اخر الروايات

رواية حين تكذب الملائكة الفصل الخامس 5 بقلم الكاتبة كوين اسمهان

رواية حين تكذب الملائكة الفصل الخامس 5 بقلم الكاتبة كوين اسمهان


                                              
مرّ أسبوعان، و الهدوء الذي جاءت به ليـسا كولنز إلى شركة غرانت العظمى... بدأ يُربك النظام، دون أن يُدرك أحد كيف يحدث ذلك!

+


لم تكن صاخبة، و لا ملفتة للنظر بتأنقها أو ضحكاتها، و مع ذلك، بدأ الرجال في المكتب يميلون ناحيتها بشكلٍ شبه فطري، ها هم يمدحون تفانيها و صبرها في التعامل مع دقة الرئيس و أوامره المرهقة، أو يبادرون بالأحاديث الحانبية معها، أو يعرضون المساعدة في مهامها!

6


حتى جوش، موظف التسويق المعروف بتهكمه، بات يحمل إليها الشاي و القهوة بين حين و آخر، و يترك ملاحظات لامعة على مكتبها مثل:

+


«حضوركِ أفضل من القهوة الصباحية!».

15


أما ليسا نفسها، فكانت تكتفي بابتسامة حيادية، ثم ترد بلطف مهني مدروس لا ترافقه أي إبتسامة، و تمضي في عملها دون أن تسمح لأحد بالاقتراب أكثر من ذلك.

+


و من جهته، كان راينر يُلاحظ كل ذلك... ويشتعل بصمت، ليس لأنها لا تزال غاضبة منه و تتجاهله عن عمد، بل لأنها بدأت تحتل مكانة ٱخرى أوسع من نطاق مكانة السكرتيرة في تفكيره!

6


و لم يكن يفهم ما الذي يزعجه أكثر: هل اهتمام الرجال بها؟ أم قدرتها على أن تبدو بمنأى عن كل شيء؟ أم كونها محصنة ضد رغبته في الحديث معها؟ فكلما إنفرد بها و أراد فتح موضوع جدالهما في قاعة الإجتماعات كانت ليسا تتحجج بأي شيء للإبتعاد و التقوقع!

+


مرّ صباح الاثنين وهو يتابع من مكتبه الزجاجي كيف اقترب ديفيد مدير الحسابات منها مبتسمًا، وهو يحمل مجلدًا، انحنى مصافحًا إياها بينما تغلق باب سيارتها، عرض عليها حمل الحقيبة، لكن يبدو أنها أجابت بالرفض، فقد تشبثت بها أكثر، و شقت طريقها نحو المدخل، و رغم ذلك عينا ديفيد لم تنحرفا عنها طوال تلك المسافة!

3


اخترق المشهد صدر راينر، و تقهقر عن الزجاج يفكر في إثارة الفوضى في مكتبه، لكنه لم يتمكن من ذلك، فليسا دلفت إلى جزئها الخاص من الغرفة، و كالعادة لم تلق أدنى نظرة باتجاهه. فتحت حاسوبها تجري عليه مراجعة سريعة، ثم تناولت دفتر الإختزال و خطت نحو الباب الزجاجي الفاصل بينهما ملقية عليه تحية صباح باهتة مقتضبة.

+


و هكذا وجد نفسه يملي عليها ملاحظاته بغير تركيز، أخطأ و تلعثم عدة مرات، و اضطرت ليسا لتمزيق عدد كبير من أوراق دفترها لتدون إختزالاً متوازنًا و واضحًا، لكنه بعد قليل ضجر من كل ذلك، و صرفها إلى مكتبها قائلاً أنه يحتاج لفاصل قصير من الراحة!

2


ظنت أنه غادر الطابق، و فكرت في إحتساء مشروب منعش في ذلك اليوم الحار، و لم تتوقع أن تجد راينر هناك، يذرع المطبخ الصغير بعصبية، توقفت عند المدخل ناظرة إلى الأرضية المتسخة، يبدو أن كان شارد الذهن و هو يصنع لنفسه قهوة، و لسوء حظه أسقط الكوب و دلق محتواه!

+


أرادت التراجع قبل أن يلمحها، لكن صوتًا قادمًا من أعماقها أمرها بالدخول و ترتيب تلك الفوضى، ليس فوضى الأرضية فقط، بل فوضاه العميقة أيضا! تقدمت خطوة مجلية حنجرتها، و تمتمت بجدية باردة:

+



"لا بأس سيد غرانت، هذا يحدث مع الجميع، إنتظر في المكتب، و سآتيك بكوب آخر!".

+


كانت تحدثه برتابة آلة لا حياة فيها، و دون نظرة واحدة، وضعت كوبًا فارغًا في آلة الإسبريسو مضيفة:

+


"كم أضع من السكر؟! هل تريدها مع كريمة الحليب أم أنكَ تريد قهوة التفكير العميق السوداء؟!".

+


تعجب لأنها تعرف كل أنواع القهوة التي يحبها، و علق:

+


"تحفظين كل هذه التفاصيل إذن؟!".

+


أدركت أنها زلة لسان لا تغتفر، و سريعًا أردفت مغيرة إتجاه أفكاره:

+


"أ نسيتَ أن هذا يندرج ضمن مهام السكرتيرة؟!".

+


لاحظت أن القهوة باتت جاهزة، و إفترضت أنه سيفضل القهوة السوداء المُرَّة لسبب ما بدا عليه من غضب و قلق هذا الصباح، لذا لم تضف للكوب سوى صحن صغير يؤمنه من السقوط ثانية. تقبل راينر منها القهوة بسرعة، لكن ليس ليتناولها، بل ليضعها جانبًا، قبل أن يسحب سكرتيرته من خصرها، و يحتضنها واضعًا فمه على شفتيها الشاحبتين، موقعًا هناك قبلة طفيفة جعلت رأسها يدور، و ساقاها تعجزان عن حملها، فإتكأت على صدره للحظات لاهثة!

139


كانت ممزقة بين رقة قبلته التي حملت لمسة الإعتذار، و بين إطمئنانها لأنها لم تتسم بالعمق الكافي كي يفضح راينر الجلد الإصطناعي الذي تضعه كل إنش من وجهها، ثم هاجمت قلبها مخاوف أكبر حين تفاجأت به ينزع عنها نظاراتها السميكة، و يغرق في تأمل عينيها هامسًا:

7


"قولي أنكِ لم تبكِ بسبب الترَّهات التي قُلتها ذلك اليوم!".

34


تجمدت إثر الحيرة و الرعب، لقد ذرفت الدموع بالفعل و هي تعود إلى منزلها بعد تلك الإهانة، لكنها أجابت كاذبة و هي ترمش عدة مرات:

+


"لم أتأثر إلى ذلك الحد سيد غرانت، سبق و أخبرتكَ أنني لستُ شخصية درامية! أنا هنا فقط للعمل!".

6


أرادت فقط الإبتعاد عن حضنه الساحر، أرادت حماية كذبتها بأي شكل، لذلك كانت تقول أي شيء يخطر لها ليفلتها! لا تريده بذلك القرب الخطير، لا تريد رئيسا آخر ينشب فيها مخالب رغباته، فيضيف على ندوبها القديمة ندوبا أحدث و أكثر عمقًا!

3


إنسلَّت من بين ذراعيه متناولة نظاراتها، و إنحسرت كموج رمادي إختار جزرًا أبديا دون مد متجدد نحو رمال كاوية لذعته بقسوة! راقبها خائبًا تخطو صوب مكتبها، و وجد آنذاك سببًا قويا ليتجرع القهوة السوداء دفعة واحدة، دون أن يعبأ بإحتراق حلقه، أو تأذي معدته! كان هناك شيء آخر يحترق و يتأذى داخله، شيءٌ لم يعد ينبض بسلام كما سبق!


8


𓇼

+


في وقت لاحق من اليوم، دخلت فيكتوريا مكتب راينر دون استئذان، كما اعتادت أن تفعل مؤخرًا. وجدت الرئيس و سكرتيرته يدرسان معا جملة الإصلاحات التي ستطرأ على الأرض قبل إستثمارها في المشروع! نظرت إلى ثياب ليسا الرمادية البسيطة، نظاراتها العريضة، و شعرها الذهبي المسدل بعشوائية فوضوية حول كتفيها! ثم ابتسمت بسخرية، و علقت:

2



        
          

                
"أ تعرفين آنسة كولنز؟ كنت أفكر... من الجميل أن تكوني متفانية في التركيز على عملك؛ لأنكِ... ببساطة، لا تملكين مقومات تُلفت أحدًا".

7


رفعت ليـسا نظرها بهدوء، في حين تابعت فيكتوريا، و صوتها يتهادى برقة مزيفة كالسُّم المعسول:

+


"هذه النظارات القبيحة، و مجموعة الثياب التي تبدو و كأنكِ استعرتها من راهبة عابرة... لن تشجع أي موظف على تناول قهوة حتى معكِ، أعتقد أن الرجال هنا يستلطفونكِ من باب الشفقة، لا الإعجاب، لذا أنصحكِ بألا تتوهمي شيئًا في المستقبل!".

12


صمتت ليـسا للحظة، و في الوقت الذي إشتعلت عينا راينر رفضًا لما يسمعه من إهانات حاسدة، أغلقت ليسا دفترها بهدوء و علقت ببرود لم تعرف هي نفسها من أين إستحضرته:

+


"أنا هنا لأعمل يا آنسة هادلي، و لا أسعى للفت نظر أي رجل مهما كان مركزه، أترك هذه الأمور للنساء... المتفرغات أكثر!".

13


نظرت باتجاه رئيسها المتجهم تطلب إذن الرحيل لأن الدوام إنتهى، و حين أومأ سامحًا لها بذلك، أمسكت دفترها، و خرجت من المكتب دون كلمة أخرى!

+


قبل أن تتحرك فيكتوريا قيد خطوة، هب راينر من مقعده، و قبض على معصمها بقسوة، مزمجرًا في وجهها في غضب ملعون:

+


"إسمعي فيكتوريا، ٱحذركِ من العبث مع ليسا، لقد تغاضيتُ على إهاناتكِ للسكرتيرات السابقات لأنهن لم يشكلن فرقًا بالنسبة لي، جميعهن كُن صلفات متحذلقات و لا يعرفن قيمة العمل معي، لكن ليسا أثبتت أنها آخر فتاة يمكنني السماح بتأذيها!".

7


لوت فيكتوريا شفتيها بإعتراض:

+


"يبدو أنكَ نقلتها من منصب السكرتيرة إلى منصب آخر!".

3


"هذا ليس شأنكِ، مفهوم؟".

+


سخط و هو يضغط على معصمها بقوة أكبر آلمتها:

+


"و تذكري دائما، أنني ٱبقيكِ في هذه الشركة إحتراما لذكرى إبن خالي المتوفي، و ليس لمنحكِ أي منصب في حياتي الخاصة، و تذكري أيضا يا فيكتوريا هادلي أنكِ لا تملكين الحق في تقييم ليسا أو إهانتها!".

5


حاولت أن تضحك بخفة:

+


"راينر، أنا فقط أحاول تنبيهكَ لتردي ذوق السكرتيرة التي وظفتها...".

+


أفلت يدها مردفًا بعنف:

+


"أحتاجك في تقارير الاستثمار، وليس في تحليل الشخصيات، و في الوقت الراهن لا أحتاجكِ على الإطلاق، يمكنكِ العودة إلى البيت أيضا!"

+


جُمّدت في مكانها، ثم قالت منسحبة:

+


"كما تشاء".

+


ما إن تركته فيكتوريا وحيدًا، حتى جلس على مقعده بتهالك، أرخى ظهره، ثم مرّر أصابعه في شعره بعصبية. زفر ببطء، وحدّق بإتجاه مقعدها الشاغر مخاطبًا نفسه:

+



        
          

                
«تُرى... ماذا يكون شعورها الآن؟!»

8


𓇼



+


كانت الساعة تشير إلى السادسة و النصف مساءً حين دخلت ليـسا شقتها الصغيرة في ذلك الحي الهادئ، أغلقت الباب خلفها بإرهاق، وأسندت ظهرها إليه لحظة، تُطلق تنهيدة طويلة.

+


توجهت إلى الحمام رأسًا، ووقفت أمام المرآة، و بكل بهدوء، نزعت العدسات البنية، أطاحت بالنظارات جانبًا. ثم بدأت يدها تتحرك نحو جانبي وجهها، و طفقت تقشر الطبقات المتراكمة من الجلد الإصطناعي.

2


و حين انتهت، تطلعت إلى صورتها الحقيقية بألم،
وجه ناعم، ملامح منحوتة، عيناها البندقيتان مشرقتان في انعكاس الضوء، بشرتها نضرة كأنها مروية بندى الفجر. تنفّست بعمق، و همست: أخيرًا... ليـسا الحقيقية!

1


استحمت بماء دافئ وعطّرت نفسها برذاذ اللافندر، ثم ارتدت بيجاما قطنية زهرية اللون، مريحة وناعمة، وجلست على الأريكة الصغيرة تحتضن وسادة. لم تكن معدتها تكالب بالكثير، لذا تناولت قطعة من توست الأفوكادو مع عصير التوت، وبدأت تفكر في نشاط يذهب عنها تعاستها:

+


«هل أُشاهد فيلمًا الليلة؟ أم أقرأ رواية؟ لقد أنجزت كل شيء في العمل اليوم و لن...».

2


جرس الباب الذي رن فجأة، قطع حبل أفكارها، انتفضت واقفة، و هرعت نحو الرواق. و في طريقها مرّت أمام المرآة الكبيرة المثبتة على الجدار... و تجمدت!

+


نظرت إلى نفسها، وجهها الحقيقي مكشوف،
لا عدسات، لا نظارات، لا قناع، و لا أي شيء يستر حقيقتها!

+


رنّ الجرس مرة ثانية، اقتربت بحذر، نظرت عبر العين السحرية، و آنذاك اتسعت عيناها ذاهلة، مصعوقة، و موشكة على الإغماء، إنه... إنه... رئيسها... راينر غرانت! يقف أمام باب منزلها، و يبدو أنه قادم من الشركة، إذ لا يزال ببدلته البيضاء التي إرتداها هذا الصباح!

19


الساعة الجدارية خلفها تشير إلى السابعة وربع، لا يمكنها الادعاء بأنها نائمة، و لا بالخروج... لقد أخبرته بنفسها في بحر الأسبوع الفارط أنها لا تفعل شيئًا في الأمسيات، مفضلة الراحة بين أحضان البيت بسبب العمل المتراكم!

+


لذا... لما من مهرب! بدأ عقلها يعمل بسرعة:

+


«يجب أن أضع شيئًا يخفي وجهي!».

+


ركضت نحو المطبخ، فتحت البراد، ثم ابتسمت بفكرة جنونية. أحضرت علبة مربى التين الطازج - الغني بالفيتامينات، مستخدمة أغلب أصابعها... مضت توزع طبقة سميكة على خديها و أنفها و جبينها، لتبدو كقناع تجميلي طبيعي، ثم وضعت العدسات، و فتحت الباب بخجل!

18


كان واقفًا هناك، كما تركته في المكتب، قلقًا، متوترًا، يجوب عينيه الرماديتين شوق لشيء غامض!

+


"آسفة على التأخر، كنت أضع قناعًا طبيعيًّا!".

+


قالتها و هي تشير إلى وجهها، مُتحاشية النظر إليه، رفع راينر حاجبه، و علق بابتسامة خافتة:

+


"قناع التين؟ كل ليلة؟".

6


أجابت بنبرة مُرتبكة و هي تكذب لأنها ليست من محبي وضع الأقنعة التجميلية:

+


"نعم... تقريبًا عادة صحية!".

+


راقبها للحظة، وقد قرأ بين خطوط صوتها وكلماتها أن ما تفعله ليس من أجل بشرتها، بل لتخفي نفسها، أو ربما تأذت من كلمات فيكتوريا الجارحة، فقررت العناية بجمالها، خمن أن ذلك هو السبب إذن، و لأنه لم يُرد إحراجها، أبى أن يُعلّق، و سمعها تعرض عليه بلطف تظهره للمرة الٱولى:

2


"هل ترغب بفنجان قهوة سيد غرانت؟".

+


هز رأسه نافيًا، و بهدوء قال:

+


"في الواقع، جئت فقط لأخبرك بشيء واحد!".

+


نظرت إليه بتساؤل، و تحضرت لسماع أي شيء إلا ما قاله بصوته الواثق، و نبرته الجميلة:

+


"هل تتناولين العشاء معي غدًا يا ليسا؟".

17


شهقت في قرارة نفسها دون أن تصدر صوتًا، و بدت عليها الدهشة رغم كل الجهود المبذولة لكتمها، و قبل أن تستطيع الرد، وجدته يضيف بابتسامة صادقة:

+


"و يسرني أن أترك لكِ اختيار المكان!".

+


كادت تبتسم غبطة، لكنها لم تفعل، تراجع راينر خطوة للخلف، موقنا أن الوقت تأخر، ثم قال ممازحًا:

+


"طابت ليلتكِ ليسا... و أظن أن البيجاما الزهرية تناسبك كثيرًا!".

12


أغلقت ليسا الباب و فمها لا يزال متسعًا من فرط الدهشة، إنها لا تصدق كيف يقلب القدر الصفحات بهذه السرعة، بالأمس فقط كانت تنظر إليه عبر زجاج المكتب كعبء، و الليلة تراه على عتبة بابها كإعتذار بإسم القدر، و ترى الدعوة التي وجهها لها بكل لطف و نُبل... كرحمة إلهية إستحقتها بعد كل هذا العذاب الذي عاشته!

+


إحتضنت سموكي و هي تدور و ترقص، ثم إفجرت ضاحكة حين بدأت القطة تلعق المربى من على وجهها، فصاحت باستياء يمازجه الضحك:

+


"لا تفعلي هذا أيتها المقرفة! هذا وجهي و ليس صحنكِ سموكي!".

2


تنفست الصعداء حين صعدت إلى غرفتها و إغتسلت، رغم إستمرار مخاوفها من نهاية كذبتها، لكنها كانت كفراشة ذهبية حذلى تتحرر أجنحتها أخيرا، مضى وقت طويل لم تشعر بسعادة مماثلة، و لم يفر النوم من جفونها بهذه الطريقة! يبدو أنها لن تستطيع النوم الليلة، و لن تستطيع أيضا محو راينر و إبتسامته و قبلته من أفكارها!


3




تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close