اخر الروايات

رواية بين مخالب الشيطان الفصل الثاني 2 بقلم حنين احمد

رواية بين مخالب الشيطان الفصل الثاني 2 بقلم حنين احمد


(الفصل الثاني)

كان يتحدث على الهاتف ولم يشعر بها وهي تدلف إلى
الداخل وارتجف قلبها من هول ماسمعت..
ظلّت تنظر له بذهول حتى أفاقت على صوته يرعد بتهديد لو
فكرت فقط في الإفصاح لأي شخص عمّا سمعته منذ قليل
وأتبع تهديده بالصفعات عندما حاولت الاعتراض على
مايقوله..
حسنا هي لم تكن محاولة كاملة بل فقط فتحت شفتيها
لتتحدث وتحاول أن تفهم منه عمّا سمعته ولكنه لم يمهلها
الفرصة..
وكانت المرة الأولى التي تُضرَب بها ولكنها لم تكن
الأخيرة!
توالت الإهانات والضرب والحبس وكل مرة ينكسر شيء
بداخلها حتى أصبحت حطام امرأة..
ابتعدت عن أفراد عائلتها حتى لا ينالهم الأذى بسببها,
فالشيطان قد أصدر أمره ووجب عليها التنفيذ!
ولم تعرف العذر الذي قاده إليهم لأجل ابتعادها عنهم
ولكنها لم تهتم ..
إذا لم يهتموا بها فلماذا تهتم هي بهم؟!
وهل ظلّ هناك ما تهتم هي به؟!
فهي بعد اكتشافها الذي روّعها لم تعد تهتم بأي شيء سوى
الابتعاد عن زوجها والانزواء بغرفتها حتى لا يجد فرصة
لضربها وإهانتها مرة أخرى..
ازداد ألمها بعدم اهتمامهم بها, مهما حاولت أن تتحاشى
التفكير بهم إلا أن الألم الذي ينهش داخلها جعلها تتساءل..
هل حقا لا يهتمون بها حتى يتواصلوا معها ويكتفوا بأعذاره
هو؟ أم أن الشيطان نجح في خداعهم جميعا كما خدع خالها
من قبل وجعله يصدّق أنه الشاب المكافح الذي يشق طريقه
بطريقة نظيفة؟؟
لتكتشف هي أنه كاذب ومخادع, يعاقر الخمر ويصاحب
النساء.. وكيف لا وهو القوّاد لهن!
زوجها المكافح, المثابر يتاجر بأعراض النساء والشركة
التي يعمل بها ما هي إلا غطاءا لأعماله المشينة!
لم تستطع تصديق أن هناك هذا النوع من البشر حقا,
أن هناك هذا النوع من الشر حولها وهي لم تكن تدري
بوجوده ..
كانت تتخيل أن كل هذا فقط بالأفلام والروايات لتكتشف
أنه بالعالم الحقيقي أيضا بل وأقرب إليها مما تخيلت يوما!
وانصاعت بخنوع كما تعودت مع الجميع طوال حياتها..
حسنا هي لم تكن كذلك طوال حياتها فقط بعد وفاة
والديها وانتقالها للعيش مع خالها وزوجته فقد كانت تخشى
أن يتركوها كما تركها والديها من قبل فأصبحت لا
تعترض, لا تجادل, فقط تنفّذ ما يأمرها به حتى لا ينالها
الأذى أو يفكر يوما بضمها لعاهراته ..
فكرت بالانفصال عنه مرارا ولكنها لم تستطع المطالبة به
أبدا..
هي جبانة وتعترف..
تخشاه وتخشى بطشه والذي رأت منه مثالا صغيرا بضربها
وإهانتها والباقي كان تسمعه أوامر في الهاتف ..
فبعد أن انكشف ستره أمامها ورأى ضعفها فتجبّر أكثر
وأكثر ولم يعد يبالي بها فكانت تنفيسا لغضبه عندما
يعترض طريقه شيئا..
وكيف لا وهي لا أهل لها!
ومن اعتبرتهم أهلها يوما لم تجد منهم الاهتمام المفترض ..
أفاقت من أفكارها على صوت الهاتف والذي قلّما تسمع رنينه
منذ أبعدت نفسها عن عائلتها حماية لهم وجرحا منهم أيضا .
****
كيف استمّر معها سنتين كاملتين لا يعلم؟!
بل كيف تزوّجها من الأساس وهي بعيدة كل البعد عن
الصفات التي تمنّاها دائما بشريكة حياته؟!
"سمر"
الفتاة التي تزوجها وكان يتخيل وقتها أنه فاز بالجائزة
الكبرى, الفتاة التي أَسَرَته بجرأتها وتصميمها على الفوز به
ولفتت نظره بجمالها وأنوثتها حتى وقع بالفخ!
وأطبق الفخ عليه بإحكام جعله يختنق..
لم يكد يمر شهران على زواجهما إلا واكتشف أي نوع من
النساء تكون!!
أنانية, نرجسية, لا ترى أبعد من الزينة والملابس والتي تقوم
بشرائها بوفرة جعلته يشعر بالاختناق من تصنّعها والذي رآه
فاتنا ذات يوم ..
هل كان بتلك السطحية كما صارحه كريم بالفعل؟!
عندما يفكر بحياته يكتشف كم كانت مليئة بالحب
والحيوية قبل أن يقابل الفراغ بزواجه من سمر..
لم يرَ فيها أبعد من جمالها وفتنتها والتي استغلتها جيدا حتى
قابلتهما أول مشكلة وهما بعد في الخطبة والتي لم تطل
أكثر من أربعة أشهر كان مغيبا خلالها بسحرها..
عندما رفضت أن تسكن مع والديه في الفيلا وفضّلت أن
تسكن بشقة بعيدا عنهما ووافقها هو اتقاءا للمشاكل فهي
لم تتوافق ووالدته قط..
مما جعله يركن إلى السكن في شقة قريبة نسبيا من الفيلا
التي يقطن بها والديه والتي تقطن بها عبير شقيقته مع زوجها
كريم في الطابق الذي يعلو والديه..
وتسبب في حزن والدته ولكن لم يكن بيده شيء فآثر
الصمت حتى تمر المشكلة بسلام.
وتوالت المشاكل وتوالت تنازلاته حتى أنه ابتعد عن حنين
من أجلها..
ظهرت ابتسامة على شفتيه عندما مرّت بخاطره,
حنين الرقيقة ابنة عمته والتي كانت تتبعه كظلّه
بصغرها, طالما كانت لها مكانة خاصة لديه حتى أن سمر
كانت تغار منها بشدة رغم تأكيده لها مرارا أنها كعبير
تماما..
ولكنها لم تستسلم حتى ابتعد عنها نهائيا وزاد البعاد بعدما
تزوجت بذلك الشخص الكريه عماد والذي لم يستسغه
أبدا..
لا يعلم لماذا وافقت عليه من الأساس؟!
لقد ألقى باللوم على والده بزواجها السريع بشخص لم
يعرفونه من قبل بل واتهمه يومها أنه أراد التخلص منها وافتعل
مشكلة معه حتى أن سمر اتهمته يومها أنه يحبها ونفى ما
قالته بإصرار جعله يشك بالأسباب التي جعلتها تذكر
ذلك.. حتى أنه أخبرها يومها بأنه رفض الزواج منها عندما
عرضت والدته الأمر عليه فهو لم ينظر لحنين يوما سوى أنها
أخته الصغيرة مثل عبير وهي تصغره بعشر سنوات كاملة
فكيف يفكر بها بهذا الشكل؟!
هو لا ينكر أنه متعلق بحنين كثيرا, بل هي النسمة
الرقيقة التي رطبت حياته دوما.. حتى أنها أخبرته أن حنين
واقعة في حبه بكل غباء لذلك هي ترفض كل العرسان
الذين تقدموا لخطبتها وأخبرته أنه لو تدخل في زواجها هذه
المرة ستعتقد أنه يكن لها المشاعر بدوره.
وهذا ما جعله يصمت عندما أرادت رأيه عن المدعو عماد بل
وأخبرها ألا تتسرع في الرفض كما فعلت قبل ذلك..
وها هو يعاني من ويلات قراراته الخاطئة!
انبهر بسمر وجمالها ولم يلاحظ شخصيتها الأنانية تحت ذلك
الغطاء الأنثوي الزائف وطباعها الصعبة.
تساءل هل لو تزوج بحنين كان سيعيش سعيدا كما أخبرته
والدته من قبل؟
ورغما عنه تذكر جمال ورقة حنين, عيونها بلون العشب
النديّ وهي تناظره بوداعة قطة صغيرة, شعرها الأشقر
كسلاسل الذهب والذي ينسدل على ظهرها برقة تطيح
بالعقول والذي منعها من تقصيره وقد احتجب عنه
منذ ارتدائها الحجاب, بشرتها البيضاء الناعمة كبشرة
الأطفال حتى أن عبير كانت تغار منها لنعومتها وصفائها..
وجسدها الغض الذي تنافسها عليه عارضات الأزياء والذي
كان السبب في ضربه لكثير من الشباب بالحي الذي
يسكنون فيه .
نفض رأسه بقوة واستغفر.. ما الذي يفكر فيه؟!
أجل إنها ابنة عمته الصغيرة ولكنها ملك لرجل آخر ولا
يصح تفكيره بها بتلك الطريقة..
حتى لو لم يستسغ ذاك الرجل ولكنه أيضا ليس من حقه
التفكير بها بهذا الشكل!
ماذا حدث له حتى يرتكب ذلك الإثم ويفكر بها بطريقة
لم يفعلها وهي أمام بصره طوال سنوات؟!
هل حياته المثيرة للملل هي من جعلته يفكر فيمن رفضها
قبل ذلك؟
هو لم يرفضها لعيب بها بل لأنه لم يرها بذلك الوقت سوى
صغيرته التي كانت تلتصق به في كل مكان يذهب إليه..
ورفض الاستماع لوالدته أن يأخذ فترة ليفكر بها بطريقة
مختلفة وإن لم يستطع فلن يخسر شيئا.
ولكنه كان جبانا.. نعم, ها هو يعترف لنفسه بجبنه..
فهو لم يُرِد أن يراها بطريقة مختلفة خشية أن يفقد مكانته
لديها لو رفضته وإصرار والدته عليه للزواج بها كان يثير
التساؤلات لديه..
هل حنين أحبته بالفعل؟!
أم أنها كانت أوهاما بداخل رأس سمر وسمية والدته؟!
والدته التي لم تستطع أن تتقبل سمر حتى الوقت الحالي
خاصة بتأخر حملها والذي جعل والدته موقف والدته لا
يتغير..
وهو يعطيها كل العذر بذلك فهو نفسه لم يعد يطيقها ولولا
أنه باقٍ على العشرة بينهما لطلقها منذ فترة..
وها هو يفكر بالطلاق بجدية ولأول مرة سيأخذ القرار
ويفاتح سمر والذي يشك برفضها..
فهي منذ فترة تنعته بالممل الكئيب..
حتى أنه لم يعد يقربها منذ ما يقارب الثلاثة أشهر..
فها هو سيخلصها من الملل والكآبة خاصته مع تعويض مادي
كبير هو ما ستهتم به أكثر بكل تأكيد.
***
ملل هو ما يسكن حياته منذ انتقل لتلك الشقة مع والدته
حتى يجدد منزل والده رحمه الله.. حياة رتيبة فارغة يعيشها
على الرغم أنه تخيّل بانتقالهما المؤقت ستتغير حياته ولو
قليلا ولكن للأسف لم يحدث..
حسنا لقد حدث ولكن انتقاله لم يكن له دخل بالأمر,
فقد حدث عندما شاهد ذلك الوجه الملائكي البريء منذ
عدة أشهر, عينان بلون العشب سحرتاه على الرغم من غضّه
لبصره آنذاك إلا أنه لم يستطع إلا أن يُفتَن بهما!
هي ليست فتنة بالمعنى الحرفيّ بل هو محض شعور بداخله
أنها هي من كان يبحث عنها طوال حياته,
هي من تنتمي إليه, هي من أحيت نبضا لم ينبض يوما سوى
لها.. حبيبته المجهولة التي جعلته يعيد تجديد منزل والده
من أجل أن يتزوّج بها ولكن أين هي؟!
أين السبيل لوصالها؟! لا يعلم!
زفر بحنق وهو يدلف إلى المبنى الذي كان مستقرا له
ووالدته منذ فترة ليسمع كالعادة صوت ذلك الرجل وصوت
صرخات زوجته كما علم فيما بعد ليشمئز وجهه من ذاك
الشبيه بالرجال وهو ليس منهم بكل تأكيد..
(فالرجل الحقيقي لا يمس امرأة بسوء أبدا)
هكذا نشأ وهكذا علّمته والدته.. زفر بحنق وهو يراه خارجا
من تلك الشقة فنظر له بازدراء وجّهه لنفسه أيضا..
فهو لم يحرّك ساكنا من أجلها, ولكن رغما عنه..
فكيف يتدخل والأمر كما قال الجميع بين
(رجل وزوجته)!
أغمض عينيه بقوة وهو يدلف إلى الشقة التي يقطنها مع
والدته وألقى لها بالتحية ليفاجأ بدموعها التي تذرفها
ولا يحتاج لأن يكون عبقريا حتى يعلم سببها!


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close