رواية اسيرة عشقه المميت الفصل الرابع 4 بقلم حبيبة خالد
سراج نزل السلالم، وهو بيحك دقنه وباين عليه إنه فرحان إنه خرج من فوق قبل ما يتخانق مع رؤوف تاني.
وطول الطريق بيتمتم:
"يا نهار إسود… ده مش رؤوف… إيه اللي … أنا شُفته فوق ده؟"
أول ما دخل الصالة…وقف من الصدمة واللي شافه.
لقى أحلى كوارث في الدنيا لقي حنان
فراولته…حبيبته…
قاعدة على الكنبة رافعة رجليها على الحيطة،
لابسة بيجامة لونها فاقع، وشعرها مبعثر حوالين وشها
ومشغّلة أغنية مهرجان على آخر صوت
وبتاكل لب وتحدف القشر في طبق بعيد عنها نص متر
والمصيبة؟
بتغني بصوت عالي وبنشاز يقطع البنزين من الموتوسيكلات:
"بحبك يا قلبييييي… ومش عايزاك تسيبنيييي
اااااااااه بحبببككككككگ"
سراج واقف مكانه، عينه واسعة من الصدمة وحواسه كلها مشدودة من المنظر اللي شايفه واللُب اللي يعتبر في كل حتة وقال بصوت مصدوم:
"يا فراولة… يا حبيبة قلبي… إنتي إيه اللي قاعدة عاملاه ده يا نهار أسود!"
حنان قفلت الأغنية، وبصت له بنصف عين:
"إيه يا سراج… إنت مين هدك كده؟
وشك عامل زي اللي شاف جن في الحمّام."
سراج اتقدم شوية وهو لسه مصدوم:
"جن؟ يا ريت! ده أنا شفت أخوكي…
في وضع لا سمح الله… أحنا شكلنا هنعمل فرحنا
في المستشفى."
حنان نزلت رجلها من على الحيطة وقالت:
"رؤوف عملك إيه؟ ضربك؟ شتمك؟ رماك من فوق؟ وإيه وضع اسمح الله؟ جايب بنات فوق؟"
سراج رفع صباعه وقال:
"لا يا قلبي… ده اللي حصل أسوأ من بنات فوق!"
قرب منها، قعد جنبها، ومسك إيدها تلقائيًا:
"إيه اللي حصل؟ قول بسرعة."
سراج أخد نفس طويل وقال:
"أخوكي يا حنان…أقسم بالله…أخوكي فوق… ماسك بنت من الشارع…وقاعد يحرسها كإنها تاج راسه،
وبيشخط في العالم علشانها!"
حنان فتحت بقها:
"بنت إيه؟ شحاتة؟"
"شحاتة؟!"
سراج ضرب كفه على صدره وقال:
"دي ملاك! هبقي أحكيلك قصتها بس مكنتش متخيل أنها هتكون في جناحه! وأخوكي واقف فوق كإنه أبوها وأمها وقاضي المحكمة!"
حنان قامت واقفة وقالت:
"استنى… إنت بتقول مين؟وأخويا مهتم ببنت؟!
أخوياااا؟"
سراج قام وراها، مسك كتفها:
"يا حبيبة قلبي…ده أخوكي ده لو اتجوز هتبقى معجزة…
لما يِدّي اهتمام لوحدة؟يبقى الدنيا هتنقلب!"
حنان قربت منه وقالت بقلق:
"طب هو… زعّقلك؟"
سراج قرب وشه منها وقال:
"ده طردني…طردني يا حنان."
حنان شهقت:
"طردك؟!"
سراج ضم إيده على صدره وقال:
"وقالّي اطلع برا… قبل ما أقطّع لسانك!"
حنان حاولت تكتم الضحك… لكن دمعت من الضحك.
سراج بصدمه:
"بتضحكي يا مجنونة؟!"
حنان مسحت دموع الضحك:
"ماهو أنت تستاهل… أكيد كنت بتتريق عليه."
سراج غمض عينه وقال:
"يا بنت… ده أنا لو اتريقت عليه تاني… مش هحضر فرحنا."
حنان قالت بسرعة وراحت ماسكة إيده بإصرار:
"لا لا لا… احنا هنتجوز سواء هو وافق أو لا … بس انت هتجي الفرح!"
سراج قرب منها، بصوت واطي، فيه غرام خفيف:
"ومش هاجي ي ذكيه منا العريس …ده أنا لو أخوكي منعني… هاخطفِك وأجري."
حنان احمرّت خجلًا:
"يا راجل…"
سراج ابتسم وقال:
"يا فراولة
حنان ابتسمت، بس قبل ما ترد…
سراج كمل وهو بيقعد جنبها:
"بقولك إيه…خلي بالك… سيرين زمانها نازلة دلوقتي تحت…هتاكل معاكم."
حنان رفعت رأسها بسرعة:
"هتاكل؟!هتاكل معانا؟ ده أخويا بقى يعمل
حاجات غريبه؟ غريبة والله."
سراج ضحك وقال:
"حُكم القوي يا قلبي…أخوكي فوق مِشرّفها…
وموصي عليها وصية من الآخر."
حنان بصت له بتركيز:
"موصي عليها؟! يعني إيه؟"
سراج شبك إيديه وقال بجدية مصطنعة:
"يعني بلاش تقوليلها كلمة كده ولا كده…
دي حساسة قوي…لو لقت قطة بتعيط؟
تعيّط معاها...حِتة بسكوته يا قلبي."
حنان تجمّدت مكانها…ثانيتين بس لا أكتر ولا أقل…
عينيها فتحت على الآخر، فمها اتفتح نص فتحة…
قفشت لياقة التيشيرت بتاعه بكل قوة لدرجة إنه اتشد لقدام غصب عنه، وهزّته وهي بتقول بصوت مليان غيرة مش طبيعية:
"مـيـن الـبـسـكـووووتــة يا ســراج؟!
مين؟!قول تاني كده… قول!"
سراج اتفزع للحظة، رفع إيديه فوق كأنه بيتسلّم:
"يا بنت اهدِي! اهدّي شويّة!"
حنان زوّدت الشد، وشعرها وقع على وشها
وهي بتقوله بحدة:
"ده أنا جايبة آخري دلوقتي…بتقوليلي بنت حسّاسة…
وبتعّيط…وبسكوته…
سراج قرّب وشه منها شوية وهو بيحاول يفلت نفسه:
"يا حنان… كنت بهزر!"
حنان قربته أكتر:
"بهزر؟تختار كلمة زي دي في الهزار؟
بَسكوته؟بَسكوووتة يا سراج؟"
سراج حسّ إن الموضوع خرج عن السيطرة، حاول يهدّيها بنظرة جادة.
"يا مجنونة! بسكوته دي كلمة عادية! دي بنت مكسورة، أخوكي بيحميها وبس، إيه اللي دخّل الغيرة دلوقتي؟"
حنان رفعت كتفها بحدة وقالت بصوت أعلى:
إنت شايفني أنا إيه بالنسبة للبنت البسكوته دي؟
سراج مسك إيديها اللي كانت بتشد التيشيرت بقوة، ونزلهم بهدوء مصطنع، عينيه في عينيها.
"إنتي روحي، يا حنان. وإنتي النار اللي بتحرق أي حد يفكر يقرب إنتي الأصل، والباقي كله فروع ما تلزمنيش. سيبك من الهبل ده وبطلي جنان. أنا مستني اليوم اللي
هنتجوزك في اه كتبت عليكي بس، هتجنن عشان تبقي في بيتي… تيجي دلوقتي تضيعي ده كله عشان كلمة..
حنان تأثرت للحظة من كلامه، لكن الغيرة لسه بتشدها.
"طب… طب وليه أخويا مهتم بيها أوي كده؟ هو… هو شاف فيها إيه زيادة عن أي حد تاني؟"
سراج ضحك بتهكم خفيف.
"أخوكي شاف فيها إنها تحت رحمته، والرحمة دي ممنوعة في قاموسه، فغصب عنه بيحميها زي أي حاجة بتخصه. هو مش بيحبها، هو بـ يسيطر عليها. وأنا بـ أحبك . فيه فرق كبير يا روحي."
حنان سابته أخيرًا…بس الغيرة لسه بتغلي جواها
ونفسها عمال يعلى وينزل وعينيها بتقول مليون
كلمة غضب وحب في نفس الوقت سراج بصّ عليها ثانيتين…وبعدين ابتسم ابتسامة جانبية خبيثة،
ابتسامة بتستفزها وتهديها في نفس اللحظة.
قرب منها ببطء…وبصوته اللي بقى أخشن شوية:
"تعالي…تعالي هنا يا مجنونة…مين قالك إني عايز أشوفك زعلانة؟"
وقبل ما تلحق ترد إيده لفّت على خصرها فجأة
شدّها عليه بقوة لدرجة إنها فقدت توازنها نص ثانية ووقعِت في حضنه حنان شهقت:
"سراج! إنت—"
ماكملتش لأن سراج ما اداش فرصة ولا حتى نفس…
نزل على بوقها بقبلة قوية، قبلة مش اعتذار…
قبلة امتلاك.باسها كأنه بيقول:
انتي بسكوته قلبي… وانتي نار قلبي… وانتي كل اللي يخصني.
ضغط بإيده على خصرها أكتر، قربها منه لحد ما
حست بحرارة نفسه على خدها،والقبلة طولِت… سخِنِت…وبقت أعمق وأجرأ. حنان حرفيًا سيبِت الدنيا،
إيديها علّقت في التيشيرت من فوق،قربته أكتر،وردت القبلة بنفس الشغف…نفس الغيرة…ونفس الملكية.
ولما ساب شفايفها أخيرًا،كان لسه ماسك خصرها،
وصوته واطي وخشن:
"كده؟لسه زعلانة يا فراولتي؟
ولا البوسة دي كفاية تهدي النار اللي جوّاكي؟"
وشها كان مولّع…بس قالت بكبرياء مصطنع:
"… ههدي على حسب."
سراج ضحك ضحكة قصيرة، وبغمزة شفله.
قرب تاني من شفايفها
"تحبي أزوّد الجرعة."
رفع صباعه، ولمس شفايفها بخفة…مرر صباعه على شفتها السُفلى ببطء متعمّد،وقال بصوته الخشن:
"يخربيت دي ام شفايف يا جدع..... شفايف جامده اووووي."
حنان اتجمدت....وبعدين وشها ولّع مرة واحدة…
الحمرة طلعت في خدودها بشكل واضح.
رجعت رأسها نص خطوة لورا،وقالت بصوت
مخنوق ومكسوف:
"عيب يا سراج…"
سراج ابتسم ابتسامة صغيرة مستفزة،
قرب وشه من ودنها:
"شفايف فا****"
وربنا لو ما تجوزناش الأسبوع ده أنا ممكن أرتكب جناية وأخطفك.. شفايفك دي بتخليني مش شايف قدامي يا فراولة
حنان شهقت بخجل:
"ســراج…!"
وباللحظة دي،كان خلاص هيميل عليها ويبوسها
تاني قرب قوي…نَفَسه لمس خدّها…لكن سمع صوت خطوات نازلة من السلم.حنان اتخضّت،وزقت سراج بسرعة من صدره بخجل وفزع:
"ابعد! حد جاي!"
سراج اتراجع خطوتين،ولسه الضحكة الخبيثة
على بوقه:
"لسه بتتكسفي؟مع إنك من دقيقة…
كنتي سايبة نفسك."
حنان وشها احمر أكتر:
"اسكت يا سراج… !"
قبل ما تكمل رؤوف ظهر فوق السلم،
وشه قافل،صوته طالع غاضب قوي:
"إيه اللي بيحصل هنا؟!"
بتعمل إيه هنا ياض هو أنا مش طردتك وغير إن إنت وراك شغل؟وإنتي واقفة قدامه كده لي يرووووح أمك؟
اتهبلتي يابت؟"
حنان اتجمدت مكانها،واتشلت كإن حد كب عليها ميه ساقعة.رفعت عينيها بخوف ومكسوفة موت..سراج لف ناحيته بهدوء مستفز، وبدون ولا ذرة توتر قال:
"في إيه يعني داخل حامي كده ليه؟
دي مراااااتي يا جدع واقسم بالله مراااااتي."
حنان حسّت الدم يولع في خدودها اتكسفت جدًا إنها اتشافت كده. وقالت بصوت واطي متلخبط:
"أنا… طالعة فوق."
وبسرعة طلعت السلم من جنب رؤوف من غير حتى تبص عليه وطلعت جري فوق على جناحها ورؤوف بدون اي مقدمات خبط سراج بكفّه على صدره خبطة تقيلة خبطة راجل مش عاجبه اللي شافه.
وقال من بين سنانه:
"أقسم بالله…لو شوفت تاني كده...هقلب الدنيا
عليك وقابلني بقى هتدخل إمتى."
سراج شد جسمه لقدّام، وبرغم الخبطة ضحك ضحكة قصيرة قوي….ضحكة معناها: ولا فارق معايا...وقال بهدوء مستفز:
"دي مراتي يا رؤوف.وكاتب عليها."
رؤوف زقّه بإصبعه على صدره:
"اسكت.ومتفتحش بوقك بكلمة زيادة."
بصله بحدة أكبر:
"يلا…انزِل شوف شغلك. وعايزك معايا في المكتب بعد شوية."
سراج أومأ برأسه، وغادر المنزل.
روؤف نظر إلى السلم حيث صعدت حنان، ثم استدار وسار مباشرة نحو مكتب والده جابر، لم يطرق الباب، بل فتحه بقوة ودخل...جابر المعلم كان جالساً خلف مكتبه، يرتدي نظارته ويراجع بعض الأوراق. رفع رأسه ببطء، نظرة حكيمة لكنها صارمة جابر بهدوء:
"كنت متوقعك. إيه اللي خلاك طردت سراج من البيت؟"
روؤف تقدم ووقف أمام المكتب، غضبه من سراج لم يكن ما يشغل باله الآن روؤف بحدة لكن بنبرة حاسمة:
"سراج مش مهم دلوقتي يا بابا. أنا داخل أتكلم معاك في موضوع يخص البيت ده... ويخصني أنا."
جابر خلع نظارته ببطء، وضعها على المكتب وعيناه مثبتتان على روؤف....جابر بجدية وقوة:
"أكيد يخص البنت اللي أمك بتقول إنك جبتها هنا . مين دي بالظبط يا روؤف؟"
روؤف رفع ذقنه بعناد:
"اسمها سيرين.....بنت أختها ماتت.....كنت مطرودة من شقتها وسالم ضربها.....أنا جبتها هنا.....هي في جناح الضيوف وهتفضل هنا لحد ما أتصرف."
جابر هز رأسه بيأس...جابر بعمق:
"ليه متمسك بيها كده يا روؤف؟ ده وضع غريب عليك. إنت بتهتم بيها بطريقة غير طبيعية."
روؤف نظر إلى الأرض للحظة، لم يستطع الرد على سؤال والده عن سبب تمسكه بها، وكأن الإجابة تائهة بين مشاعر الحماية والخوف من ماضيه.
روؤف بصوت خشن ومتهرب:
"هي... هي محتاجة حماية.....ومحدش هيقدر يحميها غيري.....والبيت ده أمان ليها."
جابر (بتحذير):
"روؤف....أنت المعلم.....وسمعتك وسمعة العيلة أهم من أي شيء لو فضلت في جناح الضيوف، هتجيب كلام علينا.....إيه رأيك؟ تتجوزها وقتها محدش يقدر يتكلم، ولا يلمسها غيرك."
روؤف صمت، ثم انفجر فجأة، وعلامات الجرح والغضب ظهرت على وجهه......روؤف بغضب مكتوم شديد:
"أنا مبقاش عندي قلب عشان أفكر أتجوز تاني! جواز؟ أنا مش هسمح لست تدخل حياتي وتنام في بيتي وهي بتفكر في غيري! الزواج خلاص! أنا قفلت الباب ده للأبد."
جابر نظر إليه بهدوء مؤلم.
"البنت دي مش هتقعد في البيت ده يا روؤف، وهي مش مراتك.....أنا مش هسمح بالوضع ده....إما تتجوزها أو تشوف لها مكان آمن بره البيت ده فوراً...."
روؤف عاد إلى بروده القاسي مرة أخرى. التفت ناحية الباب.....روؤف بصوت منخفض، لا يسمح بالنقاش:
"هي مش هتخرج من البيت ده. ومحدش هيقرب لها غيري. هي في حمايتي دلوقتي.......وهتقعد في جناح الضيوف لحد ما أقرر مصيرها. الزواج مرفوض، والرحيل مرفوض......كلامي مفهوم يا بابا."
جابر بصوت خفيض(هو عارف ان الكلام ده هيوجعه )
"خايف يا رؤوف؟ خايف تفتح باب قلبك لواحدة تانية فتقوم كسرالك الباقي من كرامتك زي ما عملت أم ماري؟"
رؤوف اتجمد مكانه، وعروق إيده برزت وهو ضاغط على طرف المكتب بقوة رؤوف بصوت طالع من بين سنانه:
"متجبش سيره الخاينه دي على لسانك.......تاني
و أنا مابخافش.....بس أنا مش غبي عشان أعيد الغلطة مرتين......الستات كلهم صنف واحد، بيبينوا البراءة وهما شايلين الخناجر ورا ضهرهم.......وسيرين دي... دي متعرفش يعني إيه دنيا أصلاً هبلة، وممكن أي كلمة توديها وتجيبها."
جابر قام من مكانه وقرب منه:
"لو هبلة زي ما بتقول، يبقى إيه اللي شاددك ليها؟ ليه مش قادر تسيبها تروح لدار رعاية أو لأي حد من قرايبها؟"
رؤوف التفت لوالده وعينيه فيها لمعة غريبة:
"عشان هي أمانة وأنا المعلم رؤوف، مابرميش أماناتي للكلاب اللي بره....سالم كان هينهش لحمها، والشارع مش هيرحمها. لو خرجت من هنا... هضيع."
جابر ضحك بمرارة:
"هي اللي هتضيع؟ ولا إنت اللي خايف تضيع منك؟ يا بني إنت بتعاملها كأنها عصفور مكسور الجناح بس حاطه في قفص حديد....إنت مش بتحميها..... إنت بتمتلكها عشان تعوض النقص اللي سابته الخيانة فيك عايز تسيطر على كل نَفَس بتتنفسه عشان تضمن إنها مش هتخونك."
رؤوف صرخ بحدة:
"وماله؟ لو السيطرة هي اللي هتحميها وتحميني من وجع الدماغ، يبقى هسيطر! مش هتخرج، ومش هتتعامل مع حد، وهتفضل تحت عينيي.....والجواز ده شيله من دماغك يا حاج جابر... أنا مش هتجوز واحدة عشان 'أستر' عليها، أنا هحميها بطريقتي أنا."
جابر تنهد بأسف:
"طريقتك دي هتكسرها يا رؤوف. البنت باين عليها رقيقة، وإنت صخر. الصخر بيموت الورد يا ابني."
رؤوف ببرود مخيف:
"لو الوردة دي مش هتعيش غير في أرضي، يبقى تستحمل قسوة صخري. المهم مفيش إيد غريبة تلمسها."
خرج رؤوف من المكتب ورزع الباب وراه، وساب جابر وهو متأكد إن ابنه وقع في فخ هو نفسه مش فاهمه، فخ اسمه "الهوس"، وإن سيرين مش مجرد ضيفة، دي بقت قضية حياة أو موت بالنسبة لرؤوف.
...............
حنان طلعت الجناح وهي شايطة، نار الغيرة كانت واكلة قلبها من كلمة سراج، ودخلت وهي بتبرطم:
"ماشي يا سراج.. أما نشوف البسكوته دي تطلع إيه، ده أنا هخلي يومها..."
قطعت كلامها فجأة لما شافت سيرين قاعدة على طرف السرير، ومريم الصغيرة بتزغزغها وسيرين بتضحك معاها ضحكة رقيقة وصافية جداً، ضحكة خلت حنان تقف مكانها وتنسى غضبها وتتأمل جمالها بهدوء.
سيرين لما شافت حنان، بطلت ضحك واتكسفت، وقامت وقفت برقة وهي بتبتسم ابتسامة خجولة وهادية.
حنان بدأت تمشي ببطء وتلف حوالين سيرين وهي بتعاينها بإعجاب وانبهار مش قادرة تخبيه:
"ما شاء الله.. إيه ده؟ ده سراج مكنش بيبالغ! ده إنتي فعلاً بسكوته وبالكريمة كمان.. إيه يا بنتي الرقة دي؟ هو إنتي حقيقية ولا مرسومة؟"
سيرين وشها بقى أحمر زي الفراولة وسكتت من الكسوف. وهي بتبص للأرض......زهرة بصت لحنان وقالت بطلب حنون:
"يا حنان.. . خديها الجناح عندك، سرحي لها شعرها واهتمي بيها وشوفي لها طقم شيك من عندك يليق بجمالها ده."
حنان بابتسامة واسعة:
"من عيوني يا ماما.. تعالي بقى يا بسكوته ورايا، ده أنا هعمل فيكي عمايل تخلي اللي تحت دول ينبهروا."
أخدت حنان سيرين على جناحها، وقعدتها قدام المراية وبدأت تجيب المشط والزيوت بتركيز......
حنان وهي بتسرح شعر سيرين ببطء واستمتاع:
"بصي يا ستي.. شعرك ده ثروة، طويل وناعم بس محتاج شوية 'دلع'. أنا هعملهولك ضفيرة فرنسية واسعة تليق على وشك الصغير ده. وعارفة؟ سراج خطيبي لو شافك بالمنظر ده، أنا اللي هقتله لو عينه زاغت، بس الحق يتقال.. الرقة دي ميتشبعش منها.
حنان خلصت الضفيرة، وراحت للدريسنج روم وطلعت بيجامة ستان لونها "بيبي بلو" ومعاها الروب الدانتيل بتاعها....حنان بحماس:
"البسي دي.. اللون ده هياكل من وشك حتة.....ويلا يا قمر عشان 'المعلم الكبير' مستنينا تحت، ورؤوف أخويا لو اتأخرنا عليه أكتر من كده، هيخلي فطارنا كله نكد!"
حنان ساعدت سيرين تلبس، وحطت لها لمسة رقيقة من "التينت" خلت وشها ينور أكتر، وسيرين كانت بتبص لنفسها بذهول، كأنها أول مرة تشوف جمالها
خرجت حنان من الجناح وهي ممسكة بيد سيرين، ومريم تمشي بجانبهما وتقفز بمرح. كانت سيرين تشعر بالخجل، فكل شيء حولها جديد وفخم، لكن حنان كانت تشجعها بهمساتها المضحكة.....
على طاولة الإفطار، كان الصمت سيد الموقف....المعلم جابر يرتدي نظارته ويقرأ في كتاب بوقار، وسراج يقلب في هاتفه لكن عينه كل ثانية تلمح السلم أما المعلم رؤوف.. فكان يجلس كالملك، يرتدي قميصاً أسود يبرز عرض كتفيه، وعيناه مثبتتان ببرود يخفي خلفه عاصفة من الفضول.........فجأة، ظهرت حنان.. وخلفها سيرين.
سراج ترك هاتفه فورا، وفتح فمه بذهول غير مدرك، وهمس لنفسه:
"يا نهار أبيض.. دي قلبت بسكوتة بجد!
(ولاه هو بيحب حنان هو مش قصده حاجه سيرين زي اخته )
أما رؤوف.. فـ لأول مرة منذ سنوات، تجمدت يده التي كانت تمسك بقدح القهوة. نظر إليها من أسفل قدميها حتى قمة رأسها. "البيبي بلو" جعل بشرتها تبدو كالحليب والضفيرة الفرنسية أعطتها براءة جعلت قلبه القاسي يهتز هزة خفيفة لم يفهمها........وشفايفها كانت كحبة كرز ناضجة مرسومة بدقة لونها وردي طبيعي زاد من بريقه لمسة "التينت" الرقيقة التي وضعتها حنان كانت ممتلئة قليلاً وباهية وكأنها خلقت لتبتسم فقط مما جعل روؤف يشد على قبضة يده دون أن يشعر، محاولاً استعادة سيطرته على نبضات قلبه التي خانته فجأة.......ظل يراقب حركتها الرقيقة وهي تقترب وعروق يده برزت وهو يضغط على الكرسي.
حنان بمرح كسر الصمت:
"إيه يا جماعة؟ القطة أكلت لسانكم؟ بسكوته صح؟"
رؤوف استعاد بروده بسرعة.....وحمحم بصوته الرجولي الخشن:
"اتأخرتوا ليه؟ القهوة بردت."
حنان بغمزة:
"الشياكة بتاخد وقت يا أبيه، ولا إيه رأيك؟"
رؤوف تجاهلها تماماً ووجه نظره لسيرين التي كانت تقف مرتعشة من نظرته:
"اقعدي كلي.. ومسمعش صوتك."
جلست سيرين بجانب حنان، وبدأت تأكل ببطء شديد وبحياء، بينما المعلم جابر يراقبها بنظرات أب فاحصة وهادئة.....جابر بابتسامة وقورة وهادية:
"نورتي يا بنتي....ما شاء الله إيه الجمال الصافي ده؟ حنان عندها حق.......إنتي فعلا بسكوته وترد الروح.....
ده البيت نور بيكي وبضحكتك اللي سمعناها فوق."
سيرين رفعت عينيها الخضراء بامتنان وخجل وقالت بصوت رقيق:
"شكراً يا عمي.. البيت منور بأهله."
جابر كمل بإعجاب وهو بيبص لرؤوف بنظره خبيثه:
"والله يا رؤوف البنت ملامحها نادرة.. سبحان من صور عينيها دي....دي عينين غزال تاه في بلادنا.....يبخت اللي هتكون من نصيبه"
رؤوف في اللحظة دي حَس بنار ولعت في صدره.. مش طايق كلمة غزل واحدة تتقال فيها حتى لو من أبوه كان حاسس إن كل كلمة جابر بيقولها هي "لمسة" لملكيته الخاصة......وكمان يبخت اللي هتكون من نصيبه
ومن غير أي مقدمات رؤوف حدف كوباية القهوة اللي في إيده على الأرض بكل قوته.......الكوباية اتدشدت لمليون حتة وعملت صوت فزع الكل، والقهوة اتدلق على السجاد.....سيرين اتخضت وشهقت وحطت إيدها على قلبها.... والكل سكت بذهول....رؤوف نطق من بين سنانه وصوته كان مرعب في هدوءه:
"القهوة بردت.. ومبقتش تتشرب."
بص ناحية المطبخ وزعق بصوت جهوري:
"يااااا سعااااااااد.........تعالي شيلي القرف ده فوراً وجهزي قهوة تانية في المكتب!"
سراج وحنان بصوا لبعض بصدمة، هما عارفين إن القهوة مكنتش بردت، بس فهموا إن "المعلم" جاب آخره من كلام والده عنها.....جابر رفع حاجبه وبص لابنه بأسف:
"في إيه يا رؤوف؟ ولا الكلام هو اللي مبردش على قلبك؟"
رؤوف قام وقف بطوله الفارع، وبص لسيرين نظرة أخيرة كانت كفيلة تخلي نبضها يقف، وقال بجمود:
"الفطار خلص بالنسبة لي.. كملوا إنتوا."
ولسه هيمشي انفتح الباب الخارجي بقوة، ودخل زياد، شقيق رؤوف الأصغر، كان يرتدي ملابسه الرياضية ويبدو عليه الحماس، لكن أول ما وقعت عينه على سيرين.......اختفت ابتسامته فوراً وتحولت لملامح مصدومة ومشمئزة....
