اخر الروايات

رواية في شباك العنكبوت الفصل الخامس 5 بقلم رحاب حلمي

رواية في شباك العنكبوت الفصل الخامس 5 بقلم رحاب حلمي


الفصل الخامس
وتنكشف بعض الأسرار
اجتمعت عائلة نصار بصحبة ملك على طاولة الطعام, وبدا لملك أن الجميع رغم اختلاف شخصياتهم إلا أن بينهم تفاهم وتآلف من نوع خاص, وأثناء تناول الطعام تولى حازم دفة الحديث وقد غلبه طبعه الذي يميل إلى المزاح و كذلك سخريته المعتادة, أما ملك فقد اكتفت بدور المشاهد ولكنها كانت تضطر بعض الأحيان إلى الرد بكلمات مختصرة حينما يتعمد حازم على ما يبدو توجيه الحديث إليها, وكان من ضمن أسئلته لها: ويا ترى مدام ملك منين بقا؟
كانت لا تحب ذلك النوع من الاسئلة الشخصية فنظرت ناحية عمرو عله يعفيها من الرد على هذا السؤال ولكنه بدا مشغولا بتناول طعامه, لذا فلم تجد مفرا من الجواب على السؤال: من اسكندرية.
فأبدى حازم دهشته وهو يعلق: اسكندرية! بركاتك يا مرسي يا ابو العباس, طب وايه اللي جابك القاهرة وخلاكي تسيبي عروسة البحر؟
كانت تعلم بالطبع أنه لن يكتفي بذلك, فإجابتها على سؤال واحد ستؤدي إلى طرح المزيد, ولكن ما العمل وقد قرر عمرو على ما ترى أن الأمر لا يعنيه؟ أم أنه لم ير ضررا في تلك الأسئلة التي لن تكشف مخططه لذا لم يتدخل؟ وكالمعتاد ردت ملك متحلية بالصدق والاجابات المختصرة: بابا وماما اتوفوا وما كنش ليا حد هناك عشان كدة جيت هنا بعد ما خلصت دراستي عشان ادور على شغل.
حازم بتأثر: الله يرحمهم.
ثم ساد الصمت بعدها لفترة علمت بأنه قد اكتفى من استجوابها ربما أشفق على حالها فقرر ألا يسبب لها مزيدا من المعاناة وقد شكرته في سرها على ذلك, ولكنها لم تكن تغفل عن تلك النظرات الثاقبة التي كانت تخصها بها نجوان بين الحين والآخر أثناء حديثها مع حازم.
وفي تلك الأثناء قبل أن ينهوا وجبتهم تدخل تلك الشابة الحسناء غرفة الطعام لتقول وقد لاحظت ملك بحة خفيفة في صوتها: هاي!
فقالت نجوان وقد شقت الابتسامة طريقا إلى وجهها ونطقت عيناها بالفرحة وهي تقول لها: مرام! حمدالله ع السلامة, استمتعي بالرحلة؟
فردت مرام: أوي يا ماما, الرحلة بجد كانت so interesting (شيقة للغاية) .
ثم اتجهت بعينيها النجلاوين الى عمرو تسلم عليه: ازيك يا ميرو عامل ايه؟
فأجاب عمرو باختصار وقد رمقها باستهجان: تمام.
وأبدت فرحتها وهي تحدث حازم: وكمان حازم هنا! ازيك يا زيزو, وازي طنط فيريال و شذا.
فأجاب حازم متجهما وهو يتطلع إليها مقيما إياها من أعلى لأسفل ولم تلمه ملك على ذلك فتلك الفتاة التي تشبه والدتها كثيرا ولكنها على نحو أكثر عصرية, حيث قصت شعرها بطريقة غريبة وقد صبغته بألوان عدة إلى جانب مساحيق التجميل التي تستخدمها رغم صغر سنها على ما يبدو, أضف إلى ذلك طريقة انتقائها لثيابها التي تتكون من بنطلون جيز ضيق و تيشيرت لم يختلف عنه في الحجم: الحمد لله! انتي كنتي مسافرة ولا ايه؟
فردت مرام ببساطة: آه طلعت رحلة في الساحل مع جماعة اصحابي.
حازم وقد ازدادت عيناه ضيقا: لوحدك؟
مرام بتعجب: لا طبعا, مانا بقولك مع أصحابي.
ثم أضافت وهي تعتزم الذهاب: طب عن اذنكم هطلع أغير هدومي ونازلة, ماما please خليهم يعملولي سندوتشات خفيفة لأني واقعة من الجوع ومش عاوزة أبوظ الرجيم.
فأومأت نجوان بالايجاب وأدارت مرام ظهرها لهم متجهة إلى الخارج, ولكنها التفتت إلأيهم مجددا وكأنها تذكرت أمرا وقد خصت ملك بنظرتها وهي تسأل: آه sorry , مين الأنسة؟
فردت نجوان بالنيابة عن الجميع: دي مراة أخوكي عمرو!
******************************
انتهت وجبة الغداء وتفرق الجمع, أما عن عمرو فقد جلس في حجرة المكتب يقوم ببعض الأعمال بعد أن أنهى حديثه مع حازم حول المصنع الجديد الذي يشرف هذا الأخير على بنائه, وعاد حازم إلى حجرة الصالون ليتناول قهوته مع زوجة عمه وقد عادت مرام إلى حجرة الطعام لتتناول وجبتها الخفيفة ثم خرجت لزيارة بعض صديقاتها تقص عليهن ما حدث في الرحلة, بينما اعتزلت ملك الجميع لتتناول قهوتها في الشرفة.
وإذا ذهبنا إلى حازم ونجوان نجده وقد احتقن وجهه من الغضب واحتد صوته وهو يقول لنجوان: يا طنط انتي لازم تخلي بالك من مرام أكتر من كدة ومش كل حاجة تطلبها توافقي عليها زي مثلا انك تخليها تسافر لوحدها من غير ما يكون حد معاها.
بينما كان رد نجوان هادئا وهي تقول: وفيها ايه بس يا حازم؟ ماهي كان معاها أصحابها وكلهم من عائلات محترمة.
ولكن أصر حازم على اعتراضه وهو يضيف: بس مرام بقت في سن خطر وانتي لازم تكوني حازمة معاها أكتر من كدة.
فقالت نجوان وقد كان ردها صارما: حازم! مرام ما بقتش صغيرة, دة غير اني مربياها كويس وعارفة انها مش ممكن تغلط, وكمان انا ما اقدرش أحبسها او احجر عليها مش كفاية ان ابوها مات قبل ما تتولد؟ يعني هبقا انا والزمن عليها؟
أراد حازم الاعتراض مجددا عله يصل إلى نتيجة مع تلك المرأة العنيدة رغم أنه متأكد من صعوبة الأمر: بس يا طنط.......
ولكن قاطعه دخول الخادمة لتقول لنجوان: نجوان هانم! عمرو بيه طالب حضرتك في أوضة المكتب.
نجوان وهي تتأهب للنهوض: قوليله جاية.
ثم قالت لحازم قبل أن تغادر: معلش يا حازم, هروح أشوف عمرو عاوز ايه وارجعلك.
ثم أشارت له بإصبعها محذرة: اوعى تمشي قبل ماجي.
فأحنى حازم رأسه لها بشكل مسرحي دليلا على الطاعة, وذهبت نجوان ليبقى حازم بمفرده في المكان لذا قرر الخروج قليلا حتى عودتها للاستمتاع ببعض الهواء المنعش بحديقة القصر, وما ان خرج من حجرة الصالون وخطا بضعة خطوات نحو البوابة حتى لمح ملك تقف هناك في الشرفة, فشيء ما دعاه إلى التوجه إليها ولكن بدا أنها لم تشعر به يقترب منها فقد كانت تجلس على كرسي وتنظر ناحية الحديقة دون أن ترى شيئا مما حولها حيث كان عقلها شاردا في أمور أخرى.
فتنحنح حازم عندما وقف خلفها مباشرة لتتفاجىء ملك بوجوده فأشار لها حازم أن تلتزم بمكانها عندما لاحظ أنها تعتزم الرحيل وقال لها معتذرا: انا آسف لو كان وجودي سببلك أي ازعاج, فلو وجودي معاكي هيضايقك انا ممكن أمشي.
أحرجها بذوقه فلم تجد بد من السماح له بمرافقتها وهي تهز رأسها نافية: ابدا يا استاذ حازم, اتفضل.
وبالفعل قد جلس على كرسي آخر بجوارها, فقال ناظرا أمامه دون أن يلتفت إليها: حقيقي المنظر من هنا رائع وخصوصا وقت الغروب, بس اللي لاحظته انك مش قادرة تسيبي نفسك تستمتعي بكل الجمال اللي حواليكي دة, فياترى ممكن أسأل انتي كنتي بتفكري في ايه؟
نظرت إليه فوجدته لايزال يتطلع إلى الأمام دون أن يبدو أي تعبير على وجهه, وكأنه يوجه السؤال لغيرها, وعندما لم يلق جوابا أدار وجهه إليها لتلتقي عيناهما ولا تعلم ملك لم شعرت في تلك اللحظة بأن أفكارها تبدو عارية أمام تلك النظرات العميقة, ثم سمعته يقول مضيفا: من حقك طبعا انك ما تجاوبيش على سؤالي زي ماهو من حقك بردو انك ما تثقيش فيا, بس اسمحيلي استنتج أنا الرد, انتي أكيد بتفكري في الطريقة اللي ممكن تعيشي بيها في بيت زي دة كل اللي فيه تقريبا بيستنكروا وجودك اللهم إلا عمرو طبعا دة لو سلمنا بإن جوازكم كان عن حب.
لاحظ نظراتها الذاهلة فعلم وأنه يسير في الطريق الصحيح, فعاد ينظر إلى الامام مجددا وهو يبتسم ويقول: ما تستغربيش أوي كدة, واوعى تفتكري انك شفافة أوي كدة.
ثم أكمل يقول بفخر: بس تقدري تقولي ان قوة الملاحظة عندي عالية شويتين, بس اسمحيلي اني أقولك ان كل مخاوفك دي ملهاش أي أساس من الصحة.
وهنا بدأت ملك تستجيب معه في الحديث حيث سألته: ازاي بقا؟
فابتسم بانتصار لنجاح خطته ثم نهض قليلا من على كرسيه ليديره حتى أصبح في مواجهته فعاد ليجلس عليه وبدأ يقول بحماس: أقولك انا بقا ازاي؟ أولا بالنسبة لمرام فزي مانتي شفتي عايشة في دنيا تانية لوحدها مش شاغلة دماغة بأي حاجة بتحصل هنا وأفتكر انك لاحظتي أد ايه مافرقش معاها خبر جوازك انتي وعمرو, وانتي سهل أوي تكسبيها طالما ما بتفكريش انك تدخلي في حياتها.
فافتر ثغرها عن ابتسامة مراوغة وهي تسأله: وعشان كدة انت مش قادر تكسبها؟
بدا أن سؤالها فاجأه حيث لاحظت ارتباكه الذي حاول أن يخفيه وهو يرد عليها بنبرة علمت أنه جاهد لخروجها ثابتة بهذا الشكل: ومين قالك اني عاوز أكسبها؟
فاتسعت ابتسامتها وهي تقول مداعبة وقد استعارت جملته السابقة: ما تخافش انت مش شفاف أوي كدة بس تقدر تقول ان قوة الملاحظة عندي عالية شويتين.
فبادلها حازم الابتسام بمرح وهو يقول مشيدا بها: واضح انك بتتعلمي بسرعة.
ثم أكمل وقد عادت إلى وجهه تعابيره الجادة مرة ثانية وهو يقول بأسف: تعرفي, مشكلة مرام ممكن تختصريها في كلمة واحدة اسمها نجوان لأنها بدلعها الزيادة عن اللزوم دة غير رفضها ان أي حد غيرها يتدخل في تربيتها ليها وهو دة اللي وصلها لكدة, هي فاكرة بان اللي بتعمله معاها دة صح وانها بالشكل دة بتعوضها عن غياب عمي الله يرحمه لانها اتولدت بعد وفاته, وزي مانتي شايفة الحالة اللي وصلت ليها.
ثم استعاد مرحه من جديد وهو يضيف: المهم خلينا نرجع لموضوعنا, كدة مش فاضل بقا ادامك غير نجوان هانم.
فقالت ملك مازحة: قصدك نوجة؟
ومرة أخرى تحصل على مديحة: مش بقولك انك بتتعلمي بسرعة.
ملك: بس اللي مش قادرة أفهمه بصراحة لحد دلوقت ازاي نجوان هانم تبقا نوجة؟
فأجاب حازم شارحا: هقولك, اصل زمان ماما تعبت شوية والدكاترة نصحوها انها تعمل عملية برة, وساعتها طبعا انا كان لسة عندي ست سنين كنت تقريبا اد عمرو, وبابا لانه ما كان لازم يسافر معاها وفي نفس الوقت مش هيقدر ياخد باله مني فجابني هنا عند عمي, وطبعا نجوان هانم هي اللي اتولت رعايتي في الفترة دي مع أولادها وكانو بيقولولها ماما نجوان, وانا كنت حابب أقلدهم بس الاسم كان صعب عليا شوية عشان كدة كنت بقول ماما نوجة, وهي حاولت كتير تصلحلي الاسم بس ما عرفتش ومن ساعتها وانا مش بقولها غير نوجة.
فقالت ملك معلقة: بس واضح انك متعلق بيها أوي وهي كمان.
حازم: من ساعة الموقف دة وانا ارتبطت بيها جدا حتى لما ماما عملت العملية ورجعت وجات تاخدني ما كنتش عاوز أروح معاها, ورغم اني رجعت بيتنا في الآخر الا اني تقريبا كل يوم كنت بطلب منهم انهم يجيبوني عند طنط نوجة لدرجة ان ماما نفسها بقت بتغير وحست انها خطفتني منها, ودة يخليني أقولك ان حتى نجوان هانم مش لازم تخافي منها, هي صحيح لحد دلوقت مصدرالك الوش الخشب, بس انتي كمان لازم تعذريها ماهو مش من السهل بردو انها تقبل بوضع زي دة بسهولة كدة, لكن مع الوقت لما تتأكد انك فعلا جديرة باسم عمرو نصار وتبدأ تثق فيكي, ساعتها هتعرفي نجوان هام على حقيقتها وان مفيش حد في الدنيا أحن منها.
هل سيأتي هذا اليوم بالفعل؟ هذا السؤال هو ما خطر على بال ملك في هذا الوقت, ولكنها عوضا عن ذلك وجهت إليه سؤالا آخر: انت ليه بتقولي كل دة؟
فلمعت عيناه بابتسامة ساحرة وهو يجيب: تصدقي لو قولتلك اني مش عارف, بس أنا ارتحتلك, وحسيت انك وحيدة ومحتاجة فعلا لصديق ففكرت انه ليه ما ابقاش انا الصديق دة؟ جربي مش هتخسري حاجة.
ستجرب مرة أخرى وترهق نفسها بالتفكير في احتمالية الخسارة والمكسب؟ ولكن ما الذي تخشى خسارته الآن؟
*********************************
ونذهب إلى حجرة المكتب لنرى ذلك الجدال الذي نشب بين الأم وابنها حيث قالت نجوان رافضة: مش وقته يا عمرو, خلينا نأجل الموضوع شوية كمان.
فقال عمرو بتصميم: انا أجلته كتير يا ماما وأفتكر كفاية لحد كدة, بتهيئلي بقا جه الوقت اللي لازم كل الناس تعرف اني متجوز وعندي طفل, ابني لازم يكون ليه صفة رسمية أدام الناس.
نجوان باحتجاج وقد لان صوتها قليلا: بس دة ممكن يسببلك مشاكل كتيرة.
عمرو: مش أكتر من المشاكل اللي ممكن تقابلني لو أجلت الموضوعة لفترة أطول.
فسألته نجوان مرة أخيرة عله يتريث في الأمر: يعني انت متأكد من اللي هتعمله دة؟
عمرو بثبات وثقة: أكيد يا ماما.
فقال نجوى باستسلام: خلاص يا عمرو, اعمل اللي يريحك, دي حياتك وانت حر فيها.
ولم يتريث عمرو ولو قليلا حتى تغادر نجوان بل انه شرع في تنفيذ قراره فالتقط سماعة الهاتف وضغط على بعض أزاره ثم انتظر حتى أتاه الرد على الطرف الآخر, فقال عمرو بلهجة عملية: أيوة يا علا, اسمعيني كويس في اللي هقولهولك ونفذيه بالحرف الواحد.
*******************************
وفي مكان آخر وتحديدا في شقة تلك المدعوة نانسي, التي قد استيقظت لتوها من النوم, ثم أخذت حماما سريعا وجلست أمام طاولة الطعام لتتناول وجبة الافطار التي قد أعدتها لها الخادمة, وبينما وهي تصب لنفسها فنجانا من الشاي رأت هاتفها الخلوي يهتز, وبعد أن علمت بهوية المتصل, ردت تقول بوجه منشرح: ايوة يا موني, عاملة ايه؟ وحشتيني.
ثم اختفت ابتسامتها وهي ترفع حاجبها مندهشة: لا لسة ما شفتش حاجة, كاتبين ايه المرادي؟
ثم هبت من مكانها تقول بفزع: ايه؟! انتي بتقولي ايه؟ هو مين دة اللي اتجوز؟..... انتي متأكدة؟...... طب اقفلي دلوقت وانا هكلمك بعدين..... سلام.
وما ان أنهت المكالمة حتى ألقت الهاتف باهمال على الطاولة لتتناول عوضا عنه تلك الجريدة التي أمامها وبدأت تتصفحها بسرعة وانزعاج حتى كادت صفحاتها تتمزق بين أصابعها إلى أن وصلت لذلك الخبر الذي تبحث عنه, وأخذت تقرأ العنوان مرارا لتتأكد من صحة الخبر, وفي النهاية ألقت الجريدة على الأرض لتدهسها بقدميها وهي تقول بتوعد: بقا كدة ياسي عمرو؟ طب مانت ليك في الجواز اهو ورسمي كمان, بس وديني ما هفوتهالك على خير.



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close