رواية قطرات أنثوية الفصل الرابع 4 بقلم حنين احمد
( الفصل الرابع )
جالسة في انتظار الأستاذ الذي تأخرعلى غير عادته تستمع للأحاديث
الدائرة بشرود ورغما عنها تستعيد ما رأته بالمكان المرة الأخيرة التي
كانت هنا فيها .. ظلت تحاول أن تتحاشى النظر إلى تلك البقعة حتى وقع
نظرها على الفتاة ..
اتسعت عينيها بخوف وارتبكت بقوة والتفاصيل تعود إليها مرة أخرى
وكأنها لازالت تحدث أمامها لتنتفض بمكانها ثم تلتقط حقيبتها وتركض
للخارج غير مبالية بسها وهنا اللتان تناديان عليها ولا بكل من
اصطدمت بهم بطريقها ..
كل ما أرادته أن تخرج من هذا المكان علّ الصور التي تلاحقها
تتوقف ..
كانت تركض وتصطدم بالعديد من الناس قبل أن تتوقف فجأة بفعل يد
شخص ما يسألها عن شيء وهي تنظر إليه تكاد لا تراه من فرط
الرعب الذي يتملكها ..
لا ترى سوى ما حدث لتقى وما حدث لتلك الفتاة التي شاهدتها بالداخل
حتى توقف كل شيء فجأة بعدما تلقت صفعة مدوية جعلت كل ما حولها
يصمت فجأة وكأنه لم يكن ..
- يا إلهي ماذا فعلت أيها المجنون ؟؟ نور !! هل أنتِ بخير ؟؟
كانت مغمضة عينيها بعدما تلقت الصفعة التي أوقفت جنونها ثم سمعت
السؤال .. الصوت مألوف لها ولكنها لم تتعرف عليه فاضطرت لفتح
عينيها لتقابلها عينين رماديتين مظلمتين بمشاعر غريبة مبهمة لم تفهمها
ولم تحاول حتى فهي فجأة انتبهت لما كان يحدث ..
تلفتت حولها فوقع بصرها على أستاذ مراد ..
المحاضر الذي كانوا بانتظاره في الصف وهو ينظر إليها بتساؤل
فأدركت أنه هو من ألقى عليها السؤال ..
- نور ؟؟ هل تشعرين بشيء ؟؟ هل أصحبك للطبيب ؟؟
- لا .. أنا .. أنا بخير فقط .. أريد الرحيل من هنا
هتفت بها نور بضعف وهي تنظر إليه بتوسل وتتحاشى النظر إلى
الآخر الذي تشعر بنظراته مسلطة عليها بطريقة أثارت بنفسها مشاعر
مبهمة غريبة عليها وجعلتها تشعر بالخوف والارتباك من وضعها
حتى أنها رفعت يدها بتردد لشعرها تعدل من وضعها وهي تحاول أن
تجد صوتها حتى تطالبه أن يهاتف عصام حتى يصحبها للمنزل
- لم لا ترتاحين قليلا قبل الرحيل ؟
هتف بها مراد وقبل أن تتمكن من الرد عليه هدر صوت من خلفها
جعل الواقف أمامها يشتعل ..
- نور؟؟ حبيبتى !! ماذا حدث ؟؟
ما إن سمعت نور صوت عصام حتى ركضت تختبئ بحضنه كعادتها
ليضمها بقوة تحت أنظار مراد الذي اقترب منهما ليشرح لعصام
ما حدث والآخر الذي رمقهم بنظرة غريبة قبل أن يغادر دون كلمة
واحدة .
.......................
كان يسير مع مراد حتى مكان المحاضرة التي سيلقيها مراد وهو
يستمع إلى حديث مراد بذهن غائب حتى لمحها ..
في البداية ظن أنه شاب يركض بمزحة مع أصدقائه حتى اقتربت منهما
ليجد أنها فتاة بهيئة شاب تركض وعلى وجهها علامات رعب غريب حتى
اصطدمت بمراد الذي أمسكها من ذراعيها وهو يهتف باسمها والفتاة
تبدو أنها لا تسمعه حتى ..
فاضطر إلى صفعها بقوة حتى تخرج من الحالة الهيستيرية التي تسيطر
عليها ..
اتسعت عينا مراد وهو يهتف به يسأله عما فعله أما هو فقد شعر بتجمد
خلايا جسده لرؤيتها ..
احساس غريب سيطر عليه لدى رؤيتها لا يعرف كنهه .. كل ما يعلمه
أنه يريد هذه الفتاة بقوة وسيحصل عليها بأي طريقة ..
حتى سمع صوت شاب خلفهما يهتف باسمها ويدعوها حبيبتي !!
بتلك اللحظة شعر وكأن كل شياطين العالم اجتمعت أمام عينيه فنظر لها
وهي تركض إليه تختبئ بأحضانه والآخر يضمها إليه غير عابئين
بالمكان الذي يقفان فيه وما استفزه أكثر أن مراد ذهب إليهما يشرح له ما
حدث فرمقهم جميعا بنظرة حارقة قبل أن يعود إلى مكتبه الذي غادره
تحت إلحاح مراد أن يحضر معه هذه المحاضرة ..
عاد إلى المكتب صافعا الباب خلفه بقوة وهو يكاد يشتعل وصورتها وهي
تلقي بنفسها بين ذراعي الآخر تحرقه بقوة حتى إنه جذب شعره بعنف
كاد يقتلعه من جذوره ..
بداخله تتنازع رغبتان ..
رغبة تطالب بالحصول على الفتاة فهي نموذج جذاب يتوق للحصول عليه
ليضمه إلى قائمة انتصاراته ..
والرغبة الأخرى تطالبه بالتقرب منها ومعرفتها جيدا قبل أن يضمها
لقائمة انتصاراته الطويلة جدا ..
ورغم أن كلا الرغبتين يصبان في طريق واحد بالنهاية إلا أن
الرغبة الثانية تشكل تهديدا على أمنه وسلامه النفسي ..
---------------
- أنتِ جميلة تقى هل تعلمين ذلك ؟؟ لذا أحب أن ألعب معك
- أبي !!
- لا تناديني أبي
هتف بها بحدة قبل أن يتابع بهمس :
- ناديني راغب .. أحب سماع اسمي من بين شفتيك
- لماذا تتحدث بهذه الطريقة ؟؟ أبي ماذا تفعل ؟ لماذا تزيل ملابسي ؟
- سنلعب لعبة حلوة تقى .. لعبة بحلاوتك
- لا أريد هذه اللعبة
- لماذا ؟ إنها حلوة ولكن هذا سرنا الصغير تقى لا تخبري أحدا عنه
وإلا..... سأعاقبك بقوة , والآن اصمتِ ودعينا نلعب
وضعت يديها على أذنيها وهي تحرك رأسها يمينا ويسارا بعنف ودموعها
تسيل أنهارا على وجنتيها وهي تهمس :
- لا.. لا .. أخرج من رأسي لا أريد أن أتذكرك ... أخرج
ظلت تبكي وتنتفض مكانها وهي تحتضن نفسها بذراعيها تبحث عن
أمان افتقدته منذ سنوات حتى تذكرتها ..
((نور))
الوحيدة التي تستطيع الحديث معها بلا خوف
لابد لها من رؤيتها .. لقد انقطعت عن زيارتها منذ فترة طويلة حتى
إنها تتهرب دوما من لقائها رغم أنها الوحيدة التي تقف بجانبها حقا
هي كانت طوق النجاة من كل القذارة التي عاشت بها سنوات دون أن
يشعر بها أحدا أبدا .. حتى والدتها لم تشعر بما تعانيه ..
والدتها التي كانت تعتني بزوجها أكثر منها هي ابنتها ..
والدتها التي لم تعلم أبدا بما تعانيه ابنتها طوال سنوات على يد والدها
أب تخجل الأبوة أن تمنحه لقبها ..
ورجل تخجل الرجولة من وجود أمثاله ..
عادت بذاكرتها إلى ذلك اليوم الذي طلبت من والدتها أن تصطحب نور
معهما للمنزل فوالدها مسافر لذا تأمن على نور من غدره ..
فلاش باك
ظلتا تتحدثان على الفراش حتى استغرقت هي في النوم ولم تعلم أن
والدها قد عاد من السفر بعد نومها ..
استيقظت على همسات بجانب أذنها فتحت عينيها تظنها نور لتصطدم
عينيها بعينيه اللامعتين في الظلام كالوحوش ..
انتفضت من فراشها ليمسك بها مهدئا كادت تصرخ وتستنجد بنور إلا
أنه على مايبدو فهم رغبتها فهمس إليها بخبث :
- لو أردت أن تشاركنا نور الصغيرة اللعب فلا مانع لدي عزيزتي
وقتها اتسعت عينيها وهي ترمق نور البريئة التي تنام بهدوء على
الفراش المجاور قريرة العين لا تشعر بما يحدث حولها لينتفض
قلبها خشية عليها فنهضت معه دون أي مقاومة منها ..
إذا كان ثمن مقاومتها له هي براءة نور فلن تقاومه أبدا ..
لن تجعله يلوثها كما تلوثت هي .. لن تكون هي السبب في قتل براءة نور
وروحها كما قُتِلَت هي من قبل على يد أقرب الناس إليها ..
ذهبت معه إلى الغرفة الوحيدة الخالية في المنزل والتي أعدتها والدتها
حتى تستقبل بها الزوار إذا أرادوا المبيت لديهم وكأن هناك من يزورهم
من الأساس سوى خالتها الوحيدة ..
تركت له نفسها يفعل بها ما يشاء حتى شعرت به يفعل شيئا مختلفا عن
كل المرات السابقة ..
شيئا خفق له قلبها رعبا واشمئزازا وجعلها تنظر حولها لعلها تجد من
ينجدها حتى وقع بصرها على نور الصغيرة التي تنظر إليهما بخوف
ولا تفهم شيئا مما يحدث ..
كانت على وشك أن تُذبَح على يد والدها حتى رأت نور ..
توسلتها بعينيها أن تنقذها فلم تخيب نور أملها فيها أبدا .. وفهمت ما
أرادت قوله لها وذهبت وجاءت بوالدتها التي تسمرت أمام هول
ما رأته ..
- راغب ؟؟! ما الذي تفعله بابنتنا ؟؟
تجمد راغب وهو يستقيم من فوق تقى وهو يحاول أن يجمع شتات
نفسه ألم يضع لها المنوم بيده حتى يستطيع إنهاء ما يريده دون مقاطعة نهرها قائلا :
- ما الذي أيقظك يا إمرأة ؟؟
- ماذا ؟؟ هل .. هل لهذا ترفض أن تقربني ؟؟
ليس لأنك مريض كما تركتني أظن بل لأنك ت...ت... ابنتك راغب ؟؟
أنت بالفعل مريض .. لا أنت حيوان .. حيوان
قالتها وهي تضربه بكلتا يديها وتخمش وجهه بأظافرها وهي لازالت
غير مصدقة لما رأته بعينيها منذ قليل ..
استطاع التملص منها وأسرع بالهروب قبل أن تستنجد بأحد آخر ..
أما تقى فقد احتضنتها نور وهي تغطيها بغطاء الفراش تسترها به
بعد أن هتك سترها والدها نفسه ..
اقتربت منها والدتها تنظر إليها بخوف وهي تهتف بها :
- هل فعل لك شيئا ؟؟ هل .. هل.... أخبريني ما فعله بك ؟؟
- لا تقلقي أمي لم يفعل ما تقصدينه إلا أنه لو تأخرت نور قليلا لكان
قد فعلها بكل تأكيد
أغمضت عينيها بألم وهي تتخيل رعب ابنتها الصغيرة مما كان يفعله
والدها بها .. ترى كم مرّ عليها وهي غافلة عما يفعله ذاك الحيوان بها ؟؟
وكم تعذبت ابنتها رغم القوة التي تتظاهر بها أمامها الآن ؟؟
لم لم تخبريني ابنتي بما يفعله بك ؟
اقتربت منها وضمتها مع نور بقوة ودموعها تنهمر على وجنتيها وهي
تهتف داخلها :
- سامحيني ابنتي على تركك فريسة له دون أن أعرف شيئا عما
يحدث .. سامحيني على عدم اكتشافي لكل ما يحدث ..
ليتني علمت لكنت قتلته بلا أي تردد ابنتي ..بلا أي تردد
ولكن رغما عنها ظل صوتها حبيسا بصدرها وظل السماح طي الكتمان
لم تطلبه منها أبدا وليتها طلبته ..
ربما لم تكن لتسمع صرخات ابنتها تتردد بين جنبات المنزل كل فترة ..
ربما لم تكن ابنتها لتتحول إلى ذلك الشبح الذي صارته ..
ربما لو كانت قتلته بدلا من حصولها على الطلاق فقط لكان حال ابنتها
اختلف عما هي عليه الآن ..
ظلت تنظر إليها وقلبها يتمزق بقوة وهي تراها مغمضة عينيها..
تحيط نفسها بذراعيها وهي ترتجف ..
يبدو أنها تستعيد ذكرى ما حدث لها مرة أخرى كما هو الحال كل فترة
سخرت من نفسها وهي تبتعد عن غرفة ابنتها .. وهل نسيت ما حدث
من الأساس حتى تتذكره ؟؟
هي صمتت فقط كما صمتوا جميعا عما حدث .. حتى أنها عندما
اقترحت أن تعرضها على طبيبة للإطمئنان ثارت عليها شقيقتها
وأخبرتها أنها هكذا ستزيد الأمر سوءا عليها وأن عليها أن تكون
على ثقة بكلام ابنتها أنه لم أراده ما يفعله بل وتعرضها على طبيبة
نفسية ولكنها للأسف تخاذلت مع أول محاولة مع تقى ..
تقى التي انعزلت عن العالم أجمع بعد ما حدث إلا عن نور ..
الوحيدة التي استطاعت أن تخترق عزلتها هي نور ولكن للأسف
لم يستمر هذا سوى فترة محددة قبل أن تتغير تقى إلى النقيض تماما ..
تقى التي كانت خجولة لا تنظر لأحد مباشرة أصبحت فتاة أخرى
فتاة لا تعرف حدودها أبدا .. علاقاتها الكثيرة التي تثير جنونها وخوفها
عليها ولا تعلم كيف تتعامل معها ..
لقد تركت الشقة التي كانت تسكنها مع زوجها وانتقلت للعيش بمنزل
والدتها حتى تبتعد عن محيط ما حدث كما نصحتها شقيقتها ..
حاولت التقرب من ابنتها ولكن بلا جدوى .. يبدو أنها تلومها لما حدث
معها دون أن تدرك أنها كانت ضحية مثلها تماما ..
فهي قد رفضت أن تصّعد الموضوع للشرطة
كما نصحهم عمران زوج صفيه شقيقتها واكتفت بأن نالت الطلاق
وحضانة ابنتها التي تنازل عنها بالطبع ..
ماذا كان بيدها أن تفعل سوى ذلك ؟؟
وكل ذلك من أجل سمعة ابنتها فقط ..
من أجل ألا تسمع كلمة تسيء إليها من أحدهم حول ما حدث ..
ولكن للأسف يبدو أن ابنتها لم تفهم أن كل التكتم والصمت كان من
أجلها هي فقط ولا سبب آخر ..
الأمر الذي سبب لها ونور على ما يبدو صراعا داخليا كبيرا انتهى
بطريقة مختلفة لدى كلتاهما ..
فنور أخفت ملامح أنوثتها تماما عن الأعين وتقمصت مظهر الشاب
بحياتها ولا أحد استطاع أن يخرجها من هذا الطريق ..
أما تقى .. فهي اتخذت الطريق المضاد تماما ..
فهي أصبحت أكثر اهتماما بنفسها وبأنوثتها وكأنها تتعمد لفت الأنظار
إليها ولا تفهم كيف ؟!
أصبحت تخشى عليها كثيرا من الطريق الذي تسير به ولا تعلم ما
السبيل لإعادتها لصوابها ..
تريدها أن تصرخ بها أن تلومها أن تفعل أي شيء سوى إيذاء نفسها
بتلك الطريقة ..
هل تستعين بصفيه وعمران ؟؟
هي تعلم أن تقى تقدّر عمران كثيرا .. بل تقريبا هو الرجل الوحيد الذي
يحوذ ثقتها وحبها ..فهل سيكون بيده علاجها ؟؟
زفرت بحنق وهي تدعو الله أن يهدي ابنتها إلى الطريق الصحيح وأن
يحميها ويحفظها كما حفظها دائما .
جالسة في انتظار الأستاذ الذي تأخرعلى غير عادته تستمع للأحاديث
الدائرة بشرود ورغما عنها تستعيد ما رأته بالمكان المرة الأخيرة التي
كانت هنا فيها .. ظلت تحاول أن تتحاشى النظر إلى تلك البقعة حتى وقع
نظرها على الفتاة ..
اتسعت عينيها بخوف وارتبكت بقوة والتفاصيل تعود إليها مرة أخرى
وكأنها لازالت تحدث أمامها لتنتفض بمكانها ثم تلتقط حقيبتها وتركض
للخارج غير مبالية بسها وهنا اللتان تناديان عليها ولا بكل من
اصطدمت بهم بطريقها ..
كل ما أرادته أن تخرج من هذا المكان علّ الصور التي تلاحقها
تتوقف ..
كانت تركض وتصطدم بالعديد من الناس قبل أن تتوقف فجأة بفعل يد
شخص ما يسألها عن شيء وهي تنظر إليه تكاد لا تراه من فرط
الرعب الذي يتملكها ..
لا ترى سوى ما حدث لتقى وما حدث لتلك الفتاة التي شاهدتها بالداخل
حتى توقف كل شيء فجأة بعدما تلقت صفعة مدوية جعلت كل ما حولها
يصمت فجأة وكأنه لم يكن ..
- يا إلهي ماذا فعلت أيها المجنون ؟؟ نور !! هل أنتِ بخير ؟؟
كانت مغمضة عينيها بعدما تلقت الصفعة التي أوقفت جنونها ثم سمعت
السؤال .. الصوت مألوف لها ولكنها لم تتعرف عليه فاضطرت لفتح
عينيها لتقابلها عينين رماديتين مظلمتين بمشاعر غريبة مبهمة لم تفهمها
ولم تحاول حتى فهي فجأة انتبهت لما كان يحدث ..
تلفتت حولها فوقع بصرها على أستاذ مراد ..
المحاضر الذي كانوا بانتظاره في الصف وهو ينظر إليها بتساؤل
فأدركت أنه هو من ألقى عليها السؤال ..
- نور ؟؟ هل تشعرين بشيء ؟؟ هل أصحبك للطبيب ؟؟
- لا .. أنا .. أنا بخير فقط .. أريد الرحيل من هنا
هتفت بها نور بضعف وهي تنظر إليه بتوسل وتتحاشى النظر إلى
الآخر الذي تشعر بنظراته مسلطة عليها بطريقة أثارت بنفسها مشاعر
مبهمة غريبة عليها وجعلتها تشعر بالخوف والارتباك من وضعها
حتى أنها رفعت يدها بتردد لشعرها تعدل من وضعها وهي تحاول أن
تجد صوتها حتى تطالبه أن يهاتف عصام حتى يصحبها للمنزل
- لم لا ترتاحين قليلا قبل الرحيل ؟
هتف بها مراد وقبل أن تتمكن من الرد عليه هدر صوت من خلفها
جعل الواقف أمامها يشتعل ..
- نور؟؟ حبيبتى !! ماذا حدث ؟؟
ما إن سمعت نور صوت عصام حتى ركضت تختبئ بحضنه كعادتها
ليضمها بقوة تحت أنظار مراد الذي اقترب منهما ليشرح لعصام
ما حدث والآخر الذي رمقهم بنظرة غريبة قبل أن يغادر دون كلمة
واحدة .
.......................
كان يسير مع مراد حتى مكان المحاضرة التي سيلقيها مراد وهو
يستمع إلى حديث مراد بذهن غائب حتى لمحها ..
في البداية ظن أنه شاب يركض بمزحة مع أصدقائه حتى اقتربت منهما
ليجد أنها فتاة بهيئة شاب تركض وعلى وجهها علامات رعب غريب حتى
اصطدمت بمراد الذي أمسكها من ذراعيها وهو يهتف باسمها والفتاة
تبدو أنها لا تسمعه حتى ..
فاضطر إلى صفعها بقوة حتى تخرج من الحالة الهيستيرية التي تسيطر
عليها ..
اتسعت عينا مراد وهو يهتف به يسأله عما فعله أما هو فقد شعر بتجمد
خلايا جسده لرؤيتها ..
احساس غريب سيطر عليه لدى رؤيتها لا يعرف كنهه .. كل ما يعلمه
أنه يريد هذه الفتاة بقوة وسيحصل عليها بأي طريقة ..
حتى سمع صوت شاب خلفهما يهتف باسمها ويدعوها حبيبتي !!
بتلك اللحظة شعر وكأن كل شياطين العالم اجتمعت أمام عينيه فنظر لها
وهي تركض إليه تختبئ بأحضانه والآخر يضمها إليه غير عابئين
بالمكان الذي يقفان فيه وما استفزه أكثر أن مراد ذهب إليهما يشرح له ما
حدث فرمقهم جميعا بنظرة حارقة قبل أن يعود إلى مكتبه الذي غادره
تحت إلحاح مراد أن يحضر معه هذه المحاضرة ..
عاد إلى المكتب صافعا الباب خلفه بقوة وهو يكاد يشتعل وصورتها وهي
تلقي بنفسها بين ذراعي الآخر تحرقه بقوة حتى إنه جذب شعره بعنف
كاد يقتلعه من جذوره ..
بداخله تتنازع رغبتان ..
رغبة تطالب بالحصول على الفتاة فهي نموذج جذاب يتوق للحصول عليه
ليضمه إلى قائمة انتصاراته ..
والرغبة الأخرى تطالبه بالتقرب منها ومعرفتها جيدا قبل أن يضمها
لقائمة انتصاراته الطويلة جدا ..
ورغم أن كلا الرغبتين يصبان في طريق واحد بالنهاية إلا أن
الرغبة الثانية تشكل تهديدا على أمنه وسلامه النفسي ..
---------------
- أنتِ جميلة تقى هل تعلمين ذلك ؟؟ لذا أحب أن ألعب معك
- أبي !!
- لا تناديني أبي
هتف بها بحدة قبل أن يتابع بهمس :
- ناديني راغب .. أحب سماع اسمي من بين شفتيك
- لماذا تتحدث بهذه الطريقة ؟؟ أبي ماذا تفعل ؟ لماذا تزيل ملابسي ؟
- سنلعب لعبة حلوة تقى .. لعبة بحلاوتك
- لا أريد هذه اللعبة
- لماذا ؟ إنها حلوة ولكن هذا سرنا الصغير تقى لا تخبري أحدا عنه
وإلا..... سأعاقبك بقوة , والآن اصمتِ ودعينا نلعب
وضعت يديها على أذنيها وهي تحرك رأسها يمينا ويسارا بعنف ودموعها
تسيل أنهارا على وجنتيها وهي تهمس :
- لا.. لا .. أخرج من رأسي لا أريد أن أتذكرك ... أخرج
ظلت تبكي وتنتفض مكانها وهي تحتضن نفسها بذراعيها تبحث عن
أمان افتقدته منذ سنوات حتى تذكرتها ..
((نور))
الوحيدة التي تستطيع الحديث معها بلا خوف
لابد لها من رؤيتها .. لقد انقطعت عن زيارتها منذ فترة طويلة حتى
إنها تتهرب دوما من لقائها رغم أنها الوحيدة التي تقف بجانبها حقا
هي كانت طوق النجاة من كل القذارة التي عاشت بها سنوات دون أن
يشعر بها أحدا أبدا .. حتى والدتها لم تشعر بما تعانيه ..
والدتها التي كانت تعتني بزوجها أكثر منها هي ابنتها ..
والدتها التي لم تعلم أبدا بما تعانيه ابنتها طوال سنوات على يد والدها
أب تخجل الأبوة أن تمنحه لقبها ..
ورجل تخجل الرجولة من وجود أمثاله ..
عادت بذاكرتها إلى ذلك اليوم الذي طلبت من والدتها أن تصطحب نور
معهما للمنزل فوالدها مسافر لذا تأمن على نور من غدره ..
فلاش باك
ظلتا تتحدثان على الفراش حتى استغرقت هي في النوم ولم تعلم أن
والدها قد عاد من السفر بعد نومها ..
استيقظت على همسات بجانب أذنها فتحت عينيها تظنها نور لتصطدم
عينيها بعينيه اللامعتين في الظلام كالوحوش ..
انتفضت من فراشها ليمسك بها مهدئا كادت تصرخ وتستنجد بنور إلا
أنه على مايبدو فهم رغبتها فهمس إليها بخبث :
- لو أردت أن تشاركنا نور الصغيرة اللعب فلا مانع لدي عزيزتي
وقتها اتسعت عينيها وهي ترمق نور البريئة التي تنام بهدوء على
الفراش المجاور قريرة العين لا تشعر بما يحدث حولها لينتفض
قلبها خشية عليها فنهضت معه دون أي مقاومة منها ..
إذا كان ثمن مقاومتها له هي براءة نور فلن تقاومه أبدا ..
لن تجعله يلوثها كما تلوثت هي .. لن تكون هي السبب في قتل براءة نور
وروحها كما قُتِلَت هي من قبل على يد أقرب الناس إليها ..
ذهبت معه إلى الغرفة الوحيدة الخالية في المنزل والتي أعدتها والدتها
حتى تستقبل بها الزوار إذا أرادوا المبيت لديهم وكأن هناك من يزورهم
من الأساس سوى خالتها الوحيدة ..
تركت له نفسها يفعل بها ما يشاء حتى شعرت به يفعل شيئا مختلفا عن
كل المرات السابقة ..
شيئا خفق له قلبها رعبا واشمئزازا وجعلها تنظر حولها لعلها تجد من
ينجدها حتى وقع بصرها على نور الصغيرة التي تنظر إليهما بخوف
ولا تفهم شيئا مما يحدث ..
كانت على وشك أن تُذبَح على يد والدها حتى رأت نور ..
توسلتها بعينيها أن تنقذها فلم تخيب نور أملها فيها أبدا .. وفهمت ما
أرادت قوله لها وذهبت وجاءت بوالدتها التي تسمرت أمام هول
ما رأته ..
- راغب ؟؟! ما الذي تفعله بابنتنا ؟؟
تجمد راغب وهو يستقيم من فوق تقى وهو يحاول أن يجمع شتات
نفسه ألم يضع لها المنوم بيده حتى يستطيع إنهاء ما يريده دون مقاطعة نهرها قائلا :
- ما الذي أيقظك يا إمرأة ؟؟
- ماذا ؟؟ هل .. هل لهذا ترفض أن تقربني ؟؟
ليس لأنك مريض كما تركتني أظن بل لأنك ت...ت... ابنتك راغب ؟؟
أنت بالفعل مريض .. لا أنت حيوان .. حيوان
قالتها وهي تضربه بكلتا يديها وتخمش وجهه بأظافرها وهي لازالت
غير مصدقة لما رأته بعينيها منذ قليل ..
استطاع التملص منها وأسرع بالهروب قبل أن تستنجد بأحد آخر ..
أما تقى فقد احتضنتها نور وهي تغطيها بغطاء الفراش تسترها به
بعد أن هتك سترها والدها نفسه ..
اقتربت منها والدتها تنظر إليها بخوف وهي تهتف بها :
- هل فعل لك شيئا ؟؟ هل .. هل.... أخبريني ما فعله بك ؟؟
- لا تقلقي أمي لم يفعل ما تقصدينه إلا أنه لو تأخرت نور قليلا لكان
قد فعلها بكل تأكيد
أغمضت عينيها بألم وهي تتخيل رعب ابنتها الصغيرة مما كان يفعله
والدها بها .. ترى كم مرّ عليها وهي غافلة عما يفعله ذاك الحيوان بها ؟؟
وكم تعذبت ابنتها رغم القوة التي تتظاهر بها أمامها الآن ؟؟
لم لم تخبريني ابنتي بما يفعله بك ؟
اقتربت منها وضمتها مع نور بقوة ودموعها تنهمر على وجنتيها وهي
تهتف داخلها :
- سامحيني ابنتي على تركك فريسة له دون أن أعرف شيئا عما
يحدث .. سامحيني على عدم اكتشافي لكل ما يحدث ..
ليتني علمت لكنت قتلته بلا أي تردد ابنتي ..بلا أي تردد
ولكن رغما عنها ظل صوتها حبيسا بصدرها وظل السماح طي الكتمان
لم تطلبه منها أبدا وليتها طلبته ..
ربما لم تكن لتسمع صرخات ابنتها تتردد بين جنبات المنزل كل فترة ..
ربما لم تكن ابنتها لتتحول إلى ذلك الشبح الذي صارته ..
ربما لو كانت قتلته بدلا من حصولها على الطلاق فقط لكان حال ابنتها
اختلف عما هي عليه الآن ..
ظلت تنظر إليها وقلبها يتمزق بقوة وهي تراها مغمضة عينيها..
تحيط نفسها بذراعيها وهي ترتجف ..
يبدو أنها تستعيد ذكرى ما حدث لها مرة أخرى كما هو الحال كل فترة
سخرت من نفسها وهي تبتعد عن غرفة ابنتها .. وهل نسيت ما حدث
من الأساس حتى تتذكره ؟؟
هي صمتت فقط كما صمتوا جميعا عما حدث .. حتى أنها عندما
اقترحت أن تعرضها على طبيبة للإطمئنان ثارت عليها شقيقتها
وأخبرتها أنها هكذا ستزيد الأمر سوءا عليها وأن عليها أن تكون
على ثقة بكلام ابنتها أنه لم أراده ما يفعله بل وتعرضها على طبيبة
نفسية ولكنها للأسف تخاذلت مع أول محاولة مع تقى ..
تقى التي انعزلت عن العالم أجمع بعد ما حدث إلا عن نور ..
الوحيدة التي استطاعت أن تخترق عزلتها هي نور ولكن للأسف
لم يستمر هذا سوى فترة محددة قبل أن تتغير تقى إلى النقيض تماما ..
تقى التي كانت خجولة لا تنظر لأحد مباشرة أصبحت فتاة أخرى
فتاة لا تعرف حدودها أبدا .. علاقاتها الكثيرة التي تثير جنونها وخوفها
عليها ولا تعلم كيف تتعامل معها ..
لقد تركت الشقة التي كانت تسكنها مع زوجها وانتقلت للعيش بمنزل
والدتها حتى تبتعد عن محيط ما حدث كما نصحتها شقيقتها ..
حاولت التقرب من ابنتها ولكن بلا جدوى .. يبدو أنها تلومها لما حدث
معها دون أن تدرك أنها كانت ضحية مثلها تماما ..
فهي قد رفضت أن تصّعد الموضوع للشرطة
كما نصحهم عمران زوج صفيه شقيقتها واكتفت بأن نالت الطلاق
وحضانة ابنتها التي تنازل عنها بالطبع ..
ماذا كان بيدها أن تفعل سوى ذلك ؟؟
وكل ذلك من أجل سمعة ابنتها فقط ..
من أجل ألا تسمع كلمة تسيء إليها من أحدهم حول ما حدث ..
ولكن للأسف يبدو أن ابنتها لم تفهم أن كل التكتم والصمت كان من
أجلها هي فقط ولا سبب آخر ..
الأمر الذي سبب لها ونور على ما يبدو صراعا داخليا كبيرا انتهى
بطريقة مختلفة لدى كلتاهما ..
فنور أخفت ملامح أنوثتها تماما عن الأعين وتقمصت مظهر الشاب
بحياتها ولا أحد استطاع أن يخرجها من هذا الطريق ..
أما تقى .. فهي اتخذت الطريق المضاد تماما ..
فهي أصبحت أكثر اهتماما بنفسها وبأنوثتها وكأنها تتعمد لفت الأنظار
إليها ولا تفهم كيف ؟!
أصبحت تخشى عليها كثيرا من الطريق الذي تسير به ولا تعلم ما
السبيل لإعادتها لصوابها ..
تريدها أن تصرخ بها أن تلومها أن تفعل أي شيء سوى إيذاء نفسها
بتلك الطريقة ..
هل تستعين بصفيه وعمران ؟؟
هي تعلم أن تقى تقدّر عمران كثيرا .. بل تقريبا هو الرجل الوحيد الذي
يحوذ ثقتها وحبها ..فهل سيكون بيده علاجها ؟؟
زفرت بحنق وهي تدعو الله أن يهدي ابنتها إلى الطريق الصحيح وأن
يحميها ويحفظها كما حفظها دائما .
