رواية حين تكذب الملائكة الفصل الثالث 3 بقلم الكاتبة كوين اسمهان
٣|في عينيها... حقلٌ بعيد!
عندما وصلت ليسا في صباح اليوم التالي إلى الشركة في الوقت الأنسب، وجدت أن الاستقبال فارغ، و بعض المكاتب لم تُفتح بعد، وهدير المدينة لم يصل إلى الطابق الخامس والثلاثين.
2
لكن المكتب لم يكن فارغًا. كان راينر غرانت هناك، يحتلُّ كل شيء بنظراته الرمادية، واقفًا قرب النافذة كما البارحة، ينظر إلى المدينة كما لو كان يُراقب خصمًا قديمًا ينتظر منه زلَّة!
+
لم تظن أنه سيراها تدخل إلى مكتبها، لكنه التفت فجأة، و مشطها طويلاً بعينيه ناقدتين، ثم فتح الباب الزجاجي الذي يفصل بينهما، و قال بهدوء:
1
"أنتِ دقيقة جدا آنسة كولنز، تظهرين دائما في اللحظة المناسبة!".
+
ٱوه! جلدها يحترق مجددا، لماذا تشعر أنه يشير إلى ما جرى ليلة أمس؟ بعدما أقلها إلى منزلها، حين هجمت عليه في اللحظة المناسبة، و خطفت القلادة قبل أن يكتشف أمر مظهرها المزيف!
5
تنحنحت كأنها على وشك السقوط، و قالت بتماسك:
+
"هذا ما يمليه مركز السكرتيرة الناجحة سيدي!".
+
اقترب منها ببطء، خطواته مدروسة بدقة رجل يعرف تأثير حضوره، ترك مسافة نصف متر بينهما، و علق لاويًا شفتيه بسخرية:
+
"تعلمين، ليست كل النساء يملكن هذا القدر من الانضباط... أغلبهن يَضِعن بين الملل، الرغبة في التجديد، و الخوف من التهميش!".
+
"الإنضباط ليس مجرد مهارة في أداء العمل سيدي، إنه ٱسلوب حياة، و قد ٱصاب بالجنون إن إختل نظام حياتي الذي رسمته لنفسي!".
+
شعر أنها ليست آلة مبرمجة على العمل كما تحب أن توهم الجميع، لهذه المرأة حياة، حياة بعيدة عن متناول عينيه، حياة يود لو يكتشف أبعادها! أدرك راينر مذ رأى حديقة منزلها المُعتنى بها بدقة أنها تمتلك نظاما خاصا، و لمسة فنية راقية، تجيد تنسيق الألوان، و تعرف ماذا تنتقي لمنزلها، أي الزهور تزرع، و أي طلاء يجب أن يغطي الجدران لتكون خلفية ناصعة تبرز جمال الحديقة أكثر، إذن كيف يعقل لامرأة بكل هذا الحس الفني أن تعجز عن إنتقاء ثياب أفضل من العشوائيات التي ترتديها!
9
لا ريب أنها تتعمد ذلك، و لن يطول الأمر حتى يكتشف السبب. نظرت إليه بتساؤل، فعقب أخيرًا:
4
"لكن المرء لا يستطيع رسم كل شيء بنفسه... يا ليسا!".
+
إنتفض وريد في عنقها بنبض عنيف، لم يكن راينر بالقرب الذي يتيح له أن يلاحظ ذلك، لكنه كان واثقًا من التأثير الذي خلفته كلماته، خصوصا حين إستعمل إسمها الأول دافعًا الرسميات الثقيلة بعيدًا!
+
وجدت لسانها يردف بحذر:
+
"لكن في مقدوره دائما المحاولة... سيدي!".
+
أرادت هي الٱخرى إستعمال إسمه الأول، لكنها خشيت أن يكون لطفه المفاجئ إختبارا منه ليرى ما إذا كانت ستضعف أمام عواطفها كٱنثى و تنسى ضوابط مهنتها الصارمة!
+
ابتسم راينر بشكل غير متوقع:
+
"أنتِ لغز، وأنا أكره الألغاز".
10
ثم التفت عنها، معلنًا عن نهاية ذلك الحديث الذي بدا جنونيا بالنسبة لها، لكن الجنون الحقيقي بدأ بعدها، حين إحتجزها في مقعد داخل مكتبه تدون ملاحظاته و ترتب مواعيده، و تراجع في الوقت نفسه العقود المبرمة مع الفنادق و المؤسسات العقارية، مكتشفة جملة أخطاء لا تغتفر إرتكبتها سكرتيرات سابقات لم تكن الجدية جزءً من إهتمامهن!
+
رفعت رأسها عن العقود عند حلول ساعة الغداء ناظرة إليه، ربما باتت تفهم الآن لماذا فشلن و رحلن بسرعة، لقد وقعن في سحر هذا الرجل، و أصبحن فاتنات و لاهيات أكثر مما ينبغي لموظفة أن تكون! تُرى هل تمادت إحداهن و دخلت في علاقة عميقة مع الرئيس؛ أم أنه كان بارعًا في طردهن قبل أن ينشبن مخالبهن الجميلة في صدره؟!
10
"لماذا لا أجد جدول الإجتماعات بين مخطط هذا الٱسبوع؟!".
+
أفاقت لنفسها، و أبعدت عينيها عن صدره العريض مجيبة و هي تقفز من مقعدها و تسوي نظاراتها المنزلقة:
+
"إنه لا يزال فوق مكتبي، طبعته صباحًا، لكنني آثرت أن أراجعه لمرة أخيرة قبل أن أضعه على مكتبك!".
+
أسرعت لإحضاره، و حالما تصفحه راينر، ألدى دهشته معلقًا:
+
"كل هذه المواعيد في أسبوع واحد؟!".
+
"إنما هذه مواعيد الأسابيع الأربعة المقبلة!".
2
رفع إليها عينين لا تصدقان ما تريانه، و قال:
+
"ممتاز آنسة كولنز، لديك روح مهنية عالية، هذا يجعلني راغبًا بالبقاء في الشركة حتى خارج ساعات الدوام!".
4
رسمت إبتسامة بأعماقها، لكن وجهها ظل كما هو، في حين إستطرد راينر مستفسرًا:
+
"يبدو أن لدينا إجتماع مع صاحب سلسلة فنادق ستارلايت بعد ساعة!".
+
"أجل سيدي، ثم لديك إجتماع مع نائبتكَ التنفيذية! لكن إجتماع الغد مع السيد ٱوبرال ملغي، إتصل صباحا و أعلن عدم رضوخه للشروط، يبدو أنه لن يوقع على تأجير أرضه للاستثمار بسهولة!".
+
بدا راينر غاضبًا و هو يلوي شفتيه بإمتعاض و يرد:
+
"ذلك الجشع المتملق، كان يركض خلف شركة غرانت من أجل وساطة مع أصحاب الأرض الأصليين، و اليوم بعدما وضع يده عليها بفضلي و تركها مهملة، أصبح مغترًّا! فليذهب هو و توقيعه إلى الجحيم!".
+
شدَّد قبضته متخذًا قراره:
+
" آنسة كولنز، ٱشطبي كافة تعاملاته معنا، و أخبري فيكتوريا أن تجد أرضًا ٱخرى لمشروع فنادق ستارلايت!".
+
سجلت تلك النقطة على دفترها، ثم تمهلت مستدركة:
+
"عفوا... من تكون فيكتوريا سيدي؟!".
+
أيقن راينر أن المرأتان لم تتقابلا بعد، ففيكتوريا كانت حتى أمس في عطلة مرضية بعدما عانت من عدوى زكام مفاجئة مثل مدير الموارد البشرية براد، لكنها خابرته هذا الصباح و أكدت مداومتها، ثم هناك الإجتماع الذي ستحضره هذا المساء، و هناك قرر أن يقدم كلاًّ منهما للٱخرى!
+
لاحظت صمته المطبق، و آثرت أن تتلاشى من أمامه لبعض الوقت، لكنها كانت شديدة الإهتمام بمسألة تلك الأرض و مشروع ستارلايت، لذا تمتمت بحذر:
+
"سيد غرانت، هل تمانع إن ألقيتُ نظرة على عقد الوساطة بينك و بين أصحاب أرض ٱوبرال الأصلية؟!".
+
"كلا، لكن فيمَ سينفع هذا الآن؟!".
+
"سيدي، أنا سكرتيرة، و وظيفتي المراجعة و التدقيق!".
+
زفر بضيق معتقدًا أنها من النوع الذي قد يشنق نفسه إن لم يجد ما يشغله، حتى إ عنى هذا أن تنشغل بالتنقيب في غرفة يغشاها الغبار!
+
"ستجدين نسخة من العقد في قسم الأرشيف السفلي، في خزانة الحروف الأربع: (o,p,q,r) الدرج العلوي!".
4
إستقام ليحظى بإستراحة الغداء مضيفًا:
+
"لكن لا تنزلي إلى ذلك الطابق بمفردك، بوابة القسم تعاني من أعطال شائعة، و قد تُحبسين هناك دون أن يتمكن أحد من الإهتداء إلى صراخك!".
6
على مدار اليوم، لاحظت ليـسا أن عيون الموظفين تابعتها دون غيرها، ليس بإعجاب، بل بريبة. بعضهم يتهامس في زوايا المكاتب لمءا كانت تسأل فجأة عن الطابق السفلي الفارغ، و بعضهم كان يُطيل النظر إليها دون سبب واضح، كأنهم يحاولون اكتشاف ما يخبئه مظهرها المُطفأ!
+
و في المساء، حدث ما لم تكن تتوقعه، كانت تجري بحثًا عبر الإنترنت عن معالم أرض ٱوبرال و مزاياها، حين دخلت امرأة أنيقة مكتب راينر، تحمل داخل عينيها ثقة مبالغًا فيها!
+
خمنت ليسا بعد إلقاء نظرة على الساعة أنها نائبته التنفيذية العائدة من عطلتها، فيكتوريا! فنهضت بسرعة، متناولة الدفتر و القلم، و مشت بإتجاه الباب المشترك!
+
"مرحبا راينر!".
+
قالت فيكتوريا هادلي ذلك ببشاشة بينما تسوي الخصلات البنية المتساقطة حول وجهها، راينر دون ألقاب؟! لا ريب أنها صديقة أكثر من كونها موظفة في الشركة! أضافت فيكتوريا مضيقة عينيها الداكنتين حين لمحت ليسا تنضم إليهما حسب أوامر مديرها:
+
"مهلاً! ظننتُ أنه إجتماع بين الرئيس و نائبته فقط!".
5
نظرت ليـسا إلى المرأة بحيرة، ثم إلى راينر بجمود، شيءٌ غامض إعتصر معدتها و ضايقها، هل هو حديثها المطاط، أم المرأة نفسها التي رمقتها من خلف أنفها بتقزز!
1
لكن الرئيس رئيس، يعرف أين يضع كل شخص في مكانه الصحيح، و راينر كان و سيظل رجلاً بعيدًا عن التملق و المجاملات السخيفة، إنه يصنع هنا فرصًا حقيقية للنجاح و الرفاهية، إنه يمنح للمال قيمة، و للأعمال أثرًا! لذا أتى تعليقه قاطعًا و بالغ الجدية:
+
"هذا الاجتماع ليس شخصيًا آنسة هادلي، و السكرتيرة تحضر كل الاجتماعات، كما تعلمين!".
4
حاولت فيكتوريا إخفاء خيبة ما خلف إبتسامة واسعة و هي تردف:
+
"أوه... بالطبع!".
+
أخذت بعد ذلك تحدّق في ليـسا من رأسها حتى أخمص قدميها، منتقدة بصمت كل تفاصيلها، قبل أن تستطرد في لهجة لئيمة:
+
"غريب... لا تشبه النمط المعتاد، راينر".
3
"و لماذا سيكون لي نمط معين في السكرتيرات؟ المطلوب دائما هو امرأة جادة، قوية الذاكرة، و صبورة!".
3
ابتسمت ليـسا بأعماقها، لمعرفتها أن هذين المتحدثين بثقة عنها، لا يعرفان شيئًا عن نمطها الحقيقي، و لن يعرفا! لأنهما قد يفقدا الوعي لو حدث و إكتشفا أن خلف تلك الهيئة القبيحة تختبئ امرأة أقل ما يقال عنها أنها جميلة!
+
لكنها تصرفت بحذر، و لم تُظهر أفكارها الخاصة حتى عبر نظراتها! حتى و هي في مرمى بصر فيكتوريا هادلي الحذقة، كانت ليسا كقطعة فولاذ ترتدُّ جميع النظرات الممحصة خائبة!
+
أما راينر، فقد قال ببرود قاتل:
+
"إذا فرغتِ من ثقب سكرتيرتي بنظراتك، فسننطلق في مناقشة مخططنا الإستثماري لهذا الصيف!".
16
ضحكت فيكتوريا كاتمة مرارتها، و هزت رأسها برضى قائلة:
+
"حسنًا، دعنا نبدأ!".
+
𓇼
+
قبل نهاية الدوام، كانت ليـسا قد أنهت مهامها لذلك اليوم، و راينر ليس في حاجة لخدماتها، لذا طلبت إذنًا للخروج، و لدهشتها وافق الرئيس دون النظر إليها.
+
أيقنت و هي تغادر مكتبه أنه متضايق من تصرف ٱوبرال، إلى حد عدم تعليقه حول ذهابها من عدمه. لكن ليسا لم تكن تخطط لمغادرة الشركة قبل أن تلقي نظرة على قسم الأرشيف، لعلها ستجد هناك ما يمكنها المساعدة به!
4
الرئيس يريد من فيكتوريا هادلي البحث عن أرض ٱخرى لتنفيذ مشروع الإستثمار، لكن برأيها من الصعب تحقيق ذلك في وقت ضيق، فريق غرانت بحاجة لثغرة قوية، و هنا يبرز دور خبرتها كسكرتيرة!
+
إنتزع راينر رأسه من الأوراق التي يدرسها، حين أحسَّ بصداع طفيف يهاجم صدغيه، سحب نفسًا طويلاً مرجعًا ظهره المنهكَ إلى دعامة المقعد الوثير، و حين إتجه بصره إلى حيث يفترض أن تكون ليسا جالسة، تسمر بمكانه مدركًا أن مقعدها شاغر، ثم تذكر أنها طلبت إذن الخروج قبل قليل، لكن إن كانت حقا تنوي مغادرة المبنى، فلماذا لم تحمل حقيبتها و حاسوبها؟!
+
رفع السماعة متصلاً بموظفة الإستقبال:
+
"نعم، سيد غرانت!".
+
"هل غادرت ليسا كولنز المبنى؟!".
+
"كلا سيد غرانت، الآنسة كولنز قصدت قسم الأرشيف في الطابق السفلي!".
+
لم ينتظر راينر أن تضيف موظفة الإستقبال كلمة ٱخرى، صفق السماعة بحدة، و هبَّ من مقعده مخاطبًا نفسه بغضب:
+
"ماذا يوجد في عقل تلك المرأة لتتجاهل تحذيري؟ كأنني لم أمنعها من النزول بمفردها إلى ذلك الطابق!".
4
كان نظام أقفال الأبواب معطلاً بالفعل، لذا وضعت كرسيا أمام باب قسم العقود، حتى لا تُحبس هناك، و إتجهت رأسًا إلى الخزانة التي ذكرها راينر، رفعت رأسها ناظرة نحو الدرج العلوي الذي يحمل كل العقود المصنفة ضمن الحرف (o)، اكنها لاحظت إرتفاع الخزانة مقارنة بطولها، والدرج الذي تحتاجه عالق في الرف الأعلى!
2
جربت أن تمدّ ذراعها، و تقف على أطراف أصابعها، دون جدوى، و حين فكرت في إيجاد كرسي آخر لإعتلائه، إنطلق صوتٌ باردٌ خلفها فجأة:
+
"دعيني أخمّن... الخزانة تتمرد... كما تفعل سكرتيرتي!".
13
كان ظهور الرئيس مباغتًا، جعلها تنتفض قليلاً، لكنها تماسكت و سألت بقلق:
+
"متى تمرَّدتُ عليك سيدي؟!".
+
خطا نحوها بتؤدة مزقت أعصابها مجيبًا:
+
"توًّا! ماذا تسمين تواجدكِ بمفردكِ في هذا المكان الخطير رغم تحذيري؟".
+
حاولت الرد، لكنه سبقها و أضاف بحدة:
+
"من أجل ماذا عصيتِ أوامري؟ من أجل التسلّي ببعض الغبار و الملفات القديمة، أم أنكِ وجدتِ إختبار صبري تسليةً جديدة!".
5
جاهدت كي لا تصفع وجهه، و أردفت ببرود لا تعرف من أين أتت به:
2
"أنا لا أتسلّى سيد غرانت، لا تنسَ أنكَ سمحتَ لي بمطالعة العقد المبرم مع السيد ٱوبرال، و هذا هو سبب وجودي هنا!".
+
ردَّ راينر بإنفعال غير متوقع و هو يتقدم أكثر و يحاصرها بين جسده و الخزانة الباردة:
14
"لكنني لم أسمح بأن تعرضي نفسكِ للخطر!".
11
خالت تلك اللحظة دهرًا، كأنه كان يسحب أنفاسها بنظراته القوية، الرماد في عينيه أشبه ببحر هادئ تحت شمس باهتة، و الأرض تبدو و كأنها تميد من تحت قدميها!
+
كانت أقرب مما خطط، و مما ظن، بشكل لا إرادي، تبادلت أيديهما اللمسة عند تسليم الملف، كانت يدها باردة، رقيقة! بينما أصابعه قوية، نارية، و خشنة بشكل أثار حواسها! أغرق نظراته في وجهها من مسافة خطرة، و لأول مرة، لاحظ شيئًا لم ينتبه له من قبل؛ عيناها، كأنهما مسجونتان قسرًا خلف قضبان زجاجية لا نظارات!
3
كانتا بسبب تلك العدسات التي تضعها ليسا مجرد عينين بنيتين تومضان أحيانا بلمعة عسلية خافتة، لكن راينر رأى خلف لون العسل الداكن، ضوءً أخضرًا يشبه لحظة غروب ساحرة داخل حقل مسيَّج و بعيد، عجز عن تفسير الشعور الذي إنتابه، و ظل على تحديقه حتى همست هاربة من قربه المهلك الذي تختبره للمرة الٱولى، و من عينيه المحققتين:
6
"أنا شاكرة لكَ إهتمامكَ بسلامة موظفيكَ سيد غرانت، لكنني سأكون شاكرة أكثر... إن ساعدتي في الوصول إلى الدرج العلوي!".
+
أشاحت عنه تضيف بخجل، كأنها تكره الإعتراف بعجزه عن إنجاز شيء بتلك البساطة دون تدخله:
+
"...قامتي لا تتيح لي الوصول إليه بنفسي!".
+
تراجع راينر عنها، و بكل سهولة ممكنة، سحب الدرج، و وضعه تحت تصرفها، لتباشر النبش داخله عن العقد المنشود، و حالما عثرت عليه، سحبته متنفسة بهدوء، ثم رفعت بصرها إلى الرجل الذي لم يأتِ على أية حركة منذ لحظات، تبين أن عيناه لم تفارقا وجهها، حدست في نظراته سعيًا حثيثًا وراء حقيقتها المتلاعب بها، و كي لا تُذكيَ شكوكه، رمشت بشكل طبيعي مدعية الحيرة، و سألت:
+
"هل هناك خطب ما، سيدي؟"
+
أجاب راينر بخفة، لكن صوته كان أبطأ من المعتاد:
+
"لا... فقط كنت أفكر أن هذه النظارات تظلمك كثيرًا!".
8
شعرت بحرارة مفاجئة ترتفع في وجنتيها، كاد جسدها بأكمله يهتزّ و يخر، غير أنها ثبتت بمواجهة عينيه، ضمت الملف إلى صدرها بطريقة دفاعية في محاولة منها للسيطرة على إرتجاف يديها، و علقت قبل أن تتجاوزه مغادرة ذلك الطابق:
+
"ربما هذا هو الهدف منها، أستأذنكَ الإنصراف سيدي!".
1
داخل سيارتها، لهثت مستنجدة ببخاخ الربو، و إنتظرت حتى تتمالك نفسها قبل أن تشرع في القيادة نحو بروكلين، غير أنها لم تتخلص من أحداث ذلك اليوم التي طاردتها دون هوادة، ربما غادرت المبنى، لكن كلمات راينر و نظراته الثاقبة لم تغادرها!
+
