اخر الروايات

رواية حين تكذب الملائكة الفصل الرابع 4 بقلم الكاتبة كوين اسمهان

رواية حين تكذب الملائكة الفصل الرابع 4 بقلم الكاتبة كوين اسمهان

٤|امرأة الأسرار!


                                              
عادت ليـسا إلى منزلها وهي تجرّ قدميها إنهاكًا، لم تكن خطواتها ثقيلة من فرط التعب فقط، بل من فرط التفكير أيضًا. أغلقت الباب خلفها، وخلعت حذاءها قرب المدخل بخشوع يشبه طقوس الخلاص، ثم انحنت على الأريكة تُداعب فرو سموكي التي تمددت تتثاءب بوداعة كأنها تنتظرها منذ الأزل.

+


و بينما كانت تضع حقيبتها جانبًا، تذكرت أمر الملف الذي أخذته قبل ساعة من قسم الأرشيف، نبشت الحقيبة حتى أخرجت ذلك العقد الذي ظلت تفكر فيه طوال اليوم، ثم جلست على الأريكة، و الأوراق بين يديها تحركها النسمات اللطيفة العابرة للنوافذ.

+


مضت ليسا تقرأ... تدقق... تتفحص الحروف واحدة تلو الأخرى حتى توقفت عند بند صغير كان أشبه بالنجدة، و صاحت جاحظة العينين:

+


«هذا هو! هذا ما كنتُ أبحث عنه! لقد مضى على شراء الأرض عامان كاملان، و رغم ذلك لم يُبَن فيها شيء، لم يُحرك فيها حجر حتى! هذا البند هو فرصتنا الوحيدة لجعل ٱوبرال يعرف حدوده!».

+


رفعت رأسها بحدة إلى الساعة الجدارية، قلبها ينبض بجنون، و عقلها يعمل بسرعة، لم يفُت الأوان بعد، يمكنها مقابلة السيد ٱوبرال الآن و تسوية الأمر معه.

+


لم تتردد، أمسكت هاتفها، بحثت في جهات الاتصال، واتصلت مباشرة ببراد، مدير الموارد البشرية في الشركة:

+


"مرحبًا براد... أحتاج عنوان السيد أوبرال، ضروري جدًا!".

+


"في مثل هذا الوقت آنسة كولنز؟!".

+


"لو لم يكن الأمر مستعجلاً لما أزعجتكَ خارج الدوام!".

+


رغم استغرابه طلبها، رضخ براد و أملى عليها العنوان، فهي سكرتيرة راينر، ولا أحد يجرؤ على الشكّ في دوافعها!

+


قادَت ليسا سيارتها متقفية إرشادات العنوان، كانت قد دونته على ورقة مقتطعة من دفترها، و إستمرت في التأكد منه كل دقيقة بنظرات متفحصة. تحدت الوقت، مصمّمة ألا تؤجل المواجهة، و أن تضغط على ذلك الرجل بالورقة الرابحة التي معها، و ما هي إلا لحظات حتى عبرت الجسر الفاصل بين بروكلين و منهاتن، ثم انعطفت نحو الحيّ الراقي "Upper East Side"، أين يقبع منزل السيد أوبرال الفاره، هناك، في أكثر شوارع نيويورك بهرجة و أبّهة.

+


المنزل بدا و كأنه يصرخ عجرفةً؛ بوابة حديدية سوداء عملاقة، و سلالم رخامية، و نوافذ تفيض بالضوء الأصفر الكثيف!

+


تسلقت درجات مصقولة قليلة، و طرقت الباب بقبضة ثابتة، و سرعان ما استقبلها الخادم المتجهم بحاجبين مرتفعين تساؤلاً و عدم ترحيب:

+


"مرحبا آنسة، كيف أخدمكِ؟".

+


"بأن ترتب لي رؤية السيد ٱوبرال من فضلك، و حالاً!".

+


لم يكن مستعدًا لإدخالها دون أن يسأل ببرود:

+


"لديكِ موعد مثبت معه؟".

+



  

                
"قُل له إنني من شركة غرانت... وسيرغب بلقائي فورًا".

+


و بالفعل، بعد دقائق، فُتح الباب أمامها، ودخلت إلى صالة مترفة تفوح منها روائح الكحول والغرور، و هناك لمحته، السيد أوبرال كان جالسًا على كنبة جلدية كبيرة مخططة كجلد نمر، بطنه الضخم متدلٍ، يرتدي بدلة بيضاء بصيحة قديمة، حول معصميه ساعات ذهبية متبجحة، و على صدره تتدلى سلسلة لامعة.

5


أثارت الأجواء إشمئزازها، لأنها ذكرتها برب عملها السابق لورانس، رغم ذلك؛ تقدمت بخطى ثابتة نحوه، و رمقته بنظرة واثقة، فيما إتسمت نظراته إليها بالبطء و الخبث، كانت عيناه تتفحّصانها دون حياء، و فجأة قال بصوت هازئ:

+


"أرسلكِ راينر غرانت إذن؟ أ هذه طريقته الجديدة للضغط؟".

+


شكرت ليـسا القدر الذي جعلها تزور هذا الرجل المنحرف و هي متنكرة بقشرة باهتة و قبيحة، لو قابلته بشكلها الطبيعي، لكانت الآن تناضل لتبقيه بعيدًا عن جسدها، لكنها و لحسن الحظ لم تُثر فيه أدنى رغبة، وهذا وحده ما منحها الحصانة لتواجهه بجرأة و ذكاء!

1


شمخت برأسها مجيبة:

+


"راينر غرانت ليس مضطرًا لممارسة أي ضغط عليكَ يا سيد ٱوبرال، طالما هذا العقد الذي أبرمتماه معا قبل سنتين يتولى ذلك!".

+


وضعت نسخة من العقد على الطاولة أمامه، و تحدته بنظراتها المنتصرة شابكة ذراعيها، إلتقط ٱوبرال الأوراق باستخفاف، لكنه سرعان ما تصبب عرقًا حين طلبت منه أن يقلب الصفحات و يطالع البند السادس و العشرين!

+


"أنا هنا لأذكّرك فقط يا سيد أوبرال... أنك اشتريت الأرض قبل عامين ولم تستثمرها. والبند السادس و العشرين من العقد يمنح شركة غرانت حق التصرف المؤقت!".

+


رفع عينيه نحوها بدهشة، ثم إلى الورقة... وجحظت عيناه. أخذ يتفحص تلك الأسطر مرارًا، ثم ابتلع ريقه بغصة، و تمتم:

+


"ماذا تريدين؟!".

+


انحنت تلتقط الورقة، و أجابت:

+


"أن تعرف حجمك الحقيقي، و تتصرف بعقلانية، لأنكَ لستَ نِدًّا لخصم مثل غرانت!".

8


أغلقت حقيبتها بعدما إستعادت منه الأوراق مستطردة:

+


"حان وقتُ مغادرتي، سأترك القرار لك سيد ٱوبرال".

+


وقبل أن تصل إلى الباب، توقفت وقالت:

+


"إما أن تتصل غدًا بالسيد غرانت و تعتذر ثم تُصحح الوضع، أو تقبَّل خسارة الأرض و توقف دعم شركة نافذة مثل شركة غرانت العظمى لإسمك، و من يدري! لعلك تخسر كل هذه الثروة و أنت تحاول تثبيت قدميكَ مجددًا في عالم المال!".

5


خرجت ليسا من ذلك المنزل و في أعماقها رضى عميق بخطابها القوي، صحيح أنها ليست واثقةً من نوع القرار الذي سيتخذه ٱوبرال، لكنها كانت أكيدة من حقيقة واحدة؛ لقد نجحت في إثارة مخاوفه!

+



        
          

                
مضى الهواء البارد يصفع وجنتيها بخفة و هي داخل سيارتها مجددًا، قادتها نحو بروكلين بتعب إضافي، و بعينين متورمتين غير قادرة على فتحهما جيدا! فهذا المشوار الصغير ما بعد الدوام... جعلها تواقة أكثر لنوم عميق.

+


لاحقا... تنفست ليـسا بعمق، ها هي ذي تتسلق أخيرًا الدرج نحو غرفة نومها، أين تستطيع من جديد أن تعثر على ليسا ٱخرى؛ ليسا الحقيقية! تقدمت نحو المرآة، و أمامها... جلست متنهدة، و بدأت رحلتها الصغيرة نحو الذات!

+


نزعت العدسات الداكنة أولًا، فتوهجت عيناها الخضراوان بوضوح صارخ، ثم مررت المشط الزهري حول رأسها، فانسكبت خصلاتها الشقراء على كتفيها مثل نهر ذهبي حُرّر من سجن طويل، الفوضى تلاشت، و الخصلات المشعثة هدأت و إنهارت وصولاً إلى نهاية خصرها!

5


أراحت وجهها أخيرًا، نظرت إلى ملامحها الأصلية بشيء من الحب والحنين، ثم فكرت في رئيسها الذي أفرج عن غضب معتمل في صدره نهاية هذا اليوم، ربما لم يغضبه عصيانها لأمره بحد ذاته، ربما إنفجر في وجهها فقط لأن السبب الرئيس لغضبه الأكبر هو فقط... إنسحاب ٱوبرال من الإتفاق!

+


وضعت المشط، و نهضت عن مقعد منضدة الزينة متجهة إلى المطبخ و هي تردد صلاتها:

+


«أتمنى أن يتخذ السيد ٱوبرال القرار الصحيح، فيجد السيد غرانت غدًا سببًا ليبتسم، أتمتى حقا!».

7


تناولت وجبة العشاء بشهية نادرة، واحتست مشروبها الساخن بشيء من الطمأنينة الجديدة، كأنها و لسبب عجيب تصالحت مع العالم بأسره.

+


𓇼

+


في اليوم التالي، جلس راينر خلف مكتبه، يحتسي قهوة العاشرة صباحًا و يحاول التركيز في البريد الإلكتروني، لكن شيئًا ما فيه كان يسترق النظر إلى سكرتيرته المنهمكة بعملها... دون أن ينجح في كبحه! 

1


لم تكن ليسا كولنز جميلة بالمعنى الصاخب الذي اعتاد عليه، بل لم تكن جميلة على الإطلاق حسب المعايير المألوفة للجمال، لكنها كانت تتمتع بحضور خاص حتى و هي تحاول جاهدًا ألا تكون مرئية، كانت تمتلكُ مزيجًا من الهدوء و التحدي، من الغموض والاحتراف، من الأنوثة المحجوبة بدقّة، و كل هذا... يُثير أعصابه!

4


قبل الظهيرة بدقائق، دلفت إلى مكتب راينر فيكتوريا، نائبة الرئيس، المرأة التي تعتبر نفسها جزءًا من مستقبل راينر الشخصي لا المهني فقط.

8


كانت ترتدي فستانًا أرجوانيًا ضيقًا، و كان شعرها البني المسرح بعناية منسدلًا كما تحب أن يراه! إقتربت بشدة و لمست كرف كتفه بخفة مقترحة:

+


"راينر، هناك اجتماع طارئ غدا بشأن حملة جديدة، لكني فكّرت...".

+


قالت وهي تنحني بثقة:

+


"أن نناقش الأمر أولا على العشاء بدلًا من المكتب، أكثر سلاسة، أليس كذلك؟".

1


أشار راينر إلى العمل المقيد به دون أن ينظر إليها، و أردف محطما آمالها:

+



        
          

                
"أُفضل أن نبقى رسميين، آنسة هادلي".

5


لم تعجبها اللهجة، لكن ابتسامتها لم تتغير، و من مكانها لم تكن ليسا أيضا راضية عما يحدث، نجحت في إخفاء إنفعالها، لكنها أحسَّت بغضب جامح يجتاح صدرها و هي تنظر إليهما عبر الزجاج!

5


لاحظت فيكتوريا عيني راينر تتحركان ناحيـة المكتب المجاور، حيث كانت ليسا ترتب أوراق الإجتماع التالي، كأن تلك العينين الرماديتين على وشك نقب الزجاج!

+


أدركت النائبة فورًا أن ما تلاحظه ليس بادرة خير، و علقت مدعية المزاح:

+


"أوه، السكرتيرة الجديدة؟ يا لها من إختصار للتخلف!".

2


إجتاح راينر إستياء جنوني من تهكمها، لكنه سيطر على ذلك بٱعجوبة حين خاطبها من بين أسنانه المتراصة:

+


"مكتبي ليس مرتعًا للنميمة آنسة هادلي، أرى أنكِ نسيتِ القواعد!".

1


إنفعلت مردفة:

+


"أرى أنكَ نسيتَ أيضا أنني لستُ مجرد موظفة هنا، لقد كنتُ أرملة إبن خالك، لماذا لم تعد تناديني فيكتوريا يا راينر؟!".

22


أغمض راينر عينيه للحظات مرهقًا من كل شيء حوله، و أجاب بجفاف:

+


"لأنكِ لم تعودي زوجة إبن خالي الراحل، أصبحتِ تشغلين مكانه في هذه الشركة، و منه... أصبحتِ السيدة هادلي!".

1


إبتسمت فيكتوريا، و غمزته بغنج مردفة:

+


"حسنا، إذن سأنتظر لقاءنا ذات ليلة خارج هذا المبنى، و حينها لا تنادني إلا... فيكتوريا!".

4


مشت أمامه حتى الباب كقطة، و حين أدارت المقبض، إستدارت نحو ثانيةً مستطردة:

+


"كن حذرًا من سكرتيرتك الهادئة عزيزي راينر... بعض الأقنعة العادية تُخفي خلفها حقائق مروِّعة!".

13


حل موعد الغداء، لكنها لازمت مكتبها ببؤس، فكرت ليسا أن خطتها فشلت، و ٱبرال لن يأتي ملوحًا بتجديد الإتفاق، كانت تطبع بعض العقود الجديدة على الحاسوب و هي شاردة، و حين أيقنت أنها إرتكبت أخطاء الجملة، تأففت عائدة إلى نقطة الصفر.

+


إرتدَّ راينر إلى مكتبه بعد اجتماع طويل مع محاسبي الشركة الذي لم يكن من الضروري لها حضوره، فرك صدغيه بعياء، ثم لاحظ المرارة على وجه سكرتيرته، كأنها تزداد ضمورًا شحوبًا اليوم!

+


دفع الباب الذي يفصل بينهما آمرًا:

+


"خذي إستراحة قبل أن تموتي فوق ذلك الحاسوب!".

16


و قبل أن تبرح ليسا مكانها، رنَّ هاتف مكتبها، و تلقت نظرة ضيقة من راينر، أ هو إتصال خاص، أم متعلق بالعمل؟ أجلت حنجرتها مجيبة:

+


"نعم!".

+


كانت موظفة الإستقبال هي المتصلة، فقالت بصوتها الناعم:

+



        
          

                
"هناك زائر للرئيس!".

+


نظرت ليسا إلى راينر، و لأول مرة، نسيت أمر وجهها المغشوش، و إبتسمت بعينيها قبل فمها متوقعة هوية الزائر، لكنها سألت:

+


"من؟".

+


شعر راينر أنه يكاد يفقد أعصابه ليعرف إلى من تتحدث حتى إبتسمت و لمعت عيناها بتلك الطريقة، في حين أجابت موظفة الإستقبال:

2


"السيد ٱوبرال، يريد مقابلة الرئيس فورًا! يقول إن الأمر لا يحتمل التأجيل".

+


"حسنا، سأعلمه حالاً!".

+


راقبها تضع السماعة، و تشبك أصابع يديها بحماس لما هو آتٍ، فصرف أسنانه مسترعيًا إنتباهها:

+


"آنسة كولنز، هل تتلقين مكالمات شخصية في المكتب؟!".

9


إندهشت أين تتجه أفكاره، و نفت بسرعة:

+


"مطلقًا سيدي، هذه كارلا!".

2


"كارلا؟!".

+


كرر عاقدًا حاجبيه، فأوضحت محاولة ضبط أنفاسها:

+


"موظفة الإستقبال، أخبرتني أن السيد ٱوبرال يطلب الإجتماع بكَ لأمر مستعجل يستحيل تأجيله!".

+


كاد في البدء يرفض إستقباله، لكن ليسا نجحت في إقناعه بذكاء، و بينما كان ٱوبرال يلجُ غرفة الإجتماعات مضطربًا، كان ىاينر أكثر تماسكًا و هدوءً، يمشط الرجل بعينين دقيقتين، ثم يشير له ببرود أن يجلس في مواجهته و يأتي بما عنده. لحقت فيكتوريا هادلي بالركب متسائلة بضيق:

+


"لماذا لم يخبرني أحدٌ عن الموعد الجديد للإجتماع؟ هل فاتني الكثير؟!".

+


أجاب راينر بصبر نافذ:

+


"بالكاد جلسنا آنسة هادلي، إطمئني! لم يطرح السيد ٱوبرال بعد دواعي هذه الجمعة اللطيفة!".

+


أجلى ٱوبرال حنجرته شاعرًا بالوخز من كلمات الرئيس، و قال بنبرة إعتذار:

+


"لا سبب لوجودي هنا سوى إلتماس المغفرة سيد غرانت، للحظة نسيتُ أنني لولاك لما بلغتُ مركزي هذا، و لما جمعتُ الثروة التي معي، إن كانت الأرض ستزدهر بين أيديكم، فلا أملك حق المعارضة، يبدو أنني لا أفعل شيئًا طيلة هذين العامين سوى تجاهلها!".

+


إلتقط أنفاسه وسط حيرة راينر و ذهول فيكتوريا و إرتياح ليسا، و أضاف العبارة التي أتى من أجلها:

+


"الأرض لكم إعتبارًا من اللحظة، أنا مستعدٌ للتوقيع أنَّى شئتم!".

+


قرن راينر حاجبيه مستفسرًا:

+


"إعتذاركَ مقبول، لكنني لا أفهم يا سيد ٱوبرال سبب هذا التغير السريع في موقفك!".

+


أشار ٱوبرال إلى حيث تجلس ليسا على يسار مديرها، و أجاب مبتسمًا:

+


"من الغريب أن تفكر في سؤال كهذا و لديك موظفة بذلك المستوى القوي في الإقناع!".

4


نالت ليسا نظرة حادة من فيكتوريا، و نظرة بطيئة ضيقة من راينر، رفع هذا الأخير حاجبًا واحدًا و هو يكرر:

+



        
          

                
"سكرتيرتي؟!".

+


"أجل، يا لها من موظفة كفوءة، زارتني البارحة، و وضحت لي بعض الأمور التي كنتُ غافلاً عنها، لذا أنا ممتنٌ جدا لشركة غرانت العظمى على وجود موظفين من طينتها!".

+


راينر كان يكره الأسرار، لكن ليسا وحدها التي جعلته يُفكر للمرة الأولى أن بعض الأسرار قد تكون جنة آسرة... و قد تكون جحيمًا أيضا!

4


بعدما تم التوقيع بنجاح و غادر السيد ٱوبرال المبنى، إنصرفت فيكتوريا أيضا نحو مكتبها، و لم يبقَ في غرفة الإجتماعات سوى رئيس عابس، و سكرتيرة تقاوم مرتعشة كمسجون ينتظر لحظة النطق بإعدامه!

+


جمعت أوراقها مقررة ألا تبقى هناك منتظرة محاكمة بلا أجل، لكن راينر سدَّ عليها المنفذ الوحيد للخروج، و حاصرها بنظرات متوحشة قائلاً:

+


"إلى أين آنسة كولنز؟!".

+


إبتلعت ريقها و حاولت أن تجيب بهدوء:

+


"إلى العمل الذي لم يُنجز بعد!".

+


"اللعنة على كل ذلك!".

+


صرخ و هو يركل أحد المقاعد فأخذته عجلاته بعيدًا، تراجعت ليسا مرتعشة من تغير ملامحه و نبرته التي إخشوشنت فجأة، و سمعته يضيف بينما يخطو نحوها ببطء لا يشبه تسارع نيران الغضب في عينيه:

8


"لماذا فعلتِ ذلك؟".

+


"إسمع، سيدي، أتفهم غضبكَ، كان عليَّ إخطارُكَ قبل ذهابي إلى هناك، لكنني فكرت في أني قادرة على تولي هذا الأمر البسيط بنفسي!".

+


وجه قبضة إلى الجدار حيث حاصرها بجسده، فأغمضت عينيه مجفلة، و سمعته يزمجر ثانيةً:

+


"تسمين تواجدكِ بمفردكِ مع ذلك المنحرف الماجن أمرًا بسيطًا؟ هل أنتِ بعقل أم برأس فارغة لتعرضي نفسكِ للخطر مرتين في اليوم نفسه، تنزلين إلى طابق قديم قد تحبسين داخله، ثم تزورين زير نساء حقير في منزله دون أن تكوني في حماية أحد؟!".

30


امتلكت الشجاعة لتتمتم متحاشية النظر إليه:

+


"فعلتُ هذا من أجل التوقيع!".

+


"عظيم! و ماذا دفعتِ ثمنًا له؟".

10


غاص قلبها إلى أعماق باردة و هي تواجه عينيها بنظرات مصعوقة و تسأله:

+


"ماذا تعني؟".

+


"أنا الذي يسأل هنا، بما أنكِ سكرتيرتي فيحق لي معرفة كيف كانت قدراتكِ الخارقة في الإقناع؟ إلى أين وصلت الأمر، هل كان الثمن جسديًّا كما أتوقع؟".

25


صرخت ليسا بحدة لم تبدها أمام مديرها من قبل، و بعينين محمرتين قالت:

+


"كفى راينر غرانت، لن أسمح لكَ بإهانتي لمجرد أنني سكرتيرتك، يبدو أنني حاولت أن أكون موظفة متفانية من أجل رئيس لا يستحق!".

9


لم تفاجئن كلماتها و نبرتها بقدر ما أثر به نطقها لإسمه الأول بدل سيدي التي لا تفارق لسانها، رمت في وجهه الورقة التي تتناول البند الذي أنقذ مشروعة، ثم أضافت باذلة قصارى جهدها كي لا تبكي:

2


"و إذا كنتَ تتحرق شوقًا لمعرفة ماذا قدمتُ لٱوبرال لقاء التوقيع، فيمكنكَ تسلية نفسكَ بمطالعة هذا!".

5


مع نهاية اليوم، لم تغادر ليـسا في موعدها المعتاد، لم تجمع أغراضها مستقيلة كما خيل لراينر الذي إفترسه الندم بعد قراءة البند، و لم ترفع رأسها من العمل لساعات و ساعات!

2


و لم توجه نحوه نظرة واحدة، ماذا يفعل؟ ماذا يقول؟ كيف يبدأ حوارًا معها بعدما قاله في قاعة الإجتماعات؟ وقف للحظات يراقب المدينة من خلف الزجاج، و حين إستدار لم تكن هناك!

+


إفترض أنها غادرت، فالدوام إنتهى، ألقى نظرة على طاولة مكتبها حيث تركت له ورقة ما، نبض صدره بقسوة، أ هي إستقالة؟ فض طياتها، فإذا بها ملاحظات تخص العمل الذي أنجزته، طوى الورقة متنهدًا، غاضبًا من نفسه، تخاطبه بالرسائل الخطية إذن بسبب جرح في كبريائها، يبدو أنها تحب عملها و تقدسه، و إلا لما ترددت في رمي إستقالتها بوجهه بعد ما قاله!

4


للحظة كان سيضع رسالتها في الدرج، لكنه فطن لتفصيل صغير أثار حيرته، فتح طيات الورقة مجددا و عاود القراءة بتركيز، في ذيل الرسالة، كتبت ليسا موقعة: A.C

+


غريب! هذان الحرفان يشيران لإسمها الكامل، لكن أ ليس إسمها ليسا كولنز؟ ألا يفترض بها أن توقع بحرفي: L.C ؟ إذن ماذا عنت بحرف: A؟ هل لها إسم آخر لا يعرفه؟! يا لها من امرأة مغلفة بالأسرار!


13


𓇼

+



   
تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close