رواية نون حائرة الفصل الخامس 5 بقلم سمر شكري
الفصل الخامس
دخلت (نيرة) إلى النادى تتلفت حولها بحثا عن (أمجد) ، تسبه سراً، فهو يعلم انها تكره الذهاب اليه منذ طلاقها تجنباً لملاقاة محبى الفضول المميت والقيل والقال، ومع ذلك أصر على تغيير مكان اللقاء دون أن يُبدِ لها أسباب
لمحته أخيراً يجلس باحدى الطاولات يداعب فتاة صغيرة لم يتعد عمرها الأربع سنوات، اقتربت منه وألقت حقيبتها على الطاولة أثناء جلوسها على المقعد، نظرت الى الفتاة بجواره وقالت متهكمة : اللى جابلك يخليلك
ابتسمت بوجه الفتاة مُكملة : بنت مين القمر دي ؟
ثم اتسعت عينيها بعدما دققت النظر بملامح الفتاة لتطلق شهقة قائلة : البت دى شبهك، انت اتجوزت وخلفت يا أمجد من ورايا ولا ايه!!
لم يتعجب من رد فعلها، فهو يعلمها منذ الصغر، ف (نيرة) رفيقة دراسته التى دافعت عنه بأول يوم له فى المدرسة التى نُقل إليها حديثًا بعد قدومه من احدى الدول العربية، كان بعض الطلبة يحاولون مضايقته وأخذ اشياءه عُنوة، كان الطفل الوديع الذي لايُجيد التصرف بمثل هذه المواقف وهى من تصدت لهم كما قامت بالشهادة لصالحه لدى مدير المدرسة عندما وصل إليه أمر إحدى مشاحاناتهم
عاد من ذكرياته عندما انتبه للفتاة الصغيرة تعدو تجاه شخص ما، نظر إليها وجدها مدربة السباحة خاصتها، تهللت أساريره برؤيتها، إذن فقد نال ما أتى إلى هنا لأجله، ألا وهو رؤيتها
ترك (نيرة) جالسة بمفردها وتوجه إلى من اتى لأجلها، مد يده مصافحا اياها : ازيك يا كابتن سارة
وتعلل بالفتاة لفتح حديث معها : أخبار فرح ايه فى التمرين ؟
بادلته التحية وهى محتضنة الفتاة تقبل وجنتيها : فرح اشطر واحدة فى الفريق، وماشاء الله عليها بتتعلم بسرعة
ثم تلفتت حولها تبحث عن شخص ما، وعندما لم تجده توجهت إليه بالسؤال : هو كابتن يحيى فين ؟
لا يعلم لم يشعر بالضيق بسؤالها عن أخيه، ولكن عليه اجابة سؤالها : على وصول، هو بس كان عنده رحلة واتأخر شويه
امسكت بيد الفتاة مستعدة للرحيل ولكنها اخبرته قبل رحيلها : ياريت تبلغه انى محتاجة اتكلم معاه بخصوص فرح ضرورى بعد التمرين، عن اذنك
رحلت بصحبة الفتاة فعاد أدراجه إلى من كانت تلهو بهاتفها بانتظاره
وما ان جلس حتى قالت له بضيق : ما بدرى! هو حضرتك جاى هنا تسبل وقلت بالمرة اقابل نيرة هنا!
نظر اليها متهكما : وانا لو جاى اسبل هجيبك ليه؟ تقطعى رزقي مثلا!
نظرت اليه ضاحكة : لا دا انت شكلك واقع عالاخر، قولى مين دى؟
أجابها قائلا : مدربة السباحة بتاع فرح
وعندما لفظ بإسم الفتاة تذكرت سؤالها عن تلك الفتاة التى تشبهه كثيرا : اه صحيح، مين البنوتة دى؟
ابتسم قائلا : فرح بنت اخويا
لتسارع بسؤاله : امتى ؟
ليجيبها بعدم فهم لسؤالها : هو ايه اللى امتى!
ما لبثت أن انفجرت ضاحكة ليفهم حينها مزحتها ليرسم ابتسامة مصطنعة على وجهه : دا ايه خفة الدم دى! تصدقى خسارة فيكى الخبر اللي جايبهولك، ومعرض نفسى لمشاكل فى شغلى عشان واحدة بتألش ألش سخيف زيك
حاولت (نيرة) التحكم بنوبة الضحك التى داهمتها : طب خلاص حقك عليا، انا بس لقيتك متضايق قلت افرفشك شويه
نظر اليها ملياً، فهي صديقته الوفية التى تشعر به دائما، فبالرغم من افتراقهم بعد المرحلة الثانوية، الا
أنهما ظلا على تواصل دائم، وزاد هذا التواصل بحكم عملهم، فهى الصحفية التى تبحث وراء الفساد وهو الضابط الذى يمدها بالمعلومات، ولكن عليها أن تُبقى مصدرها هذا سراً حتى لا يتأذى بعمله
لوحت بيديها أمامه : ايه! سرحت فى ايه؟
تنهد قائلا : بفكر انا مستحملك ليه، المهم خلينا فى اللى جايين عشانه
احترمت رغبته فى تغيير مجرى الحديث : ماشى، عالعموم انا موجودة فى اى وقت لو حابب تحكي، ايه بقى القضية الجديدة ؟
تحول مجرى الحديث بينهم الى رجل الاعمال الشهير الذى يرتدى قناع مُحب الخير الذى يسعى لمصلحة بلده وزيادة استثماراتها ويسعى جاهدا لدر الربح الاقتصادى إليها، صاحب الأعمال الخيرية الكثيرة، ولكن قليلون فقط من يعلمون أنها مجرد ستار لأعماله الأخرى المشبوهة
*******************************
جلس (حازم) بأحد الكافيهات يحتسى قهوته، يتذكر مقابلته مع والد (نسمة) ، أخبره والدها بما وصلت اليه حالتها ورفضها مقابلة طبيب نفسي ، كما أنها ترفض التواصل مع أفراد عائلتها وصديقاتها، احتقر خطيبها لتخليه عنها، فلو كان بمكانه لتمسك بها وساعدها فى تخطي محنتها
فكّر ملياً، هل حقا كان سيظل بجوارها؟ سأل نفسه كثيراً عن سر اهتمامه بها ورغبته في معرفة أخبارها ، أصبح متيقناً الآن بما يشعر به تجاهها، ولكن هل ستعطيه الفرصة للبوح بمكنونات صدره؟ سيحاول بالتأكيد ولن يفقد الأمل، سيساعدها دون علمها، وهاهو يأخذ أول خطوة لمساعدتها
لمحها تقف بمدخل الكافية تتلفت حولها بحثاً عنه فأشار لها بيديه حتى تراه ووقف لاستقبالها
مد يده مصافحاً اياها : ازيك يا اميرة، اخبارك ايه ؟
ابتسمت قائلة : الحمد لله يا حازم، انت اخبارك ايه؟
أشار للنادل وهو يجيبها : الحمد لله، تشربى ايه ؟
اجابته : قهوة مظبوط
طلب من النادل ما يريد وبعد رحيله توجه بالحديث إليها : أنا محتاج مساعدتك
بدى القلق على محياها، فابن الخالة والاخ بالرضاعة يبدو عليه أنه بمحنة، فهو نادراً ما يطلب مساعدة أحد وخاصة هي ، بدى قلقها بنبرة صوتها : خير يا حازم، انت شكلك ميطمنش، انت جايبنى هنا كأخت ولا كطبيبة نفسية
تنهد قائلا : كطبيبة، بس مش ليا
سألته بحيرة : طب لمين ؟
قص عليها ما حدث لنسمة، وأنه من أوصلها للمشفى، أخبرها بعزلتها ورفضها التحدث مع أحد، طلب منها أن تذهب برفقته إلى منزلها فى محاولة لحثها على تقبل التواصل مع طبيب نفسى
ارتشفت بعض قطرات من قهوتها الساخنة التى قد احضرها النادل للتو : طبعا هاجى معاك مش محتاجة كلام، بس أنا عايزة أسألك سؤال هيفرق معايا ومعاها فى العلاج لو تقبلتنى
حازم : سؤال إيه ؟
شبكت أصابع يديها على الطاولة ونظرت بعينيه : انت بتعمل كل دا ليه ؟
فكر قليلاً قبل اجابتها : حبيتها، معرفش ليه وازاى بس مبتفارقش تفكيرى
عدلت من وضعية جلوسها : حب ولا شفقة؟ بتحبها فعلا ولا عايز تبقى الراجل الشهم اللى ينقذها من تخلف المجتمع اللى عايشين فيه؟
صمت يفكر بسؤالها، هل من الممكن أن رغبته بالبقاء قربها نابعة فعلاً من موقف شهامة فقط، هل حقا سيأتي اليوم الذي يندم فيه على مساعدته لها
عندما طال صمته أخبرته : فكر كويس فى مشاعرك ناحيتها عشان وقت ما هى تخف وتتخطى محنتها و انت تبعد عنها بعد ماتعلقها بيك هتبقى الانتكاسة بالنسبة لها وهيبقى العلاج أصعب
سألها شارداً : يعنى إيه ؟
أوضحت له قائلة : يعنى لو شعورك دا مجرد رغبة فى مساعدتها، فأنت كده عملت اللى عليك وسيبنى أنا بقى أكمل معاها، أما لو فعلا بتحبها زى ما بتقول يبقى لازم تظهر فى حياتها بشكل قوى فى فترة العلاج بس طبعا مش دلوقتى، كل حاجة فى وقتها
كلامها جعله يفكر مرة أخرى فى مشاعره، هو متيقن من حبه لها، ولكن عليه ألا يكون سببا في انتكاستها
*************************
كانت تجلس (نور) بغرفتها، تلعب مع طفلتها بدميتها المفضلة حتى غفت الطفلة فوضعتها بفراشها وطبعت قبلة رقيقة على وجنتها، نظرت الى صورة زوجها الراحل الموضوعة على المنضدة الصغيرة بجوار الفراش وترقرقت الدموع بعينيها
تذكرت مشاجرتها مع والدتها وكلامها عن نظرة المجتمع وكلام الناس وما إلى هنالك من أفكار بالية، فهي لن تقبل أن تخضع لأفكار المجتمع العقيمة، تعلم جيدا أن تعاليم دينها تمنعها الخروج في هذه الفترة، ظلت طوال الليل تفكر فيما ستفعله في حياتها، توصلت إلى قرارها وليس عليها سوى أن تبلغ والديها به
انتهزت فرصة تواجدهم بمنزلها اليوم، خرجت من غرفتها وتوجهت إليهم بغرفة المعيشة، تحدثت إليهم مباشرة فى لحظة شجاعة تخشى أن تفقدها : أنا مش هسيب البيت ولو ماما حابة تقعد معايا فطبعا أهلا وسهلا بيها، بس أنا قررت انى اشتغل
اعتلى الغضب ملامح والدتها (كوثر) وتصاعد الشرر فى عينيها : هو انتى خلاص مش هنقدرلك وعايزة تنفذي اللى في دماغك بردو
ثم عقدت (كوثر) ساعديها مكملة : وبعدين انتي مش محتاجة الشغل ضروري يعني بردو مينفعش تنزلي في شهور عدتك حتى لو لشغل
نظرت إلى والدتها ملياً، فهي كانت تتوقع ردها : طبعا يا ماما، أنا خلاص عرفت النقطة دي كويس، أنا مقلتش إني نازلة الشغل بكره، أنا بتكلم بعد شهور عدتي ما تخلص، وطول الفترة دى هاخد كورسات اون لاين واسترجع معلوماتي تاني
زفرت والدتها بضيق : انتى مفيش فايدة فيكي
ثم تركتها راحلة
اقتربت (نور) من والدها : إنت إيه رأيك يا بابا ؟
نظر إليها (مصطفى) بحنو وربت على كتفها : اللى شيفاه صح اعمليه، بس مامتك معاها حق تخاف عليكي، الناس فعلا مبترحمش
شعرت (نور) بالضيق : حتى إنت يا بابا
قطع عليها (مصطفى) اعتراضها : اسمعيني للآخر، انتى صح ومامتك حقها تخاف عليكي، انا هقنعها بموضوع شغلك، بس عايز وعد منك إن لو حد ضايقك أو تطاول عليكي يبقى بلاش منه الموضوع دا
نظرت إلى والدها مبتسمة : حاضر يا بابا اوعدك، وبعدين بنتك ب 100 راجل يعنى ميتخافش عليها
*******************************
خرجت (ندى) من غرفتها مرتدية ملابسها للخروج، وجدت والديها بغرفة المعيشة، تهللت أساريرهم فور رؤيتها، فهي أخيرا قررت الخروج من عزلتها
جلست بجوارهم واحتضنتهم قائلة : أنا صح مش كده ؟ ما هو مش معقول كنت هقبل على نفسي يكون ليا ضرة أو أتجوز لفترة مؤقتة واتطلق
قبلتها (هدى) قائلة : انتي صح، بعد قرارك دا إحنا فعلا فخورين بيكي و بتفكيرك
نظرت إلى والدها : وإنت رأيك إيه يا بابا ؟
احتضنها (علي) قائلا : بنت أبوكى بجد
قبلتهم وأخبرتهم : أنا كده ارتحت واقدر امارس حياتي عادي وارجع الشغل من بكره إن شاء الله
سألتها والدتها : رايحة فين بقى دلوقتي
أجابتها (ندى) بحزن : هروح أشوف نسمة، أنا مقصرة معاها وكلمت نيرة قالت إنها رافضة تقابلهم
طرقات الباب قاطعت حديثهم فتوجهت (ندى) لفتحه لتجد شقيقها (سليم) أمامها، وبعد أن جلست برفقته بعض من الوقت استأذنت والديها في الرحيل، ولكن أوقفتها كلمات شقيقها : تخرجى تروحى فين! عايزة تسمعي الجيران وهما بيسألو بعض يا ترى عريسها سابها ليه قبل فرحها بأسبوع!
شعرت (ندى) بالصدمة والغضب من كلامه فأخبرته : أولا أنا اللى سبته مش هو اللى سابنى ولكنه قاطعها : مفيش خروج بعد كده من غير ماما وياريت كمان تسيبي شغلك عشان كفاية اوي لحد كده
وهنا كانت الزعقة من والدها : سليم، الزم حدودك، انت ملكش كلام عليها طول ماانا عايش، احكم على بيتك ومراتك بس، ندى مش غلطانة عشان تستخبى وتتدارى من الناس
والتفت إلى ابنته قائلا : روحي انتي مشوارك يا حبيبتي ومتتأخريش
هزت (ندى) رأسها بالايجاب وتركتهم راحلة
التفت (سليم) إلى والده : إنت هتسيبها تخرج براحتها يا بابا و…..
قاطعه والده قائلا : لآخر مرة هقولك ملكش دعوة بأختك، هي مش غلطانة، لا عملت حاجة عيب ولا حرام، حكمك يبقى على مراتك فى بيتك وبس
أنهى كلماته وأمسك بجهاز الريموت ليقلب قنوات التلفاز تاركاً ابنه يشتعل غضبا
******************************
بعدما أنهت (نيرة) حديثها مع صديقها بشأن خبطتها الصحفية الجديدة، استأذنت منه بالرحيل لتأخرها على موعد الغداء مع والديها
كانت تسير مسرعة، تبحث بحقيبتها عن نظارتها الشمسية لترتديها لكى تتجنب مصادفة اى من معارفها المتطفلين، عندما اصطدمت به بينما كان مولياً إياها ظهره
تناثرت محتويات حقيبتها ارضا، انحنت بجسدها لتجمعهم بينما كانت تعتذر منه : أنا آسفة مكنتش مركزة
نظر إلى من كانت تحاول لملمة أشياءها المبعثرة، وجد شلالاتها السوداء تغطي وجهها فلم يتبين ملامحها
ساعدها بلملمة اشياءها قائلا : أنا أسف
رفعت عينيها ليصطدم بحدتهما، بنية بلون القهوة، يتعمق بهما ليستشف منهما عزيمة وإصرار واضحان كالشمس، بينما كانت (نيرة) تدقق النظر بملامحه فشعره البني وخضراوتيه يذكرنها بشخص ما
انتشلهم من شرودهم صوت صديقه ينادي باسمه : أسبقك يا يحيى ؟
بمجرد سماع الاسم تبادر إلى ذهنها (فرح) التي تشبهه كثيراً بالملامح
استأذنت منه وتركته راحلة بينما ظل هو يتابعها بشرود
دخلت (نيرة) إلى النادى تتلفت حولها بحثا عن (أمجد) ، تسبه سراً، فهو يعلم انها تكره الذهاب اليه منذ طلاقها تجنباً لملاقاة محبى الفضول المميت والقيل والقال، ومع ذلك أصر على تغيير مكان اللقاء دون أن يُبدِ لها أسباب
لمحته أخيراً يجلس باحدى الطاولات يداعب فتاة صغيرة لم يتعد عمرها الأربع سنوات، اقتربت منه وألقت حقيبتها على الطاولة أثناء جلوسها على المقعد، نظرت الى الفتاة بجواره وقالت متهكمة : اللى جابلك يخليلك
ابتسمت بوجه الفتاة مُكملة : بنت مين القمر دي ؟
ثم اتسعت عينيها بعدما دققت النظر بملامح الفتاة لتطلق شهقة قائلة : البت دى شبهك، انت اتجوزت وخلفت يا أمجد من ورايا ولا ايه!!
لم يتعجب من رد فعلها، فهو يعلمها منذ الصغر، ف (نيرة) رفيقة دراسته التى دافعت عنه بأول يوم له فى المدرسة التى نُقل إليها حديثًا بعد قدومه من احدى الدول العربية، كان بعض الطلبة يحاولون مضايقته وأخذ اشياءه عُنوة، كان الطفل الوديع الذي لايُجيد التصرف بمثل هذه المواقف وهى من تصدت لهم كما قامت بالشهادة لصالحه لدى مدير المدرسة عندما وصل إليه أمر إحدى مشاحاناتهم
عاد من ذكرياته عندما انتبه للفتاة الصغيرة تعدو تجاه شخص ما، نظر إليها وجدها مدربة السباحة خاصتها، تهللت أساريره برؤيتها، إذن فقد نال ما أتى إلى هنا لأجله، ألا وهو رؤيتها
ترك (نيرة) جالسة بمفردها وتوجه إلى من اتى لأجلها، مد يده مصافحا اياها : ازيك يا كابتن سارة
وتعلل بالفتاة لفتح حديث معها : أخبار فرح ايه فى التمرين ؟
بادلته التحية وهى محتضنة الفتاة تقبل وجنتيها : فرح اشطر واحدة فى الفريق، وماشاء الله عليها بتتعلم بسرعة
ثم تلفتت حولها تبحث عن شخص ما، وعندما لم تجده توجهت إليه بالسؤال : هو كابتن يحيى فين ؟
لا يعلم لم يشعر بالضيق بسؤالها عن أخيه، ولكن عليه اجابة سؤالها : على وصول، هو بس كان عنده رحلة واتأخر شويه
امسكت بيد الفتاة مستعدة للرحيل ولكنها اخبرته قبل رحيلها : ياريت تبلغه انى محتاجة اتكلم معاه بخصوص فرح ضرورى بعد التمرين، عن اذنك
رحلت بصحبة الفتاة فعاد أدراجه إلى من كانت تلهو بهاتفها بانتظاره
وما ان جلس حتى قالت له بضيق : ما بدرى! هو حضرتك جاى هنا تسبل وقلت بالمرة اقابل نيرة هنا!
نظر اليها متهكما : وانا لو جاى اسبل هجيبك ليه؟ تقطعى رزقي مثلا!
نظرت اليه ضاحكة : لا دا انت شكلك واقع عالاخر، قولى مين دى؟
أجابها قائلا : مدربة السباحة بتاع فرح
وعندما لفظ بإسم الفتاة تذكرت سؤالها عن تلك الفتاة التى تشبهه كثيرا : اه صحيح، مين البنوتة دى؟
ابتسم قائلا : فرح بنت اخويا
لتسارع بسؤاله : امتى ؟
ليجيبها بعدم فهم لسؤالها : هو ايه اللى امتى!
ما لبثت أن انفجرت ضاحكة ليفهم حينها مزحتها ليرسم ابتسامة مصطنعة على وجهه : دا ايه خفة الدم دى! تصدقى خسارة فيكى الخبر اللي جايبهولك، ومعرض نفسى لمشاكل فى شغلى عشان واحدة بتألش ألش سخيف زيك
حاولت (نيرة) التحكم بنوبة الضحك التى داهمتها : طب خلاص حقك عليا، انا بس لقيتك متضايق قلت افرفشك شويه
نظر اليها ملياً، فهي صديقته الوفية التى تشعر به دائما، فبالرغم من افتراقهم بعد المرحلة الثانوية، الا
أنهما ظلا على تواصل دائم، وزاد هذا التواصل بحكم عملهم، فهى الصحفية التى تبحث وراء الفساد وهو الضابط الذى يمدها بالمعلومات، ولكن عليها أن تُبقى مصدرها هذا سراً حتى لا يتأذى بعمله
لوحت بيديها أمامه : ايه! سرحت فى ايه؟
تنهد قائلا : بفكر انا مستحملك ليه، المهم خلينا فى اللى جايين عشانه
احترمت رغبته فى تغيير مجرى الحديث : ماشى، عالعموم انا موجودة فى اى وقت لو حابب تحكي، ايه بقى القضية الجديدة ؟
تحول مجرى الحديث بينهم الى رجل الاعمال الشهير الذى يرتدى قناع مُحب الخير الذى يسعى لمصلحة بلده وزيادة استثماراتها ويسعى جاهدا لدر الربح الاقتصادى إليها، صاحب الأعمال الخيرية الكثيرة، ولكن قليلون فقط من يعلمون أنها مجرد ستار لأعماله الأخرى المشبوهة
*******************************
جلس (حازم) بأحد الكافيهات يحتسى قهوته، يتذكر مقابلته مع والد (نسمة) ، أخبره والدها بما وصلت اليه حالتها ورفضها مقابلة طبيب نفسي ، كما أنها ترفض التواصل مع أفراد عائلتها وصديقاتها، احتقر خطيبها لتخليه عنها، فلو كان بمكانه لتمسك بها وساعدها فى تخطي محنتها
فكّر ملياً، هل حقا كان سيظل بجوارها؟ سأل نفسه كثيراً عن سر اهتمامه بها ورغبته في معرفة أخبارها ، أصبح متيقناً الآن بما يشعر به تجاهها، ولكن هل ستعطيه الفرصة للبوح بمكنونات صدره؟ سيحاول بالتأكيد ولن يفقد الأمل، سيساعدها دون علمها، وهاهو يأخذ أول خطوة لمساعدتها
لمحها تقف بمدخل الكافية تتلفت حولها بحثاً عنه فأشار لها بيديه حتى تراه ووقف لاستقبالها
مد يده مصافحاً اياها : ازيك يا اميرة، اخبارك ايه ؟
ابتسمت قائلة : الحمد لله يا حازم، انت اخبارك ايه؟
أشار للنادل وهو يجيبها : الحمد لله، تشربى ايه ؟
اجابته : قهوة مظبوط
طلب من النادل ما يريد وبعد رحيله توجه بالحديث إليها : أنا محتاج مساعدتك
بدى القلق على محياها، فابن الخالة والاخ بالرضاعة يبدو عليه أنه بمحنة، فهو نادراً ما يطلب مساعدة أحد وخاصة هي ، بدى قلقها بنبرة صوتها : خير يا حازم، انت شكلك ميطمنش، انت جايبنى هنا كأخت ولا كطبيبة نفسية
تنهد قائلا : كطبيبة، بس مش ليا
سألته بحيرة : طب لمين ؟
قص عليها ما حدث لنسمة، وأنه من أوصلها للمشفى، أخبرها بعزلتها ورفضها التحدث مع أحد، طلب منها أن تذهب برفقته إلى منزلها فى محاولة لحثها على تقبل التواصل مع طبيب نفسى
ارتشفت بعض قطرات من قهوتها الساخنة التى قد احضرها النادل للتو : طبعا هاجى معاك مش محتاجة كلام، بس أنا عايزة أسألك سؤال هيفرق معايا ومعاها فى العلاج لو تقبلتنى
حازم : سؤال إيه ؟
شبكت أصابع يديها على الطاولة ونظرت بعينيه : انت بتعمل كل دا ليه ؟
فكر قليلاً قبل اجابتها : حبيتها، معرفش ليه وازاى بس مبتفارقش تفكيرى
عدلت من وضعية جلوسها : حب ولا شفقة؟ بتحبها فعلا ولا عايز تبقى الراجل الشهم اللى ينقذها من تخلف المجتمع اللى عايشين فيه؟
صمت يفكر بسؤالها، هل من الممكن أن رغبته بالبقاء قربها نابعة فعلاً من موقف شهامة فقط، هل حقا سيأتي اليوم الذي يندم فيه على مساعدته لها
عندما طال صمته أخبرته : فكر كويس فى مشاعرك ناحيتها عشان وقت ما هى تخف وتتخطى محنتها و انت تبعد عنها بعد ماتعلقها بيك هتبقى الانتكاسة بالنسبة لها وهيبقى العلاج أصعب
سألها شارداً : يعنى إيه ؟
أوضحت له قائلة : يعنى لو شعورك دا مجرد رغبة فى مساعدتها، فأنت كده عملت اللى عليك وسيبنى أنا بقى أكمل معاها، أما لو فعلا بتحبها زى ما بتقول يبقى لازم تظهر فى حياتها بشكل قوى فى فترة العلاج بس طبعا مش دلوقتى، كل حاجة فى وقتها
كلامها جعله يفكر مرة أخرى فى مشاعره، هو متيقن من حبه لها، ولكن عليه ألا يكون سببا في انتكاستها
*************************
كانت تجلس (نور) بغرفتها، تلعب مع طفلتها بدميتها المفضلة حتى غفت الطفلة فوضعتها بفراشها وطبعت قبلة رقيقة على وجنتها، نظرت الى صورة زوجها الراحل الموضوعة على المنضدة الصغيرة بجوار الفراش وترقرقت الدموع بعينيها
تذكرت مشاجرتها مع والدتها وكلامها عن نظرة المجتمع وكلام الناس وما إلى هنالك من أفكار بالية، فهي لن تقبل أن تخضع لأفكار المجتمع العقيمة، تعلم جيدا أن تعاليم دينها تمنعها الخروج في هذه الفترة، ظلت طوال الليل تفكر فيما ستفعله في حياتها، توصلت إلى قرارها وليس عليها سوى أن تبلغ والديها به
انتهزت فرصة تواجدهم بمنزلها اليوم، خرجت من غرفتها وتوجهت إليهم بغرفة المعيشة، تحدثت إليهم مباشرة فى لحظة شجاعة تخشى أن تفقدها : أنا مش هسيب البيت ولو ماما حابة تقعد معايا فطبعا أهلا وسهلا بيها، بس أنا قررت انى اشتغل
اعتلى الغضب ملامح والدتها (كوثر) وتصاعد الشرر فى عينيها : هو انتى خلاص مش هنقدرلك وعايزة تنفذي اللى في دماغك بردو
ثم عقدت (كوثر) ساعديها مكملة : وبعدين انتي مش محتاجة الشغل ضروري يعني بردو مينفعش تنزلي في شهور عدتك حتى لو لشغل
نظرت إلى والدتها ملياً، فهي كانت تتوقع ردها : طبعا يا ماما، أنا خلاص عرفت النقطة دي كويس، أنا مقلتش إني نازلة الشغل بكره، أنا بتكلم بعد شهور عدتي ما تخلص، وطول الفترة دى هاخد كورسات اون لاين واسترجع معلوماتي تاني
زفرت والدتها بضيق : انتى مفيش فايدة فيكي
ثم تركتها راحلة
اقتربت (نور) من والدها : إنت إيه رأيك يا بابا ؟
نظر إليها (مصطفى) بحنو وربت على كتفها : اللى شيفاه صح اعمليه، بس مامتك معاها حق تخاف عليكي، الناس فعلا مبترحمش
شعرت (نور) بالضيق : حتى إنت يا بابا
قطع عليها (مصطفى) اعتراضها : اسمعيني للآخر، انتى صح ومامتك حقها تخاف عليكي، انا هقنعها بموضوع شغلك، بس عايز وعد منك إن لو حد ضايقك أو تطاول عليكي يبقى بلاش منه الموضوع دا
نظرت إلى والدها مبتسمة : حاضر يا بابا اوعدك، وبعدين بنتك ب 100 راجل يعنى ميتخافش عليها
*******************************
خرجت (ندى) من غرفتها مرتدية ملابسها للخروج، وجدت والديها بغرفة المعيشة، تهللت أساريرهم فور رؤيتها، فهي أخيرا قررت الخروج من عزلتها
جلست بجوارهم واحتضنتهم قائلة : أنا صح مش كده ؟ ما هو مش معقول كنت هقبل على نفسي يكون ليا ضرة أو أتجوز لفترة مؤقتة واتطلق
قبلتها (هدى) قائلة : انتي صح، بعد قرارك دا إحنا فعلا فخورين بيكي و بتفكيرك
نظرت إلى والدها : وإنت رأيك إيه يا بابا ؟
احتضنها (علي) قائلا : بنت أبوكى بجد
قبلتهم وأخبرتهم : أنا كده ارتحت واقدر امارس حياتي عادي وارجع الشغل من بكره إن شاء الله
سألتها والدتها : رايحة فين بقى دلوقتي
أجابتها (ندى) بحزن : هروح أشوف نسمة، أنا مقصرة معاها وكلمت نيرة قالت إنها رافضة تقابلهم
طرقات الباب قاطعت حديثهم فتوجهت (ندى) لفتحه لتجد شقيقها (سليم) أمامها، وبعد أن جلست برفقته بعض من الوقت استأذنت والديها في الرحيل، ولكن أوقفتها كلمات شقيقها : تخرجى تروحى فين! عايزة تسمعي الجيران وهما بيسألو بعض يا ترى عريسها سابها ليه قبل فرحها بأسبوع!
شعرت (ندى) بالصدمة والغضب من كلامه فأخبرته : أولا أنا اللى سبته مش هو اللى سابنى ولكنه قاطعها : مفيش خروج بعد كده من غير ماما وياريت كمان تسيبي شغلك عشان كفاية اوي لحد كده
وهنا كانت الزعقة من والدها : سليم، الزم حدودك، انت ملكش كلام عليها طول ماانا عايش، احكم على بيتك ومراتك بس، ندى مش غلطانة عشان تستخبى وتتدارى من الناس
والتفت إلى ابنته قائلا : روحي انتي مشوارك يا حبيبتي ومتتأخريش
هزت (ندى) رأسها بالايجاب وتركتهم راحلة
التفت (سليم) إلى والده : إنت هتسيبها تخرج براحتها يا بابا و…..
قاطعه والده قائلا : لآخر مرة هقولك ملكش دعوة بأختك، هي مش غلطانة، لا عملت حاجة عيب ولا حرام، حكمك يبقى على مراتك فى بيتك وبس
أنهى كلماته وأمسك بجهاز الريموت ليقلب قنوات التلفاز تاركاً ابنه يشتعل غضبا
******************************
بعدما أنهت (نيرة) حديثها مع صديقها بشأن خبطتها الصحفية الجديدة، استأذنت منه بالرحيل لتأخرها على موعد الغداء مع والديها
كانت تسير مسرعة، تبحث بحقيبتها عن نظارتها الشمسية لترتديها لكى تتجنب مصادفة اى من معارفها المتطفلين، عندما اصطدمت به بينما كان مولياً إياها ظهره
تناثرت محتويات حقيبتها ارضا، انحنت بجسدها لتجمعهم بينما كانت تعتذر منه : أنا آسفة مكنتش مركزة
نظر إلى من كانت تحاول لملمة أشياءها المبعثرة، وجد شلالاتها السوداء تغطي وجهها فلم يتبين ملامحها
ساعدها بلملمة اشياءها قائلا : أنا أسف
رفعت عينيها ليصطدم بحدتهما، بنية بلون القهوة، يتعمق بهما ليستشف منهما عزيمة وإصرار واضحان كالشمس، بينما كانت (نيرة) تدقق النظر بملامحه فشعره البني وخضراوتيه يذكرنها بشخص ما
انتشلهم من شرودهم صوت صديقه ينادي باسمه : أسبقك يا يحيى ؟
بمجرد سماع الاسم تبادر إلى ذهنها (فرح) التي تشبهه كثيراً بالملامح
استأذنت منه وتركته راحلة بينما ظل هو يتابعها بشرود