلتك البهيه ومعاها هحرمك من كل شى
ارتفع رأس حاتم بصدمة ليكمل الجد بصرامة
_لولا آدم اللى اتوسطلك ف چيبتك اهناه لما اشوف هعمل معاك ايه
_جدى
قالها حاتم بضيق وقد كان يود الاعتراض ليصرخ عبد الرحمن
_معاوزش اسمع صوتك، اللى شوفته منك وانت بتهين رچالتى كفاية جوى
ثم صرخ بصرامة
_غور من وشى غير خلجاتك واتسبح مطايجش اشوف وشك، وبعدين مش ناجصك ولا ناجص مصايبك
احمر وجه حاتم من الضيق فى حين نظر الاخر جهة ذاك الرجل الذى يقف خلفه بإحترام ولم يرفع وجهه عن الارض ليهتف بشكر
_تعبناك معانا يا أكرم يا ولدى كتر خيرك
ثم نظر جهة حفيده بضيق ليحول أنظاره له متمتما باعتذار
_ومعلهش حجك عليا انى اتفضل ارتاح
_العفو ياحاچ على ايه؟ ده حجك على راسى من فوج وجزمتك اشيلها على دماغى
قالها بإعتذار واحترام مبالغ به جهة ذاك الرجل ليتحرك قائلا بهدوء
بعد اذنك ياحاچ
اومأ العجوز بهدوء ليحول انظاره جهة ذاك الذى يصرخ بغضب
_كدة يا جدى؟ كدة تقل قيمتى قدام اللى يسوى واللى ميسواش؟
قاطعه عبد الرحمن ب ازدراء
_انتَ اللى بتجل جيمة نفسك، عمل ايه الراچل علشان تسب وتلعن فيه؟ دة ضفره برجبتك
صرخ حاتم بضيق وهو يشير بسبابته جهة صدره
_بقى بتساوينى انا بخدام!!
صرخ عبد الرحمن بغضب اعمى
_أكرم ولد سباعى ماهواش خدام، أبوه هو دراعى اليمين وبير اسرارنا كلنا والواد متربى جدامنا وفى بيتنا ماعمرناش شفنا منه حاچة عفشة دة ان حكم الامر هيفدونا برجابيهم
ثم نظر جهته باحتقار متسائلا بإزدراء لا يحاول حتى مداراته
_انتَ تجدر تفدينى برجبتك
اجابه بسرعة ودون تفكير
_مكانش ينعز، لو عندى واحدة تانية كنت عملت بس هو انا عندى كام رقبة علشان افديك بيها
صمت بصدمة من حديثه وقد وعى اخير لما قال، ليرفع انظاره جهة جده ليجده ينظر جهته بإشمئزاز واضح، ليتنحنح مكملا بسخط لا يخلو من الحرج
_بس برده يا جدى انتَ ضيعت هيبتى و برستيچى
اجابه عبد الرحمن بسخرية
_طيب ميل ودور عليه يا اخويا
نظر الاخر ارضا بضيق ليهتف به الاخر بقرف
_غور من خلجتى اتسبح لحد ما افضى واشوف هعمل معاك ايه
قلب شفتيه بضيق ليتحرك من وجهه صاعدا لاعلى ليصطدم فجاءة باحدهم، نظر جهتها ليهتف بضيق
_عاجبك كدة يا جدتى؟ كدة جدى يصرخ فيا قدام الاغراب؟
ارتفع حاجبها له لتجيبه بهدوء مؤنب
_ازيك يا حاتم يا ولدى عامل ايه؟ حمد الله على سلامتك ليك وحشة
قلب وجهه ليجيبها بضيق
_الله يسلمك يا جدتى
نظرت له لتجيبه بسخط
_يعنى مش شايفاك مشتاج لچدتك، ولا بتسلم عليها، ولا بتحضنها، ولا بتمد يدك ليها حتى؟ ايه هو انتَ جطعت جواصر الدم خالص؟
نظر ارضا بإحراج من عتابها ليهتف عبد الرحمن بسخط
_ماتزعليش نفسك يا حاچة دة واد عاق وسفيه مايتاخدش على عمايله، اذا كان مسلمش على چده
اشاح هو بيده صارخا بسخط وهو يصعد لاعلى
_سيبتلكم الحب انتو، وكفاية عليكم آدم يبقى هو اللى مقطع السمكة وديلها فى الحب
صرخت به فاطمة بضيق
_وماله آدم دلوك وايه دخله فى الموضوع؟
ولكنه تجاهل الرد عليها ليربت عبد الرحمن على كتفها بحنان
_ماتزعليش منه، هو غيرته هتموته ادعيله ربنا يصلح حاله
هزت رأسه لتجيبه برجاء
_يارب
رفعت انظارها جهته لتتساءل وهى تفرك يديها بتوتر
_كلمت سباعى شوفت وصلو لايه؟
سحب شهيقا طويلا ليجيبها بهدوء
_كلمته الصبح وجال انه وصل لبيته ومستنيه
_طيب كلمه وشوفه عمل ايه
قالتها بحزن ليومئ برأسه وهو يرفع هاتفه جهة اذنه يطلب الرقم ثوانى ووجده يرد عليه
_الو يا حاچ
اجابه عبد الرحمن
_ايوة يا سباعى عملت ايه؟ وصلتو؟
صمت سباعى لبرهة من الوقت ثم اجابه
_ايوة يا حاج وصلنا وچايين فى الطريج
ثم صمت لثوانى ينظر فى المرآه الامامية جهة تلك الغافية بالخلف مكملا
_وفيه مفاچأة معايا ياحاچ
_مفاجأة مفاچأة ايه؟
صمت سباعى ثم اجابه بهدوء
_هتعرف لما نيچى
_لعله خير
اجابته خرجت متوترة ليومئ الرجل وكأنه يراه مجيبا بهدوء لا يخلو من ابتسامة
_خير يا حاچ، خير ماتجلجش احنا خلاص على وصول
اومأ العجوز برأسه مغلقا هاتفه إلتفت له فاطمة بتساؤل ليجيبها بهدوء
_بيقول چايين على وصول
ثم صمت لبرهة ليجد عيناها متسائلة وبما انه يعلم انها كانت تستمع جيدا للمكالمة لذا قال
_بيجول چايبين مفاچاءة بس معرفش ايه هى
ظلت تنظر إليه متسائلة لبعض الوقت وحينما لم تحصل على اجابة اومأت برأسها متحركة وهى تقول بهدوء
_هروح اشوف البنات عملو ايه فى الوكل، وأكد على صابحة انها تنضف الاوضة لعاصم
اومأ برأسه وحينما خرجت وجد ذلك الذى يدخل براحة جالسا أمامه بعد ان تحمم وبدل ملابسه بأخرى نظيفة ثم تساءل بتعجب
_فيه ايه؟ حاسس ان الجو مكهرب وكأن فيه حاجة غريبة مش فاهمها، فيه حاجة حصلت؟ حاسس ان فيه ترقب لحاجة، وكمان جدتى شكلها زعلانه
ارتفع حاجبى عبد الرحمن بذهول ثم تساءل بتعجب
_ايه دة انت طلعت بتعرف تفكر زيينا وكمان بتعرف تحس؟ دة الواحد كان يفتكر انك معنديكش دم
أحمر وجه بالغضب ليصيح بضيق
_اومال عايش على ايه يا جدى؟
اجابه عبد الرحمن بسخرية لاذعة
_على ماية البطيخ اللى انت نايم فيها
احمر وجهه من الغضب ليصرخ به بضيق وهو يقف
_يوووه احترمنى شوية يا جدى مش كدة
نظر له عبد الرحمن ليجيبه بهدوء
_ماهو انتَ اللى مش بتحترم نفسك علشان كدة مش مخلى حد يحترمك
اشاح بيده وهو خارج صارخا
_لا دى مش عيشة انا هغور اشوف حته اقعد فيها ولا حاجة اعملها بدال التهزيء فى الرايحة والجاية دة، دة واضح انى جاية هنا بس لقلة القيمة
صرخ به جده
_رايح فين؟
_فى داهية
كانت اجابته غاضبة ولكنه حينما نظر لعينى جده الغاضبة بشدة تنحنح ليجيبه بضيق
_هروح اتمشى فى البلد، ممكن اروح الجنينه أو اروح الارض
نظر له جدة ليهتف بحزم
_غور روح المزرعة بتاعة المواشى انده لعمك صلاح علشان عاوزه، وانت تجعد اهناك وماتچيش غير لما اطلبك، وتابع الشغل بداله بدل السرمحة الفاضية دى
_يعنى ايه هروح عند البهايم؟
نظرة واحدة زاجرة جعلته يتراجع مجيبا بهدوء
_حاضر
يعلم جده جيدا ويعلم غضبه الذى لا يفرق بين عدو وحبيب، ربما إن أغضبه سيربطه باحدى النخلات ويجلده أو يربطه هو بجانب احدى البقرات داخل المزرعة لذا لابد من الصمت، فهو دخل الى هنا برغبة جده ويعلم انه استحالة يخرج الا برغبته مهما فعل، فهذا المكان وتلك البلدة اشبه بحصن محصن تحت سيطرة شخص واحد وهو عبد الرحمن المنشاوى والكل خاضع تحت امرته، ف المنشاوية هى حصنه والداخل اليها مفقود والخارج منها مولود
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نظر سباعى للخلف ليتأكد من نومها ثم نظر جهة عاصم خلفه وهو يتساءل
_ايه سبب الغيبة دى كلها؟ ليه اختفيت اكدة؟
حول عاصم نظره جهة صغيرته التى تنام على كتفه ثم اجابه بطريقة مبهمة
_ظروف
_هى بجد ماتت؟ وازاى؟
كان سؤال سباعى مستنكر فى حين عيناه كانت تطالع تلك النائمة والتى وللعجب تشبه والدتها بشدة بل هى صورة مصغرة منها، ليجيبه عاصم بما لم يرضى فضوله
_الموت علينا حق يا سباعى، وهى كان وقتها آن خلاص
صرخ سباعى بغضب
_ماترد عليا بكلمة مفهومة يا عاصم بيه
انتفضت ملك من نومها بفزع تضع يدها على صدرها، ثم تلفتت حولها برعب،ولكن سرعان ما وقعت عيناها على ذاك الذى ينظر جهتها بحدة فى حين كان وجهه قريب منها بشدة، لتتراجع للخلف برعب ممسكة عضد والدها مستمدة منه الامان ثم سألته بتوجس
_هو فيه ايه؟
ربت على رأسها بحنان وهو يجيبها بلطف
_مفيش دة صوت عمك سباعى كدة
نفخ سباعى بضيق وهو يعيد وجهه للأمام، كلما ظن انها "هنا" نظر الى خصلاتها وجدها ليست هى بل انها لوالدها، وعيناها البندقية التى تشبه عينى والدها تؤكد وبصدق انها ليست "هنا" بل انها عينى وخصلات كل من ينتمى الى تلك العائلة "الدوينى"، فهى اكثر الصفات المميزة بهم بالاضافة لبشرتهم الحنطية التى وللعجب لم ترثها الفتاة انما ورثت بشرة والدتها الفاتحة، نفخ بضيق وهو يؤكد لنفسه انها ليست "هنا" ف الاخرى تتميز بالثقة الغير محدودة وبقوة الشخصية التى تستطيع لمحها بسهولة بالإضافة لثقتها بنفسها اما هذه فهى متوترة خائفة كما انها رقيقة بطريقة غير مسبوقة، ليست هى ابدا انما بالفعل ابنتها
فى حين اومأت الفتاة برأسها ثم اراحت رأسها على كتف والدها لبعض الوقت متفكرة فيما يحدث ناظرة من زجاج السيارة بشرود وان كانت بالفعل لاترى ما امامها الى ان افاقت على صوت سباعى يهتف بجمود وهو ينظر امامه
_حمد الله على السلامة وصلنا
انتفضت تنظر من زجاج نافذة السيارة لترى تلك البلدة العجيب،
هى بالفعل نشأت فى قرية ريفية ولكن تلك البلدة مختلفة، تشبه حصن كبير،فقد كان هناك اثنان يقفان على اول البلدة ومعهم اسلحة رفعا ايديهم بالسلام لذاك الجالس بالامام، اراضى شاسعة على بعضها ليست بينها فواصل وكأنها تنتمى لشخص واحد وهناك اراضى صغيرة على الجانب الاخر بينهم فواصل اذا ف تلك لاشخاص مختلفة، لمحت من بعيد مكان ملتف كبير بشدة لتشير جهته تسأل والدها.
_ايه دة؟؟
نظر عاصم جهته بتدقيق وكأنه يسترجع ذاكرته ليرفع نظراته جهة سباعى بتساؤل
_ايه دة دة مكانش هنا قبل كدة؟؟
اجابه الآخر بهدوء
_لا دة كان موجود بس جددناه، دى مزرعة المواشى بس جددناها ورفعنا السور بتاعها اكتر، ووراها مزرعة الطيور
اردف بالجملة الاخيرة وهو يشير بيده الى تاليا ثم اكمل وهو يشير بيده الى جزء بعيد
_وهناك اكدة جزء من مزرعة الخيل
تساءل عاصم بتعجب
_مزرعة خيل ليه هو مش كان بيربيهم فى البيت؟
ابتسم الاخر وهو بجيبه
_لا ماهم كترو فعملو مزرعة، يعنى الحاچ اتوسع فى الموضوع، وطبعا فيه چزء صغير فى البيت لاحفاده لما بييچو
نظر له عاصم بتساؤل
_هو كلهم قاعدين فى العاصمة
نفى سباعى برأسه وهو يجيب
_لا الحاچ صلاح واولاده عايشين هنا ورفضو يسيبو البلد
ابتسم عاصم وهو يعود برأسه للخلف وهو يقول
_اكيد.. صلاح مايقدرش يسيب الحاج ولا البلد دة زى السمك مايقدرش يطلع من الماية
اومأ سباعى برأسه وهو يجيب بهدوء
_بالظبط واولاده زيه بيحبو المكان وميجدروش يسيبوه او يسيبو الحاچ والحاچة
اومأ الاول برأسه فى حين كانت ملك تتابع المكان بابتسامة، مكان يُشعرك بالدفئ، المنازل البعيدة متراصة بجوار بعضها بعيدا عن الارض، اطفال يلعبون بالشارع بضفائرهم، ونساء يتراصون امام المنازل يتسامرون، ورجال يعملون بالارض، فى حين التفت لوالدها لتشير جهة شئ تتساءل عنه لتجد عيناه تسبح فى اتجاه بعينه بحنين شديد وقبل ان تسأله عن مابه لتجد ان ذاك الرجل قد لاحظ الامر ليجبب اسئلته غير المنطوقة
_باعو البيت وكل حاچة ليهم اهناه ومشيو، فيه حاچات اشتراها الفلاحين وفيه اماكن اشتراها الحاچ
_والبيت؟؟
تساءل بها عاصم بلهفة ليجيبه بهدوء مبهم بالنسبة لها
_البيت والارض اشتراهم الحاچ بعد ما لجاهم چايبين واحد من بره يشتريهم ف اضطر يشتريهم، هو البيت مجفول والارض بيزرعها زى ما كنتو بتعملو زمان
اومأ برأسه بحزن فى حين حولت الاخرى عينيها وسطهم بتساؤل وحينما فتحت فاها لتسأل وجدت الاول يهتف بهدوء
_وصلنا
رفعت عيناها لتفغر فاها بإنشداه، لا ليس حقيقيا ذلك البيت، لا ليس بيتا انما هو قصر كأحد قصور الملوك، قصر يقف شامخا غريبا وسط تلك الاراضى وان كان مبتعدا كثيرا عن تلك الاراضى والبيوت الخاصة بالفلاحين، ولكن هل هناك قصور فى الارياف وفى وسط القرى؟ ربما هى نشأت فى قرية بالفعل وتؤكد ذلك ولكن لم ترى بحياتها شيئا مماثل وكأنها فى ثوانى تحولت من حقبه لاخرى غريبة عنها،
رفعت عيناها لتسأل والدها ولكنها تفاجأت بنظراته الشاردة تجاه المنزل، نظرات تتراقص بها الحنين والحزن، نظرات لم ترها بعين والدها من قبل، ربما كانت تراها فقط حينما تجده يتحدث عن والدتها او يمسك صورتها وان كانت الاخرى مختلفة بها حنين وحزن اشد وحب كبير يستطيع الاعمى رؤيته،
ابتسمت بهدوء وان كانت تتساءل فى قرارة نفسها كيف يربطهم بتلك العائلة روابط بينما بينهم فوارق تكاد تختلف بين السماء والارض، فهم من اثرى الاثرياء مزارع، مواشى، وخيل،، وما الى ذلك وقصر كأحد قصور الملوك يينما هم كالمعدمين امامهم، وان كان لديهم صلة قرابة اذا لما ام يساعدوهم من قبل فى العمل؟ ولما لم يتواصلو معهم؟ اصبحت الافكار تضج برأسها اكثر واكثر ولكنها يجب ان ترجئ الحديث لوقت لاحق فلكل مقام مقال،
تحركت السيارة لتدخل ذاك المنزل مجازا وبالطبع يقف أمامه حارسان هذا اصبح امر مفروغ منه لتمشى على ممشى من الحجارة المرصوفة يحيط بها النجيل والزرع والحشائش بالاضافة الى الاشجار والزهور، حديقة كالحدائق التى تراها بالتلفاز لتتساءل بتعجب
_هو الحاج عبد الرحمن دة غنى اوى كدة يا بابا؟؟!!
انتفضت رأس سباعى للخلف يناظرها بذهول متعجب ماهذا؟؟!! كيف تسأل هكذا سؤال!! كيف تسأل عن غناه وهم تقريبا يمتلكون ما يمتلكه عبد الرحمن المنشاوى وان كانت الفروق قليله بعض الشئ؟؟ وكيف يترك ابن الحسب والنسب مكانه ويعيش فى هكذا مستوى حقير كذاك الذى رآه؟؟ وكيف يختفى تلك السنوات دون ان يسمع عنه احد لدرجة تصديقهم بموته ليتفاجئو بأنه على قيد الحياة وحينما يرغب بالظهور يؤكد بأنه لن يأتى الا بحماية؟؟!! ماذا حدث له فى كل تلك السنوات ليختبئ كالجرذ فى الجحر؟؟ ولماذا اصر الان على الخروج منه؟؟ والعجيب لما ابنته لا تعلم شيئا عن ما يخصه او يخص عائلته؟؟ اسئلة كثيرة تضج برأسه منذ سمع بإسمه وبالاخص منذ رآه ولكن الاخر يُغلِق على نفسه يرفض الحديث او الكلام، افاق من دوامته على اجابة المذكور الشاردة
_اه اكتر مما تتصورى او تتخيلى
صمتت وهى تنظر للمكان بذهول مشوب بالفرحة فى حين توقفت السيارات امام الباب الداخلى للمنزل ليتحرك الجميع يخرجون، فى حين تحرك احد الرجال يفتح الباب الخاص بهم ليخرجو وتبرع احدهم بإخراج حقائبهم من الحقيبة الخلفية وتحرك امامهم لُيدخلها المنزل، اما ذاك الخشن المسمى سباعى ذهب ليضرب الجرس ثم صرخ بصوته القوى الخشن
_ياساتر... ياحاچ
ثم دخل يسبقهم فى بينما توقف والدها مكانه يتطلع الى ارجاء المنزل بحب وحنين الى ان وجدت الرجل يخرج مرة اخرى ومعه آخر عجوز ولكن مازالت قوته به، يتحرك ممسكا عصاه وهو يرتدى جلبابه فى حين ملامحه تبدو عليه الهيبة، والوقار، والسلطة، والصرامة، وان كانت بها الكثير من الحنان.
لتجده يركض ليقف امام والدها كشاب بالعشرين من عمره يناظره بحنان وحب وحنين شديد لتتراجع هى للخلف تختفى خلف ظهر والدها سامحة له بالحركة براحة تتابع مايحدث بهدوء لتجده ينظر لوالدها بإبتسامة فى حين اغرورقت عيناه بدموع ابى هطولها وهو يهتف بصوت متحشرج
_عاصم!!
نظر له عاصم بحب وحنين فى حين بادله نفس النظرة ليجيبه بحشرجة وبصوت اجش
_ازيك يا حاج واحشنى
ثم وجدته يميل على يده يقبلها ليسحبه الرجل داخل احضانه يربت على ظهره بحب وهو يهتف به
_واحشنى ياعاصم، واحشنى ياولدى، فينك من زمان ياحبيبى، اختفيت ولا سألتش عنى ولا رفعت السماعة تسأل عن عمك العچوز، اتوحشتك جوى ياولدى واتوحشت ريحتك، عشرين سنة ياعاصم!! عشرين سنة لا حس ولا خبر!!
اجابه الاخر بصوت بانت به اثار البكاء
_غصب عنى ياعمى، غصب عنى والله، غصب عنى انى اعيش مقطوع كدة بس ما باليد حيلة
ظل الرجل يربت على ظهره الى ان ابعده عن احضانه ينظر جهة وجهه الذى زارته بعض التجاعيد وعيناه التى سكنها الوجع والالم وخصلاته الكستنائية الجميلة التى زارها الشيب على استحياء ليتأوه بألم على زهرة شباب تلك العائلة وابن رفيقه وولده الذى لم ينجبه
_يااه كبرت جوى ياعاصم، ده انا فاكرك كنت لسة امبارح بتلعب اهناه مع العيال، كبرت جوى ياولدى
ضحك عاصم بألم ليجيبه ب ابتسامة حزينة
_عشرين سنة مش حاجة قليلة يا حاج
ابتسم العجوز وهو يسحبه داخل احضانه ثانية ولكنه تفاجئ مرة واحدة بتلك التى تقف خلفه لتتهدل يداه وهو ينظر جهتها بصدمة ليبتعد عنه مقتربا منها بخوف وهو ينظر جهتها بتركيز الى ان وقف امامها، وعى عاصم لنظراته ليتف يقف بجوارها، اشار عبد الرحمن جهتها بصدمة وهو يهتف بصوت مبهوت
_"هنا"!! ازاى!! مش انت جولت انها اتوفاها الله؟؟ ازاى؟؟!!!
احتضنها عاصم ليجيبه بنبرة حزينة
_دى مش "هنا" ياعمى الحاج دى ملك
التف له عبد الرحمن بصدمة يريد تفسير لاجابته ليجيبه عن سؤاله الغير منطوق
_ملك بنتى الوحيدة، وحيدتى، وكل اللى ليا فى الدنيا
ابتسمت له ملك بإستحياء من نظراته المدققة جهتها ليجيبه عبد الرحمن بصدمة
_ازاى دى هى؟؟!!
ابتسم الاخر وهو يجيبه ب ابتسامة حزينة
_امر الله يا حاج، يقطع من هنا ويوصل من هنا
اومأ عبد الرحمن وهو مازال تحت تأثير الصدمة ليُشير جهة المنزل قائلا
_طيب اتفضلو ادخلو
اوماأ الجميع برؤسهم فى حين تقدمهم هو ليهتف بصوت جهورى
_ياحاچة فاطمة، ياحاچة.. يا ام صلاح تعالى استجبلى الضيوف
فجاءة ظهرت سيدة عجوز تركض من الداخل كطفلة فى الخامسة عشر، ملامحها جميلة لم تمحى حتى وان كانت زارتها الكثير من التجاعيد توضح كم كانت بارعة الجمال فى صغرها، ترتدى جلباب طويل داكن، تمسك بيدها بفوطة قطنية تمسحها به وهى تهتف بسعادة
_عاصم!!
ركض عاصم تجاهها يقبل يدها مجيبا بابتسامة
_عاملة ايه يا امى؟
ربتت على ظهره بحنان وهى تجيبه بإبتسامة
_كيفك ياولدى، وكيف حال؟
قطعت كلماتها وهى ترفع عيناها لترى تلك الشابة الصغيرة التى تقف خلفه لتهتف بصوت مبهوت بعد ان اسقطت يديها
_"هنا"
اغمض عاصم عينيه بشدة، هذا اصعب ما يتوقعه الامر خارج عن السيطرة، لذا كان يخبئها فهى كصورة طبق الاصل فى حين هتفت تلك الصغير ة بإبتسامة بعد ان استوعبت الشبه الكبير الذى يخلطونها به بوالدتها وان كانت على علم بذلك من صورها القديمة ولكن الواضح ان الجميع يعلمون والدتها وبشدة؛ لذا هتفت بابتسامة ناعمة وبصوت رقيق خجول كملامحها المتوردة
_انا ملك بنتها
رمشت تلك العجوز بعينيها لبعض الوقت وكأنها تجد صعوبة فى استيعاب ماتقوله تلك الصغيرة لذا ابتسمت الاولى صامتة واعطتها كل الوقت اللزم للاستيعاب لتهتف الاخرى بتعجب
_مش معقولة دة انتى نسخة منها
ابتسمت الاولى وقد تورد وجنتيها بشدة من الخجل لتجد تلك السيدة تركض نحوها تسحبها داخل احضانها وتربت عليها بشدة وهى تقبل وجهها، صُدمت ملك من ذاك الهجوم المفاجئ عليها وبالأخص حينما وجدت تلك العجوز تبكى وهى تهتف من بين دموعها وشهقاتها
_ياحبيبتى يابتى... ياحبيبتى، الحمد لله يارب... الحمد لله... عشت وشفت بتك ياهنا، عشت وشفت بنتك ياعاصم، الحمد لله يارب على نعمك محرمتنيش اشوف هنا فى بنتها، الحمد لله
لم تعلم ملك ماذا تفعل امام هذا الهجوم العجيب من الحب والحنان الذى لم تكن اهلا له فى ذلك الوقت لذا لم تجد سوى ان ترفع يديها وتربت على ظهر تلك السيدة بهدوء دون ان يجد لسانها القدرة على التعبير لتجدها تبعدها عنها بعد برهة صارخة فى والدها بغضب
_كدة يا عاصم، كدة السنين دى كلها يا ولدى تحرمنى اشوفك واشوف" هنا" وكمان بنتك؟ كدة يا عاصم
صمت والدها لبعض الوقت الى ان اجابها بهدوء
_كل شئ وله اوانه يا حاجة
ارتفع حاجبها بنظرة زاجرة ليبتسم معدلا
_امى الحاجة
ربتت على ظهر الفتاة بحنان وهى تتمعن النظر جهتها بحب ثم تحول عيناها جهة ذلك الرجل بحزن بعد ان ضاعت سنوات عمره وهى ترى الحزن خيم على ملامحه والفقر ظاهر على هيئته كما انه اصبح مبعثر؛ يبدو انه عانى كثيرا،
لم ترتئ الحديث امام تلك الصغيرة التى يبدو انها لا تعلم عنهم شئ بالاضافة الى نظرات زوجها الزاجرة لذا زعقت بصوتها
_يا صابحة، بت ياصابحة
ركضت اليها تلك السيدة ترفل فى جلبابها الطويل مجيبة اياها
_نعم يا ستى الحاچة
اجابتها السيدة بهدوء
_اندهى حد من الرچالة يطلع شنط سيدك عاصم على اوضته اللى جهزناها وبعدها خدى شنط ستك ملك طلعيها على اوضة تانية تكونى منضفاها تجعد فيها بسرعة
اومأت الفتاة برأسها لتهتف ملك بحرج وخوف
_لا ملوش لزوم انا هنام مع بابا
تطلعت اليها تلك السيدة بحنان ثم ربتت على كتفها مجيبة اياها بنبرة زاجرة ولكنها حنونة
_ياخبر تنامى فى اوضتة ليه معندناش مكان ولا ايه؟ دة البيت ماشاء الله كبير ويساع من الحبايب الف
نفت ملك برأسها وهى تجيبها ب احراج
_لا ملوش لزوم انا هبقى مرتاحة معاه اكتر
هنا صدح صوت الرجل المهيب بنبرة لا تقبل الجدال او النقاش
_مايصحش يا بنتى، انتى تنامى فى اوضتك من غير خجل، وبعدين ماتخافيش محدش هيضايجك اهدى واطمنى
نفت برأسها وهى تجيب بخوف من فكرة ابتعادها عن والدها
_لا مش كدة بس انا
_خلاص يا بتى متخافيش مش هنخطفك عاد
فتحت فمها ولكن قاطعها والدها بهدوء
_خلاص يا ملك
ربتت تلك العجوز على ظهرها وهى تقول
_ماتخفيش انتى فى بيتك يابتى وان مشالتكيش الارض نشيلك فى عنينا، دة انتى الغالية بنت الغاليين
ابتسمت وهى تجيبها
_شكرا يا حاجة
نظرت لها فاطمة لتجيبها بتأنيب مستنكر
_حاچة!! حاجة ايه هو انا غريبة؟ جوليلى يا ستى
نظرت لها ملك بهدوء وبابتسامة ناعمة لتضحك العجوز وكأنه صبية صغيرة وهى تستدرك قولها
_لاه ستى ماتمشيش معاكى وانتى كيف البسكوته اكدة، اجولك جوليلى يا چدتى كيف ما بيجولى حاتم ولا تيتا كيف مابتجولى نرمين
قربت ملك حاحبيها من بعضهم بتساؤل لتجيبها السيدة
_دول احفادى، ولاد ولادى يعنى
ابتسمت ملك وهى تجدها من فرط سعادتها تثرثر دون توقف وهى تسألها
_وانتى عندك كام سنة ياملك؟ وفى كلية ولا لاه؟ ولو دخلتى انتى فى سنة كام؟
ضحك الرجال عليها بينما اتسعت ابتسامة ملك فى حين هتف عبد الرحمن من بين ضحكاته
_بالراحة عليها يا فاطمة البت مش هتطير، اكدة هتخوفيها منينا
ابتسمت فاطمة قائلة بسعادة
_الله مش بتعرف عليها يا حاچ، كفاية انى معرفتش انها موجودة غير من خمس دجايج بس، وهى المفروض كانت اتربت بين ولادى وفى حضنى
ابتسم عاصم بحزن فى حين اجابها عبد الرحمن بقهقهة سعيدة بوجود تلك الصغيرة أمامهم التى هى تعويض عن والدتها، ولارادة ربنا تشبها وبشدة
_اهى معاكى ماهتهربش منيكى عاد، بس بالراحة على البت دى جاية من طريج طويل وتعبانة، معاكى الوجت كله تتعرفى عليها بس واحدة واحدة
زمت العجوز شفتيها بحزن لتبتسم ملك عليها، يبدو انها رقيقة بشدة ويبدو انها كانت بايامها فتنة تسر الناظر لها فلم تمنع سنوات عمرها من تغيير مرحها وطفوليتها لتجيبه بحب
_بالراحة عليها ياجدى هى متقصدش
نظر لها بابتسامة حنونة وهو يقول بهدوء
_يفتح عليكى يابتى ويفرح جلبك زى مافرحتى جلبى بكلمة چدى دى
لم تعلق ملك واستسلمت لشعور الامان والود الذى يكتنفها ثم حولت نظراتها جهة والدها لتجده ولاول مرة عيناه يكتنفها راحة لم ترها من قبل وكأنه حقق اخيرا ما كان يصبو اليه، كالمسافر او المهاجر الذى حط اخيرا على ارضه
