اخر الروايات

رواية اسيرة عشقه المميت الفصل الخامس 5 بقلم حبيبة خالد

رواية اسيرة عشقه المميت الفصل الخامس 5 بقلم حبيبة خالد


🌺 البارت الخامس🌺

توقف زياد في مكانه.... وبصوت اهتزت له جدران الصالة صرخ:

إيه ده بنت نادية الخدامه بتعمل إيه هنا إنت إزاي يا بابا تسمح لبنت اللي أمها كانت السبب في يتمنا تعيش وسطنا.

رؤوف الذي كان قد بدأ يشعر بسكينة غريبة تجاه سيرين رفع رأسه ببطء مرعب. تحولت عيناه إلى كتلة من الجمر المشتعل. اسم "نادية" لم يكن مجرد اسم بل كان لعنة فتحت جروح السنين التي حاول خياطتها بالوجع والغربة. أما جابر المعلم فقد انتفض من مكانه وكأن تيارا كهربائيا ضرب جسده سقطت السكينة من يده لترتطم بالطبق وتحدث رنة حادة استفزت السكون المريب الذي ساد المكان.

جابر بصوت جهوري هز الحيطان وقبض القلوب:

"نادية إنت بتقول إيه ياض نادية مين"

زياد... والغل يملأ قلبه ليس كراهية في سيرين... بل ثأراً من دماء نادية التي ظن أنها تجري في عروقها وأشار بإصبعه الذي يرتعش نحو سيرين المنكمشة على نفسها:

"نادية يا بابا نادية الخادمة اللي كانت في بيت عمي زيدان اللي سرقت وحرقت البيت وكانت السبب في موت عمي وهجرة مراته *ماهيتاب* الحارة كلها عارفة إن دي بنتها.. إزاي يا معلم رؤوف يا كبيرنا مأوي في بيتك بنت الست اللي ضيعت ميساء.....ميساء اللي لحد دلوقتي مانعرفش أرضها من سماها والسبب هي نادية"

كان زياد يتحدث بحرقة..... فهو لم ينسَ ابنة عمه *ميساء* التي كانت رفيقة طفولته.

و جابر الذي كان يحاول استيعاب الصدمة نظر إلى سيرين بذهول وقال بصوت مشروخ:

"تعالى يا زياد.. اهدى.. إنت أكيد مشبه عليها.. دي سيرين غلبانة ورؤوف أنقذها من الموت وجابها هنا أمانة."

زياد ضحك بسخرية مريرة وهو يضرب قبضة يده على السفرة بقوة جعلت الأطباق تتراقص:

"أمانة.... يا بابا دي كانت واقفة مع شلة ولاد في الحارة وأمها سابتها معاهم والناس كانوا بيحدفوها بأوسخ الكلام اسألوا سراج..هو ممكن يكون مش فاكر شكلها بس .... هو اللي كان واقف وشاف الفضيحة وشاف أختها اللي ماتت في حضنها.. نادية هي اللي كانت مأجرة البلطجية عشان يخلصوا من بنتها دي"

سراج وقف بحدة، وجهه احمرّ من الغضب دفاعاً عن الحقيقة:
"اسكت يا زياد إنت ظالمها سيرين ضحية مش أكتر الحقيقة إن أختها *نادرة* هي اللي اتعرضت للاغتصاب وهي بتفدي سيرين وماتت وجوزها انتحر بعدها من القهرة سيرين ملهاش ذنب في قذارة نادية........"

رؤوف كان واقفاً كتمثال من رخام، الكلمات تصطدم بعقله وتفتته. هو الذي غاب 6 سنوات ليدفن ذكريات *ميساء* و *زيدان* ليعود ليجد نفسه يحمي ابنة قاتلتهم اقترب من سيرين بخطوات ثقيلة كأنها الجبل وصوته خرج كفحيح الأفعى بارداً ومميتاً:
"إنتي بنت نادية.. انطقيييييييي"

سيرين بشهقة بكاء مريرة قطعت نياط القلوب وصوتها.
طالع بالعافية من فرط الرعب قالت وهي تهز رأسها يمين وشمال:
"ماتت.. أنا بكرهها.. والله العظيم بكرهها أنا ماليش دعوة باللي عملته هي السبب في كل حاجه هي السبب في موتها.

جابر المعلم لم يسمع صرخاتها بل كانت عيناه تقوم بـ "تشريح" ملامحها. دقق في تلك العيون الخضراء الصافية التي تشبه بحيرات الغابات وبشرتها التي كأنها غُسلت بماء الورد ورقتها التي لا يمكن أن تخرج من رحم امرأة غليظة وسمراء وقاسية مثل نادية.

همس جابر في سره بذهول أوقف أنفاسه: "مستحيل..
نادية ملامحها كانت زي الحجر .. لكن البنت دي فيها ريحة ماهيتاب هانم.. فيها ملامح ميساء وهي طفلة"
التفت جابر لزياد وزعق فيه بحدة جعلت زياد يتراجع خطوة:
"اخرس يا زياد نادية مكنش عندها غير بنت واحدة ولو كانت عايشة النهاردة كان زمان عندها 27 سنة وهي *نادرة* اللي ماتت.. لكن سيرين دي يدوبك 19 سنة الحسبة مش راكبة يا ابني.. فين الشبه دي نسخة من ماهيتاب هانم"

رؤوف كان واقفاً يصارع شياطينه. قلبه الذي بدأ ينبض
"للبسكوتة" يصرخ وجعاً من "اسم نادية".

زهرة (أم رؤوف) التي كانت تراقب بصمت همست بصوت مسموع والشك ينهش قلبها:
"ميساء ميساء اللي ضاعت والبيت بيتحرق نادية كانت دايمًا بتقول إنها هتحرق قلبنا على أغلى حاجة عندنا.. معقول تكون دي بنتنا"

حدث شيء غريب.. سيرين توقفت عن البكاء فجأة. اتسعت عيناها بهلع وشريط ذكريات أسود مر أمامها.. تذكرت ليلة موت أختها نادرة تذكرت الدماء التي غطت يديها، وصوت نادرة المتقطع وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة وتهمس في أذنها:
"سامحيني يا سيرين.. سامحيني على وجعك.. إنتي مش بنتها.. نادية خطفتك وإنتي عندك عشر سنين مريم أمانة في رقبتك يا... يا ميساء"

فقدت سيرين صلتها بالواقع تماماً. الصدمة كانت أكبر من أن يتحملها عقل بشر. فجأة بدأت تضحك.. ضحك هستيري،عالٍ وموجع والدموع لا تزال تنزل كالشلال على وجهها.

رؤوف اقترب منها بريبة وقلق ممتزج بغضب: "إنتي بتضحكي على إيه إنتي اتجننتي"

سيرين فضلت تضحك وتصرخ بكلام غير مفهوم وتضرب رأسها بيديها:
"مش بنتها.. نادرة ماتت عشان تحميني.. مريم أمانة.. كلكم كدابين ميساء مين أنا ماليش حد أنا بنت الخدامه هههههه.. أنا النحس"

وفجأة، تحول الضحك الهستيري إلى صرخة وجع مكتومة كأن روحها تنتزع غابت عيناها عن الوعي وتصلب جسدها الرقيق ليسقط كالجثة الهامدة في الأرض. صرخت مريم الصغيرة وارتمت فوقها ببكاء يقطع القلب.

رؤوف نزل للأرض بسرعة البرق شالها بين ذراعيه بقوة وهو يحاول إفاقتها بذهول. وبينما هو يرفع رأسها انزاحت خصلات شعرها الطويل عن رقبتها من الخلف لتظهر "وحمة" صغيرة على شكل هلال.. علامة كان رؤوف وجابر وزياد يعرفونها جيداً

فلطالما لعبوا مع ميساء الصغيرة وهم يمازحونها بأنها "القمر" بسبب تلك الوحمة.

تسمر رؤوف في مكانه. تجمدت الدماء في عروقه ونظر إلى والده بعيون زائغة تملأها الدموع لأول مرة في حياته:
"يا بابا.. الوحمة.. الوحمة اهي دي ميساء يا بابا دي ميساء هي بنتنا اللي ضاعت بنتيييي. "

زياد الذي كان يصرخ غضباً سقط على ركبتيه بذهول ينظر إلى وجه سيرين (ميساء) وكأنه يراها لأول مرة

بينماانخرطت زهرة في نوبة بكاء مريرة وهي تصرخ: "يا حبيبتي يا بنتي نادية عملت فيكي إيه يا قلب أمك"

رؤوف ضمها إلى صدره بعنف وكأنه يحاول إدخالها بين ضلوعه ليحميها من ماضيها المرير، وصرخ بصوت زلزل البيت كله:
"اطلبوا دكتووووور فوراً ميسااااء"

قبل أن يحل الهدوء في الجناح كان الصخب يملأ المكان بمجيء طبيب العائلة الذي فحص ميساء (سيرين) وهي غائبة عن الوعي تحت نظرات رؤوف المترقبة والقاتلة.

تنهد الطبيب وهو يلملم أدواته ثم التفت لرؤوف الذي كان يقف كالجبل خلفه وقال بنبرة قلقة:
"يا معلم رؤوف البنت جسمانياً كويسة مجرد هبوط وإجهاد.. لكن المشكلة الحقيقية هي بتمر بصدمة عصبية وحالتها النفسية صعبة ومحتاجة احتواء أي ضغط أو خوف حالياً ممكن يخليها تفقد النطق أو تدخل في اكتئاب حاد. ."

رؤوف أومأ برأسه ببطء مرعب وعيناه لم تنحرف عن وجهها الشاحب.
بعد انصراف الطبيب..
داخل الجناح ساد هدوءٌ مهيب لا يقطعه سوى أنين ميساء الضعيف وهي تبدأ في استعادة وعيها كانت غارقة تماماً بين ذراعي "المعلم رؤوف" الذي كان يضمها إليه بوقارٍ طاغٍ دافناً وجهه في منحنى عُنقها يستنشق عبيرها كأنه يسترد أنفاسه التي ضاعت منه منذ سنين.

يده الضخمة كانت تمسح على ظهرها بحركةٍ رتيبة مهدئة، وعيناه مغمضتان وكأنه يضرب حولها سوراً من حديد.

فتحت ميساء جفنيها ببطء.. استشعرت قوة الجسد الذي يحوطها والنبضات الهادرة التي تصدر من صدره العريض. انتفضت بضعف ودفعت صدره بيديها المرتجفتين وهي تبتعد عنه بجسدٍ يرتعش وصرخت بصوتٍ مشروخ مبلل بالدموع:
"أبعد عني ابعدوووا عني "

انهارت فوق الفراش وهي تضم قدميها لصدرها وانخرطت في نوبة بكاءٍ تفتت الصخر:
"مش قادرة أصدق يعني نادره كلمها صح انا بحسبها بتخرف وفعلا ناديه مش امي .. أنا عشت 19 سنة وأنا بجلد روحي كل يوم.. كنت بسأل نفسي "أنا وحشة للدرجة دي" أنا عملت إيه عشان أمي تكرهني وتذلني وتبيعني للكلاب كده كانت بتضربي كانت بتعملي بطريقه وحشه كانت بتفرق بيني وبين نادره كانت بتحب نادره انا مكنتش بغير بس كنت ببقي زعلانه بس نادره كانت بتحبني كنت بقول يمكن ملامحي هي اللي مخلياها تقرف مني وتتعامل معايا كأني جارية ودلوقتي جايين تقولوا إنها خطفتني إن حياتي كلها كانت كذبة"

رؤوف لم ينطق بكلمة ترهبها بل تذكر وصية الطبيب فاقترب منها بوقارٍ وهيبة وجذبها إليه مرة أخرى برغم مقاومتها.

سحبها لترتطم بظهره بصدره وأحاطها بذراعيه في ضمةٍ محكمة ودفن رأسه في عنقها مجدداً وهو يهمس بفحيحٍ عاشق تذوب له الجبال:
"اششش.. اهدي يا قلب رؤوف.. مفيش جَلد ذات تاني. أنتي ميساء زيدان المعلم.. والكسرة اللي في عينك دي أنا هغسلها بيدي.. أنتي في حمايتي ومفيش مخلوق هيلمسك طول ما أنا فوق الأرض.. فاهمة"

زياد الذي كان يراقبهما والندم يأكل قلبه أراد أن يلطف الجو ويخفف عنها الصدمة بجدعنة ومرح.. تقدم بابتسامةٍ واسعة وقال: "خلاص بقى يا ست البنات . تعالي هنا يا "لوز مقشر" يمكن الضحكة تعرف طريق وشك المنور ده"

مد زياد يديه ليحمل ميساء بخفة ويمزح معها كأخ، وفجأة...
تجمدت الحركة في الغرفة. رؤوف لم يفتعل خناقاً، بل بـ "حركة هادئة" كفيلة ببث الرعب وضع يده فوق يد زياد التي كادت تلمس خصرها وضغط عليها بـ "قوة صامتة" وهو ينظر لزياد بنظرةٍ حادة عيناه اسودّت بـ "غيرةٍ مكتومة".

رؤوف بصوتٍ رخيم ومنخفض: "زياد.. ميساء تعبانة والضحك مش وقته دلوقتي سيبها ترتاح في حضن أمي وخليك في حالك."

زياد فهم الإشارة فوراً، وفهم أن ميساء بالنسبة لرؤوف "منطقة محرمة". رفع يديه بهدوء وقال: "تمام يا كبير.. أنا قصدي بس أخفف عنها حمد الله على سلامتك يا بنت عمي."
ميساء استكانت تماماً في حضن رؤوف وكأنها أخيراً صدقت إنها ميساء مش سيرين المنبوزة. رؤوف انحنى عليها وباس راسها بوقار وهمس في ودنها بكلام خلى جسمها كله يتنفض بس المرة دي من "الأمان":
"نامي يا ميساء.. نامي وطمني قلبك البيت ده اتقفل بابه عليكي ومحدش له عندك حاجة.. ومن بكرة مفيش مخلوق في الحارة دي هيقدر ينطق اسمك القديم على لسانه.. عشان اللي هيعملها هيكون بيحفر قبره بإيده."
زهرة (أم رؤوف) اقتربت بدموعٍ حارة ومسدت على شعرها بحنانٍ جارف:
"يا قلب خالتك.. أنتي بنتي يا ميساء.. والبيت ده انقفل يوم ما ضعتي والنهاردة الروح ردت فيه بيكي."

ميساء غمضت عينيها وهي حاسة بـ رؤوف بيحوطها ولأول مرة تحس إنها مش محتاجة تدافع عن نفسها.. لأن الأسد بقى هو اللي واقف على بابها...



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close