رواية الحب بيجمع ناسه الفصل الرابع والثلاثون 34 بقلم هند سعد الدين
البيت فاضي إلا من صوت نفسين صغيرين طالعين من أوضة الولاد.
كنت قاعدة جنب ماما في البلكونة، القمر منور وكوباية ينسون قدامها.
بصّت لي وقالت بهدوء:
— شايفة في عينيكي سؤال، تحبي أحكي لك عن حميد؟
قلبي ما دقش بعنف، دق ببطء.
— أنا مستنية اليوم ده من كتير.
ابتسمت ابتسامة فيها اعتذار قديم.
— حميد ماكنش حب حياتي بس، كان اختيار غلط استمر أكتر من اللازم.
سكتت لحظة.
— أنا كنت صغيرة، متهورة، ومبهورة بالسلطة.
هو كان فاهم إزاي يمسك الناس من ضعفهم.
بصيت لها:
— كان بيضربك ويعنفك؟
هزت راسها.
— لأ، كان أذكى من كده، كان يخليكِي تعتذري عن حاجات ما عملتيهاش.
سكتُّ.
الكلمة دي بتوجع أكتر من الضرب.
— لما عرفت إني حامل فيكي، حاول يستخدمني كورقة ضغط في شغله، وده اليوم اللي فهمت فيه إني لازم أختفي.
— عشان كده سبتيني؟
صوتي ماكنش اتهام كان احتياج.
قربت إيديها من إيدي.
— سبتك عشان أفضل قريبة منك من بعيد، لو فضلت كان زمانك جزء من لعبته.
قلت بهدوء:
— ممكن تقولي لي كل حاجة، المرة دي من غير ما تحميني.
بصّت لي نظرة طويلة، كأنها بتقيس استعدادي.
— مش هقول أبوكي، لإنه ماكنش اب، حميد ماكنش مجرد راجل أعمال.
سكتت ثانية.
— كان وسيط، بين رجال السياسة وسلاح ما يتحسبش في دفاتر الدولة.
جسمي شدّ، لكن ما قاطعتهاش.
— شغلته كانت ترتيب صفقات، تمرير شحنات، تسوية خلافات بين أطراف ما ينفعش يظهروا في الصورة.
— تهريب؟
— مش دايمًا.
أحيانًا كان تمويل حملات، أحيانًا ضغط على قضاة، وأحيان اختفاء شهود.
الهدوء اللي بتتكلم بيه كان أخطر من الكلمات.
— وأنا كنت زوجته وواجهة اجتماعية مثالية، ست أنيقة، بتحضر حفلات، تقرب من زوجات المسؤولين وتسمع.
— وتوصلي له؟
— في الأول آه، بعدها.. بدأت أحتفظ بالمعلومات لنفسي، هنا فهمت.
— عشان كده عندك نفوذ.
ابتسمت بخفة.
— النفوذ مش صوت عالي يا هند، النفوذ إنك تعرفي مين خايف من إيه.
سألتها:
— ليه قررتي تعامليني بجفاء؟ من فضلك عاوزة الحقيقة من غير تجميل.
سكتت لحظة أطول المرة دي.
— لأن حميد قرر يستخدمك، كان عايز يسجلك باسم شركة خارجية، جنسية تانية، عشان تبقي ضمان في صفقة.
الهواء تقل فجأة.
— كنتِي طفلة لطيفة وبريئة، ماكنتش عاوزة اوسخك، رغم كده كنتي ورقة ضغط.
الكلمة كسرتني أكتر من أي احتمال تاني.
— أنا؟
— هربتك، سفرتك بورق مزور، وغيرت اسمك في سجلات المدرسة، دفعت فلوس لناس كتير عشان اسمك يختفي من نظامه.
بصيت لها مش مصدقة.
— وإنتِي فضلتِ معاه؟
— فضلت أوقعه.
المرة دي عينيها لمعت بقوة.
— جمعت مستندات، تسجيلات، تحويلات بنكية، كنت عارفة إن يوم المواجهة هييجي.
— وجِه؟
— آه، بس مش بالطريقة اللي كنت متخيلاها.
سكتت.
— حصل انقسام في شبكته، ناس باعت ناس، وأنا قدمت اللي عندي في الوقت المناسب.
— للشرطة؟
ابتسمت ابتسامة غامضة.
— لجهة أقوى من الشرطة، جهة ما بتحبش الفوضى.
الصمت كان تقيل، لكنه مريح بطريقة غريبة.
في اللحظة دي عابد دخل بهدوء، شايل بطانية صغيرة.
— الجو برد شوية.
حطها على كتفي ومشي من غير ما يقاطعنا..
ماما ابتسمت:
— اخترتي راجل بيغطيكي من غير ما يملكك.
بصيت ناحية الباب اللي خرج منه.
— عابد ما بيحبش السلطة، راجل بسيط بيحب البيت، وبيحبني، بيعرف يسعدني ويوفر لي الأمان.
— عايزة أكمل؟ ولا كفاية لحد هنا؟
قلت:
— كملي.
ماما تابعت:
— بعد ما حميد خرج من الصورة، ناس كتير فضلت مدينة ليا، مش حبًا فيّا، لكن خوفًا من اللي أعرفه، الخوف بيحرك الناس يا هند.
— وده اللي مخليكي قادرة تحركي حاجات؟
— بالظبط، أنا ما بمسكش سلاح، أنا بمسك مفاتيح، واللي معاه مفاتيح، يقدر يقفل او يفتح أي باب.
سألتها بهدوء:
— وإنتي؟ إيه طبيعة شغلك اللي تخلي الناس تسمع لك بالشكل ده؟
ضحكت بخفة.
— أنا ماعنديش نفوذ كاملة، أنا عندي معلومات، والفرق كبير.
سكتت لحظة.
— بعد ما سيبت حميد، اشتغلت مع ناس بتحب تفضل في الظل.
رجالة أعمال، سياسيين، دبلوماسيين.. اللي ما يعرفوش يقولوه قدام الكاميرات، بيقولوه في أوض مقفولة.
— مخابرات؟
ابتسمت نص ابتسامة.
— مش بالاسم ده.. أنا كنت بصلّح كوارث قبل ما تبقى فضايح.
استوعبت.
— يعني قوتك مش سلاح، قوتك إنك عارفة كل حاجة.
— وعارفة إمتى أستخدمها، وإمتى أسكت.
الصمت اللي بيننا كان مريح.
— ليه دلوقتي؟ ليه رجعتي لحياتي؟
عينيها لمعت.
— لما عرفت إن حميد بيقرب منك، وعرف عنك اكتر من اللازم، وقتها كان لازم أبقى قدامك.. مش وراكي.
في اللحظة دي طنط إلفان دخلت وهي شايلة صينية شاي.
— واضح إن عندكم اجتماع سري من غيري.
ضحكنا.
حطت الصينية وقالت لماما:
— البنت دي اتربت على إيدي، بس واضح إن دمك بيجري جواها، بنتك قوية.
— بنتنا.
الكلمة عدّت في قلبي زي ضمادة.
سألت آخر سؤال كان محبوس:
— حميد مات؟
المرة دي الرد جه واضح:
— لأ.
اتشال من المشهد، وده أسوأ من الموت لراجل زيه.
عابد رجع وقعد على طرف الكرسي.
— اللي فات انتهى؟
ماما بصت له بثبات:
— طول ما أنا موجودة، حميد مش هيقرب.
هو ما سألش أكتر.
اكتفى بجملة واحدة:
— يبقى البيت ده في أمان.
بصيت لهم…
أمي اللي اختفت عشان تحميني.
والراجل اللي واقف بيني وبين أي خطر.
والست التركية اللي اختارت تبقى سند مش منافسة.
قلت بهدوء:
— أنا مش محتاجة أعرف كل تفاصيل الماضي.
أنا محتاجة أحس إنكم هنا.
ماما مسكت كفي.
— هنا ومش همشي تاني.
السكوت ما بقاش تقيل، بقى راحة وفهم.
يونس اتحرك في السرير الصغير اللي جنب الكنبة، وصوته طلع زي اعتراض رقيق إنه مش محور الكون للحظة.
ابتسمت ماما وقامت قبلي.
— استني، سيبيني أنا.
شالته بخفة ست متعودة تمسك أطفال، حتى لو ما مسكتش بنتها كفاية.
بصّت له كأنها بتتعرف عليه مش كحفيد.. كفرصة وبداية جديدة.
— بصي بقى.. ده واخد عينين إلفان، وعند عابد، العند ده واضح من دلوقتي.
ضحكت غصب عني.
عابد قرب شال التاني.
— طب وده واخد إيه؟
ماما قربت من عزيز، لمست خده بطرف صباعها.
— ده هادي زيك، بس هيفاجئكم.
لفت لي وأنا قاعدة.
— عارفة أكتر حاجة كانت بتموتني؟
ـــ إيه؟
ـــ إني كنت بشوف أمهات بتجري ورا عيالها في النادي، يعرقوا، يتخانقوا، يعيطوا، يطبطبوا على ولادهم وأنا كنت واقفة بكعب عالي، بابتسامة محسوبة.
صوتها ماكنش منكسر.
بس كان صادق.
— كنت أرجع البيت، أقفل الباب عليا واحزن إني مش بعمل كده معاكي، ماكنش ينفع أبين أمومتي عشان متبقاش نقطة ضعف.
بصّت لي بعينين مفتوحين على الآخر.
— أنا ما عرفتش أكون الأم اللي إنتِي احتاجتيها، ما عرفتش أحضنك وقت خوفك ولا أشرح لك ليه الدنيا قاسية.
سكتت لحظة..
وبعدين ابتسمت بخفة فيها رجاء:
— بس هعرف أبقى الجدة اللي أولادك محتاجينها، وهعيش معاهم كل حاجة فاتتني معاكي.
حسيت قلبي بيرجع لحجمه الطبيعي.
قمت من مكاني، قربت منها، سندت راسي على كتفها.
الحركة كانت بسيطة، بس فيها سنين اتعوضت.
— إحنا لسه قدامنا وقت يا ماما.
همستها بهدوء.
— وأنا مش ناقصني حاجة دلوقتي.
عابد كان واقف يبص لنا، ساكت، بس عينه مليانة امتنان مش بيقولوه الرجالة بسهولة.
طنط إلفان دخلت تاني شايلة بطانية صغيرة:
— الجو برد شوية، غطوهم.
قربت غطّت يونس بنفسها، وماما عدلت الغطا لعزيز، اتقابلت نظراتهم لحظة.
مش منافسة.
ومش مقارنة.
اتفاق غير معلن إن الولاد دول خط أحمر.
ماما مسكت صباع يونس الصغير، وهو قفله حوالين صوباعها.
ابتسمت باندهاش طفولي.
— شايفة؟ لسه عندي فرصة أتعلم.
بصيت للمشهد قدامي..
أمي الحقيقية..
أمي اللي ربتني..
جوزي.. وأولادي حواليا..
مش بيت محاصر.
مش عيلة هربانة.
عيلة بتبدأ.
البيت رجع هادي تاني والونس كان عنوان المشهد.
يونس نام على صدر عابد،
وعزيز في حضن ماما، وطنط إلفان قاعدة قصادي تراقبنا بعين راضية.
قربت ماما مني، لمست خدي بخفة.
— يمكن ما عرفتش أبقى أمك في الوقت الصح، بس ربنا اداني فرصة تانية.
بصيت لها وابتسمت.
— يمكن أنا كمان ما كنتش جاهزة وقتها.
اللحظة دي ماكنش فيها لوم.
ولا حساب سنين.
بس قبول.
عابد قرب، خد يونس مني بالراحة وحطه جنب أخوه.
وقف دقيقة يتأملهم، كأنه بيحفظ شكلهم في قلبه.
بصّيت حواليا.
ستين بيحبوني بطريقتين مختلفتين، وراجل بيحاول يتعلم الأبوة من أول صفحة، وطفلين لسه ما يعرفوش إنهم أنقذوني قبل ما أنقذهم.
قربت من السرير، حطيت إيدي على بطني مكان الجرح.
الألم لسه موجود..
بس ما بقاش يوجع.
بقى علامة.
همست وأنا ببص لهم:
— يمكن الحياة ما بتدّيش كل حاجة في وقتها، بس لما بتيجي، بتيجي كاملة.
النور كان خافت، والليل مش مخيف زي زمان.
ولأول مرة من فترة كبيرة.. نمت
من غير ما أسيب باب قلبي موارب.
