📁 آخر الروايات

رواية احببت عبراني الفصل الثالث 3 بقلم مريم غريب

رواية احببت عبراني الفصل الثالث 3 بقلم مريم غريب


( 3 )

_ العدو ! _

بقيت كما هي و لم تحرك ساكناً ...

ليكرر "إبراهام" بصوت أكثر حدة :

-إن لم تتركي هذا من يدك الآن . سأضطر للتعامل معك بنفسي . و أظن أنك غير مرحبة بالفكرة ! .. و تقدم خطوة علي سبيل التهديد

فصرخت الفتاة :

-من أنت ؟ و أين أنا ؟ ماذا تريدون مني ؟

كانت أشبه بحيوان بري جريح يصرخ بوجه صياداً مصمم رغم أنه يعلم أن لا مفر منه ، إلا أن "إبراهام" وقف بمكانه يحدق بها في صمت ، لتضيف و هي ترفع السيخ الحديدي لأعلي أكثر :

-أنا لن أقتل نفسي . لن أفقد إيماني بربي و لن تسلبوا مني حياتي الثانية كما سلبتوا الأولي . و لكن تأكد أنني أيضاً لن أتوقف عن المقاومة و لن أتواني عن قتل أياً منكم إذا سنحت لي الفرصة . لذلك أبقوا جميعاً بعيداً عني . أو أقتلوني كما قتلتم عائلتي و جيراني و أصدقائي . لن أكون طيعة أبداً صدقني . فتخلصوا مني أفضل !

كان يراقب دموعها السائلة ببطء من عيناها الواسعتين ، إعترته دهشة كبيرة من حجم قوتها ، ثبات تبرات صوتها ، و الشجاعة التي تتحلي بها حتي اللحظة ، فتاة مثلها ، رغم أن وضعها ضعيف جداً و إرادتها تحت الحضيض ، إن لم تكن معدومة ، فهو سيد الموقف الآن

و طبقاً لنظرية "باروخ دي روش" القائد الإسرائيلي ، في التعامل مع بنو عرقها ، فهو إشتراها ... بمئة مليون دولاراً !!

-هل فرغت ؟! .. قالها "إبراهام" بتساؤل ، و هدأت نبرته كثيراً الآن

بينما ظلت الفتاة علي حالتها ، و لم تتوقف عن تصويب نظراتها المحتقرة إليه لحظة واحدة ، فأستطرد ببرود :

-ما لا تعلميه يا صغيرتي أنك هنا بقصر آل فردمان . بينك و بين موطنك خمسئة ألف ميلاً علي أقل تقدير . موطنك الذي تم تدميره بالكامل و الذي كانت حياتك فيه علي المحك . لذا أعتقد أنك مدينة لي . بحياتك أيضاً .. و لكن إطمئني . أنا لا أريدها و لا أود أن أؤذيك

جمدها كلامه تماماً ، شخص بصرها و هي تنظر له قائلة بصدمة :

-ماذا تعني يا هذا ؟ أخبرني الآن أين أنا بالضبط و من أنت ؟!!

رد عليها بصوته العميق :

-قصر فردمان يقع بمدينة باريس . تحديدا شمال فرنسا . ها قد أخبرتك أين أنت . أما عني .. و أشار لنفسه مكملاً بهدوء :

-أسمي إبراهام إيثان فردمان . يهودي من أصل إسرائيلي . و أنا وريث عائلة مصنفة كواحدة من أكبر 7 عائلات يهودية حول العالم و أكثرهم ثراءاً . أقيم هنا بباريس و أملك ربع إقتصادها . بالإضافة لمجموعة دول أخري . خرائطها الإقتصادية بحوزتي . و الأهم من ذلك بالنسبة لك !

صمت قليلاً و تحرك تجاهها بتمهل ، كانت لا تزال تحت تأثير حديثه المرعب ، المميت .. إنحني صوبها ملتقطاً السيخ الحديدي من يدها بحزم ، و تابع بصوت خفيض لكنه صارم :

-أنا من أنقذك من بين براثن القوي المحتلة . لولاي لكنت هالكة الآن . فتاة مثلك لم تكن لتصمد و هم يتناقلونها بينهم مراراً و تكراراً . و حتي لو كان الحظ حليفك و نجوتي من قبضتهم . كان سينتهي بك الأمر عبدة . أو سبية كما أخبرني صديق هناك لإحدي الجماعات الإرهابية .. الإسلامية

-أيها الصهيوني الحقيـر ! .. صرخت الفتاة بعنف و هي تركله بقدمها السليمة بكل قوتها الضئيلة

-لسنا إرهابيون . أنظر إليّ فأنا مسلمة . هل أبدو لك إرهابية ؟ بل من منا الإرهابي ؟ هل أنا من قمت بإختطاف نفسي ؟ هل أنا من ذبح الأطفال و الرضعّ الصغار ؟ هل أنا من أطلق النار علي رؤوس الرجال و الشيوخ ؟ هل أنا من إغتصب النساء و هتك الأعراض ؟ لست أنا و لا رجلاً من ديني يجرؤ علي فعل واحد مما ذكرت . و تلك الجماعات لا تمت لنا بصلة . أنتم المدلسون . أنتم الملفقون . أنتم المجرمون . لعنة الله عليكم !

يبدو أنه لم يتأثر بضربتها ، و لا حتي بكلماتها ...

تنفس بعمق و هو يعيد السيخ مكانه بالجرة الرخامية ، ثم نظر لها مجدداً .. كانت تلهث بقوة و صدرها يعلو و يهبط بسرعة رهيبة ، بيد أنها ستنهار بدون شك من شدة الضغط العصبي لو عاد لمجادلتها مرة أخري

لكنه لم يفعل ، بل إعتدل واقفاً علي قدميه و هو يقول :

-إسمعي يا فتاة . مهما كانت مشاعرك . أنا لا أبالي بها إطلاقاً و لا أريد بحث أو إثارة أي مواضيع معك . كل ما في الأمر إنك نلتي شفقتي فقط . أردت أنقاذك من المصير البائس الذي كان ينتظرك . هل تريني مخطئاً ؟ لا أريد منك شئ و لا أطالبك بأداء أفعال ما

هتفت بوحشية :

-إذن أطلق سراحي . دعني أخرج من هنا حالاً إن كنت صادقاً أيها السافل المخادع

تجاوز "إبراهام" الإهانة و قال بلطف متكلف :

-لا للأسف . لا يمكنك الخروج من هنا أبداً . كان هذا شرط بيعك لي . و أنا لم أعتاد الخنث بكلمتي . لو فعلت لن يثق بي العملاء و رجال الأعمال مرة أخري .. سأسيئ إلي سمعتي . هل يرضيك هذا ؟

-هل تعتقد بأنك قد إشتريتني ؟! .. صاحت بإستنكار عنيف

أومأ قائلا ببرود :

-نعم الأمر كما تقولين . لقد إشتريتك صباح اليوم بمبلغ ربما لا تصدقي أنني دفعته لقائك . و لكن لأكون صريحاً لم أدفع من أجلك في البداية . حين رأيتك فقط قررت أن آخذك فلم يمانع أحد .. و نعم يا صغيرتي . أنت ملكي الآن

زمجرت و هي تقول بغلظة :

-لن يحدث هذا و لا في أحلامك . هل تفهم ما أقول ؟ لن أكون عبدة لك ما حييت و لن أطيعك أبداً . أفضل الموت ألف مرة علي ذلك

زفر "إبراهام" معبراً عن ضيقه و قال :

-لن تموتي . إطمئني . و سبق و أخبرتك أنني لا أريد منك شئ .. ستعيشين هنا فقط . بسلام . هل تفهمين ما أعني يا صغيرة ؟ .. و أكمل بجدية :

-هناك قوانين للعيش تحت سقف هذا البيت .. أهمهم إجتناب المشاكل . لا أريد أن أسمع شكوي واحدة عنك . و بما أنك أبديت بغضك الشديد لي و لميولي العرقية يفضل أن تلتزمي غرفتك و سيأتيك الطعام و الشراب في المواعيد . لكن إذا شعرتي بالملل بوقت ما و أحببت الخروج و التنزه داخل أسوار القصر فأنا لا أمانع طبعاً . هذا حقك و الإنسان بحاجة لرؤية الشمس و تنشق هوائها . لكن إذا حاولت الهرب و أنا لا أنصحك . ستتحملين العواقب . المنزل مدجج بالحراسة . و لدينا أجهزة آمن حساسة و بعض الكلاب المهجنة أيضاً . إنها مخلوقات خطيرة جداً و لن تفلحي بالعبور إلي الخارج مهما حاولتي . و غير ذلك سيكون حسابك معي .. عسيراً جداً يا صغيرتي

روّعها كلامه ، لكنها قالت بجلد و قوة :

-هل تظن أنك أخفتني ؟ و أنني سأفعل ما تريد ؟ أنت عدوي للنهاية . حتي ينتهي الصراع . هل تفهم معني ذلك ؟

إبراهام و هو يهز كتفيه بلامبالاة :

-تلك الحكايات المرسلة . لا تهمني .. ما أصر عليه . هو ما قلته لك . و إذا كنت ذكية فلن تخالفي آوامري . لأنني لا أمزح . و لا أحب أن تكتشفي هذا بنفسك !

و هنا ضيقت الفتاة عينيها و هي تقول كأنها قد بوغتت :

-يهودي . و تتحدث العربية بطلاقة ؟!!!

إرتفعت زاويتي فمه بإبتسامة خبيثة و هو يقول :

-إنها لغة أعدائنا . صحيح ؟ لن تجدي عبرانياً واحداً في هذا العالم لا يجيد العربية بالذات . جميعنا نتعلمها . بخلافكم أنتم . فلو سببتك الآن بلغتي الأم و أنا أبتسم هكذا ستظنين أنني أمتدحك . هل عرفتي لماذا نتعلمها ؟ نحن لا نقع في هذا الفخ !

-الطبيب بارنر وصل يا سيدي ! .. قالتها "ليونيلا" ، رئسية الخدم من خلف "إبراهام"

إلتفت لها قائلاً بالعبرية :

-دعيه يدخل . ماذا تنتظري ؟ .. و أمر الخادمتين الواقفتين علي مقربة من الفتاة العربية :

-أنتما . أعيداها إلي الفراش هيا

رضخت له كلتاهما و توجها نحوها فوراً ، لتصيح الفتاة بخشونة لعدم إدراكها ماذا قال لهما بالضبط :

-حذار أن يلمسني أحد . إبتعدوا عني . إبتعدوا !

-مهلاً مهلاً يا فتاتي . هدئي من روعك ! .. قالها "إبراهام" بلطف ليهدئها ، و أوضح لها :

-قلت لهما أن يوصلاكي إلي الفراش . لقد أستدعيت لك طبيب ليفحصك . سيدخل الآن

و فعلاً ، ولج الطبيب في اللحظة التالية ، و كان رجلاً متوسط القامة ، أشقر ذو عينين زرقاوتين و ملامح وجهه الوسيمة بها بعض التجعيدات ، من النظر إليه يسهل تقدير عمره المتراوح بين أواسط الأربعينيات إلي الخمسين ...

-سيد فردمان ! .. صاح الطبيب بالفرنسية و علي وجهه إرتسمت إبتسامة عريضة

توجه "إبراهام" نحوه و صافحه بحرارة مرحباً :

-دكتور بارنر . أهلاً بك . سعدت بلقائك

بارنر ببشاشة :

-شكراً لك . و لكنك أشعرتني بالقلق منذ الصباح . ما بك يا سيدي ؟ فها أنا أراك جيداً . مما تشكو بالضبط ؟!

-لست أنا يا دكتور . بل الـ آ ... و إلتفت مشيراً إليها ، لكنه رآها كما هي ملقاة علي الأرض ، فصاح في الخادمتين بغضب :

-ألم أقل أعيداها للفراش ؟

لم تكادا تردان عليه حتي صاحت الأخيرة بصرامة :

-قلت لك لن أطيعك في شئ . و أنك لن تلقي مني غير العصيان و الآذي . إلا إذا تركتني و شأني !

بدأ "إبراهام" بفقدان أعصابه بالفعل ، تلك الفتاة إختبرت صبره كثيراً و يبدو أنها لن تتراجع عن عنادها ...

كان سيفلت منه غضبه الشديد ، لكنه لحق نفسه و قال لها بجمود :

-إن لم تنصاعي إليّ الآن ستخسرين . و أنا أعني ذلك حقاً .. أظن أنك لا ترغبين في أن تبتر ساقك

و شحبت من المعلومة ، و كأنها تغافلت عن ذلك الإحتمال ...

تابع "إبراهام" مؤكداً :

-نعم إذا لم يتم معالجتها فوراً ربما تفقدينها . فالجرح غائر فيها و النزف لم يتوقف . أنظري كيف إستحال لون قدمك للزرقة القاتمة . هذا مؤشر سيئ !

نظرت إلي قدمها تلقائياً ، لتجدها كما وصفها ، ثم نظرت له ...

-جيد ! .. تمتم "إبراهام" بإبتسامة منتصرة ، و أكمل بسخرية :

-إذا كنت تودين الهرب فسوف تكونين بحاجة لساقيك من أجل الركض مني . أليس كذلك ؟

و كرر أمره علي الخادمتين مجدداً ، فسمحت لهما علي مضض بمساعدتها علي النهوض .. كاد حجابها ينزلق من فوق رأسها ، أدركت ذلك بسرعة و أحكمت وضعه أثناء جلوسها علي السرير

أدرك "إبراهام" من تصلبها و عبوسها الشديد أنها لا ترغب بوجوده خلال مدة الفحص ، لم يهتم بذلك و إستدار إلي الطبيب :

-دكتور بارنر . كان يومي طويلاً و لم أنم منذ ليلة أمس . سأذهب لغرفتي لأنال قسطاً من النوم . أفعل اللازم و عالجها جيداً . أريدها أن تعود كما كانت

بارنر بإبتسامة :

-سأبذل جهدي يا سيدي . أعدك

إبراهام و هو يرد له الإبتسامة :

-و أنا أثق بك .. ثم تنهد و أدار وجهه نحوها

-بالمناسبة أيتها العربية . ما أسمك ؟

رمته بنظرة مزدرية خرساء ، و أشاحت بوجهها ثانيةً

هذه المرة إستفرته حقاً ، فإندفع صوبها قائلاً بحدة :

-هل قطع لسانك الآن ؟ قلت ما أسمك ؟؟ .. و زعق في أخر الجملة

إرتعدت الفتاة خائفة ، حاولت أن تبدو باردة و هي تتطلع إليه في هذه اللحظة .. فتحت فمها و خرج صوتها جافاً للغاية ، و كأنها آلة :

-أسمي آية !

-آية ! .. ردد "إبراهام" بنصف إبتسامة

-إسم خفيف . و لطيف .. حسناً يا آية . سأتركك الآن في عهدة الطبيب بارنر . إطمئني . إنه رجل صالح و لن يطيل مكوثه هنا . متي إنتهي من فحصك و معالجة جراحك سيرحل . فكوني لطيفة رجاءً . لا أحد هنا ينوي بك شراً

حدجته بنظرات فتاكة ، لتتسع إبتسامته و هو يقول :

-آراك لاحقاً . أيتها العربية !

و وليّ خارجاً بخطواته الواثقة ..... !!!!!!!

يتبــــع ..


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات