رواية عاشقة بأرض الاوغاد الفصل الخامس 5 بقلم اسراء الوزير
رواية (عاشقة بأرض الأوغاد)
الفصل الخامس:
وقفت عن مجلسها فور نطق اسمها مع قائمة الخريجين والبهجة تكسو معالم وجهها يتبعها الكثير من التصفيق، تتحرك بانسيابية وردائها الأسود يرفرف خلفها، أمسكت بشهادتها المبرومة والمعقود حولها شريط أحمر ثم صافحت أساتذة الكلية وعادت إلى مجلسها من جديد والسعادة تحلق حولها اليوم، فقد نجحت العاشقة في التماسك واختارت الاجتهاد كي تصل إلى المراد، نجحت في إخفاء السر ومعرفتها بهذا الأمر عن أيٍ كان وجعلت الأمور تسير وفقا للتيار، فلن تستسلم لسلب سعادتها بل ستقوم بكل ما يلزم لتحقيقها، وسعادتها لن تكتمل سوى بوجود خالد كجزءٍ منها، فكان التأخر كل هذا الوقت من جانب سارة حيث رجَّحت تأجيل طلب خالد ليدها إلى حين انتهاء دراستها، وكان ذلك بسبب رؤية أدهم للصواب حيث لابد من إنهاء أخته لدراستها الجامعية أولا قبل خطوة الزواج، وكان ذلك جليا في رفضه القاطع لأيٍ من الأثرياء الذين تقدموا لخطبتها، وبالفعل ساعد هذا في بثِّ الاطمئنان بقلبها فلن تكون لغير خالد، والآن لن يفصلها عن ذلك سوى بضعة أيام أخرى، انتهى الحفل وخرج الطلاب متزاحمين من القاعة ليبدأ الاحتفال عبر أصوات الموسيقى العالية في الهواء الطلق، خرجت كل من سارة وأمال من القاعة لتجدا خالد وشريف ينتظران، اتجهت كل منهما إلى حبيبها لتتلقى أصدق كلمات التهنئة والدعوات بمزيد من التوفيق، أمسك خالد بيد سارة ثم سلط عينيه بخاصتيها وقال والابتسامة الواسعة تزين ثغره:
_ مبروك عليكي يا سارة، أنا فخور بيكي
أخفضت عينيها بخجل بينما تجيبه برقة:
_ الله يبارك فيك يا حبيبي، ده لولا تحفيزك ليا
توالت فقرات الاحتفال بين الزملاء وقد بدؤوا في الاحتفال عن طريق إطلاق الألوان هنا وهناك لتتعالى ضحكاتهم ويزيد المرح، وبينما كانت تهتف سارة بمرح وجدت من يجذبها بطريقة فجائية لتلتفت جانبها فتجده خالد الذي قال مبتسما:
_ تعالي معايا
أجابته بالطاعة دون كلام فقد عرفت مغزى إرادته بالابتعاد قليلا عن هذا الضجيج كي يتنعّم معها بالقليل من الهدوء، توقف للحظات كي يلتقط أنفاسه ثم نظر إليها ليجدها تنظر إليه بوَلَه والفرحة حليفتها اليوم، يعرف جيدا تفسير هذه النظرات التي تبيِّن له كم أن المراد صار قريبا بعد سنوات من الانتظار، تحدّث خالد ببهجة:
_ أظن الوقت المناسب جه ولا إيه رأيك؟
أجابته بإيماءة خفيفة رأسها والخجل يكسو ملامحها حتى باتت لا تستطيع الكلام، فقال خالد بشئ من الجدية:
_ يبقى قولى لأدهم إنى جاي بعد أسبوع، عشان خلاص ماعادش في سبب يخليني أصبر أكتر من كدة، وبيتي مستنيكي يا سارة عشان تبقي ملكة فيه
أجابته سارة متمتمة بخفوت يملؤه البهجة:
_ أنا مستنية أكتر منه
حاوط رقبته بذراعه ثم أشار إلى قرص الشمس الآخذ في التقلّص استعدادا للغروب وأكمل بنبرة حالمة:
_ في يوم الشمس هتقرب من الغروب زي دلوقتي، وهقعد أنا وانتي وولادنا ونتفرج عليها وهي بتمشي
ابتسمت برقة دون إبداء رد ليكمل بِوَلَه:
_ وهنحكيلهم عن قصة حبنا وازاي بدأت ووصلت لإيه، لازم يعرفوا باباهم ومامتهم حبوا بعض ازاي، ونوصيهم يحكوا لاولادهم واولادهم لاولادهم، حكاية الحب دي مش هتخلص
ابتعدت عنه ثم طالعت بنيتيه الواسعتين لتقول بسعادة:
_ عشان حبنا صادق حكايته مش هتنتهي يا حبيبي
وضع يمناه خلف رأسها ثم قربه منه حتى لثَّم جبهتها بقبلة حانية قبل أن يبعدها قليلا ويقول:
_ ربنا يجمعنا فأسرع وقت
أجابته بتضرع:
_ يااارب
_ إنت بتقول إيه يا شريف؟!
هتفت بها أمال بعدما انتفضت عن الكرسي الخشبي واقفة وكأن صدمتها لدغة كهربيَّة بعدما ألقى شريف على مسمعها من كلما ودَّت حرفيا لو كانت كابوسا لا حديث واقعي بينهما بعد انتهاء الحفل بساعتين
التقط شريف شهيقا طويلا زفره على مهل وهو يعلم جيدا كم أن الأمر سيكون صعب عليها تقبُّله من فرط انفعالها وصدمتها، حمحم بخفوت قبل أن يردف بثبات:
_ دي الحقيقة يا أمال، أنا بعتّ لإعارة في السعودية واتقبلت، وفــ أقل من شهر لازم اكون هناك
ضيَّقت عيناها وهي ترمقه بغيظ بعدما قال وأكَّد ولم يكن يهذي كما ظنَّت، حاولت امتلاك زمام أعصابها بينما تقول بتثاقل:
_ و وماخدتش رأيي ليه قبل ما تعمل كدة؟
أجابها مبررا:
_ أولا انا كنت متوقع اني ماتقبلش، وبعدين لقيت إنها هتكون فرصة هايلة نبني فيها حياتنا هناك أحسن من مصر طبعا
أجابته والاحتقان صار مغلفا نبرتها المختنقة:
_ بس انت عارف كويس جدا ان حاجة زي كدة صعبة عليا، وأنا ماقدرش اسيب مصر وأهلي وأسافر
سلَّط عيناه بخاصتيها مسترسلا:
_ عارف يا حبيبتي، وعارف كمان إنك عايزة تكوني جنب أختك وطنط وتتطمني عليهم علطول، بس فكري فــ مستقبلنا واللي ممكن نحققه لو روحنا هناك، وهتتواصلي معاهم وتطمِّني عليهم علطول صدقيني الموضوع مش صعب بلاش تعقديها يا أمال
ابتسمت من جانب فمها بتهكم قبل أن تلقي كلماتها الأخيرة بصوت ثائر:
_ عايزة اروح البيت يا شريف
ثم أكملت وهي تنظر بعينيه بمرارة ترجوه:
_ روَّحني لو سمحت
من السهل مواراة الحزن خلف ابتسامات زائفة، لكن ذلك صعب مع السعادة، حيث يشعر المرء كأنه طائر يحلق بحرية في سماء الفرحة والسرور دون رادع يقيّد حريته، وهو كان حال سارة حين استطاعت أخيرا اقتناص سعادتها رغما عن أنوف الجميع، فما كان سيحدث لو أوقفت المراكب السائرة وأخبرت أخاها بالحقيقة؟ العديد من المشكلات في ظلّ أجواء مشحونة بالغضب والعتاب، نفضت كل ذلك عن رأسها حين فكرت بالتحرر من هذا المنزل هاربة إلى خالد الذي سيصبح لها مستقبلا الملجأ والأمان، ركنت سيارتها بجراج الفيلا ثم ترجَّلت وسارت بتناغم مع موسيقى أجنبية ترددها بلسانها وقد صارت في أتمِّ نشوتها اليوم، تجاوزت الباب الداخلي للفيلا منادية بأعلى صوتها:
_ فاطمة يا فاطمة
أسرعت فاطمة تجيب ندائها قائلة:
_ نعم يا ست سارة
سألتها سارة بشئ من اللهفة:
_ فين أدهم؟
أشارت فاطمة باتجاه غرفة الطعام قائلة:
_ بيتغدوا جوة
تحدثت سارة وهي تتجه إلى هناك مع ابتسامة واسعة:
_ شكرا يا فاطمة
أكملت طريقها حتى وصلت غرفة الطعام فطرقت الباب عدة مرات ثم انتظرت قليلا حتى سمعت صوت أخيها آذنا لها بالدخول، فأسرعت تفتح الباب هاتفة:
_ مساء الفل يا أدهم؟
التفت برأسه إلى صوت أخته عالي النبرة ليقف عن مجلسه ما أن يراها ترتدي هذا الرداء الأسود وقبعته المربعة الشكل والشهادة المبرومة بيمناها، وكذلك انتبهت لها سهى وابتسمت من جانب فمها لسعادة كليهما حيث تقدَّم منها والفخر يلتمع بعينيه حتى صار أمامها مباشرة، حدَّق بها للحظات قبل أن يأخذها بين ذراعيه في عناق أبوي بعد فترة طويلة من التجنُّب والجفاء من جانبها بعد تلك الليلة، حاولت أن لا تبدي ضيقها بعدما تذكرت صوته باعترافه بشكل غير مقصود عبر مكالمة الهاتف السرية، ما أن ترك لها الحرية لتبتعد حتى اغتصبت ابتسامة زائفة بثغرها بينما يقول هو ممسكا بعضديها محفِّزا:
_ برافو عليكي يا حبيبتي؟ مبروك
_ الله يبارك فيك يا أدهم
جذبها من يدها حتى وصلا إلى طاولة الطعام لتقول سهى بينما تلوك الطعام بين أسنانها:
_ مبروك الشهادة يا سارة، عقبال الدكتوراة
أجابتها سارة بينما تجلس في المقعد المقابل مع صوت تحاول جعله طبيعيا:
_ تسلميلي يا سهى
نقل أدهم أحد أطباق الأرز مقربا إياه من مقعد سارة قائلا:
_ تلاقيكي جعانة من الصبح
هزت رأسها إلى الجهتين بينما تقول نافية:
_ لا لا خالص، كلت مع زمايلي قبل ماروَّح
نطق أدهم بنبرة يعلوها الاعتذار:
_ معلش حبيبتي ماقدرتش آجي عشان الشغل زي مانتي عارفة
تبعته سهى بشئ من التبرير:
_ وانا كنت حابة جدا آجي بس قلت تاخدي راحتك مع زمايلك
أردفت سارة بابتسامة:
_ لا عادي ماحصلش حاجة طبعا كأنكم جيتوا
ثم التفتت برأسها إلى أخيها وقد وجدت أنه لا داعي للتأجيل فاستطردت:
_ أدهم كنت عايزة اقولك حاجة
عقد يديه ثم أسند ذقنه عليهما قائلا باهتمام:
_ قولي يا سارة
صمتت للحظات كي ترتب أفكارها قبل أن تبدأ في الكلام بنبرة هادئة يسكنها الخجل تسرد باختصار عن خالد وكيف دخل إلى حياتها قبل ثلاث سنوات وانتظرا معا حتى تلك اللحظة التي تأخذ فيها الإذن بقدومه، ذكرت كيف كان شهما معها حين أنقذها قبلا وكيف له الفضل الأكبر في ترويض شراستها حتى استطاعت تخطِّي حاجز الشك بكل الموجودين، وكيف تستفيد من خبراته بكل مرة تقابله فيها، كيف تتعلم أشياء جديدة عن طريق التجارب الحيَّة دون كتب أو أوراق، فصار معلمها الأول في مدرسة الحياة المُعَقَّدة، فضلا عن اتخاذها له حبيبا تنتظر وبفارغ الصبر أن تنتقل للسكنى بقلبه فتصير به ملكة متوَّجة، تحدثت وأطالت بصدق دون الحاجة إلى إخفاء كلمة، ولم تنتبه إلى الصدمة التي حلَّت على معالم المستمعَين لها، وخاصة أدهم الذي لم يرُقْ له ما تذكر سارة من أمر متعلق بقلبها وما يهواه، بينما ترقبه سهى بعينين حادَّتين وقد احتقنت الدماء بوجهها، في حين اختتمت سارة قولها بانتشاء:
_ وهو دلوقتي مستعد ييجي بعد أسبوع يا أدهم، مستني بس معاد منك
على الرغم من كونه لم يُصدِّرلها أبدا نظراته المقتضبة إلا أنه لم يستطع الامتناع هذه المرة، كل ما استطاع القيام به هو الوقوف مع إصدار صدمة بيديه على الطاولة مما أدى إلى شعور سارة بالخوف، كذلك وقفت سهى التي كانت ترمقه بتأمل حتى قال بنبرة قاتمة:
_ بكرة في حد مهم جاي يا سارة، بعد ما تشوفيه ابقى اقولك رأيي فــ خالد
ألقى هذه الكلمات المُبهمة ثم التفّ بجسده مبتعدا نحو الباب فخرج وخلفه سهى التي لم تبدِ أي رد فعل بل اتخذت موقف المُشاهد من بعيد، تحت نظرات سارة المتعجبة أو الأحرى الجاهلة، لم تستطع تفسير رد أخيها قبل انصرافه، بل كان في اعتقادها أنه سيرحب بمجيئ خالد متحمسا، خاصة وأنه يعلم كيف كان شهما مع أخته حين أنقذها دون الحصول على جنيه واحد لقاء هذه الخدمة الجليلة، أو حين ساعد أخته في الخروج عن قوقعة التوحّد واستطاعت بفضله بعد الله أن تكسب اصدقاء، كما أنه مكافح يحب أن يأكل من عرق جبينه وإن كان سيتزوجها فبالتأكيد من قوت يومه، إذا فلمَ هذا التجهُّم والوجوم الذي علا بوجه أخيها؟
انتابها الشك حول ما يحدث وشعرت أن هناك خطأ ما ولكن لا تستطيع معرفته والوصول إليه، أفاقت من شرودها مع صوت رنة هاتفها فأخرجته من جيبها ثم طالعت الاسم المضيئ بشاشته لتجده أمال، سحبت زر الإجابة وقبل أن تسمع الطرف الآخر قالت دون مقدمات:
_ عايزة اقابلك بكرة ضروري يا أمال....مافيش حاجة ماتقلقيش بس حابة اقولك حاجة....مش هينفع عــ التليفون خليها اما اشوفك أحسن....أوكي هبقى ارن عليكي قبل ماخرج، سلام
ومن أفضل من أمال تستطيع سارة أن تشاركها همومها وما يتسبب بارتباكها؟ ومن أفضل منها تأخذ منه المشورة وفي الغالب تكون أصابت الاختيار؟ ستحدثها بما صار اليوم لتأخذ منها النصيحة فهي لها أكثر من صديقة
أغلقت أمال الهاتف وعلامات الحيرة محفورة على ملامحها حيث تردف أختها التي كانت تراقبها منذ بداية المكالمة متسائلة:
_ مالك يا أمال؟ هي سارة فيها حاجة ولا إيه؟
التفتت إلى أختها والسخرية معتلية شدقها حيث تردف مستنكرة:
_ والله يا إيمان كنت جاية اكلم سارة عشان نتقابل واعرفها المشكلة اللي انا فيها، بس واضح كدة إن هي كمان في مشكلة كبيرة!
جادلتها إيمان بقولها ببساطة:
_ يا بنتي مش مشكلة ولا حاجة، إي يعني انك تسافري مع شريف السعودية وتعيشوا هناك، ده هيبقى مستقبل حلو ليكم ولاولادكم
أجابتها أمال والدماء تحتقن بوجهها:
_ وانا مش عايزة اتغرَّب وابقى بعيدة عن أهلي وناسي في بلد مش هعرف اتكيف معاها بسهولة، الموضوع صعب جدا يا إيمان وشريف هو اللي صعَّبه
نطقت إيمان متعجبة:
_ بيتكلموا باللغة العربية علفكرة، يبقى ازاي صعب تتكيِّفي؟!
وقفت أمال عن مكانها وهي تهتف بتبرم:
_ مش هتفهموني أبدا
ثم انصرفت مغادرة الغرفة تحت أنظار إيمان الحزينة لأجل أختها، فهي تعلم بالطبع كيف أنها لن تحتمل الابتعاد وتركها وامها وحيدتَين، ولكن هذا بالفعل مستقبلها ولابد من الالتفات إليه، خاصة وأن زوجها المستقبلي هو شريف الذي يطمح دوما إلى الأفضل ويحبها كما يحب نفسه بل أكثر
مر اليوم بسلام دون أحداث جديدة سوى إضفاء بعض النقرات الحائرة في أذهان الأبطال، كل في تساؤله منتظرا الغد ليحصل على إجابته، فيوجد أدهم الذي ألجمه الذهول عن إبداء كلمة أو النطق بحكم بعدما زفَّت إليه سارة خبرا جديدا لم يكن على دراية به، فقد كان إهماله لمتابعة أخبارها عظيم الأثر لتأتيه بطلب مصيري بدا من صوتها الإصرار على تنفيذه، وكذلك سهى التي اكتفت بإلقاء بعض الكلمات السامَّة بأذن زوجها منتظرة أثر ذلك في تصرفه بالغد، أما شريف فقد كان بموقف لا يحسد عليه حيث قام بما يخالف رغبة حبيبته وفوق احتمالها، ولكن لم يكن ليضيع فرصة كهذه من بين يديه، وفي نفس الوقت يحب أمال ولا يستطيع تركها ويتمنى فقط تفهّمها لذلك، أما أمال فقد كانت تنظر للفراغ ساهمة بعدما دبَّ القلق بصدرها من مجرد التفكير بفراقها عن والدتها وأختها وتركهما تحت حماية أعمامها الذين يشحّون في السؤال عنهم وقد التهى كل منهم بشؤونه الخاصة، كان خالد مستلقيا على السرير بينما يسترجع ذكرياته بين الصور المختلفة التي تجمعه مع سارة منذ اعترافه بحبه لها، ويتلمس بأنامله كل الهدايا التي وصلته منها طيلة فترة ارتباطهما، فَنَثْر الصور والهدايا وجوائز الحفلات التي حضراها معا يشكل له فرحة من نوع خاص، وعلى قدر سعادته من التواجد مع هذه الذكريات الجميلة يشعر أيضا بذبذبات القلق ترفرف حوله من الغد المجهول خاصة وأن سارة لم تتصل به حتى الآن، أما سارة فقد كانت تعد الدقائق التي صارت كالشهور في مرورها، منتظرة قرار أخيها على أحر من الجمر، فردة فعله أمس لم تكن مُطمئنة، مما أثار الرعب بعقلها من حدوث ما يمنع حلمها وهو أن تنضم لحبيبها في مملكته الصغيرة
انتهت من هندمة ملابسها ثم التقطت حقيبتها الصغيرة التي كانت تحوي هاتفها ومفاتيح سيارتها بالإضافة إلى بطاقتها الائتمانية، أسندتها على كتفها ثم سارت باتجاه باب الغرفة، أخذت تعبر الدرج بخطوات متسارعة حتى تقدَّمت من غرفة الصالون حيث أرادت رؤية الضيف الذي تكلم عنه أدهم أمس، قبل أن تدق الباب لاح إلى مسمعها صوت أخيها قائلا:
_ أنا بشترى راجل وبعيدا عن الماديات يشرفني تكون جوز اختى يا حضرة الظابط
بالتأكيد ما قيل توا مجرد خيال، أو حلم مزعج لابد أن تفيق منه سريعا، هذا ما تمنته الآن، ولكن لسوء الحظ هي ليست بكابوس أو وهم بل إنها بأرض الواقع تقف وسمعت ما يدفعها إلى الجنون، ياليتها فقدت سمعها في هذه اللحظة قبل أن تُصيبها هذه الصاعقة المُمِيتة، ازدردت ريقها بصعوبة وقد شعرت بغصة قوية علقت بحلقها، تصاعدت الدماء إلى وجهها حتى صارت في أعلى درجات الانفعال فاقتحمت الغرفة دون أخذ الإذن لتجد أخاها وزوجته وشاب غريب بحلة سوداء (أيقنت أنه عريس الغفلة) رمقها ثلاثتهم بدهشة بينما التفتت هي إلى أخيها صارخة:
_ أختك مين بالظبط؟
ظل المقدم يرمقها والامتعاض مرتسم على معالمه أما سهى فقد مطَّت شفتيها بحرج من فعلة سارة المتهورة، والتي كان رد أدهم عليها ان وقف ثم أجابها ببرود:
_ أقدملك يا سارة، الملازم أحمد عبدالسلام، خطيبك قريب
وهذه الكلمة كانت كفيلة بإفقاد سارة زمام التحكم بأعصابها لتصيح بالضابط المسكين بعصبية:
_ آسفين جدا، طلب حضرتك مرفوض، وياريت تطلع برة
وكما لكل فعل رد فعل، فقد قبض أدهم على ساعد أخته بقوة آلمتها لتلتفت إليه بذهول بينما يهتف بغلظة:
_ إطلعي فوق حالا
ألقت عليه نظرة أخيرة يغلفها الازدراء من تعنيفه لها بهذه الطريقة أمام الغريب لمجرد أن أبدت اعتراضا لما يخصّها، فخرجت من الغرفة وعادت أدراجها وهي تضرب الأرض بأقدامها بينما تنفث أنفاسا حارة من شدة الغضب، دفعت الباب بقوة جعلته يصدر صوتا قويا بعد ارتطامه بالحائط، جلست على السرير وأسندت يديها على ركبتيها بينما تحاول إعادة تنظيم أنفاسها من جديد وقد شعرت بالاختناق لمجرد التفكير بما حدث بالأسفل، فقد صار ما استبعدت حدوثه وهو أن يقبل أخوها بتزويجها دون وضع رأيها بعين الاعتبار، التفتت إلى الكومود المجانب للسرير فجذبت مقبض الدرج لتخرج منه صورة فوتوغرافية تجمعها مع خالد منذ آخر احتفال بعيد الحب، تم التقاطها حين كان يلبسها الخاتم الذهبي بعدما طلب يدها للزواج ووافقت أمام كل الموجودين، وكانت لحظة شجاعة وتميُّز جعلتها بحق ملكة بين الباقيات، رمقت الصورة بعينين دامعتين بينما تمسد بأناملها على وجه خالد قبل أن تردف بصوتٍ باكٍ:
_ لأ مستحيل أكون لحد غيرك، مستحيـل
_ لا ممكن
شهقت مع سماع صوت أدهم يردف بهذه الجملة وهو يغلق باب الغرفة بعدما اقتحمها كما فعلت هي بالضبط، التفتت إليه والثأر مغلف معالمها وما أن همَّت لتعبر عما تشعر به من غضب بادر هو يقول بصرامة لم تعهدها قبلا:
_ إسمعى يا سارة، مش هيتنفذ إلا اللى فى دماغي، مش هتتجوزي غير الظابط، وتنسي الواد اللي فــ دماغك ده خااااالص
للصبر حدود وما يحدث اليوم من مفاجآت صاعقة كان كفيلا لاستنفاذ طاقتها في التحمّل كاملة، فلم تهتم لما يحدث اليوم أو غدا بل صارت كالقنبلة التي اشتعل فتيلها، فانفجرت بأخيها صارخة:
_ عرفت انك تاجر مخدرات و سكتّ، مراتك بتكرهنى و بتقرفني فــ عيشتي و سكتّ، كمان دلوقتي جاي تتحكم في حياتي؟! أهو ده اللي مش هسمح انه يحصل
لوى أدهم فمه بسخرية قبل ان يقول متهكما:
_ طب كويس أوي انك وفرتي عليا وعرفتي من نفسك إني تاجر مخدرات
أجابته سارة والاستحقار يسكن عينيها كما نبرتها:
_ عشان كدة دايما بتحط كاميرات مراقبة في كل حتة فــ البيت وحتى فــ الحاجات اللي بتلبسها! عشان شغلك مش مظبوط ومحتاج تخوِّن كل اللي حواليك! بس عرفتني أنا ليه موضوع الكاميرات؟
أجابها أدهم بتلقائية:
_ أيوة شغلي مش مظبوط ومحتاج أخوِّن كل اللي في البيت حتى مراتي، وعرفتك موضوع الكاميرات عشان تثقي فيا وفــ كل حاجة بعملها بفلوسك
بدأت دموعها في الانسياب بينما تقول والألم يتخلل نبرتها:
_ تاجرت بفلوسي في الحرام!
_ أيوة بحكم اني الوصي عليكي، وزي ما بتحكم في فلوسك هتحكم في جوازك ومش هتتجوزي غير أحمد
صاحت بجزع:
_ إشمعنا هو؟
تحدث بنبرة جليدية:
_ عشان هو الوحيد اللى يقدر يحمى البضايع من التفتيش
الصواعق تنزل على رأسها الواحدة تلو الأخرى، فلم يظهر اليوم معدن أدهم الأصلي فحسب، بل ظهرت نواياه الخبيثة التي كان يكنِّها بتزويج أخته من ضابط باع ضميره بثمن بخس في صورة رشوة! جحظت عيناها وشهقت بأعلى صوتها متبعة ذلك باستهجان:
_ كمان مرتشي؟ حرام عليك يا أدهم اللى عايز تعمله فيا ده
نطق بنبرة جافة:
_ ولو أهم شىء انه معاه فلوس
أجابته بنبرة ساخرة تتخللها الحسرة:
_ من الرشوة؟!
لم يجبها وإنما التقط الصورة التي كانت تمسك بها بالقوة قائلا:
_ عموما الشبكة بعد أسبوعين
شعرت بغليان الدماء في عروقها من شدة الحنق والانفعال بسبب إصرار أخيها على التنفيذ رغما عن إرادتها وهي صاحبة الشأن التي من المفترض أن تكون الآمرة الناهية هنا، فهدرت باحتقان:
_ بتحلم أنا مش هتجوز غير خالد
زمجر مهددا:
_ ما تختبريش صبري يا سارة إنتي لحد دلوقتي ماشفتيش الوش التاني
ألقت الصورة الفوتوغرافية من يدها لتقع أرضا ثم أسرعت إلى طبق الفاكهة المستند على الطاولة عند الحائط فالتقطت السكين الموضوع أعلاه ثم رفعته إلى رقبتها وهتفت بتهديد مماثل:
_ إنت ماتقدرش تحكم عليا وإلا هتلاقي جثة مش هتعرف تزفَّها للفرح
امتعضت ملامحه من لفظها الأخير وهو يعرف تمام المعرفة أنها لا تطلق مجرد تهديدات زائفة، بل إنها تملك من الجرأة ما يدفعها إلى أن تقطع نحرها في الحال إن لم يحدث ما أرادت، وهو ما يرجع أصله إلى تدليل والده لها حتى صارت عنيدة ذات رأس متحجِّر يصعب تهشيمه، تستطيع القيام بما تشاء دون رادع وهو ما جعل أدهم يعاملها دوما بود لئلا تحتجَّ ولكن كفى، لابد من إيجاد نقطة ضعف، انتقل بصره إلى الصورة الواقعة أرضا لينحني ثم يحضرها ليرقب ملامح خالد عن كثب قبل أن يبتسم من زاوية فمه ثم يعود ويلتفت إليها قائلا بنبرة واثقة:
_ عارف ان حياتك رخيصة بالنسبة لك وممكن تموتي نفسك دلوقتي حالا
أصابها القلق من نبرته الواثقة وبسمته الساخرة ليكمل وهو يعود بنظره إلى الصورة بتهكم:
_ بس أظن ان حياة اللي اسمه خالد ده مهمة عندك ولا إيه؟!
اتسعت حدقتاها فزعا بينما تهتف بخوف:
_ قصدك ايه؟
أجابها بالفعل أولا حيث أخرج الولاعة من جيبه ثم ضغط زر تشغيلها وأضرم النار بالصورة التي في يده لتشهق سارة وقد تملّك الهلع من أعصابها لينفلت السكين من يدها بينما يلقي أدهم الصورة من بين يديه وقد تحولت في لحظة وقوعها إلى رماد تحت أنظار سارة المشدوهة، عاد ينظر إلى أخته قائلا بصرامة:
_ يا كلامى يتنفذ وتتجوزي أحمد وتبقي فــ بيته معززة مكرمة، يا إما والله هيحصل فــ خالد زى اللي حصل في الصورة دي ده إن ماكانش ألعن
تقدمت بضع خطوات من اخيها بينما ترمق رماد الصورة المحترقة ثم عادت تحدق به راجية:
_ ما تفتريش ياخويا، وسيبني أعيش حياتي زي مانا عايزة، أرجوك
لم يرقَّ قلبه ولو للحظات مع صوتها المتألم وعبراتها الحارة وإنما أكمل في قسوته آمرا:
_ إوعي تقابلي الولد ده تاني وما تحاوليش تهدديني بالسكينة، وإلا ابقي سلمي عليه في القبر
ألقى كلماته التي تحمل في طياتها تهديدا سهل التنفيذ ثم غادر الغرفة تاركا إياها غارقة في بحار أحزانها، جثت على ركبتيها ثم أخذت تحدق برماد الصورة المحترقة والقهر يكبِّل أنفاسها المتقطعة حيث وجدت نفسها في برزخ بين نارين، إحداهما تكمن في الطاعة والاحتراق بلوعة الفراق، والأخرى في العناد والعذاب بألم الفراق أيضا؛ حيث سيقتله أخوها المجنون لا محالة، ماذا تفعل وأيّ درب تختار؟!
أمسكت بهاتفها ثم ضغطت على شاشته عدة مرات قبل أن تضع مقدمته على أذنها وتنتظر عدة لحظات ثم تزفر بضيق وقد أتاها الرد بكون هذا الهاتف مغلق أو غير متاح للمرة التي لا تستطيع إحصائها، ألقت الهاتف جانبا ثم فتحت أحد الكتب كي تطالعها بعينيها بينما انتباهها في مكان آخر، حيث شردت مع ما قرر شريف بشكل سريع دون التريّث أو أخذ رأيها حتى! بل قام باقتناء الفرصة دون الرجوع إلى مشورتها والتفكير معا علّه يجد الأفضل دون اللجوء إلى الغربة والفراق عن البلد الحبيب بما فيه من أهله الطيبين، طال شرودها وتشابكت حبال أفكارها إلى الحد الذي جعلها لم تشعر بدخول والدتها بالغرفة، سلطت بصرها على صغيرتها لتجدها تمسك بالكتاب بين يديها بينما عقلها بعالم آخر، مطّت شفتيها والهمّ يكسو معالمها وهي ترى ابنتها في صراع بين أكثر من خيار، فمن جهة يوجد خطيبها الذي تحبه وتتمنى أن تصبح من نصيبه، ومن جهة أخرى تخشى الذهاب وترك والدتها وأختها دون رعاية مناسبة، تعلم جيدا كم أن ابنتها بارة ولن تنساهما ولكن البعد كل تلك الأميال سيجعل الأمر أكثر صعوبة بالنسبة لها، أطلقت تنهيدة خافتة ثم تقدَّمت من ابنتها حتى أسندت كفيها الحانيين على كتفي أمال لتجفل الأخيرة وتنظر إلى أمها فتقول بسرعة:
_ هه في حاجة يا ماما؟
جلست على طرف السرير قبالتها ثم أجابت تساؤلها بسؤال:
_ ساردة ردت عليكي حبيبتي؟
زمَّت أمال شفتيها والقلق صار باديا بقسماتها وصوتها وهي تقول:
_ لا يا ماما، لا رنت عليا قبل ما تخرج، ولا فاتحة تليفونها حتى! وواضح كدة فـي مشكلة
تحدثت والدتها بنبرة حانية:
_ لا يا حبيبتي ماتقوليش كدة، تلاقيها بس مشغولة
أجابتها أمال بعدم اطمئنان:
_ ممكن
عمَّ الصمت للحظات فاستغلت والدتها ذلك متسائلة:
_ مش هتقوليلي بقى كنتي بتفكري فــ إيه قبل مادخل؟
هزَّت أمال رأسها نافية بينما تقول بسرعة:
_ لا يا ماما مافيش حاجة
ابتسمت والدتها بهدوء وهي تعلم جيدا طبع ابنتها بل وتحفظه عن ظهر قلب، فهي الصامدة التي تأبى مشاركة أحد أحزانها لئلا تُزيد على كاهله من أثقالها، وهي صفة ورثتها عن والدها العزيز، ولكن ليس هذه المرة، فلابد من مشاطرة همومها وأخذ المشورة قبل التهور واتخاذ قرار خاطئ، فضَّلت الدخول بصلب الموضوع بنبرة جدية:
_ عارفة كويس أد إي شريف زعلك لما قدم على إعارة للسعودية، وعارفة كمان إنك رافضة تردي عليه من وقتها
تجهمت معالم أمال سريعا فور ذكر والدتها للأمر فتحدثت بنبرة تشوبها الغلظة:
_ أيوة وأنا لمّحْتِلُه إني هسيبه، ياريت يكون فهم وييجي ياخد حاجته بقى
أجابت حديثها العنيد بذات الجدية:
_ وإي رأيك بقى انه كلمني وقالي انه فهم تلميحك وانك عايزة تسيبيه، لكن لسة متمسك بيكي واترجاني أكلمك عشان توافقي؟
وقفت أمال عن السرير هاتفة بنزق:
_ أوافق على إيه يا ماما؟ ده عايزني أروح السعودية واسيبك انتي وإيمان لوحدكم ومافيش حد بيسأل عنكم من يوم ما بابا مات ووزعوا اللي فيه النصيب من أملاكه، إزاي أوافق على كدة؟ إنتي عايزة بابا يزعل مني فــ تربته؟
انتاب والدتها شئ من الحزن متمتمة:
_ الله يرحمه
ثم عادت تنظر إلى ابنتها قائلة:
_ بس مش هتلاقي حد يحبك زيه يا أمال، ومش معنى انك هتروحي بلد تانية يبقى هتقطعي أخبارنا خالص، هنتكلم علطول وهتطمني علينا، ماتخافيش
عادت أمال إلى الجلوس بينما يحلل عقلها كل كلمة أردفت بها والدتها لتتبين صوابها، تنهدت بتعب ثم قالت من بين حيرتها بحزن:
_ أنا مش عارفة أقرر يا ماما
اقتربت منها والدتها ثم احتضنتها قائلة بحنو:
_ ركزي كويس فــ قرارك يا حبيبتي واللي هتقوليه هيتنفذ، وماتخافيش خالص علينا
كل شئ متاح في الحب والحرب، مثل قديم تردد صداه منذ سنين، فماذا يحدث إن كان المرء يختبر "حرب الحب"؟ لفظ غريب واجتماع الكلمتين نادر بل من المستحيل، فكيف من رحم الحب يولد الحرب؟ كيف من لفظ يسود بسببه السلام أن يتسبب في اندلاع حرب؟ ولكن خرجت سارة الألفي عن هذه القاعدة، فقد كان حبها لخالد هو السبب بخلق هذا الصدع في حياتها، فهي الآن في صراع حاد بين العقل والقلب، من جهة يأمر الأول باتخاذ أقل الضررين، والثاني يصر على الاجتماع مع المعشوق دون أن يأبه للعواقب الوخيمة، فأيهما ينتصر وما هي الخسائر المحتملة بعد هذا القتال بينهما؟
_ الو ازيك يا خالد؟
أردفت بها سارة بعدما أتتها إجابة الاتصال من جانب خالد الذي أردف يقول بنبرة عاشقة:
_ الحمد لله يا حبيبتي، إي الأخبار عندك؟
امتقعت ملامحها بمجرد ذكره لهذا السؤال الذي تفهم جيدا ماهيته، فبالطبع يتساءل عن رد أخيها بشأن زواجهما كما وعدته بأنها ستطلب منه الميعاد، لمَّا طال صمتها تحدث خالد متسائلا:
_ سارة إنتي معايا؟!
سرعان ما خرجت عن شرودها وهي تقول بِتَيْه:
_ هه آآ أيوة معاك يا خالد، الأخبار كويسة ولازم اقابلك عشان اقولهالك بنفسي
على قدر الراحة التي بدت في صوت تنهيدته الطويلة والسعادة التي ملأت قسمات وجهه كانت تشعر سارة بالمزيد من التمزق تفجعا على عزيزها الذي لا تعلم كيف تخبره بما تمر به بسبب هذا الوغد المسمى بأخيها، نطق خالد بسعادة:
_ تمام قابليني بكرة قدام مبنى كلية الحقوق، هجيلك بعد الشغل عشان تعرفيني بقى
أجابته بصوت تحاول جعله طبيعيا:
_ حاضر يا حبيبي، سلام
_ سلام
لفظها ثم أغلق الهاتف وقد شعر بالفرحة تسكن قلبه وقد اقترب المراد وستكون حبيبته له رسميا بعد فترة وجيزة والمطلوب منه الصبر، فلينتظر للغد حتى يقابلها ويأخذ التصريح للحديث مع أخيها كما كان الاتفاق منذ أعوام
لا يعلم كيف كان يعد الدقائق حتى الصباح وما عاد يطيق الانتظار، توجَّه إلى الجامعة حيث كان يؤدي عمله وينظر إلى الساعة كل دقيقة منتظرا انقضاء الوقت، خرج من مبنى الكلية ثم جلس على أحد المقاعد لينتظر سارة والتي لم تصل بعد، أخذ يرقب الطريق أمامه يمينا ويسارا حتى تثبَّت بصره باتجاه واحد لمّا وجد سارة تأتي من بعيد، لاح شبح ابتسامة على ثغره بينما يحدق بها وهي تقترب ولكن سرعان ما تلاشت ابتسامته وحلّ الاستفهام حيث وجدها تجرّ خلفها حقيبة كبيرة الحجم، تساءل عن سبب إحضارها لهذه الحقيبة التي يبدو أنها للسفر، ما أن اقتربت منه حتى قالت بهدوء:
_ إزيك يا خالد؟
عادت الابتسامة إلى شدقه بينما يقول:
_ الحمد لله يا قلبي
ثم انتقل بصره إلى الحقيبة متسائلا:
_ إي الشنطة دي؟
أجابته والجفاء يتخلَّل نبرتها:
_ دي كل الهدايا اللي جبتها لي من ساعة ما ارتبطنا
قطب حاجبيه باستفهام بينما يقول:
_ وانتى جايباها ليه؟ خليها دى هتبقى ذكريات جميلة بعد ما نتجوز
وهنا استجمعت شجاعتها حين زيَّنت السخرية ملامح وجهها وتقول مستنكرة:
_ نــ إيه؟ انت بتهزر يا خالد؟ انت فاكر إن احنا ممكن نتجوز؟
ضيَّق حدقتيه بتعجب فقال بنبرة تعلوها الريبة:
_ مش المفروض ان احنا بنحب بعض؟
رفعت منكبيها إلى الأعلى بينما تجيبه ببرود:
_ ده بالنسبة لك إنت يا خالد، إنما انا مش بحبك أصلا
بالتأكيد هي تمزح أو صار شئ جعل عقلها مُغيَّبا، فهذه ليست سارة ولا هذه طريقتها، كما أنها من المستحيل أن تنطق هذا الكلام، هو يعلم جيدا أنها تعشقه حد الثمالة ولكن ماذا حدث اليوم؟ أيعقل أنها تمازحه فقط؟ حاول التحكم بإنفعاله بينما يقول مداعبا والقلق يتخلل نبرته:
_ سارة أكيد ده مقلب، صح؟
أجابته بنبرة جليدية متهكمة:
_ يا خالد والله ما بهزر، أنا فعلا مابحبكش، أعمل إيه عشان اثبت لك ده؟
كوَّر قبضة بيده حتى ابيضَّت مفاصله وقد شعر بتصاعد الدماء إلى وجهه فنطق بحدة:
_ ولما هو كدة، قبلتي ليه الخاتم ووافقتي على سؤالي فى الحفلة يومها؟ ولا قبلتي ليه بحبي من تلات سنين؟
أجابته بشئ من اللامبالاة غير آبهة بهذا الذي يكاد ينفجر من الغضب:
_ أصل كل اصحابى كانوا مرتبطين وماكانش ينفع مابقاش زيهم انت عارف بقى شهرتي في الكلية وكدة!
سرعان ما انقلبت عيناه إلى كرتين بركانيتين تكادان تحرقانها لولا محافظته على ثباته أمام المارِّين فتحدث من بين أسنانه بغيظ واستهجان:
_ على أساس انك كنتي مشهورة بقى ومش عدوانية ولا انا ساعدتك عشان تتغيري واني أستاذك وكدة!
ضحكت بأعلى صوتها مما زاد من استفزازه حتى قالت بمزاح:
_ كل ده كان هبل، وحقيقي انا اتفاجئت انك صدقتني وصعبت عليك وبعد كدة حبيتني! الصراحة عرفت إني ممثلة شطورة أول ما لقيتك صدقتني وصدقت حبي كمان!
ثم ألقت سوطها الأخير الذي كان بمثابة الضربة القاضية مع قولها باستهزاء:
_ كان ممكن اقبل اتجوزك بس لو كنت في ظروف أحسن من كدة، أصل انت فقير يا أستاذ خالد وما تقدرش أبدا تسعدني، دانت مرتبك ده كله على بعض ما يجيبش..........
قطعت جملتها إثر صفعة مدوية سقطت على وجهها من يمين خالد الذي لم يستطع التحكم بأعصابه أكثر من ذلك، وضعت يدها على وجنتها المتألمة والتي ارتسمت عليها علامات أنامل خالد، انقلبت نظراتها إلى الخوف والفزع خاصة بعدما هدر بها بعنف:
_ ما يجيبش إيــــه؟!
رفَّت بعينيها بسرعة وقد تملك الألم من صدرها بينما ترقبه وهو يقترب منها هاتفا بغضب وسخط لم تألفهما قبلا:
_ غلطان اني صدقت انك مش زي بقية الأغنيا، لكن للأسف طلعتوا كلكم زي بعض ماختلفتوش كتير
ثم أشار إليها بسبابته مكملا وهو يرمقها بازدراء:
_ أسوأ شىء فى حياتى انى اتعرفت عليكى وحبيتك و على اد ما حبيتك السنين اللى فاتوا على اد مانا كرهتك فــ لحظة ونفسي اعرفك عقاب اللي عملتيه معايا دلوقتي، أحسن لك تغوري من وشي قبل مارتكب جنااية
صرخ بالأخيرة حتى شعرت بتزلزل أطرافها ففضلت الصمت والانصراف هاربة من نظراته النارية التي تكاد تحرقها، ولم يكن ذلك لخوفها من بطشه بل إنه لو قتلها الآن لكن خير مصير لها أن تموت بين يديه، ولكن ما يؤلمها هو غضبه منها وصدمته الكبيرة بسببها، إنه لا يستحق هذا العذاب ولكن حياته الأهم بالنسبة لها، فقد صار بالفعل نقطة ضعفها، ولا بأس من كراهيته لها طالما سيكون بأمان
