رواية احببت عبراني الفصل الرابع 4 بقلم مريم غريب
( 4 )
_ عزوف ! _
شعر "إبراهام" بدفعات متتالية تصيب كتفه ، لم تكن دفعات عنيفة ، لكنها كانت كفيلة لإيقاظه من نومه العميق ...
فتح عيناه بتثاقل و قلب نفسه ليري الفاعل و هو يغمغم :
-ألم أقل لا أريد إزعاج آ ا .. و بتر جملته التوبيخية
عندما شاهد أمه ... السيدة "إليان فردمان" هي التي تقف فوق رأسه ممسكة خصرها بيد ، رافعة أحد حاجبيها المرسومين بدقة و تهز قدمها بطريقة توحي بالعصبية و نفاذ الصبر ...
لانت نبرة صوته و هو يقول معتدلاً بجلسته فوق الفراش :
-أمي ! أهلاً بك . متي وصلت ؟ هل حدث شئ ؟
كان مضطرباً بسبب المفاجأة و ظهورها أمامه هكذا دون سابق إنذار ، بينما لم ترد الأم المتأنقة فوراً ، بل رفعت معصمها النحيل لتنظر بساعتها الثمينة ، ثم قالت بنعومة مهددة :
-بلغت الساعة الثامنة مساءً و ما زلت نائماً بفراشك يا ولدي العزيز .. خيراً . هل أنت مريض ؟
تنهد "إبراهام" و هو يفرك عينيه بقبضته قائلاً :
-لا يا أمي . لست مريضاً . لكنني قطعت مسافات طويلة اليوم . سافرت ذهاباً و إياباً خلال إثني عشر ساعة بدون إستراحة . قدت المروحية بنفسي . طبيعي شعرت بالتعب فنمت حتي الآن . هذا كل شيء .. و عبس مكملاً :
-لكن ما الأمر ؟ كنا نتكلم ليلة أمس . لما لم تخبرينني بقدومك ؟ هل حدث شيئاً طارئ جعلك تأتي بهذه الطريقة ؟!
لوت "إليان" فمها بإمتعاض لا يخلو من الحنق و قالت :
-لم يحدث شيء . أتيت لأتفقدك . بعد أن سمعت أخر أخبارك شعرت بالقلق عليك !
إبراهام مفغراً فاهه بغرابة :
-أخر أخباري ! ماذا تقولين و ما الذي سمعتيه عني بالضبط ؟!!
-سمعت أنك إقتنيت وحشاً ضارياً يا عزيزي . أحضرته من موطنه الوحشي و وضعته هنا في بيتك . بجوارك . مجرداً من الحديد و الأغلال .. ثم قالت بهدوء مفتعل :
-قل لي بني . هل هذا الكلام صحيح ؟ أم إنها مجرد شائعات كالتي تروج عنك مع النساء في الصحف المحلية ؟!
كان ينظر لها بإصغاء ، لم تفوته كلمة مما قالت ، و تقريباً توصل لفهم الأمر كله و عرف سبب حضورها المفاجئ ...
-باروخ دي روش ! .. تمتم "إبراهام" بتعبير هازئ
-أهو مصدر أخبارك يا أمي ؟
إليان بحدة :
-هذا لا يهم الآن . أريد أن أعرف الحقيقة فقط . هل حقاً قمت بشراء فتاة عربية مسلمة و أحضرتها معك إلي هنا ؟؟
إبراهام بسخرية :
-و هل جئت من إسرائيل إلي هنا لتسأليني هذا السؤال ؟ كان بإمكاني الإجابة عنه دون أن تتكلفي مشقة السفر بهذا الشكل . و لكن بما إنك أتيت بنفسك فنعم . لقد إشتريت فتاة عربية مسلمة .. و دفع الغطاء الخفيف ليقوم من سريره
تبعته "إليان" وصولاً إلي المرحاض الملحق بالغرفة و هي تصيح بعنف :
-تقول ذلك بهذه البساطة ؟ هل تدرك فداحة ما فعلت يا ولد ؟ هل لديك فكرة عن غضب ذوينا فور وصول الخبر إليهم ؟ و خاصة خطيبتك . ريتشل إلفمان و عائلتها . إنها غاضبة جداً و تعتزم المجيئ في أقرب وقت لتسمع القصة منك بنفسها . قل لي كيف ستحل هذه الكارثة ؟!!
يمد "إبراهام" يده ليأخذ منشفة من فوق أحد الرفوف ، يجفف بها وجه بعد أن غسله بالماء الفاتر و هو يقول :
-لا أهتم البتة بما يقولون عني بإسرائيل . لقد عشت حياتي كلها هنا و إخترت ذلك بنفسي . حتي أبي لم يرغمني علي اللحاق بكم إلي هناك . و بعد أن مات و إستلمت أنا اللواء من بعده . فأظن أن لي ملء الحرية لأتصرف كما أحب . هل رأيتني تزوجت بها لتغضبي هكذا يا أمي ؟
إليان بجمود :
-لا و لكن آ ..
-و لكن ماذا !! .. قاطعها بشئ من الإنفعال
-عجباً . أنتم تعيشون معهم علي نفس الأرض . تلك فلسطين و ليست إسرائيل . لا يفصلكم عنهم سوي ذلك الجدار اللعين و بعض البوابات الآخذة في التوسع . أتريدينني أن أصدق أنكم لا تتعاملون معهم إطلاقاً . لا بالطبع هناك الكثير من التعاملات و أنت تعرفين ذلك جيداً . و الآن تلومينني لإتخاذي واحدة منهم ؟!!
-ماذا ستفعل بها ؟ إن كنت تريد خادمة . فلديك هنا عشرات الخادمات جميعهن تحت إمرتك . و إن كنت تريد عشيقة فلائحتك كما يبدو لي و للجميع بلا نهاية . كل يوم قصة جديدة مع إمرأة جديدة و لا أحد يبالي أو يعقب عليك حتي خطيبتك تترك لك كل الحرية . إذن ما الذي قد يدفعك لإقتناء نكرة حقيرة مثل هذه ؟ ألا تتخيل تصورات المجتمع عن تلك القصة ؟ ألا يهمك ما يقولونه الناس عنك و عنا إبراهام ؟؟
إبراهام ببرود :
-تعرفين أنهم و الجماد واحد بالنسبة لي . ليذهب الجميع للجحيم . و لكن ليطمئن قلبك تلك الفتاة لا تعنيني أبداً . و لا أحمل لها بداخلي أي نوع من المشاعر . لا حب و لا كراهية و لا أي شيء . هذا اللعين هو السبب في إحضارها إلي هنا ! .. و أشار نحو قلبه ، و إستطرد بتهكم :
-قلبي الرقيق . الليّن كما قال باروخ . حين وقعت عيناي عليها حازت علي عطفي فوراً . إنها مجرد فتاة صغيرة . بها قدر من البراءة . و لم أرغب في أن تنتهك بوحشية علي أيدي ذوينا كما قلتي لتحيا بعد ذلك جسد بلا روح . لو حدث كانت لتصبح أخطر من الضواري يا أمي . فأنت لا تعرفي معني ألا يبقي لك شيء تخافين عليه من الخسارة !
إليان بسخرية :
-أتحاول ترويعي من فتاة عربية مثلها ؟ ماذا بإستطاعتها أن تفعل في جميع الأحوال ؟ إنها كالحشرة . هي و بنو عرقها جميعهم نسحقهم بأقدامنا عن بكرة أبيهم
إبتسم "إبراهام" قائلاً بوداعة :
-لا تستيهني بالحشرات هكذا . هناك بعض القوارض الضيئلة جداً سامة . لدغة واحدة منهم ربما تقضي علي حيوان كالفيل . و حتي الآن لم يبتكروا ترياقاً واحداً لهذه السموم !
عبست "إليان" قائلة :
-لا أكترث بكل ذلك . أريدك أن تنهي هذا الموضوع فقط . و الآن .. هذا ما جئت لأجله
زفر "إبراهام" بسأم و قال :
-لن ينتهي هذا الموضوع يا أمي . و لن أحقق أمنية الراڤ سير المحترم و أعيد له الفتاة . لقد دفعت له ثمنها و هي الآن ملكي و أنا لا أفرط بشئ من أملاكي . أتفهمينني ؟
كادت ترد ، فقاطعها للمرة الثانية :
-كفي أرجوك . لا داعي لإهدار جهودنا علي أحاديث لن تفضي لشيء . لقد قررت و إنتهي الأمر .. و أكمل مبتسماً :
-و الآن دعيني أرحب بعودتك و أضيفك الليلة عشاءً فاخراً . سنأكل ثم نجلس معاً . سنلعب الشطرنج كما أعتادنا بالأيام الخوالي و لن أجعلك تنامين قبل مطلع الفجر
إبتسمت "إليان" رغماً عنها ، ليرد لها الإبتسامة و ينحني مقبلاً يدها ثم يقول برقة :
-أهلاً بك يا أمي . إشتقت لك كثيراً !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
لحق "إبراهام" بوالدته بعد أن بدل ملابسه و إستعاد هيئته المهيبة كاملةً ...
و ها هو يهبط الدرج العريض مرتدياً قميصه الأسود المنسوج من الحرير ، و سروالاً مم نفس اللون ، كلاهما ضيقان يبرزان تفاصيل بنيته القوية
إنضم لأمه علي مائدة العشاء ، جلس في الكرسي الرئيسي ، و جلست علي يمينه ، ليتقدم طهاة العشاء و مساعديهم و يبدأ كلاً منهم بعرض و تقديم أصناف الطعام علي السيد و السيدة ...
-يا لها من رائحة طيبة رفاييل ! .. قالتها "إليان" مثنية علي صنيع الطاهي الرئيسي
-لقد إشتقت لطعامك يا عزيزي
رفاييل بإبتسامة خجولة :
-نحن من إشتقنا لوجودك بيننا يا سيدتي . مرحباً بعودتك
إبراهام بمرح :
-روائح رفاييل دائماً بالمطبخ مميزة يا أمي . إنها تسيل لعابي من علي بعد فكيف و المصادر أمامي الآن ؟
رفاييل بلطف :
-هنيئاً يا سيدي . يسعدني تقديم الأفضل لك علي الدوام
و هنا جاءت مدبرة المنزل البدينة .. "ليونيلا" ، إنحنت صوب "إبراهام" قليلاً و قالت بصوت أقرب إلي الهمس :
-سيد إبراهام . أعتقد أن يجب عليّ إخبارك بهذا !
إبراهام بصوته الهادئ :
-ماذا هناك ليونيلا ؟
-تلك الفتاة . آية .. إنها عازفة عن تناول الطعام . رفضت الغداء حين قدم لها و هي الآن ترفض العشاء يا سيدي !
تجهم وجهه لسماع هذا ، نظر إلي أمه ليكتشف أنها كلنت تراقبه بالطبع .. شد علي شفتيه و هو يقول لها معتذراً :
-عفواً يا أمي . سأنسحب لدقائق قليلة . هناك مشكلة صغيرة . سأعود قريباً ! .. و قام متوجهاً إلي غرفتها
في ظروف أخري كان ليستعمل معها أساليبه الرعناء ليعاقبها علي تلك الأفعال الصبيانية من وجهة نظره ، لكنه لا يريد أن يزيد الطين بلة ، علي الأقل حتي تقبل الطعام و إلا فستهلك لا محالة ...
قرع "إبراهام" الباب ثلاث مرات ، إنتظر لثوانٍ و هو يعلم أنها لن تجيب و هذا ما حصل بالفعل ، ولج راسماً علي ثغره إبتسامة لطيفة
كانت تجلس في الصالون المقابل لسريرها ، فوق الآريكة الوثيرة ، و أمامها طاولة الطعام كما هي ، مشي ناحيتها و هو يقول بنبرة عذبة :
-عمت مساءً أيتها العربية . كيف حالك الآن ؟
لم ترد عليه كما توقع ، فجلس بجوارها متنهداً ، إبتعدت عنه فوراً و كادت تقوم لولا آلام قدمها التي أجبرتها علي البقاء حيث هي ، لكنها لم تيأس و حاولت مجدداً ، ليمسك برسغها قائلاً بحزم :
-كفي عن التصرف هكذا . إنك لا تؤذين سوي نفسك هل تعلمين ذلك ؟
آية بمرارة :
-و كأنكم ملائكة . نحن من نهلك أنفسنا و ليس أنتم !
إكتشف "إبراهام" إنها كانت تبكي ، و ميّز نبرة النشيج في صوتها ، و شاهد تلك الدمعات القليلة التي تحاول إخفائها و هي تشيح بوجهها عنه
ترك يدها في الحال ، و إبتعد عنها بالقدر الكاف ثم تمتم بتساؤل :
-لماذا تصرين علي تعقيد الأمور ؟ لقد منحتك فرصة أخري لتعيشي بكرامة . لم يحدث هذا إلا معك !
نظرت له في هذه اللحظة و قالت بلهجة هجومية :
-أي كرامة ؟ هل تسمي شرائك لي كرامة ؟ أن أكون معك أنت بالذات منتهي الذل و المهانة . ربما لو تركتني لهؤلاء و كانوا قاموا بتسليمي للجماعات التي ذكرتها لكان أهون
عقد "إبراهام" حاجبيه و هو يقول بصوت أجش :
-هناك حكمة تقول "إحذر مما تتمني" .. ماذا فعلت لك يا فتاة ؟ تصفين إنقاذي لك بالذل و المهانة ؟ هل تعرفين ماذا كان سيحدث لك لو كنت تركتك هناك ؟ هل كنت تفضلين أن تغتصبي و يتناوب عليك الرجال كالـ آ ...
-أصمت . أصمت أرجوك ! .. صرخت "آية" باكية و هي تصك أذنيها بيديها
زفر "إبراهام" بقوة و إنتظر ريثما هدأت قليلاً ، ثم قال بهدوء :
-أقولها لك مجدداً . أنا لا أنوي بك شراً . لا أود أن أؤذيك و لن أفعل أبداً صدقيني .. هل رأيت مني ما يشير إلي ذلك ؟ هل أسأت معاملتك حتي الآن ؟
هزت رأسها نفياً و قالت :
-لا . لكني لا أثق بك . و لن أفعل ! .. و مسحت دموعها بقوة
قلب عيناه بضيق و قال :
-حسناً . كما تريدين .. لن أرغمك علي شيء . و لكن الطعام خارج كل حسابات تفترضينها . و إذا كانت لديك رغبة حقيقية في المقاومة كما قلت لي ظهر اليوم فعليك بشحن قوتك . و هل هناك وقوداً للشحن غير الطعام أيتها العربية ؟
صمتت ليري عيناها تتحركان نحو الصحون الملأي بالأصناف الشهية ، شاهدها تعض علي شفتها بقوة كأنما تقاوم جوعها ، فأبتسم بخفة من تصرفاتها الطفولية
مد يده و قرب منها الصحون و قال :
-هلا أكلت رجاءً ؟ صدقيني أنا لن أجني شيئاً من وراء ذلك . أنت من سيعاني الهزل و الضعف . أخبريني كيف ستدافعين عن نفسك إذا هوجمت ؟ إذا كانت الهزيمة مقدرة لك فلا تفقدي المقاومة علي الأقل . إنها أخر ما تبقى لك صحيح ؟
ران الصمت للحظات ، إلي أن قالت بجفاف :
-لدي طلب !
رفع حاجبه و هو يقول بدهشة :
-أحقاً ! ظننتك لن تطلبي شيء بالأخص مني أنا .. ثم قال بإبتسامة مرحة :
-هذا تقدم رائع . هيا يا فتاتي . إطلبي ما شئت . أنا عـّرابتك السحرية !
رمقته بنظرة حادة و قالت :
-أريد مصحف
-مصحف ! .. كرر "إبراهام" و قد تلاشت إبتسامته
-تقصدين كتابكم المقدس ؟
آية بصرامة :
-القرآن الكريم . نعم . أريده !
صمت "إبراهام" قليلاً كأنه يفكر ، و قال :
-و تأكلي ؟
أومأت رأسها موافقة ، فأشرق وجهه بالإبتسام و هو يقول :
-عظيم . أعتقد أن لدي نسخة عربية في مكتبتي بالأسفل . سأحضرها لك حالاً !
و ذهب فوراً ليحضر لها ما طلبت ، غاب لدقيقة واحدة ، ثم عاد حاملاً بين يديه نسخة من المصحف الشريف ...
-تفضلي ! .. و وضعه فوق الطاولة المحاذية لها
-شكراً .. قالتها بخفوت شديد
-علي الرحب و السعة . هلا أكلتي الآن ؟
و علي إستحياء مدت يدها و بدأت بتتاول الطعام ، ظنت أنه سيرحل عندما يتأكد أنها تأكل ، لكنه لم يفعل
فتطلعت إليه بإستغراب .. كان يرمقها بنظرات غريبة ، قريبة إلي التقييم ، و كأنها شيء عجيب لم يري مثله أبداً ...
و قبل أن تسأله "إلام تحدق ؟ " إستبقها ...
-كم عمرك يا آية ؟
دهشت من السؤال ، لكنها أجابت و هي تلوك الطعام ببطء :
-تسعة عشر عاماً !
رأته يهز رأسه مبتسماً ، ثم يلقي عليها نظرة أخيرة و ينسحب هاتفاً :
-تصبحين علي خير أيتها العربية ! .. و أغلق الباب من خلفه
ندت عنها تنهيدة مطولة ، سهت عن الطعام مفكرة لبعض الوقت ، لكنها سرعان ما أفاقت علي قرصة الجوع ، فإنخرطت في المضغ و الإبتلاع بنية إنهاء كل الصحون
فهو محق ، إذا كانت الهزيمة مقدرة لها ، فلا يجب أن تقابلها بالخنوع و الإستسلام ، عليها أن تقاوم .... !!!!!!!
يتبــع ...
_ عزوف ! _
شعر "إبراهام" بدفعات متتالية تصيب كتفه ، لم تكن دفعات عنيفة ، لكنها كانت كفيلة لإيقاظه من نومه العميق ...
فتح عيناه بتثاقل و قلب نفسه ليري الفاعل و هو يغمغم :
-ألم أقل لا أريد إزعاج آ ا .. و بتر جملته التوبيخية
عندما شاهد أمه ... السيدة "إليان فردمان" هي التي تقف فوق رأسه ممسكة خصرها بيد ، رافعة أحد حاجبيها المرسومين بدقة و تهز قدمها بطريقة توحي بالعصبية و نفاذ الصبر ...
لانت نبرة صوته و هو يقول معتدلاً بجلسته فوق الفراش :
-أمي ! أهلاً بك . متي وصلت ؟ هل حدث شئ ؟
كان مضطرباً بسبب المفاجأة و ظهورها أمامه هكذا دون سابق إنذار ، بينما لم ترد الأم المتأنقة فوراً ، بل رفعت معصمها النحيل لتنظر بساعتها الثمينة ، ثم قالت بنعومة مهددة :
-بلغت الساعة الثامنة مساءً و ما زلت نائماً بفراشك يا ولدي العزيز .. خيراً . هل أنت مريض ؟
تنهد "إبراهام" و هو يفرك عينيه بقبضته قائلاً :
-لا يا أمي . لست مريضاً . لكنني قطعت مسافات طويلة اليوم . سافرت ذهاباً و إياباً خلال إثني عشر ساعة بدون إستراحة . قدت المروحية بنفسي . طبيعي شعرت بالتعب فنمت حتي الآن . هذا كل شيء .. و عبس مكملاً :
-لكن ما الأمر ؟ كنا نتكلم ليلة أمس . لما لم تخبرينني بقدومك ؟ هل حدث شيئاً طارئ جعلك تأتي بهذه الطريقة ؟!
لوت "إليان" فمها بإمتعاض لا يخلو من الحنق و قالت :
-لم يحدث شيء . أتيت لأتفقدك . بعد أن سمعت أخر أخبارك شعرت بالقلق عليك !
إبراهام مفغراً فاهه بغرابة :
-أخر أخباري ! ماذا تقولين و ما الذي سمعتيه عني بالضبط ؟!!
-سمعت أنك إقتنيت وحشاً ضارياً يا عزيزي . أحضرته من موطنه الوحشي و وضعته هنا في بيتك . بجوارك . مجرداً من الحديد و الأغلال .. ثم قالت بهدوء مفتعل :
-قل لي بني . هل هذا الكلام صحيح ؟ أم إنها مجرد شائعات كالتي تروج عنك مع النساء في الصحف المحلية ؟!
كان ينظر لها بإصغاء ، لم تفوته كلمة مما قالت ، و تقريباً توصل لفهم الأمر كله و عرف سبب حضورها المفاجئ ...
-باروخ دي روش ! .. تمتم "إبراهام" بتعبير هازئ
-أهو مصدر أخبارك يا أمي ؟
إليان بحدة :
-هذا لا يهم الآن . أريد أن أعرف الحقيقة فقط . هل حقاً قمت بشراء فتاة عربية مسلمة و أحضرتها معك إلي هنا ؟؟
إبراهام بسخرية :
-و هل جئت من إسرائيل إلي هنا لتسأليني هذا السؤال ؟ كان بإمكاني الإجابة عنه دون أن تتكلفي مشقة السفر بهذا الشكل . و لكن بما إنك أتيت بنفسك فنعم . لقد إشتريت فتاة عربية مسلمة .. و دفع الغطاء الخفيف ليقوم من سريره
تبعته "إليان" وصولاً إلي المرحاض الملحق بالغرفة و هي تصيح بعنف :
-تقول ذلك بهذه البساطة ؟ هل تدرك فداحة ما فعلت يا ولد ؟ هل لديك فكرة عن غضب ذوينا فور وصول الخبر إليهم ؟ و خاصة خطيبتك . ريتشل إلفمان و عائلتها . إنها غاضبة جداً و تعتزم المجيئ في أقرب وقت لتسمع القصة منك بنفسها . قل لي كيف ستحل هذه الكارثة ؟!!
يمد "إبراهام" يده ليأخذ منشفة من فوق أحد الرفوف ، يجفف بها وجه بعد أن غسله بالماء الفاتر و هو يقول :
-لا أهتم البتة بما يقولون عني بإسرائيل . لقد عشت حياتي كلها هنا و إخترت ذلك بنفسي . حتي أبي لم يرغمني علي اللحاق بكم إلي هناك . و بعد أن مات و إستلمت أنا اللواء من بعده . فأظن أن لي ملء الحرية لأتصرف كما أحب . هل رأيتني تزوجت بها لتغضبي هكذا يا أمي ؟
إليان بجمود :
-لا و لكن آ ..
-و لكن ماذا !! .. قاطعها بشئ من الإنفعال
-عجباً . أنتم تعيشون معهم علي نفس الأرض . تلك فلسطين و ليست إسرائيل . لا يفصلكم عنهم سوي ذلك الجدار اللعين و بعض البوابات الآخذة في التوسع . أتريدينني أن أصدق أنكم لا تتعاملون معهم إطلاقاً . لا بالطبع هناك الكثير من التعاملات و أنت تعرفين ذلك جيداً . و الآن تلومينني لإتخاذي واحدة منهم ؟!!
-ماذا ستفعل بها ؟ إن كنت تريد خادمة . فلديك هنا عشرات الخادمات جميعهن تحت إمرتك . و إن كنت تريد عشيقة فلائحتك كما يبدو لي و للجميع بلا نهاية . كل يوم قصة جديدة مع إمرأة جديدة و لا أحد يبالي أو يعقب عليك حتي خطيبتك تترك لك كل الحرية . إذن ما الذي قد يدفعك لإقتناء نكرة حقيرة مثل هذه ؟ ألا تتخيل تصورات المجتمع عن تلك القصة ؟ ألا يهمك ما يقولونه الناس عنك و عنا إبراهام ؟؟
إبراهام ببرود :
-تعرفين أنهم و الجماد واحد بالنسبة لي . ليذهب الجميع للجحيم . و لكن ليطمئن قلبك تلك الفتاة لا تعنيني أبداً . و لا أحمل لها بداخلي أي نوع من المشاعر . لا حب و لا كراهية و لا أي شيء . هذا اللعين هو السبب في إحضارها إلي هنا ! .. و أشار نحو قلبه ، و إستطرد بتهكم :
-قلبي الرقيق . الليّن كما قال باروخ . حين وقعت عيناي عليها حازت علي عطفي فوراً . إنها مجرد فتاة صغيرة . بها قدر من البراءة . و لم أرغب في أن تنتهك بوحشية علي أيدي ذوينا كما قلتي لتحيا بعد ذلك جسد بلا روح . لو حدث كانت لتصبح أخطر من الضواري يا أمي . فأنت لا تعرفي معني ألا يبقي لك شيء تخافين عليه من الخسارة !
إليان بسخرية :
-أتحاول ترويعي من فتاة عربية مثلها ؟ ماذا بإستطاعتها أن تفعل في جميع الأحوال ؟ إنها كالحشرة . هي و بنو عرقها جميعهم نسحقهم بأقدامنا عن بكرة أبيهم
إبتسم "إبراهام" قائلاً بوداعة :
-لا تستيهني بالحشرات هكذا . هناك بعض القوارض الضيئلة جداً سامة . لدغة واحدة منهم ربما تقضي علي حيوان كالفيل . و حتي الآن لم يبتكروا ترياقاً واحداً لهذه السموم !
عبست "إليان" قائلة :
-لا أكترث بكل ذلك . أريدك أن تنهي هذا الموضوع فقط . و الآن .. هذا ما جئت لأجله
زفر "إبراهام" بسأم و قال :
-لن ينتهي هذا الموضوع يا أمي . و لن أحقق أمنية الراڤ سير المحترم و أعيد له الفتاة . لقد دفعت له ثمنها و هي الآن ملكي و أنا لا أفرط بشئ من أملاكي . أتفهمينني ؟
كادت ترد ، فقاطعها للمرة الثانية :
-كفي أرجوك . لا داعي لإهدار جهودنا علي أحاديث لن تفضي لشيء . لقد قررت و إنتهي الأمر .. و أكمل مبتسماً :
-و الآن دعيني أرحب بعودتك و أضيفك الليلة عشاءً فاخراً . سنأكل ثم نجلس معاً . سنلعب الشطرنج كما أعتادنا بالأيام الخوالي و لن أجعلك تنامين قبل مطلع الفجر
إبتسمت "إليان" رغماً عنها ، ليرد لها الإبتسامة و ينحني مقبلاً يدها ثم يقول برقة :
-أهلاً بك يا أمي . إشتقت لك كثيراً !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
لحق "إبراهام" بوالدته بعد أن بدل ملابسه و إستعاد هيئته المهيبة كاملةً ...
و ها هو يهبط الدرج العريض مرتدياً قميصه الأسود المنسوج من الحرير ، و سروالاً مم نفس اللون ، كلاهما ضيقان يبرزان تفاصيل بنيته القوية
إنضم لأمه علي مائدة العشاء ، جلس في الكرسي الرئيسي ، و جلست علي يمينه ، ليتقدم طهاة العشاء و مساعديهم و يبدأ كلاً منهم بعرض و تقديم أصناف الطعام علي السيد و السيدة ...
-يا لها من رائحة طيبة رفاييل ! .. قالتها "إليان" مثنية علي صنيع الطاهي الرئيسي
-لقد إشتقت لطعامك يا عزيزي
رفاييل بإبتسامة خجولة :
-نحن من إشتقنا لوجودك بيننا يا سيدتي . مرحباً بعودتك
إبراهام بمرح :
-روائح رفاييل دائماً بالمطبخ مميزة يا أمي . إنها تسيل لعابي من علي بعد فكيف و المصادر أمامي الآن ؟
رفاييل بلطف :
-هنيئاً يا سيدي . يسعدني تقديم الأفضل لك علي الدوام
و هنا جاءت مدبرة المنزل البدينة .. "ليونيلا" ، إنحنت صوب "إبراهام" قليلاً و قالت بصوت أقرب إلي الهمس :
-سيد إبراهام . أعتقد أن يجب عليّ إخبارك بهذا !
إبراهام بصوته الهادئ :
-ماذا هناك ليونيلا ؟
-تلك الفتاة . آية .. إنها عازفة عن تناول الطعام . رفضت الغداء حين قدم لها و هي الآن ترفض العشاء يا سيدي !
تجهم وجهه لسماع هذا ، نظر إلي أمه ليكتشف أنها كلنت تراقبه بالطبع .. شد علي شفتيه و هو يقول لها معتذراً :
-عفواً يا أمي . سأنسحب لدقائق قليلة . هناك مشكلة صغيرة . سأعود قريباً ! .. و قام متوجهاً إلي غرفتها
في ظروف أخري كان ليستعمل معها أساليبه الرعناء ليعاقبها علي تلك الأفعال الصبيانية من وجهة نظره ، لكنه لا يريد أن يزيد الطين بلة ، علي الأقل حتي تقبل الطعام و إلا فستهلك لا محالة ...
قرع "إبراهام" الباب ثلاث مرات ، إنتظر لثوانٍ و هو يعلم أنها لن تجيب و هذا ما حصل بالفعل ، ولج راسماً علي ثغره إبتسامة لطيفة
كانت تجلس في الصالون المقابل لسريرها ، فوق الآريكة الوثيرة ، و أمامها طاولة الطعام كما هي ، مشي ناحيتها و هو يقول بنبرة عذبة :
-عمت مساءً أيتها العربية . كيف حالك الآن ؟
لم ترد عليه كما توقع ، فجلس بجوارها متنهداً ، إبتعدت عنه فوراً و كادت تقوم لولا آلام قدمها التي أجبرتها علي البقاء حيث هي ، لكنها لم تيأس و حاولت مجدداً ، ليمسك برسغها قائلاً بحزم :
-كفي عن التصرف هكذا . إنك لا تؤذين سوي نفسك هل تعلمين ذلك ؟
آية بمرارة :
-و كأنكم ملائكة . نحن من نهلك أنفسنا و ليس أنتم !
إكتشف "إبراهام" إنها كانت تبكي ، و ميّز نبرة النشيج في صوتها ، و شاهد تلك الدمعات القليلة التي تحاول إخفائها و هي تشيح بوجهها عنه
ترك يدها في الحال ، و إبتعد عنها بالقدر الكاف ثم تمتم بتساؤل :
-لماذا تصرين علي تعقيد الأمور ؟ لقد منحتك فرصة أخري لتعيشي بكرامة . لم يحدث هذا إلا معك !
نظرت له في هذه اللحظة و قالت بلهجة هجومية :
-أي كرامة ؟ هل تسمي شرائك لي كرامة ؟ أن أكون معك أنت بالذات منتهي الذل و المهانة . ربما لو تركتني لهؤلاء و كانوا قاموا بتسليمي للجماعات التي ذكرتها لكان أهون
عقد "إبراهام" حاجبيه و هو يقول بصوت أجش :
-هناك حكمة تقول "إحذر مما تتمني" .. ماذا فعلت لك يا فتاة ؟ تصفين إنقاذي لك بالذل و المهانة ؟ هل تعرفين ماذا كان سيحدث لك لو كنت تركتك هناك ؟ هل كنت تفضلين أن تغتصبي و يتناوب عليك الرجال كالـ آ ...
-أصمت . أصمت أرجوك ! .. صرخت "آية" باكية و هي تصك أذنيها بيديها
زفر "إبراهام" بقوة و إنتظر ريثما هدأت قليلاً ، ثم قال بهدوء :
-أقولها لك مجدداً . أنا لا أنوي بك شراً . لا أود أن أؤذيك و لن أفعل أبداً صدقيني .. هل رأيت مني ما يشير إلي ذلك ؟ هل أسأت معاملتك حتي الآن ؟
هزت رأسها نفياً و قالت :
-لا . لكني لا أثق بك . و لن أفعل ! .. و مسحت دموعها بقوة
قلب عيناه بضيق و قال :
-حسناً . كما تريدين .. لن أرغمك علي شيء . و لكن الطعام خارج كل حسابات تفترضينها . و إذا كانت لديك رغبة حقيقية في المقاومة كما قلت لي ظهر اليوم فعليك بشحن قوتك . و هل هناك وقوداً للشحن غير الطعام أيتها العربية ؟
صمتت ليري عيناها تتحركان نحو الصحون الملأي بالأصناف الشهية ، شاهدها تعض علي شفتها بقوة كأنما تقاوم جوعها ، فأبتسم بخفة من تصرفاتها الطفولية
مد يده و قرب منها الصحون و قال :
-هلا أكلت رجاءً ؟ صدقيني أنا لن أجني شيئاً من وراء ذلك . أنت من سيعاني الهزل و الضعف . أخبريني كيف ستدافعين عن نفسك إذا هوجمت ؟ إذا كانت الهزيمة مقدرة لك فلا تفقدي المقاومة علي الأقل . إنها أخر ما تبقى لك صحيح ؟
ران الصمت للحظات ، إلي أن قالت بجفاف :
-لدي طلب !
رفع حاجبه و هو يقول بدهشة :
-أحقاً ! ظننتك لن تطلبي شيء بالأخص مني أنا .. ثم قال بإبتسامة مرحة :
-هذا تقدم رائع . هيا يا فتاتي . إطلبي ما شئت . أنا عـّرابتك السحرية !
رمقته بنظرة حادة و قالت :
-أريد مصحف
-مصحف ! .. كرر "إبراهام" و قد تلاشت إبتسامته
-تقصدين كتابكم المقدس ؟
آية بصرامة :
-القرآن الكريم . نعم . أريده !
صمت "إبراهام" قليلاً كأنه يفكر ، و قال :
-و تأكلي ؟
أومأت رأسها موافقة ، فأشرق وجهه بالإبتسام و هو يقول :
-عظيم . أعتقد أن لدي نسخة عربية في مكتبتي بالأسفل . سأحضرها لك حالاً !
و ذهب فوراً ليحضر لها ما طلبت ، غاب لدقيقة واحدة ، ثم عاد حاملاً بين يديه نسخة من المصحف الشريف ...
-تفضلي ! .. و وضعه فوق الطاولة المحاذية لها
-شكراً .. قالتها بخفوت شديد
-علي الرحب و السعة . هلا أكلتي الآن ؟
و علي إستحياء مدت يدها و بدأت بتتاول الطعام ، ظنت أنه سيرحل عندما يتأكد أنها تأكل ، لكنه لم يفعل
فتطلعت إليه بإستغراب .. كان يرمقها بنظرات غريبة ، قريبة إلي التقييم ، و كأنها شيء عجيب لم يري مثله أبداً ...
و قبل أن تسأله "إلام تحدق ؟ " إستبقها ...
-كم عمرك يا آية ؟
دهشت من السؤال ، لكنها أجابت و هي تلوك الطعام ببطء :
-تسعة عشر عاماً !
رأته يهز رأسه مبتسماً ، ثم يلقي عليها نظرة أخيرة و ينسحب هاتفاً :
-تصبحين علي خير أيتها العربية ! .. و أغلق الباب من خلفه
ندت عنها تنهيدة مطولة ، سهت عن الطعام مفكرة لبعض الوقت ، لكنها سرعان ما أفاقت علي قرصة الجوع ، فإنخرطت في المضغ و الإبتلاع بنية إنهاء كل الصحون
فهو محق ، إذا كانت الهزيمة مقدرة لها ، فلا يجب أن تقابلها بالخنوع و الإستسلام ، عليها أن تقاوم .... !!!!!!!
يتبــع ...