رواية الحب بيجمع ناسه الفصل الخامس والثلاثون 35 والاخير بقلم هند سعد الدين
إسكندرية بعد اربع سنين
— بابااااا! يونس خد العربية بتاعتي!
— ماخدتهاش! دي بتاعتي!
— بتاعتكم إنتوا الاتنين، واللي هيعيط هينام بدري.
ضحكت من المطبخ:
— عابد!، ما تخوفش ولادي..
جه عندي..
ـــ ولادك إنتي بس؟
غمز لي وقرب مني..
ـــ مش هنخاويهم طيب ولا إيه؟
ارتبكت شوية..
ـــ عابد إحنا الساعة سبعة الصبح وبنجهز حاجة البحر، ابعد عني الساعة دي.
مشي من جملي وهو بيمثل إنه زعل!
ـــ مش ماما هتبقى حامل يا ولاد.
رد عزيز..
ـــ يعني إيه؟
صرخت من المطبخ..
ـــ عابد!
ضحك عليا وكان بيوشوش العيال..
ـــ بابا خليه يديني العربية بقى لو سمحت.
ـــ خلي ماما تجيب لنا نونه واديها لك..
ـــ عابد! مفيش مفاوضات على الصبح..
رد وهو شايل عزيز على كتفه:
— أنا مش بتفاوض، أنا أعلنت قانون.
يونس جري ناحيتي وهو بيشتكي:
— ماما بابا بتاعك ده ظالم.
نزلت لمستواه، عدلت التيشيرت الصغير اللي لابس عليه سمكة:
— بابا ظالم؟ طب نعمل فيه إيه؟
همس بسر خطير:
— نسيبه في البحر لما نروح.
عابد شهق بتمثيل مبالغ فيه:
— خيانة في بيتي؟!
طنط إلفان دخلت الصالة وهي شايلة طبق فاكهة:
— سيبك منهم يا عابد، الرجالة الكبار دايمًا بيتآمروا علينا.
ماما كانت واقفة قدام المراية، بتلبس حلقها، وكعب أبيض رفيع في رجلها.
بصيت لها:
— رايحة فين بالكعب ده؟
قالت بثقة قديمة:
— البحر.
سكتنا ثانية.. وبعدين ضحكنا كلنا.
— البحر؟ بالكعب؟
قولتُها وأنا بسند إيدي على الرخامة.
رفعت دقنها:
— أنا طول عمري بروح أي مكان بكعب.
يونس قرب منها، بصّ على رجلها، وبعدين قال بمنتهى الجدية:
— بس الرمل هيزعل مننا.
عزيز مسك طرف فستانها:
— هتجري معانا؟
ماما اتلخبطت لحظة.
واضح إن محدش قبل كده طلب منها تجري.
عابد قرب مني وهو بيبص لها:
— تراهنيني.. هتخلعه.
قلت بثقة:
— مستحيل.
نزلنا البحر.
الهواء مالح، خفيف، وصوت الموج بيضحك لوحده.
الولاد جريوا على الرمل، غرزوا رجليهم الصغيرة فيه.
— تيته! تعالي!
وقفت بعيد شوية.
الكعب غرز أول خطوة.. والتانية أصعب.
يونس رجع مسك إيدها:
— بسرعة! البحر هيمشي يا تيتة!
بصّت على الموج..
بصّت علينا..
بصّت للكعب.
سكتت لحظة.
وبعدين......
انحنت.
فكت الحزام الصغير في الشوز وشالته في إيدها.
— استنوا عليا بقى!
ضحكنا إحنا الاتنين في نفس الوقت.
وماما جريت.
جريت فعلًا.
فستانها الأبيض بيترفرف، شعرها طاير، والرمل بيغرق رجليها.
ضحكت.. مش ضحكة مجاملة.
ضحكة عالية.. متأخرة سنين.
عزيز وقع، قومتُه.
يونس حدف عليها رمل، حدفته أكتر.
وقعت معاهم على الأرض، والرمل مسك في ضحكتها.
طنط إلفان كانت بتسقف من بعيد:
— أخيرًا اتربّت!
عابد شدني ناحيته:
— كسبت الرهان، يبقى هنجيب نونه.
بصيت.
مش شايفة ست نفوذ.
ولا ست كانت بتمشي في غرف مقفولة.
شايفة أم.
وجدة.
وبنت صغيرة بتعوض كل حاجة فاتتها.
قربت منه، مسحت نقطة رمل من على خده:
— نونه ولو جبت ولاد مش بنات؟ ها ده أنت بتغير منهم لحد دلوقتي.
مال عليّا وهمس بصوت واطي:
— بغير منك إنتِي مش منهم.
بصيت له باستغراب مصطنع:
— بعد سنتين ولسه؟
ابتسم نص ابتسامة أعرفها كويس:
— حتى لو كبرتي هفضل أغير على البنت اللي وقعت في حبها من أول نظرة
عابد قرب من ضهري، لفّ دراعه حوالين وسطي بهدوء.
— فاكرة أول مرة نزلنا البحر سوا؟
ابتسمت:
— كنت خايفة الموج يسحبني.
— كنتِي ماسكة في إيدي كأنها طوق نجاة.
لفّيت وشي ناحيته:
— ما كنتش بعرف أعيش من غير ما أتمسك في حاجة.
قرب جبينه من جبيني:
— ودلوقتي؟
— دلوقتي أنا مش ماسكة فيك عشان خايفة من حاجة، أنا ماسكة فيك عشان عايزة أفضل متحاوطة بيك.
سكت ثانية.. الكلمة نزلت بينا دافئة.
شدّ إيدي، باسها بخفة قدام البحر كله، من غير استعراض.
— أنا ما بطلتش أختارك.. كل يوم يا هندا.
همست:
— لو رجع بيا الزمن، هختارك تاني.
لفّ راسه، عينه بتلمع بهدوء:
— ولو ما رجعش.. أنا هنا.
الموج لمس رجلينا.
سندت راسي على كتفه لحظة قصيرة،
ريحة البحر داخلة ما بيننا.
— فاكر لما قولتي لي زمان إن البيت مش حيطان وبس؟
هز راسه.
— قلت إن البيت درع يحسسك إنك مش لوحدك.
رفعت عيني له:
— أنا عمري ما بقيت لوحدي بعد الليلة دي.
الموج قرب من رجل الولاد، غسل أثر الجري.
ماما قامت، نفسُها عالي، وشها منور.
قالت وهي بتبص للمية:
— كنت فاكرة البحر خطر.. طلع أهدى من كل حاجة عدّت عليّا.
عابد نزل لمستوى الولاد، شالهم الاتنين مرة واحدة.
— يلا نرجع قبل ما أمكم ترمينا فعلًا في البحر.
يونس بص لي وهو بيضحك:
— ماما، إحنا هنفضل هنا على طول؟
بصيت للبيت الأبيض اللي ورا الشاطئ..
الشبابيك المفتوحة..
ستارتها بتتحرك مع الهوا.
قلت بهدوء:
— آه.
عزيز سأل ببراءة:
— ليه؟
قربت منهم، لمست شعرهم اللي مليان رمل:
— عشان ده بيتنا.
ماما مسكت كعبها في إيد..
ورجلها حافية، غرقانة في الرمل.
بصّت لي وابتسمت:
— أخيرًا عرفت أعيش من غير ما أتوّزن.
مسكت إيد عابد.
الموج لمس أطراف صوابعنا.
همست:
— إحنا مش هنهرب تاني.
رد وهو بيشدني أقرب:
— إحنا وصلنا خلاص لبر الأمان.
الشمس كانت بتنزل ببطء،
والولاد بيجروا قدامنا.
ولا حراسة.
ولا خوف.
ولا أبواب مواربة.
بس بيت مفتوح على البحر..
وقلوب اتعلمت أخيرًا تمشي بخفة من غير قيود.
