رواية احببت عبراني الفصل الثالث 3 بقلم مريم غريب
( 3 )
_ العدو ! _
بقيت كما هي و لم تحرك ساكناً ...
ليكرر "إبراهام" بصوت أكثر حدة :
-إن لم تتركي هذا من يدك الآن . سأضطر للتعامل معك بنفسي . و أظن أنك غير مرحبة بالفكرة ! .. و تقدم خطوة علي سبيل التهديد
فصرخت الفتاة :
-من أنت ؟ و أين أنا ؟ ماذا تريدون مني ؟
كانت أشبه بحيوان بري جريح يصرخ بوجه صياداً مصمم رغم أنه يعلم أن لا مفر منه ، إلا أن "إبراهام" وقف بمكانه يحدق بها في صمت ، لتضيف و هي ترفع السيخ الحديدي لأعلي أكثر :
-أنا لن أقتل نفسي . لن أفقد إيماني بربي و لن تسلبوا مني حياتي الثانية كما سلبتوا الأولي . و لكن تأكد أنني أيضاً لن أتوقف عن المقاومة و لن أتواني عن قتل أياً منكم إذا سنحت لي الفرصة . لذلك أبقوا جميعاً بعيداً عني . أو أقتلوني كما قتلتم عائلتي و جيراني و أصدقائي . لن أكون طيعة أبداً صدقني . فتخلصوا مني أفضل !
كان يراقب دموعها السائلة ببطء من عيناها الواسعتين ، إعترته دهشة كبيرة من حجم قوتها ، ثبات تبرات صوتها ، و الشجاعة التي تتحلي بها حتي اللحظة ، فتاة مثلها ، رغم أن وضعها ضعيف جداً و إرادتها تحت الحضيض ، إن لم تكن معدومة ، فهو سيد الموقف الآن
و طبقاً لنظرية "باروخ دي روش" القائد الإسرائيلي ، في التعامل مع بنو عرقها ، فهو إشتراها ... بمئة مليون دولاراً !!
-هل فرغت ؟! .. قالها "إبراهام" بتساؤل ، و هدأت نبرته كثيراً الآن
بينما ظلت الفتاة علي حالتها ، و لم تتوقف عن تصويب نظراتها المحتقرة إليه لحظة واحدة ، فأستطرد ببرود :
-ما لا تعلميه يا صغيرتي أنك هنا بقصر آل فردمان . بينك و بين موطنك خمسئة ألف ميلاً علي أقل تقدير . موطنك الذي تم تدميره بالكامل و الذي كانت حياتك فيه علي المحك . لذا أعتقد أنك مدينة لي . بحياتك أيضاً .. و لكن إطمئني . أنا لا أريدها و لا أود أن أؤذيك
جمدها كلامه تماماً ، شخص بصرها و هي تنظر له قائلة بصدمة :
-ماذا تعني يا هذا ؟ أخبرني الآن أين أنا بالضبط و من أنت ؟!!
رد عليها بصوته العميق :
-قصر فردمان يقع بمدينة باريس . تحديدا شمال فرنسا . ها قد أخبرتك أين أنت . أما عني .. و أشار لنفسه مكملاً بهدوء :
-أسمي إبراهام إيثان فردمان . يهودي من أصل إسرائيلي . و أنا وريث عائلة مصنفة كواحدة من أكبر 7 عائلات يهودية حول العالم و أكثرهم ثراءاً . أقيم هنا بباريس و أملك ربع إقتصادها . بالإضافة لمجموعة دول أخري . خرائطها الإقتصادية بحوزتي . و الأهم من ذلك بالنسبة لك !
صمت قليلاً و تحرك تجاهها بتمهل ، كانت لا تزال تحت تأثير حديثه المرعب ، المميت .. إنحني صوبها ملتقطاً السيخ الحديدي من يدها بحزم ، و تابع بصوت خفيض لكنه صارم :
-أنا من أنقذك من بين براثن القوي المحتلة . لولاي لكنت هالكة الآن . فتاة مثلك لم تكن لتصمد و هم يتناقلونها بينهم مراراً و تكراراً . و حتي لو كان الحظ حليفك و نجوتي من قبضتهم . كان سينتهي بك الأمر عبدة . أو سبية كما أخبرني صديق هناك لإحدي الجماعات الإرهابية .. الإسلامية
-أيها الصهيوني الحقيـر ! .. صرخت الفتاة بعنف و هي تركله بقدمها السليمة بكل قوتها الضئيلة
-لسنا إرهابيون . أنظر إليّ فأنا مسلمة . هل أبدو لك إرهابية ؟ بل من منا الإرهابي ؟ هل أنا من قمت بإختطاف نفسي ؟ هل أنا من ذبح الأطفال و الرضعّ الصغار ؟ هل أنا من أطلق النار علي رؤوس الرجال و الشيوخ ؟ هل أنا من إغتصب النساء و هتك الأعراض ؟ لست أنا و لا رجلاً من ديني يجرؤ علي فعل واحد مما ذكرت . و تلك الجماعات لا تمت لنا بصلة . أنتم المدلسون . أنتم الملفقون . أنتم المجرمون . لعنة الله عليكم !
يبدو أنه لم يتأثر بضربتها ، و لا حتي بكلماتها ...
تنفس بعمق و هو يعيد السيخ مكانه بالجرة الرخامية ، ثم نظر لها مجدداً .. كانت تلهث بقوة و صدرها يعلو و يهبط بسرعة رهيبة ، بيد أنها ستنهار بدون شك من شدة الضغط العصبي لو عاد لمجادلتها مرة أخري
لكنه لم يفعل ، بل إعتدل واقفاً علي قدميه و هو يقول :
-إسمعي يا فتاة . مهما كانت مشاعرك . أنا لا أبالي بها إطلاقاً و لا أريد بحث أو إثارة أي مواضيع معك . كل ما في الأمر إنك نلتي شفقتي فقط . أردت أنقاذك من المصير البائس الذي كان ينتظرك . هل تريني مخطئاً ؟ لا أريد منك شئ و لا أطالبك بأداء أفعال ما
هتفت بوحشية :
-إذن أطلق سراحي . دعني أخرج من هنا حالاً إن كنت صادقاً أيها السافل المخادع
تجاوز "إبراهام" الإهانة و قال بلطف متكلف :
-لا للأسف . لا يمكنك الخروج من هنا أبداً . كان هذا شرط بيعك لي . و أنا لم أعتاد الخنث بكلمتي . لو فعلت لن يثق بي العملاء و رجال الأعمال مرة أخري .. سأسيئ إلي سمعتي . هل يرضيك هذا ؟
-هل تعتقد بأنك قد إشتريتني ؟! .. صاحت بإستنكار عنيف
أومأ قائلا ببرود :
-نعم الأمر كما تقولين . لقد إشتريتك صباح اليوم بمبلغ ربما لا تصدقي أنني دفعته لقائك . و لكن لأكون صريحاً لم أدفع من أجلك في البداية . حين رأيتك فقط قررت أن آخذك فلم يمانع أحد .. و نعم يا صغيرتي . أنت ملكي الآن
زمجرت و هي تقول بغلظة :
-لن يحدث هذا و لا في أحلامك . هل تفهم ما أقول ؟ لن أكون عبدة لك ما حييت و لن أطيعك أبداً . أفضل الموت ألف مرة علي ذلك
زفر "إبراهام" معبراً عن ضيقه و قال :
-لن تموتي . إطمئني . و سبق و أخبرتك أنني لا أريد منك شئ .. ستعيشين هنا فقط . بسلام . هل تفهمين ما أعني يا صغيرة ؟ .. و أكمل بجدية :
-هناك قوانين للعيش تحت سقف هذا البيت .. أهمهم إجتناب المشاكل . لا أريد أن أسمع شكوي واحدة عنك . و بما أنك أبديت بغضك الشديد لي و لميولي العرقية يفضل أن تلتزمي غرفتك و سيأتيك الطعام و الشراب في المواعيد . لكن إذا شعرتي بالملل بوقت ما و أحببت الخروج و التنزه داخل أسوار القصر فأنا لا أمانع طبعاً . هذا حقك و الإنسان بحاجة لرؤية الشمس و تنشق هوائها . لكن إذا حاولت الهرب و أنا لا أنصحك . ستتحملين العواقب . المنزل مدجج بالحراسة . و لدينا أجهزة آمن حساسة و بعض الكلاب المهجنة أيضاً . إنها مخلوقات خطيرة جداً و لن تفلحي بالعبور إلي الخارج مهما حاولتي . و غير ذلك سيكون حسابك معي .. عسيراً جداً يا صغيرتي
روّعها كلامه ، لكنها قالت بجلد و قوة :
-هل تظن أنك أخفتني ؟ و أنني سأفعل ما تريد ؟ أنت عدوي للنهاية . حتي ينتهي الصراع . هل تفهم معني ذلك ؟
إبراهام و هو يهز كتفيه بلامبالاة :
-تلك الحكايات المرسلة . لا تهمني .. ما أصر عليه . هو ما قلته لك . و إذا كنت ذكية فلن تخالفي آوامري . لأنني لا أمزح . و لا أحب أن تكتشفي هذا بنفسك !
و هنا ضيقت الفتاة عينيها و هي تقول كأنها قد بوغتت :
-يهودي . و تتحدث العربية بطلاقة ؟!!!
إرتفعت زاويتي فمه بإبتسامة خبيثة و هو يقول :
-إنها لغة أعدائنا . صحيح ؟ لن تجدي عبرانياً واحداً في هذا العالم لا يجيد العربية بالذات . جميعنا نتعلمها . بخلافكم أنتم . فلو سببتك الآن بلغتي الأم و أنا أبتسم هكذا ستظنين أنني أمتدحك . هل عرفتي لماذا نتعلمها ؟ نحن لا نقع في هذا الفخ !
-الطبيب بارنر وصل يا سيدي ! .. قالتها "ليونيلا" ، رئسية الخدم من خلف "إبراهام"
إلتفت لها قائلاً بالعبرية :
-دعيه يدخل . ماذا تنتظري ؟ .. و أمر الخادمتين الواقفتين علي مقربة من الفتاة العربية :
-أنتما . أعيداها إلي الفراش هيا
رضخت له كلتاهما و توجها نحوها فوراً ، لتصيح الفتاة بخشونة لعدم إدراكها ماذا قال لهما بالضبط :
-حذار أن يلمسني أحد . إبتعدوا عني . إبتعدوا !
-مهلاً مهلاً يا فتاتي . هدئي من روعك ! .. قالها "إبراهام" بلطف ليهدئها ، و أوضح لها :
-قلت لهما أن يوصلاكي إلي الفراش . لقد أستدعيت لك طبيب ليفحصك . سيدخل الآن
و فعلاً ، ولج الطبيب في اللحظة التالية ، و كان رجلاً متوسط القامة ، أشقر ذو عينين زرقاوتين و ملامح وجهه الوسيمة بها بعض التجعيدات ، من النظر إليه يسهل تقدير عمره المتراوح بين أواسط الأربعينيات إلي الخمسين ...
-سيد فردمان ! .. صاح الطبيب بالفرنسية و علي وجهه إرتسمت إبتسامة عريضة
توجه "إبراهام" نحوه و صافحه بحرارة مرحباً :
-دكتور بارنر . أهلاً بك . سعدت بلقائك
بارنر ببشاشة :
-شكراً لك . و لكنك أشعرتني بالقلق منذ الصباح . ما بك يا سيدي ؟ فها أنا أراك جيداً . مما تشكو بالضبط ؟!
-لست أنا يا دكتور . بل الـ آ ... و إلتفت مشيراً إليها ، لكنه رآها كما هي ملقاة علي الأرض ، فصاح في الخادمتين بغضب :
-ألم أقل أعيداها للفراش ؟
لم تكادا تردان عليه حتي صاحت الأخيرة بصرامة :
-قلت لك لن أطيعك في شئ . و أنك لن تلقي مني غير العصيان و الآذي . إلا إذا تركتني و شأني !
بدأ "إبراهام" بفقدان أعصابه بالفعل ، تلك الفتاة إختبرت صبره كثيراً و يبدو أنها لن تتراجع عن عنادها ...
كان سيفلت منه غضبه الشديد ، لكنه لحق نفسه و قال لها بجمود :
-إن لم تنصاعي إليّ الآن ستخسرين . و أنا أعني ذلك حقاً .. أظن أنك لا ترغبين في أن تبتر ساقك
و شحبت من المعلومة ، و كأنها تغافلت عن ذلك الإحتمال ...
تابع "إبراهام" مؤكداً :
-نعم إذا لم يتم معالجتها فوراً ربما تفقدينها . فالجرح غائر فيها و النزف لم يتوقف . أنظري كيف إستحال لون قدمك للزرقة القاتمة . هذا مؤشر سيئ !
نظرت إلي قدمها تلقائياً ، لتجدها كما وصفها ، ثم نظرت له ...
-جيد ! .. تمتم "إبراهام" بإبتسامة منتصرة ، و أكمل بسخرية :
-إذا كنت تودين الهرب فسوف تكونين بحاجة لساقيك من أجل الركض مني . أليس كذلك ؟
و كرر أمره علي الخادمتين مجدداً ، فسمحت لهما علي مضض بمساعدتها علي النهوض .. كاد حجابها ينزلق من فوق رأسها ، أدركت ذلك بسرعة و أحكمت وضعه أثناء جلوسها علي السرير
أدرك "إبراهام" من تصلبها و عبوسها الشديد أنها لا ترغب بوجوده خلال مدة الفحص ، لم يهتم بذلك و إستدار إلي الطبيب :
-دكتور بارنر . كان يومي طويلاً و لم أنم منذ ليلة أمس . سأذهب لغرفتي لأنال قسطاً من النوم . أفعل اللازم و عالجها جيداً . أريدها أن تعود كما كانت
بارنر بإبتسامة :
-سأبذل جهدي يا سيدي . أعدك
إبراهام و هو يرد له الإبتسامة :
-و أنا أثق بك .. ثم تنهد و أدار وجهه نحوها
-بالمناسبة أيتها العربية . ما أسمك ؟
رمته بنظرة مزدرية خرساء ، و أشاحت بوجهها ثانيةً
هذه المرة إستفرته حقاً ، فإندفع صوبها قائلاً بحدة :
-هل قطع لسانك الآن ؟ قلت ما أسمك ؟؟ .. و زعق في أخر الجملة
إرتعدت الفتاة خائفة ، حاولت أن تبدو باردة و هي تتطلع إليه في هذه اللحظة .. فتحت فمها و خرج صوتها جافاً للغاية ، و كأنها آلة :
-أسمي آية !
-آية ! .. ردد "إبراهام" بنصف إبتسامة
-إسم خفيف . و لطيف .. حسناً يا آية . سأتركك الآن في عهدة الطبيب بارنر . إطمئني . إنه رجل صالح و لن يطيل مكوثه هنا . متي إنتهي من فحصك و معالجة جراحك سيرحل . فكوني لطيفة رجاءً . لا أحد هنا ينوي بك شراً
حدجته بنظرات فتاكة ، لتتسع إبتسامته و هو يقول :
-آراك لاحقاً . أيتها العربية !
و وليّ خارجاً بخطواته الواثقة ..... !!!!!!!
يتبــــع ..
_ العدو ! _
بقيت كما هي و لم تحرك ساكناً ...
ليكرر "إبراهام" بصوت أكثر حدة :
-إن لم تتركي هذا من يدك الآن . سأضطر للتعامل معك بنفسي . و أظن أنك غير مرحبة بالفكرة ! .. و تقدم خطوة علي سبيل التهديد
فصرخت الفتاة :
-من أنت ؟ و أين أنا ؟ ماذا تريدون مني ؟
كانت أشبه بحيوان بري جريح يصرخ بوجه صياداً مصمم رغم أنه يعلم أن لا مفر منه ، إلا أن "إبراهام" وقف بمكانه يحدق بها في صمت ، لتضيف و هي ترفع السيخ الحديدي لأعلي أكثر :
-أنا لن أقتل نفسي . لن أفقد إيماني بربي و لن تسلبوا مني حياتي الثانية كما سلبتوا الأولي . و لكن تأكد أنني أيضاً لن أتوقف عن المقاومة و لن أتواني عن قتل أياً منكم إذا سنحت لي الفرصة . لذلك أبقوا جميعاً بعيداً عني . أو أقتلوني كما قتلتم عائلتي و جيراني و أصدقائي . لن أكون طيعة أبداً صدقني . فتخلصوا مني أفضل !
كان يراقب دموعها السائلة ببطء من عيناها الواسعتين ، إعترته دهشة كبيرة من حجم قوتها ، ثبات تبرات صوتها ، و الشجاعة التي تتحلي بها حتي اللحظة ، فتاة مثلها ، رغم أن وضعها ضعيف جداً و إرادتها تحت الحضيض ، إن لم تكن معدومة ، فهو سيد الموقف الآن
و طبقاً لنظرية "باروخ دي روش" القائد الإسرائيلي ، في التعامل مع بنو عرقها ، فهو إشتراها ... بمئة مليون دولاراً !!
-هل فرغت ؟! .. قالها "إبراهام" بتساؤل ، و هدأت نبرته كثيراً الآن
بينما ظلت الفتاة علي حالتها ، و لم تتوقف عن تصويب نظراتها المحتقرة إليه لحظة واحدة ، فأستطرد ببرود :
-ما لا تعلميه يا صغيرتي أنك هنا بقصر آل فردمان . بينك و بين موطنك خمسئة ألف ميلاً علي أقل تقدير . موطنك الذي تم تدميره بالكامل و الذي كانت حياتك فيه علي المحك . لذا أعتقد أنك مدينة لي . بحياتك أيضاً .. و لكن إطمئني . أنا لا أريدها و لا أود أن أؤذيك
جمدها كلامه تماماً ، شخص بصرها و هي تنظر له قائلة بصدمة :
-ماذا تعني يا هذا ؟ أخبرني الآن أين أنا بالضبط و من أنت ؟!!
رد عليها بصوته العميق :
-قصر فردمان يقع بمدينة باريس . تحديدا شمال فرنسا . ها قد أخبرتك أين أنت . أما عني .. و أشار لنفسه مكملاً بهدوء :
-أسمي إبراهام إيثان فردمان . يهودي من أصل إسرائيلي . و أنا وريث عائلة مصنفة كواحدة من أكبر 7 عائلات يهودية حول العالم و أكثرهم ثراءاً . أقيم هنا بباريس و أملك ربع إقتصادها . بالإضافة لمجموعة دول أخري . خرائطها الإقتصادية بحوزتي . و الأهم من ذلك بالنسبة لك !
صمت قليلاً و تحرك تجاهها بتمهل ، كانت لا تزال تحت تأثير حديثه المرعب ، المميت .. إنحني صوبها ملتقطاً السيخ الحديدي من يدها بحزم ، و تابع بصوت خفيض لكنه صارم :
-أنا من أنقذك من بين براثن القوي المحتلة . لولاي لكنت هالكة الآن . فتاة مثلك لم تكن لتصمد و هم يتناقلونها بينهم مراراً و تكراراً . و حتي لو كان الحظ حليفك و نجوتي من قبضتهم . كان سينتهي بك الأمر عبدة . أو سبية كما أخبرني صديق هناك لإحدي الجماعات الإرهابية .. الإسلامية
-أيها الصهيوني الحقيـر ! .. صرخت الفتاة بعنف و هي تركله بقدمها السليمة بكل قوتها الضئيلة
-لسنا إرهابيون . أنظر إليّ فأنا مسلمة . هل أبدو لك إرهابية ؟ بل من منا الإرهابي ؟ هل أنا من قمت بإختطاف نفسي ؟ هل أنا من ذبح الأطفال و الرضعّ الصغار ؟ هل أنا من أطلق النار علي رؤوس الرجال و الشيوخ ؟ هل أنا من إغتصب النساء و هتك الأعراض ؟ لست أنا و لا رجلاً من ديني يجرؤ علي فعل واحد مما ذكرت . و تلك الجماعات لا تمت لنا بصلة . أنتم المدلسون . أنتم الملفقون . أنتم المجرمون . لعنة الله عليكم !
يبدو أنه لم يتأثر بضربتها ، و لا حتي بكلماتها ...
تنفس بعمق و هو يعيد السيخ مكانه بالجرة الرخامية ، ثم نظر لها مجدداً .. كانت تلهث بقوة و صدرها يعلو و يهبط بسرعة رهيبة ، بيد أنها ستنهار بدون شك من شدة الضغط العصبي لو عاد لمجادلتها مرة أخري
لكنه لم يفعل ، بل إعتدل واقفاً علي قدميه و هو يقول :
-إسمعي يا فتاة . مهما كانت مشاعرك . أنا لا أبالي بها إطلاقاً و لا أريد بحث أو إثارة أي مواضيع معك . كل ما في الأمر إنك نلتي شفقتي فقط . أردت أنقاذك من المصير البائس الذي كان ينتظرك . هل تريني مخطئاً ؟ لا أريد منك شئ و لا أطالبك بأداء أفعال ما
هتفت بوحشية :
-إذن أطلق سراحي . دعني أخرج من هنا حالاً إن كنت صادقاً أيها السافل المخادع
تجاوز "إبراهام" الإهانة و قال بلطف متكلف :
-لا للأسف . لا يمكنك الخروج من هنا أبداً . كان هذا شرط بيعك لي . و أنا لم أعتاد الخنث بكلمتي . لو فعلت لن يثق بي العملاء و رجال الأعمال مرة أخري .. سأسيئ إلي سمعتي . هل يرضيك هذا ؟
-هل تعتقد بأنك قد إشتريتني ؟! .. صاحت بإستنكار عنيف
أومأ قائلا ببرود :
-نعم الأمر كما تقولين . لقد إشتريتك صباح اليوم بمبلغ ربما لا تصدقي أنني دفعته لقائك . و لكن لأكون صريحاً لم أدفع من أجلك في البداية . حين رأيتك فقط قررت أن آخذك فلم يمانع أحد .. و نعم يا صغيرتي . أنت ملكي الآن
زمجرت و هي تقول بغلظة :
-لن يحدث هذا و لا في أحلامك . هل تفهم ما أقول ؟ لن أكون عبدة لك ما حييت و لن أطيعك أبداً . أفضل الموت ألف مرة علي ذلك
زفر "إبراهام" معبراً عن ضيقه و قال :
-لن تموتي . إطمئني . و سبق و أخبرتك أنني لا أريد منك شئ .. ستعيشين هنا فقط . بسلام . هل تفهمين ما أعني يا صغيرة ؟ .. و أكمل بجدية :
-هناك قوانين للعيش تحت سقف هذا البيت .. أهمهم إجتناب المشاكل . لا أريد أن أسمع شكوي واحدة عنك . و بما أنك أبديت بغضك الشديد لي و لميولي العرقية يفضل أن تلتزمي غرفتك و سيأتيك الطعام و الشراب في المواعيد . لكن إذا شعرتي بالملل بوقت ما و أحببت الخروج و التنزه داخل أسوار القصر فأنا لا أمانع طبعاً . هذا حقك و الإنسان بحاجة لرؤية الشمس و تنشق هوائها . لكن إذا حاولت الهرب و أنا لا أنصحك . ستتحملين العواقب . المنزل مدجج بالحراسة . و لدينا أجهزة آمن حساسة و بعض الكلاب المهجنة أيضاً . إنها مخلوقات خطيرة جداً و لن تفلحي بالعبور إلي الخارج مهما حاولتي . و غير ذلك سيكون حسابك معي .. عسيراً جداً يا صغيرتي
روّعها كلامه ، لكنها قالت بجلد و قوة :
-هل تظن أنك أخفتني ؟ و أنني سأفعل ما تريد ؟ أنت عدوي للنهاية . حتي ينتهي الصراع . هل تفهم معني ذلك ؟
إبراهام و هو يهز كتفيه بلامبالاة :
-تلك الحكايات المرسلة . لا تهمني .. ما أصر عليه . هو ما قلته لك . و إذا كنت ذكية فلن تخالفي آوامري . لأنني لا أمزح . و لا أحب أن تكتشفي هذا بنفسك !
و هنا ضيقت الفتاة عينيها و هي تقول كأنها قد بوغتت :
-يهودي . و تتحدث العربية بطلاقة ؟!!!
إرتفعت زاويتي فمه بإبتسامة خبيثة و هو يقول :
-إنها لغة أعدائنا . صحيح ؟ لن تجدي عبرانياً واحداً في هذا العالم لا يجيد العربية بالذات . جميعنا نتعلمها . بخلافكم أنتم . فلو سببتك الآن بلغتي الأم و أنا أبتسم هكذا ستظنين أنني أمتدحك . هل عرفتي لماذا نتعلمها ؟ نحن لا نقع في هذا الفخ !
-الطبيب بارنر وصل يا سيدي ! .. قالتها "ليونيلا" ، رئسية الخدم من خلف "إبراهام"
إلتفت لها قائلاً بالعبرية :
-دعيه يدخل . ماذا تنتظري ؟ .. و أمر الخادمتين الواقفتين علي مقربة من الفتاة العربية :
-أنتما . أعيداها إلي الفراش هيا
رضخت له كلتاهما و توجها نحوها فوراً ، لتصيح الفتاة بخشونة لعدم إدراكها ماذا قال لهما بالضبط :
-حذار أن يلمسني أحد . إبتعدوا عني . إبتعدوا !
-مهلاً مهلاً يا فتاتي . هدئي من روعك ! .. قالها "إبراهام" بلطف ليهدئها ، و أوضح لها :
-قلت لهما أن يوصلاكي إلي الفراش . لقد أستدعيت لك طبيب ليفحصك . سيدخل الآن
و فعلاً ، ولج الطبيب في اللحظة التالية ، و كان رجلاً متوسط القامة ، أشقر ذو عينين زرقاوتين و ملامح وجهه الوسيمة بها بعض التجعيدات ، من النظر إليه يسهل تقدير عمره المتراوح بين أواسط الأربعينيات إلي الخمسين ...
-سيد فردمان ! .. صاح الطبيب بالفرنسية و علي وجهه إرتسمت إبتسامة عريضة
توجه "إبراهام" نحوه و صافحه بحرارة مرحباً :
-دكتور بارنر . أهلاً بك . سعدت بلقائك
بارنر ببشاشة :
-شكراً لك . و لكنك أشعرتني بالقلق منذ الصباح . ما بك يا سيدي ؟ فها أنا أراك جيداً . مما تشكو بالضبط ؟!
-لست أنا يا دكتور . بل الـ آ ... و إلتفت مشيراً إليها ، لكنه رآها كما هي ملقاة علي الأرض ، فصاح في الخادمتين بغضب :
-ألم أقل أعيداها للفراش ؟
لم تكادا تردان عليه حتي صاحت الأخيرة بصرامة :
-قلت لك لن أطيعك في شئ . و أنك لن تلقي مني غير العصيان و الآذي . إلا إذا تركتني و شأني !
بدأ "إبراهام" بفقدان أعصابه بالفعل ، تلك الفتاة إختبرت صبره كثيراً و يبدو أنها لن تتراجع عن عنادها ...
كان سيفلت منه غضبه الشديد ، لكنه لحق نفسه و قال لها بجمود :
-إن لم تنصاعي إليّ الآن ستخسرين . و أنا أعني ذلك حقاً .. أظن أنك لا ترغبين في أن تبتر ساقك
و شحبت من المعلومة ، و كأنها تغافلت عن ذلك الإحتمال ...
تابع "إبراهام" مؤكداً :
-نعم إذا لم يتم معالجتها فوراً ربما تفقدينها . فالجرح غائر فيها و النزف لم يتوقف . أنظري كيف إستحال لون قدمك للزرقة القاتمة . هذا مؤشر سيئ !
نظرت إلي قدمها تلقائياً ، لتجدها كما وصفها ، ثم نظرت له ...
-جيد ! .. تمتم "إبراهام" بإبتسامة منتصرة ، و أكمل بسخرية :
-إذا كنت تودين الهرب فسوف تكونين بحاجة لساقيك من أجل الركض مني . أليس كذلك ؟
و كرر أمره علي الخادمتين مجدداً ، فسمحت لهما علي مضض بمساعدتها علي النهوض .. كاد حجابها ينزلق من فوق رأسها ، أدركت ذلك بسرعة و أحكمت وضعه أثناء جلوسها علي السرير
أدرك "إبراهام" من تصلبها و عبوسها الشديد أنها لا ترغب بوجوده خلال مدة الفحص ، لم يهتم بذلك و إستدار إلي الطبيب :
-دكتور بارنر . كان يومي طويلاً و لم أنم منذ ليلة أمس . سأذهب لغرفتي لأنال قسطاً من النوم . أفعل اللازم و عالجها جيداً . أريدها أن تعود كما كانت
بارنر بإبتسامة :
-سأبذل جهدي يا سيدي . أعدك
إبراهام و هو يرد له الإبتسامة :
-و أنا أثق بك .. ثم تنهد و أدار وجهه نحوها
-بالمناسبة أيتها العربية . ما أسمك ؟
رمته بنظرة مزدرية خرساء ، و أشاحت بوجهها ثانيةً
هذه المرة إستفرته حقاً ، فإندفع صوبها قائلاً بحدة :
-هل قطع لسانك الآن ؟ قلت ما أسمك ؟؟ .. و زعق في أخر الجملة
إرتعدت الفتاة خائفة ، حاولت أن تبدو باردة و هي تتطلع إليه في هذه اللحظة .. فتحت فمها و خرج صوتها جافاً للغاية ، و كأنها آلة :
-أسمي آية !
-آية ! .. ردد "إبراهام" بنصف إبتسامة
-إسم خفيف . و لطيف .. حسناً يا آية . سأتركك الآن في عهدة الطبيب بارنر . إطمئني . إنه رجل صالح و لن يطيل مكوثه هنا . متي إنتهي من فحصك و معالجة جراحك سيرحل . فكوني لطيفة رجاءً . لا أحد هنا ينوي بك شراً
حدجته بنظرات فتاكة ، لتتسع إبتسامته و هو يقول :
-آراك لاحقاً . أيتها العربية !
و وليّ خارجاً بخطواته الواثقة ..... !!!!!!!
يتبــــع ..