اخر الروايات

رواية عاشقة بأرض الاوغاد الفصل الثالث 3 بقلم اسراء الوزير

رواية عاشقة بأرض الاوغاد الفصل الثالث 3 بقلم اسراء الوزير


رواية (عاشقة بأرض الأوغاد)
الفصل الثالث:

في الميعاد المتفق عليه، حضرت بخطوات ثابتة، تتلفّت يمينا ويسارا بحثا عن الغريب الذي لم تعلم عنه شيئا باستثناء اسمه، جلست أمام أقرب طاولة قابلتها بينما تنقل بصرها بين كل الوجود، ولكن كيف تجد شخصا بمجرد نبرة الصوت؟! وعلى الجانب الآخر كيف يجدها هو ولم تُعْطِه معلومات سوى اسمها؟ أجفلت مع صوت النادل ذا الملابس الرسمية الخضراء التي تحمل علامة باسم المقهى، ينحني كي تسمعه قائلا بصوت خفيض يعلوه الاحترام:
_ تحبي تشربي حاجة يا فندم؟
التفتت إليه لتطالع وجهه ذا الملامح الجادة فتجيبه بالنفي:
_ لا مش هطلب دلوقتي إلا أما ييجي واحد أنا مستنياه، هو أستاذ خالد الصاوي جه هنا ولا لسة؟
هز رأسه قائلا بنفي:
_ لا يا فندم لسة، بس أكيد على وصول
_ هو انت تعرفه؟
ابتسم من جانب فمه قائلا:
_ طبعا أعرفه، ده كل اللي في الكافيه يعرفوه، أستأذنك
قالها قبل أن يعتدل بجذعه العلويّ منصرفا لتعود سارة إلى شرودها بخالد وما تبيَّن من النادل بكونه معروفا هنا، فكيف سيكون شكله بعد أن تتشرف برؤيته؟ وكيف ستعبر عن رغبتها بشكره؟ أو كيف تستطيع رد الجميل له وهو الذي رفض بحزم أخذ مقابل لذلك؟! أسندت وجنتها على يدها بينما قالت في نفسها بحيرة:
_ يا ترى انت عامل ازاي يا أستاذ خالد؟!
ظلت هكذا لدقائق معدودة حتى سمعت صوتا رجوليا يقول صاحبه مستأذنا:
_ مساء الخير يا أستاذة سارة
هل هذا صوت سمعته قبل دقائق أم هي تتوهم؟ّ! صوت النادل الذي سألها إن كانت تود الشراب بالتأكيد! التفتت برأسها باتجاهه لتتأكد أسئلتها ولكن مع المزيد من علامات الاستفهام، إنه النادل الذي تحدثت معه قبل قليل، ولكن دون الزيِّ الرسميِّ الخاص بالمقهى! من هذا يا ترى؟ اتسعت ابتسامته بينما يجيب عن تساؤلاتها:
_ خالد الصاوي، تسمحيلي أقعد؟
أماءت برأسها دون أن تنبس ببنت شفة، ليحتل المقعد المقابل لها ثم يضع هاتفه على سطح الطاولة تحت نظرات سارة التي نطقت بتعجب:
_ هو حضرتك الـ......
تناول الإجابة عنها مؤكدا:
_ الجارسون اللي لسة مكلمك
ثم استطرد يقول مازحا:
_ بس لسة مخلص الوردية حالا
ابتسمت بخفة على دعابته ثم أكملت بنبرة جدية:
_ عشان كدة كل اللي في الكافيه يعرفوك؟!
أجابها بشئ من الثقة:
_ بالظبط
ساد الصمت للحظات فاستغلت سارة الفرصة وأسندت كلا مرفقيها على الطاولة واستطردت تقول:
_ في الحقيقة بعد اللي حصل من أربع أيام كنت فاكرة ان خلاص مستقبلي هيتدمر
ثم حدقت بعينيه مكملة:
_ بس الحمد لله فوقت ولقيت نفسي في البيت وباخد الدوا وصحتي اتحسنت في فترة قصيرة، وكل ده أكيد ماكانش هيحصل لولا ما إنت اتدخلت وأنقذتني من بين إيديهم ورجعتني للبيت ورفضت تاخد مقابل، لكن طبعا انا يستحيل اعدي الموضوع كدة من غير ماشكرك واعرف لو في خدمة ممكن أرد لك بيها الجميل؟
أبعد شفتيه عن بعضهما استعدادا للرد ولكن سرعان ما قاطعته بشئ من الحزم:
_ وما تقولش مش عايز حاجة لإني مش هقبل، أطلب أي حاجة وأنا هنفذ
زفر بنفاذ صبر ثم أردف مستنكرا:
_ هو في جو رجال الأعمال اتعودتم يكون لكل حاجة تمن؟
أعادت ظهرها إلى الوراء وهمَّت لتجيبه ولكن قاطعهما النادل قائلا:
_ تحبوا تشربوا حاجة؟
نظر خالد إلى زميله مع ابتسامة هادئة ثم عاد ينظر إليها يستحثها على النطق لتفهم مقصده سريعا فتقول دون أن تحيد ببصرها عنه:
_ قهوة سادة
التفت النادل إلى خالد ليقول:
_ زيها
دوَّن المطلوب ثم انصرف ليترك هذين المحدقَين ببعضهما بحدة، حيث تردف سارة محاولة السيطرة على انفعالها:
_ كلمة تمن دي زي ما قلت تخص رجال الأعمال، وأنا أخت رجل أعمال مش شرط أكون زيه، تقدر تعتبر انها هدية وتقدير بسيط لجدعنتك معايا، انت ماكنتش مضطر تعمل ده
التمعت عيناه بسعادة وفخر بعد إطرائها البسيط ، فارتسمت على ثغره ابتسامة جانبية بينما يقول متحديا:
_ يعني أطلب أي حاجة
ابتلعت ريقها بتوتر وقد أخافتها نبرته من ماهية طلبه ثم قالت بثبات يخفي قلقا كبيرا:
_ أيوة
تحدث بنبرة ذات مغزى:
_ توعديني ماتروحيش لمكان مشبوه زي دة تاني
سؤال عجيب من لسان هذا العجيب الذي تزداد حيرتها فيه كلما أرادت الاقتراب! كيف لغبي مثله يرفض هذا العرض السخيّ ويأخذ مقابلا يستطيع به تحسين مستوى معيشته وبدلا من أن يكون نادلا عاديا يصبح مالك المقهى بأكمله، يطلب أن تنفذ نصيحته التي لم تفهم معناها حتى الآن، فعن ماذا يتحدث بالضبط؟ وأي مكان مشبوه عليها أن لا تذهب إليه؟! طالعته بنظرات بلهاء بينما تقول بتباطؤ:
_ قـ قصدك أي مكان؟
تحولت نظراته إلى الحدّة بينما يجيبها بعملية:
_ من اللي شفته من حالة العيال اللي كانوا بيجروا وراكي، إنهم كانوا مدروخين، ولما ضربت واحد فيهم لقيت كيس بودرة وقع من جيبه، عرفت علطول انهم جايين من كباريه أونادي ليلي حاجة زي كدة ماعرفش بتسموه إيه، ولما استنيت اخوكي على ما جه وأخدك، عرفني إنك كنتي فـ حفلة واستأذنتيه عشان تروحي، ساعتها خمِّنت انك كنتي فـ نفس المكان
سرعان ما أطرقت برأسها أرضا وقد شعرت بالخزي يغرز أشواكه الحادة بجدران ضميرها، أما خالد فقد أكمل دون أن يدور بخلده أن فتاة غنية مثلها قد تتأثر:
_ وكان سهل اني أستنتج اللي حصل، روحتي الحفلة وانبسطتي، وباين كانت المرة الاولى هناك، حاول يتعرض لك وانتي رفضتي وماعجبكيش الجو، قلتي تنسحبي بهدوء، وهو طبعا استحالة يعديها بهدوء، ده شاف في اللحظة دي إن الممنوع مرغوب
ثم استرسل يقول بإعجاب:
_ بس الصراحة أحييكي على شجاعتك ودفاعك عن نفسِك لآخر دقيــ
انقطع عن الإكمال بطريقة مفاجئة بعدما لمح أخيرا دمعة حبيسة فرَّت من جفنها شقَّت طريقها بوجنتها المخملية، صُدِمَ لمَّا رأى عبرتها التي تفصح عن ندم كبير يمسّ فؤادها، فلطالما ظن أنَّ أبناء هذه الطبقة بلا قلب ولا يشعرون بأخطائهم كالعامَّة من الناس، أسرعت تجذب منديلا من العلبة الكرتونية المجانبة لكأس الماء، ثم تجفف عبرتها وتعود بعسليتيها المغلّفتين بالاحمرار إليه لتجده مبهوتا فتقول بصوت متقطع يسكنه الألم:
_ مـ معاك حق طبعا، أنا اللي غلطت لما صدقت وروحت هناك، وزي ما قلت كانت أول مرة، وأكيد الانسان ما بيتعلمش بالساهل و و
بترت كلماتها بعدما شعرت باختناق اجتاح حلقها لتجهش ببكاء مرير لم تألفه يوما منذ أعوام طويلة، ليسرع خالد بالتقاط كوب الماء من فوق الطاولة ثم يمده إليها مردفا بنبرة اعتذار:
_ أنا آسف جدا جدا يا آنسة، ياريت تنسي أي حاجة قلتها وتشربي وتهدي أعصابك
بأصابع مرتجفة تناولت كأس الماء من يده ثم ارتشفت منه القليل، وفي نفس اللحظات أتى النادل ومعه فنجاني القهوة لينظر إلى هيئة سارة الباكية فيعود ببصره إلى خالد بقلق فقال الأخير بهدوء:
_ هات كوباية لمون يا محمد
أماء برأسه ثم ابتعد ليعود خالد بعينيه إلى سارة معتذرا:
_ أنا آسف لو كنت جرحتك بكلامي، حقك عليا
هزت رأسها إلى الجهتين بمعنى النفي بينما تتمتم بصوت خفيض:
_ لا زي ما قلت لك، إنت معاك حق، ماكانش ينفع أجرب حاجة زي كدة
سألها بنبرة ثاقبة:
_ هو انتي ماكنتيش عارفة انتي رايحة فين؟
أجابته بإيماءة من رأسها مكملة:
_ للأسف هي قالت لي انها بارتي فيها اصحابها وكدة، قلت اجرب اعرف ناس جديدة، وبعدها اتفاجئت باللي فيها، ومشيت علطول
عاد يسألها مخمنا ببعض الاستنكار:
_ هو كان سبب روحتك هناك انك تتعرفي على ناس جديدة بس؟!
رفعت عينيها لكي تطالع خاصتيه المذهولتين بينما تقول بحزن:
_ حضرتك فاكر إني بنت متدلعة راحت النادي عشان تنبسط وكانت هتوقع نفسها في البير، لكن المفروض انك ما تحكمش على الكتاب من الغلاف
وجدته أمعن النظر إليها وكل اهتمامه صار منصبا لإكمالها فأوضحت ببعض الحسرة:
_ أنا واحدة مالهاش صحاب من زمان بسبب عدوانيتها وقلة ثقتها في الناس، ولما فكرت أثق واصاحب ناس كنت غلطانة لما وثقت في ساندي وشفت صحابها الحيوانات! فعلا غلطت لما فكرت أثق في الناس!
همَّ لينطق ولكنه توقف حين أتى زميله بكوب الليمون ليتناوله خالد من يده ثم يمده إليها ويقول فور انصرافه بحكمة:
_ مش معنى انك اخترتي غلط يبقى ماينفعش تثقي ف حد يا سارة
أعادت كوب الليمون إلى سطح الطاولة ثم أرهفت السمع لما يقول بتركيز شديد حيث يسترسل:
_ الناس في منهم الحلو ومنهم الوحش، وأكيد صوابع الايد مش زي بعض، غلطتي لما اختارتي ساندي كصديقة وقلتي عايزة تشوفي صحاب، الصاحب الحقيقي هو اللي يتمنى لك الخير أكتر من نفسه، أجمل صاحب اللي يعدي مرحلة الأخ بالنسبة لك، وأكيد ده مش هتكتشفيه علطول ومحتاجة وقت، ثقي في الناس براحتك، بس يكون في معيار للثقة دي، بموقف واتنين وتلاتة لحد ما تتأكدي إن الانسانة اللي بتكلمك تستاهل كلمة صديقة وأخت كمان
أعجبتها كلماته وطريقته السلسة في الشرح بهذا الشأن، فعلى الرغم مما تلقته في سنوات دراستها على مر المراحل المختلفة إلا أنها لم تسمع يوما مثل هذا الكلام، وكأنها تستمع إلى محاضرة لأستاذ بالتنمية البشرية، يلقي كلماته الحكيمة باسترسال كسيمفونية مميزة لبيتهوفن راقت إلى أذنها وراقت نصيحته إلى عقلها بل وزنها جيدا حتى وجد كيف هي تصلح للتطبيق، وهو ما دفعها إلى طرح الأسئلة للمزيد من الفهم وكأنها ظمآنة تود أن تستقي من نبع معرفته بالحياة، تسأل ويجيب دون كلل حتى مرت الساعة والاثنتين والثلاث واتضحت الصورة أمامها بشكل كبير، كما اتضح الأمر له بعد أن ظن بها سوءا، فقد فَهِمَ أنها تعاني عقدة بسبب الطفولة وأحزانها التي ختمت بتأثيرها على شخصيتها، فصار فهمها في مدرسة الحياة كصفر على اليسار!

_ وبكدة الفصل انتهى، أي أسئلة؟
قالها الأستاذ الجامعي الذي يقف أمام طُلابه بصوت جهوري ليجيبه الطلاب بهزِّ رؤوسهم نفيا دلالة على فهمهم للمحاضرة، لملم الأستاذ أوراقه ثم أدخلهم بحقيبته السوداء وخرج ووقف الطلاب وبدؤوا بالانسحاب في فترة الاستراحة حتى إتيان المحاضرة التالية، وقفت كذلك سارة وهي تسند حقيبتها على كتفها، وهمَّت لتخرج لولا أن أوقفتها الجالسة بجانبها قائلة بنبرة خفيضة:
_ لو سمحتي
التفتت سارة إلى مصدر الصوت لتجد فتاة يافعة بسيطة الملامح ذات ملابس يغلب السواد عليها، تحدثت سارة بهدوء:
_ نعم
وقفت كذلك زميلتها ثم قالت بأدب:
_ أنا كان عندي ظروف وغبت أسبوع كامل، لو معاكي محاضرات الأسبوع اللي فات تسمحيلي أصورهم منك؟
زفرت بخفوت وقد بدا الضيق بمعالمها حيث اشتمَّت رائحة المصلحة من جديد في هذه الجامعة المزعجة، وهي لا تريد تنفيذ مصالح لأيٍ كان وما تحتاج مصالح من أيٍ كان، فما كان منها سوى أن تقرر بالكذب بشأن محاضراتها وأنها لم تدوِّنها كاملة، ولكن قبل التنفيذ أتاها على عجلة صوت خالد حين قال:
_ مش معنى انك اخترتي غلط يبقى ماينفعش تثقي ف حد يا سارة
أفاقت من شرودها مع صوت زميلتها قائلة بنبرة أعلى من سابقتها:
_ إيه؟ ماكتبتيش المحاضرات برضه؟
رمقتها سارة بتوتر ثم قالت بتشويش:
_ إيه؟! آاا لأ مش بالظبط، أنا كاتباهم كلهم بس الكشكول اللي مبيَّضة فيه مش معايا، ممكن لما اروح ابعتهم لك واتس
أجابتها بابتسامة رقيقة يسكنها الامتنان بينما تخرج هاتفها من حقيبتها ثم تقول:
_ تمام يا قلبي، إديلي رقمك
أملتها سارة رقمها بصوت خفيض لئلا يسمعه غيرهما، وما أن انتهت التفتت إليها قائلة:
_ أسجلك بإيه؟
_ سارة الألفي
مدَّت إليها يدها كي تصافحها قائلة:
_ وانا أمال السيد
بادلتها المصافحة قائلة بترحيب:
_ أهلا بيكي

قاطعها شريف متسائلا:
_ وفعلا بعتتلك المحاضرات؟!
أجابته أمال مع إيماءة من رأسها مؤكدة:
_ طبعا بعتتهم وساعتها أنا عرَّفتها سبب غيابي أسبوع بعد موت بابا الله يرحمه، وهي ارتاحت لي شوية وكملنا كلام واتعرفنا على بعض بخصوص مواضيع عادية، يعني مدرسة إيه، جبنا كام في % حاجات زي كدة، والصراحة لولا خالد كان يستحيل سارة تأمن تتكلم معايا أو حتى تتخلى عن شكَّها شوية وتبعتلي المحاضرات
أسند شريف خدَّه إلى قبضته قائلا مع ابتسامة إعجاب:
_ كملي
_ من ساعتها زادت مقابلتنا مع بعض ولو واحدة غابت التانية بتساعدها وتشرح لها كل اللي ناقصها، في أقل من شهرين سارة وثقت فيا وبقيت نمبر 1 في ليستة صحابها، أصلها أخيرا عرفت ازاي تكوّن صحاب من غير ما تأذي نفسها، ازاي تعمل شد وجذب في العلاقة وامتا تنسحب منها نهائي، وسبب زيادة ثقتها فيا بالذات عن غيري كان برضه كلام خالد لما قالها الصديقة الصح اللي تحبك أكتر من نفسها، أنا ما كنتش بحاول أثبت لها إني أستاهل الثقة دي ولا لأ، كنت بتعامل بطبيعتي معاها وفــ نفس الوقت مابقاش عفوية أوي ولا مقفلة أوي، ولو شرحت لها محاضرة فايتاها كانت بتعتبرها جدعنة وجميل لازم ترده، وده يبين أوي أد أي هي بنت أصيلة وجدعة بتحب الخير لغيرها أكتر من نفسها، بس الفكرة لازم تختار الناس الصح اللي يستاهلوا المعاملة دي
صمتت للحظات كي تلتقط أنفاسها ليستحثها شريف على الإكمال بنبرة حماسية:
_ كملي

بمدرج الفرقة الأولى من شعبة الانجليزية بكلية الآداب، انتهت المحاضرة الثانية والتي كانت خاتمة اليوم، فخرجت سارة وهي تسند حقيبتها على كتفها ومعها أمال حيث كانتا تتسامران بأطراف الحديث حتى جذب انتباههم صوت أغنية خاصة بالنجاح لعبدالحليم حافظ بالسماعات المكبرة عند مبنى كلية الحقوق، يوجد حشد كبير من الطلاب هناك يرتدون زيّاً رسميا يتكون من رداء أسود وعليه قبعة سوداء مربعة الشكل، يمسك كل منهم بشهادة مبرومة معقود حولها شريط باللون الأحمر، تعلو البهجة وجوههم بحيث شعروا اليوم بأنهم طيور تحلق بعنان السماء، وقد انتهت مسيرتهم في الجامعة بنجاح وفي انتظار سوق العمل بخير استقبال، هتفت أمال بحماس:
_ وااااو، دي حفلة تخرج! شكلهم حلو أوي
نطقت سارة بابتسامة مشرقة:
_ ربنا يوفقنا ونبقى زيهم ان شاء الله
التفتت إليها أمال قائلة بلهفة:
_ ما تيجي نروح لهم ونبارك؟
رمقتها سارة باستنكار بينما تقول متعجبة:
_ انتي بتهزري يا بنتي؟ نروح نبارك لمين ولا لمين؟!
أجابتها أمال ببساطة:
_ نبارك لأي شلة هناك
أدارت سارة رأسها رافضة:
_ لا يا ستي اعفيني، أخاف احسن حد منهم يحرجني
لطبيعة سارة المنكمشة منذ الطفولة أثر كبير على تصرفاتها اليوم، تخاف حقا أن تقع بورطة تسبب لها عقدة نفسية وقد اكتفت بأمال كي تصير أمامها على طبيعتها وما عداها يتسم أمرها بالتكلُّف الشديد، لم تجبها أمال سوى بأن تجذب يدها مُرغِمة إياها على التشجّع ومقابلة أفراد جدد لتريها كم أن الحديث معهم بسيط لا يستلزم كل هذا التعقيد، تبعتها سارة على مضض حتى وصلتا إلى أقرب مجموعة من الأصدقاء من الشباب والفتيات، نطقت أمال بفرح:
_ مساء الخير
أجابوها ولا تزال الابتسامات معتلية وجوههم:
_ مساء النور
اكتفت سارة بمبادلتهم الابتسامة بينما عادت أمال تقول:
_ مبروك عليكم التخرج، دعواتكم نوصل زيكم
أردفت فتاة منهم ببهجة:
_ إن شاء الله تلاقوا النجاح وتتخرجوا منها على خير من غير أي مشاكل
نطقت أمال بابتهال:
_ ياااارب
أضاف أحد الشباب سؤالا:
_ إنتو لسة سنة أولى ولا إيه؟
أجابته أمال مع إيماءة من رأسها:
_ آه أولى أداب
ما أن نطقت بها حتى لفت انتباه سارة صوت رجولي أتى صداه من الخلف يهتف صاحبه ممازحا:
_ خد يا عم عمر الشاورما السوري بتاعتك اهي
صوت مألوف تكاد تجزم كونها سمعت نبرته من قبل ولكن متى وأين؟ لا تدري بالضبط؟!
فما كان منها سوى أن تفلت يدها عن يد أمال التي انخرطت بالأحاديث مع مجموعةت الخرّيجين، ثم استدارت لتتبين ماهية صاحبه لتتسع عيناها فجأة وقد رأته مقابلا لها مباشرة، يرتدي مثل البقية، يقف مع زميليه والسعادة معتلية صوته كما مُغلفة ملامحه، إنه ذاك معلمها بمدرسة الحياة الذي اكتفت بمحاضرة واحدة منه أن تتقدم عشر خطوات للأمام بعد أن كانت تُنفِّر الجميع من طريقتها الفظة فصارت أكثر اجتماعية عن ذي قبل، ارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيها ما أن وجدته أمامها ومن الواضح أنه أيضا طالب هنا يدرس إلى جانب عمله بالمقهى الذي قابلته فيه ذلك اليوم
وبينما كان يتحدث مع زميلَيه تصنَّمت معالمه ما أن رآها تقف أمامه وجها لوجه، فخفتت ابتسامته تدريجيا ثم سرعان ما قال موجها حديثه لهما:
_ بصوا أنا نسيت اشتري بيبسي، ثواني وراجع
ما أن أردف بها حتى انصرف مسرعا لتتلاشى ابتسامة سارة ويحل محلها الاستفهام خاصة بعدما لاح إلى مسمعها من صوت أحد زميلَيه:
_ وهو من إمتا بيحب البيبسي مع الساندوتشات
أجابه الثاني مداعبا:
_ يا عم سيبه يجرب، إنت مالك؟!
لم تشأ الاستماع إلى المزيد وإنما أسرعت تقتفَّى أثره لاحقة إياه قبل أن يهرب وقد خمَّنت ضمنيا سبب قيامه بذلك، وأي رجل بمحله سيفعل ذلك، فبالتأكيد خَشِيَ كونها قد تفضح أمره بشأن عمله أمام زميلَيه، ولذلك بادر بالذهاب كي لا يضع نفسه بموضع الإحراج، كان يقطع الطريق بخطواته الواسعة بطريقة أقرب إلى العدو حتى توقف سريعا وقد جحظت عيناه مع سماع صوتها المرتفعة نبرته متعجبة:
_ بس طريق الكافيتريا مش من هنا يا أستاذ خالد!
تناول شهيقا عميقا زفره على مهل قبل أن يلتفَّ بجسده ببطء وقد أيقن أن لقاؤهما سيحصل لا محالة فهذه لا تيأس أبدا! رمقها بنظرات هادئة دون النطق بكلمة فتولت هي ذمام البدء بالحديث حين اقتربت منه حتى صارت أمامه مباشرة ثم قالت مع ابتسامة بهيجة:
_ مبروك عليك التخرج يا أستاذ خالد
أجابها بنبرة جليدية يسكنها الامتنان:
_ الله يبارك فيكي يا آنسة، عقبالك
أشارت إليه بحركة من رأسها لكي يكملا السير ففهم على الفور ومشيا معا لتدخل سارة بصلب الموضوع دون مقدمات والدهشة معتلية نبرتها:
_ حضرتك مشيت بسرعة عشان خايف اقول أدام صحابك انك جارسون في كافيه؟
لم يجبها وإنما اكتفى بالنظر بالأرض ولم يجد قولا مناسبا يستطيع به تبرير ما فعل ليتأكد شكُّها بشأن الإجابة فتقول بنبرة أقرب إلى الحزن:
_ معقولة إنت فاكرني هبلة كدة؟
ابتسم من جانب فمه لتظهر غمازته الصغيرة المدفونة بين شعيرات لحيته الخفيفة، رفع بصره عن الأرض منتقلا إليها وهو يقول بنبرة غامضة:
_ ومين قالك اني مشيت عشان خفت أحسن تقولي عني جارسون؟ أصلا هما عارفين من زمان عشان بيساعدوني في مواضيع المحاضرات اللي مابحضرهاش وقت الشغل
احتلَّ التساؤل معاملها حيث ضيقت حدقتيها بعدم فهم منتظرة إجابته والتي كانت:
_ في الحقيقة انا مش فاكرك هبلة زي ما قلتي
تحدثت سارة مستنكرة:
_ أمال إي السبب بالظبط؟
تنهد بتعب قبل أن يتحدث بتثاقل:
_ مُصِرَّة تعرفي؟
قالت على الفور:
_ ياريت
تنهد بهدوء قبل أن يسلط بنيتيه بخاصتيها العسليتين قائلا على مضض:
_ في الحقيقة أنا خفت لما يبان أدامهم إني اعرفك يسألوني شفتك إمتا وفين؟ وأنا عايز اللي حصل ليلتها يتقفل عليه فــ صندوق وما يخرجش لبرة
اتسعت ابتسامتها من جديد فقالت والإعجاب صار باديا بوضوح بنظراتها:
_ شكرا ليك بجد
تحدث ناهيا إياها:
_ لا ماتشكريش أنا ماعملتش حاجة كبيرة
عادت ترفض ما يقول موضحة:
_ بشكرك على حاجات كتير، سواء كتمت الموضوع ده أو الكلام اللي قلته ليا في اليوم ده واستفدت منه جدا، إنت المفروض تشتغل مدرب تنمية بشرية يا أستاذ خالد
بادلها الابتسامة ثم قال بسعادة:
_ مش لدرجة مدرِّب، اللي بقوله ده مش من دراسة بس تجارب عادية سواء كنت اللي جرب أو حد أدامي جرب، وبرضه مانساش فضل ناس قريبة مني بتساعدني عشان اعرف الصح من الغلط، الناس دول مايعرفوش حتى يفكوا الخط، بس دماغهم دهب
أماءت سارة برأسها موافقة:
_ اتضح أدامي إن التعليم في مدرسة الحياة مش محتاج ورقة وقلم، كل اللي محتاجه ذهن صافي وعقل مركز يعرف يحلل المعلومات ويستفيد منها صح حسب المواقف، وماحدش وضح لي ده غيرك
وانخرطا في الحديث من جديد كما المرة السابقة لتعود سارة بالاستقاء من خبرة خالد ولكن بشكل أكبر حيث أخذت تسأله عن مواقف حقيقية حدثت معها في مراحل عمرها المختلفة تريد الاستفسار عن كيفية التصرف فيها وما كان الصواب وقتها، لمدة قاربت النصف ساعة حتى قاطعهما صوت أمال التي اقتربت هاتفة:
_ سارة أنا دورت عليكي فــ كل حتة يا بنتي افتكرتك مشيتي
التفتت إليها سارة قائلة:
_ لا لا انا كنت واقفة مع.......
عادت لتلتفت إلى خالد ولكن وجدته يلوّح لها بيمينه قبل الذهاب لتفهم على الفور سبب ذهابه فتلمع عيناها ببهجة وقد حرص للمرة الثانية على إخفاء ذلك السر وقد اعتقد كون أمال مجرد زميلة لا صديقة عزيزة، أفاقت مع لمسة خفيفة من يد أمال تتبعها مع قولها مستفهمة:
_ مين ده اللي مشي بسرعة كدة؟
عادت تتابع أثره بينما تقول بنبرة حانية:
_ خالد الصاوي

تشدقت أمال وهي تنظر إلى شريف المحدق بها باهتمام مسترسلة:
_ وساعتها أنا شفت خالد، لإنها حكت لي عن الموضوع ده من فترة طويلة وكان ناقص اشوفه، هو كان كل اللي عايزه إن مافيش حد غريب يعرف الموضوع ده لإن قصد سارة من الوجود في مكان ده كان غلطة، لكن ظن الناس ما بيرحمش، عشان كدة هو بعد بسرعة
_ وبعدين؟
أجابته أمال بجدية:
_ خالد كان من ال10 الأوائل على الدفعة عشان كدة اتعيِّن بعد التخرج في الشؤون القانونية في الجامعة وساب شغل الكافيه، وساعتها طبعا زادت مقابلتهم أكتر واكتر، سارة كانت معجبة بيه جدا لكن كانت بتحاول تكدّب ده وبتكتفي أنها تكون علاقة تعارف في الكافيتريا وبس، وكان أكبر سبب مخوّفها منه إن هو يصدها ويقلل منها عشان كانت حاسة دايما إنها صغيرة فــ نظره من الليلة دي أو إنه شايف علطول الأغنيا متدلعين بيدوسوا على قلوب الناس، لحد ما جه يوم واعترف فيه بحبه ليها، حست انها حاجة كبيرة أوي، كأنها طايرة في السما، لإن اتضح انه فعلا كان شايف ان الاغنيا مالهمش قلب وناس ما يتعاشروش بس سارة عرفت تغير نظرته دي وأكدتله إنها استثناء
ثم اختتمت حديثها مداعبة:
_ وبكدة يا سيدي شهريار تكون خلصت حكايتنا الليلة، حلوة ولا لأ
قهقه ملء فيه من طريقتها المضحكة في الختام ليقول بمزاح:
_ حلوة يا ست شهرزاد، اعفيكي من القتل النهاردة
أجابته ضاحكة:
_ طب كويس افكر في حكاية جديدة لبكرة بقى!
تحدث شريف بنبرة ساخرة:
_ فكري الأول في طريقة تجيبي بيها المحاضرة اللي هربتي منها وقعدتي تحكيلي هنا!
أجابته بلامبالاة:
_ أساسا أنا ماكنتش عايزة ادخلها وانت رحمتني منها
_ طيب الحمد لله يعني حكاية سارة وخالد جات بفايدة أهو
ثم أضاف يقول متسائلا:
_ تفتكري نهاية قصة حبهم إيه؟
أجابته بثقة بدت بنبرتها وملامحها:
_ الجواز يا شريف، سارة وخالد يستحيل يتفرقوا عن بعض، ولو لقدر الله حصل يبقى كل واحد فيهم كإنه خسر روحه بالظبط

في منتصف الليل، كانت نائمة في سبات عميق تبحر ببحرأحلامها الجميل حتى استيقظت بطريقة فجائية مع صرخة خفيضة الصوت انبعثت من حنجرتها حيث اصطدمت سفينتها الحالمة بكابوس مروِّعٍ دفعها إلى الهروب بالاستيقاظ، لترى سواد غرفتها المظلمة، العرق يغرق صفحة وجهها برعونة كما الاختناق يكبِّل صدرها وما عادت تستطيع التنفس، أخذت تتلمَّس رقبتها برقة ليتبيَّن كونها أيضا تشعر بالظمأ، فاتخذت من ذلك حجة كي تخرج هاربة من هذا الظلام الحالك السواد وتستنشق بعض الهواء، نزلت عبرالدرج ثم اتجهت إلى المطبخ لتروي ظمأها ببعض الماء، أسندت زجاجة الماء على الطاولة أمامها ثم خرجت وهي تمسح عرقها المتفصد على جبينها بطرف كمّ منامتها القطنية، وقبل أن تخطو بالدرجة الأولى لفت انتباهها الضوء المنبعث من غرفة مكتب شقيقها لتعقد جبينها بتساؤل عن ماهية كون أخيها مستيقظا إلى هذه الساعة المتأخرة من الليل، غيَّرت نيَّتها بالعودة إلى غرفتها وسارت باتجاه غرفة أخيها لكي تقنعه بأن يكتفي بالعمل اليوم وليكمل في الصباح بعد أن يسمح لصحته بنَيْلِ قسطٍ من الراحة، تقدَّمت حتى صارت أمام الباب مباشرة وهمَّت لتطرق الباب ولكن سرعان ما توقفت وقد ارتعدت أطرافها وكاد الدم يتجمَّد في عروقها تزامنا مع صوت صراخه الذي صمَّ الجدران من قوته:
_ يعني إيه يا شوية كلاب الكوكايين اللي باعتكم عشان توصلوه اتمسك فــ كمين؟ انتو عارفين دول يسووا كام؟!
وضعت سارة يدها على فمها بسرعة كاتمة شهقة مصدومة كادت تخرج من حنجرتها، بينما عاد الثاني يقول بغضب:
_ المهم حد اتمسك؟
ثم سرعان ما بدا الاسترخاء على صوته حيث قد صار عكس ما خاف منه قائلا:
_ برافو عليكم، ماشي اقفل دلوقتي وانا هشوف حل للمصيبة دي
عادت أدراجها بخطوات هادئة حرصا من إصدار أيَّة ضجَّة وقد شعرت بالخوف يزلزلها لأول مرة في حياتها ومن مَن؟ من أخيها الذي عرفت عنه ما لم تتوقع أبدا، أسرعت إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها واستندت بظهرها عليه حتى انهارت بجسدها وجلست أرضا والألم صار ينهش بفؤادها ولم تستوعب بعد مرارة ما سمعت وياليت أصابها الصمم قبل أن تعرف تلك الحقيقة المُرَّة كمرارة العلقم، حقيقة أن يكون أخيها تاجر مخدرات!



الرابع من هنا 

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close