رواية نون حائرة الفصل الثالث 3 بقلم سمر شكري
الفصل الثالث
استيقظت (نور) فزعة من نومها، رأته بأحلامها يذهب بعيدًا يؤكد لها أنها لن تراه ثانية، وجدت الدموع طريقها إلى عينيها مرة أخرى وأيقنت أن هذا هو حالها، فمن اليوم لن تحظى بنوم هانئ، طبعت قبلة رقيقة على وجنة صغيرتها التى تحط فى سبات عميق بجوارها، تركت فراشها وقامت لتتوضأ لتركع بين يدي ربها، تتضرع إلى الله أن يربط على قلبها ويلهمها الصبر والسلوان
خرجت من غرفتها لتجد صديقتها (نيرة) تجلس على الأريكة، تمسك بهاتفها وكأنها تحاول الاتصال بشخص ما، هزة قدميها المتوترة و لعناتها التي تصبها بصوت خفيض ومظهرها القلق أنبأها بأن هناك كارثة تلوح في الأفق، اقتربت منها ملقية عليها تحية الصباح : صباح الخير
انتفضت (نيرة) عندما سمعت صوتها واقتربت منها تطمئن عليها : صباح الخير يا نور، عاملة إيه دلوقتي؟
تنهدت (نور) وخرج صوتها حزينا : هعمل إيه! خلاص هحاول أتأقلم على حياتى من غيره
ربتت (نيرة) على كتفها، وحينها لاحظت (نور) ارتعاشة كف يديها التى تصاحبها عند شعورها بالقلق، فسألتها : ندى ونسمة فين ؟
(نيرة) بتوتر : نزلو على شغلهم، معرفوش ياخدو أجازة
(نور) بتعجب : مالك يا نيرة؟ أنا حاسة إنك قلقانة ومتوترة، هو في إيه بالظبط ؟
ارتبكت (نيرة) ، فبم ستجيبها، يكفى ما هى به الآن، وأمام إصرار صديقتها صرحت بها : نسمة مختفية، خرجت الساعة 2، طلبوها فى المستشفى بس موصلتش و تليفونها مقفول، مامتها وباباها هيموتو من القلق عليها
لم تكد تنهى جملتها حتى صدح رنين هاتفها برقم والدة (نسمة) ، أجابتها سريعا : إيه الأخبار يا طنط؟ ظهرت ؟
لتتسع عينيها وتشهق واضعة كف يدها على فمها، فما سمعته كان الصدمة و الجالسة بجوارها تأكدت بأن الكارثة قد حلت
********************************
كانت (ندى) منهمكة بعملها بصيدلية المشفى التي تعمل بها حينما أتاها اتصال من (طارق) ، التقطت هاتفها وأجابته : السلام عليكم
(طارق) : وعليكم السلام، انتي في الشغل ؟
(ندى) بحزن : ايوه، بس ماشية دلوقتي، أنا أصلا كنت جاية أخد أجازة يومين عشان أفضل مع نور
قاطعها (طارق) : أنا قدام المستشفى، عايز أتكلم معاكي في موضوع مهم ومينفعش يتأجل أكتر من كده
تعجبت (ندى) من أمره، فهى تشعر بتغيره منذ يومين، وتساءلت عن الأمر الهام الذي يود التحدث إليها بشأنه، وبعد مرور نصف ساعة كانت تجلس بجواره بالسيارة التي انطلق بها فور صعودها إليها
غلفهم الصمت لفترة حتى قطعت (ندى) ذلك الصمت قائلة : مالك يا طارق ؟ إيه الموضوع المهم اللي عايزني فيه ؟
أجابها (طارق) دون النظر إليها : هنشوف مكان نقعد فيه ونتكلم براحتنا
اعتذرت (ندى) منه قائلة : معلش يا طارق مش هينفع، أنا عايزة أروح لنور وكمان لسه هعدي على البيت الأول
أوقف (طارق) سيارته بجانب الطريق، زفر بضيق وظهر التوتر جليًا بملامحه : أنا عايزك تسمعيني للآخر وبعد كده أنا تحت أمرك في اللي تطلبيه
ارتبك صوته أكثر : أنا كنت بحب واحدة جارتي، اتقدمتلها زمان واترفضت، بعدين هي اتجوزت وخلفت وعاشت حياتها، وبعدين قابلتك وأُعجبت بشخصيتك واتخطبنا
نظرت إليه (ندى) بعدم فهم : انت بتحكيلي دا ليه دلوقتي ؟
نظر إليها طويلا قبل أن يخبرها : البنت دي فيه مشاكل بينها وبين جوزها وماشيين في إجراءات طلاق. أنا روحتلها وعرضت عليها نتجوز بعد شهور العدة وهي و أهلها موافقين
اتسعت عينيها وفغرت فاها، شعرت بالصدمة من حديثه، هل تُراه يمازحها، ولكن ملامحه توحي بالجدية ولا تدل على أنه يمزح معها
تلعثمت في الحديث : أنا… إنت…. إنت أكيد بتهزر صح ؟
هز رأسه نفياً : لا، أنا دلوقتي جايلك عشان نشوف هنعمل إيه في حياتنا اللى جاية مع بعض
نظرت إليه بغضب وحدثته مستنكرة : حياتنا!!!! هو انت خليت فيها حياتنا؟ جاي تقولي إنك خطبت وتقولي حياتنا، انت مدرك إنت بتقول إيه؟ إحنا المفروض فرحنا بعد عشر أيام وإنت جاي تقولي أنا خطبت وبعدين تقولي حياتنا!!!
قاطعها (طارق) محاولًا تهدئتها : أرجوكي يا ندى اهدي ولازم نقرر هنعمل ايه
صرخت به قائلة : انت مجنون!! هو إيه اللي نقرره!! إنت أكيد مش في وعيك
تجاهل نوبة غضبها وصراخها وأكمل حديثه وكأنه لا يسمعها : أنا هعرض عليكي الحلول اللي قدرت أوصل لها وانتي اختاري اللي يريحك. الحل الأول اننا نكمل حياتنا عادي وإنتي عارفة بوجودها كزوجة تانية، والحل التاني اننا نتمم الجوازة وبعد كام شهر نتطلق، أو حتى ممكن نأجل ونقول إنك أجلتى الفرح عشان خاطر صاحبتك لأنه مينفعش نفركش الجوازة فى التوقيت دا عشان كلام الناس
انتابتها نوبة ضحك هستيرية، تساقطت دموعها على وجنتيها، لا تعلم إن كانت من كثرة الضحك أم من بكائها، وكان هو ينظر إليها ولا يقو على الحديث، فكلامه لها هو من أوصلها لهذه الحالة
أخيرا سيطرت على نفسها وأخبرته متهكمة : كلام الناس! لا بصراحة كتر خيرك خايف عليا من كلام الناس ، هو إنت مفكر إني موافقة على أي حل أهبل من اللي قلته دا
انتزعت حلقتها الذهبية من إصبعها وألقتها بوجهه قائلة : مش عايزة اشوف وشك تاني
ثم ترجلت من السيارة وتابع هو رحيلها دون حراك
***********************************
انتهاك روحها لم يكن بالأمر اليسير وكل شئ حدث بطرفة عين
يد تطوق خصرها والأخرى تكمم فمها تمنعها الصراخ وتُذهب عقلها في شبه إغماءة لتجد نفسها داخل سيارته، لم يتسنى لها طلب المساعدة من اى شخص ولكن من كان سينقذها في الطريق الخالي من المارة فى هذا التوقيت، تعلم أن محاولتها كانت ستبوء بالفشل ولكن يكفيها شرف المحاولة
مظهره يدل على تغيب عقله، فربما كان تحت تأثير مخدر ما، ملابسه غير مهندمة نوعا ما، يفتح أزرار قميصه العلوية، وظل يتلفت حوله ليتأكد من عدم رؤية أحد له، انطلق بسيارته وبين الحين والآخر ينظر للجالسة بجواره غائبة عن الوعى نظرات شهوانية توضح ما ينوي فعله بها
وبكل صفاقة أيقظها ليتلذذ بعذابها وهو يقتلها على قيد الحياة، فلم يكتفى بما سيفعله بها ولكنه زاد عذابها الضعفين، يجعلها تعايش تلك اللحظات المميتة بحياتها ليقوم بسحبها من سيارته المصطفة على الطريق الصحراوي؛ حيث اختار مكان لن يمنعه فيه أحد عن فعلته، لم تشفع لها صرخاتها و توسلاتها، ولم يثنيه شيء عما انتوى فعله
تركها بعدما انهى فعلته الدنيئة يهرول مسرعًا بسيارته قبل أن يراه أحد مخلفاً ضحيته تعانى آلامها بمفردها داعية الله أن يرسل إليها من ينقذها ولكن بما يفيدها الإنقاذ بعد ما حدث لها، ففى تلك الحالة الموت هو أهون علاج
كانت تشعر بالخزي والضعف، لا تقوى على النهوض، كلما حاولت أن تقف على قدميها تسقط مرة اخرى، كانت تحاول ستر جسدها ولكن ملابسها الممزقة منعتها، صرخت وبكت وتعالى نحيبها، شعرت باقتراب آخر نحوها، صرير عجلات سيارة دليل على توقفها فجأة وأقدام تهرول ناحيتها، رجل آخر، لا ليس ثانية، ولكنها لمحت عيون قلقة وخائفة من بين انفراج جفنيها، اقترب منها سائلًا إياها عما حدث معها ولكنها كانت تائهة بعالمها، والآن انهارت جميع قواها وسقطت مغشيًا عليها، الآن فقط استسلمت للهوة السحيقة التي يسحبها عقلها إليها، فلم يعد هناك ما تخسره أو تخاف عليه
خلع الجاكت الذى كان يرتديه وألبسها إياه محاولًا ستر ما تفضحه ملابسها الممزقة، حملها بين ذراعيه واضعًا إياها بالمقعد الخلفى لسيارته، وانطلق بها مسرعًا نحو المشفى وبين الفينة والأخرى تحين منه التفاتة ناحيتها، يجدها ما زالت بغيابها، يلعن من أودى بها إلى هذا المصير، يشعر بالشفقة ناحيتها وشئ يمزق قلبه لا يعلم كنهه
فور أن وصل إلى المشفى ترجل من سيارته حاملًا إياها بين ذراعيه صارخًا بطلب طبيب، تهرول إليه ممرضة دافعة أمامها سرير نقال، وما إن وضعها عليه حتى سمع شهقة صادرة من الممرضة متبوعة بإسم : دكتورة نسمة!!!
**************************
لقد بدأ عقلها يستيقظ من غفوته، تستشعر وجود والديها بالغرفة ولكن جفنها يأبى الانفراج، كيف ستواجههم حتى وإن كانت هي الضحية فهي تشعر بالقهر لما حدث لها
صوت الطبيب وهو يحدث والديها يصل إلى مسامعها، يشرح لهم ما حدث معها، فليصمت فهي لا تريد سماع المزيد، فليبتعدوا لا تريد أن تستمع إليهم، يكفيها ما عايشته، والآن يقص عليهم شهامة من أوصلها إلى المشفى، يخبرهم بجلوسه فى غرفة الاستقبال منتظرًا الاطمئنان عليها، تستمع إلى صوت بكاء والدتها ، تتخيل نظرة ابيها المنكسرة
فتحت عينيها لتجد أنها حبيسة غرفة مشفى كانت فيه دائما هى الطبيبة واليوم هي المريضة، ولكن مرض أزلي، شرف قد دُنس دون ارادتها
لمحت والدتها استيقاظها فهرولت إليها تحتضنها ولكنها صامتة بين ذراعيها كجثة هامدة، دموعها المنسابة بصمت على وجنتيها وتحرك بؤبؤ عينيها يوحيان بأنها ما زالت على قيد الحياة ولكن روحها قد نُحِرت
اقترب الطبيب يتفحصها ولكنها انتفضت مبتعدة لا تطيق اقترابه منها، بل تخشاه، انكمشت بحضن والدتها يتعالى صوت بكائها و نحيبها، تحاول والدتها تهدئتها ولكن دون فائدة
ظهرت صديقتها (نيرة) بباب الغرفة، (نور) كانت تريد مصاحبتها ولكن قدوم بعض النسوة لتقديم التعازي قد عرقل مجيئها كما أن دينها يمنعها أن تخرج من منزلها قبل أن تقضي عدتها، أما (ندى) فلا تجيب على هاتفها
اقتربت منها (نيرة) والدموع تغرق عينيها، حزينة لحال صديقتها، ترى خوفها باديًا فى انكماشها بأحضان والدتها، استمعت إلى الطبيب يخبرهم : أنا من رأيى نعرضها على طبيب نفسي، هتحتاج لدا الفترة الجاية
أعطاها الطبيب حقنة مهدئة لحين قدوم الطبيب النفسي، وحين خروجه لمحه يقف أمام الغرفة، يقف مستندًا إلى الحائط يظهر بعينيه الحزن لحالها، كان يحاول الاطمئنان عليها، انتبه إليه والدها فذهب إليه وشكره سائلًا إياه إذا كان قد لمح من فعل بابنته هذا وكان الجواب بالرفض
تردد في الذهاب، لا يعلم لما تتولد لديه رغبة فى البقاء بجوارها والاطمئنان عليها، يحاول أن يسرق نظرة إليها، ولكنها تدفن وجهها بصدر صديقتها فلم يلمح منها شئ، توجه بالحديث إلى والدها مخرجًا بطاقة تحتوى رقمه واسمه كاملا : دا كارت فيه تليفونى وعنوانى عشان لو حضرتك احتاجت منى اى حاجة لو هتعملو بلاغ
تناولها والدها ونظر إلى الاسم المدون بها : شكرا يا أستاذ حازم
*****************************
دلفت (ندى) إلى غرفتها والدموع تغرق عينيها، تكاد لا ترى أمامها حتى أنها لم تلق التحية على والديها، تعجبت والدتها من حالتها فذهبت خلفها، وما كادت تفتح باب الغرفة حتى صُدِمت مما رأت، فقد كانت ابنتها تمزق ثوب زفافها ولم تتركه سوى أشلاء
هرولت إليها وانتزعته من بين يديها واحتضنتها محاولة تهدئتها وسؤالها عن سبب فعلتها هذه، ولكن نحيب ابنتها ازدادت حدته مما جعلها تنادي زوجها الذى أتى مهرولًا ووقف بباب الغرفة مشدوهًا، وحينها تهادى إلى مسامعه كلماتها التى تخرج بصعوبة من بين شهقاتها : واطي وحقير، أنا سبته، أنا مش عايزاه، أنا واثقة إن قراري صح
ظل والديها ينظران لبعضهما، لا يفقهان شيئا مما تتفوه به ولا يقدران على تجميع الخيوط، كل ما توصل إليه فهمهم هو أنه يوجد مشكلة بينها وبين خطيبها
حاولت والدتها تهدئتها حتى تقص عليهم ما حدث وقد كانت صدمة لهم ما سمعوه من ابنتهم
*****************************
انتشرت الأخبار سريعة كسرعة اندلاع الحريق، وما إن وصله خبر ما حدث معها وهو يشعر بالصدمة، يسأل نفسه إن كان سيتحمل أن يتعايش وينسى ما حدث معها، أم سيبقى هذا حاجزًا فى علاقتهم دائمًا
والآن وبعد مرور أكثر من عشر ساعات على الحادث، ها هو يقف أمام غرفتها بعد أن حسم أمره واتخذ قراره
طرق الباب ليأتيه صوت والدها يدعو الطارق للدخول، دلف إلى الغرفة تقابله نظرة والدها المعاتبة فقد كان يتمنى أن يكون هو أول من يقف بجوارها فى محنتها، ألقى عليهم السلام وحانت منه التفاتة تجاه النائمة بعمق بتأثير إبرة المهدئ، ثم عاد بنظره إلى والدها : كنت عايز أتكلم مع حضرتك يا عمي
لاحظ (منصور) التوتر البادي على خطيب ابنته وتوقع ما سيُحدثه بشأنه : خير يا أيمن!
نظر إلى الارض، يعبث بالحلقة الفضية التى تحيط إصبعه، انتزعها يعلنها صراحة : أنا آسف بس مش هينفع نكمل مع بعض، مش هقدر اتعايش و اعدى اللى حصل
لم اختار القدر أن تستيقظ فى ذلك الوقت؟ هل لتستمع إلى تخليه عنها بأذنيها؟ أم لتدرك أن الجَراحة الماهرة قد أُصيبت بطعنة في قلبها وتحتاج إلى من يداويها
استيقظت (نور) فزعة من نومها، رأته بأحلامها يذهب بعيدًا يؤكد لها أنها لن تراه ثانية، وجدت الدموع طريقها إلى عينيها مرة أخرى وأيقنت أن هذا هو حالها، فمن اليوم لن تحظى بنوم هانئ، طبعت قبلة رقيقة على وجنة صغيرتها التى تحط فى سبات عميق بجوارها، تركت فراشها وقامت لتتوضأ لتركع بين يدي ربها، تتضرع إلى الله أن يربط على قلبها ويلهمها الصبر والسلوان
خرجت من غرفتها لتجد صديقتها (نيرة) تجلس على الأريكة، تمسك بهاتفها وكأنها تحاول الاتصال بشخص ما، هزة قدميها المتوترة و لعناتها التي تصبها بصوت خفيض ومظهرها القلق أنبأها بأن هناك كارثة تلوح في الأفق، اقتربت منها ملقية عليها تحية الصباح : صباح الخير
انتفضت (نيرة) عندما سمعت صوتها واقتربت منها تطمئن عليها : صباح الخير يا نور، عاملة إيه دلوقتي؟
تنهدت (نور) وخرج صوتها حزينا : هعمل إيه! خلاص هحاول أتأقلم على حياتى من غيره
ربتت (نيرة) على كتفها، وحينها لاحظت (نور) ارتعاشة كف يديها التى تصاحبها عند شعورها بالقلق، فسألتها : ندى ونسمة فين ؟
(نيرة) بتوتر : نزلو على شغلهم، معرفوش ياخدو أجازة
(نور) بتعجب : مالك يا نيرة؟ أنا حاسة إنك قلقانة ومتوترة، هو في إيه بالظبط ؟
ارتبكت (نيرة) ، فبم ستجيبها، يكفى ما هى به الآن، وأمام إصرار صديقتها صرحت بها : نسمة مختفية، خرجت الساعة 2، طلبوها فى المستشفى بس موصلتش و تليفونها مقفول، مامتها وباباها هيموتو من القلق عليها
لم تكد تنهى جملتها حتى صدح رنين هاتفها برقم والدة (نسمة) ، أجابتها سريعا : إيه الأخبار يا طنط؟ ظهرت ؟
لتتسع عينيها وتشهق واضعة كف يدها على فمها، فما سمعته كان الصدمة و الجالسة بجوارها تأكدت بأن الكارثة قد حلت
********************************
كانت (ندى) منهمكة بعملها بصيدلية المشفى التي تعمل بها حينما أتاها اتصال من (طارق) ، التقطت هاتفها وأجابته : السلام عليكم
(طارق) : وعليكم السلام، انتي في الشغل ؟
(ندى) بحزن : ايوه، بس ماشية دلوقتي، أنا أصلا كنت جاية أخد أجازة يومين عشان أفضل مع نور
قاطعها (طارق) : أنا قدام المستشفى، عايز أتكلم معاكي في موضوع مهم ومينفعش يتأجل أكتر من كده
تعجبت (ندى) من أمره، فهى تشعر بتغيره منذ يومين، وتساءلت عن الأمر الهام الذي يود التحدث إليها بشأنه، وبعد مرور نصف ساعة كانت تجلس بجواره بالسيارة التي انطلق بها فور صعودها إليها
غلفهم الصمت لفترة حتى قطعت (ندى) ذلك الصمت قائلة : مالك يا طارق ؟ إيه الموضوع المهم اللي عايزني فيه ؟
أجابها (طارق) دون النظر إليها : هنشوف مكان نقعد فيه ونتكلم براحتنا
اعتذرت (ندى) منه قائلة : معلش يا طارق مش هينفع، أنا عايزة أروح لنور وكمان لسه هعدي على البيت الأول
أوقف (طارق) سيارته بجانب الطريق، زفر بضيق وظهر التوتر جليًا بملامحه : أنا عايزك تسمعيني للآخر وبعد كده أنا تحت أمرك في اللي تطلبيه
ارتبك صوته أكثر : أنا كنت بحب واحدة جارتي، اتقدمتلها زمان واترفضت، بعدين هي اتجوزت وخلفت وعاشت حياتها، وبعدين قابلتك وأُعجبت بشخصيتك واتخطبنا
نظرت إليه (ندى) بعدم فهم : انت بتحكيلي دا ليه دلوقتي ؟
نظر إليها طويلا قبل أن يخبرها : البنت دي فيه مشاكل بينها وبين جوزها وماشيين في إجراءات طلاق. أنا روحتلها وعرضت عليها نتجوز بعد شهور العدة وهي و أهلها موافقين
اتسعت عينيها وفغرت فاها، شعرت بالصدمة من حديثه، هل تُراه يمازحها، ولكن ملامحه توحي بالجدية ولا تدل على أنه يمزح معها
تلعثمت في الحديث : أنا… إنت…. إنت أكيد بتهزر صح ؟
هز رأسه نفياً : لا، أنا دلوقتي جايلك عشان نشوف هنعمل إيه في حياتنا اللى جاية مع بعض
نظرت إليه بغضب وحدثته مستنكرة : حياتنا!!!! هو انت خليت فيها حياتنا؟ جاي تقولي إنك خطبت وتقولي حياتنا، انت مدرك إنت بتقول إيه؟ إحنا المفروض فرحنا بعد عشر أيام وإنت جاي تقولي أنا خطبت وبعدين تقولي حياتنا!!!
قاطعها (طارق) محاولًا تهدئتها : أرجوكي يا ندى اهدي ولازم نقرر هنعمل ايه
صرخت به قائلة : انت مجنون!! هو إيه اللي نقرره!! إنت أكيد مش في وعيك
تجاهل نوبة غضبها وصراخها وأكمل حديثه وكأنه لا يسمعها : أنا هعرض عليكي الحلول اللي قدرت أوصل لها وانتي اختاري اللي يريحك. الحل الأول اننا نكمل حياتنا عادي وإنتي عارفة بوجودها كزوجة تانية، والحل التاني اننا نتمم الجوازة وبعد كام شهر نتطلق، أو حتى ممكن نأجل ونقول إنك أجلتى الفرح عشان خاطر صاحبتك لأنه مينفعش نفركش الجوازة فى التوقيت دا عشان كلام الناس
انتابتها نوبة ضحك هستيرية، تساقطت دموعها على وجنتيها، لا تعلم إن كانت من كثرة الضحك أم من بكائها، وكان هو ينظر إليها ولا يقو على الحديث، فكلامه لها هو من أوصلها لهذه الحالة
أخيرا سيطرت على نفسها وأخبرته متهكمة : كلام الناس! لا بصراحة كتر خيرك خايف عليا من كلام الناس ، هو إنت مفكر إني موافقة على أي حل أهبل من اللي قلته دا
انتزعت حلقتها الذهبية من إصبعها وألقتها بوجهه قائلة : مش عايزة اشوف وشك تاني
ثم ترجلت من السيارة وتابع هو رحيلها دون حراك
***********************************
انتهاك روحها لم يكن بالأمر اليسير وكل شئ حدث بطرفة عين
يد تطوق خصرها والأخرى تكمم فمها تمنعها الصراخ وتُذهب عقلها في شبه إغماءة لتجد نفسها داخل سيارته، لم يتسنى لها طلب المساعدة من اى شخص ولكن من كان سينقذها في الطريق الخالي من المارة فى هذا التوقيت، تعلم أن محاولتها كانت ستبوء بالفشل ولكن يكفيها شرف المحاولة
مظهره يدل على تغيب عقله، فربما كان تحت تأثير مخدر ما، ملابسه غير مهندمة نوعا ما، يفتح أزرار قميصه العلوية، وظل يتلفت حوله ليتأكد من عدم رؤية أحد له، انطلق بسيارته وبين الحين والآخر ينظر للجالسة بجواره غائبة عن الوعى نظرات شهوانية توضح ما ينوي فعله بها
وبكل صفاقة أيقظها ليتلذذ بعذابها وهو يقتلها على قيد الحياة، فلم يكتفى بما سيفعله بها ولكنه زاد عذابها الضعفين، يجعلها تعايش تلك اللحظات المميتة بحياتها ليقوم بسحبها من سيارته المصطفة على الطريق الصحراوي؛ حيث اختار مكان لن يمنعه فيه أحد عن فعلته، لم تشفع لها صرخاتها و توسلاتها، ولم يثنيه شيء عما انتوى فعله
تركها بعدما انهى فعلته الدنيئة يهرول مسرعًا بسيارته قبل أن يراه أحد مخلفاً ضحيته تعانى آلامها بمفردها داعية الله أن يرسل إليها من ينقذها ولكن بما يفيدها الإنقاذ بعد ما حدث لها، ففى تلك الحالة الموت هو أهون علاج
كانت تشعر بالخزي والضعف، لا تقوى على النهوض، كلما حاولت أن تقف على قدميها تسقط مرة اخرى، كانت تحاول ستر جسدها ولكن ملابسها الممزقة منعتها، صرخت وبكت وتعالى نحيبها، شعرت باقتراب آخر نحوها، صرير عجلات سيارة دليل على توقفها فجأة وأقدام تهرول ناحيتها، رجل آخر، لا ليس ثانية، ولكنها لمحت عيون قلقة وخائفة من بين انفراج جفنيها، اقترب منها سائلًا إياها عما حدث معها ولكنها كانت تائهة بعالمها، والآن انهارت جميع قواها وسقطت مغشيًا عليها، الآن فقط استسلمت للهوة السحيقة التي يسحبها عقلها إليها، فلم يعد هناك ما تخسره أو تخاف عليه
خلع الجاكت الذى كان يرتديه وألبسها إياه محاولًا ستر ما تفضحه ملابسها الممزقة، حملها بين ذراعيه واضعًا إياها بالمقعد الخلفى لسيارته، وانطلق بها مسرعًا نحو المشفى وبين الفينة والأخرى تحين منه التفاتة ناحيتها، يجدها ما زالت بغيابها، يلعن من أودى بها إلى هذا المصير، يشعر بالشفقة ناحيتها وشئ يمزق قلبه لا يعلم كنهه
فور أن وصل إلى المشفى ترجل من سيارته حاملًا إياها بين ذراعيه صارخًا بطلب طبيب، تهرول إليه ممرضة دافعة أمامها سرير نقال، وما إن وضعها عليه حتى سمع شهقة صادرة من الممرضة متبوعة بإسم : دكتورة نسمة!!!
**************************
لقد بدأ عقلها يستيقظ من غفوته، تستشعر وجود والديها بالغرفة ولكن جفنها يأبى الانفراج، كيف ستواجههم حتى وإن كانت هي الضحية فهي تشعر بالقهر لما حدث لها
صوت الطبيب وهو يحدث والديها يصل إلى مسامعها، يشرح لهم ما حدث معها، فليصمت فهي لا تريد سماع المزيد، فليبتعدوا لا تريد أن تستمع إليهم، يكفيها ما عايشته، والآن يقص عليهم شهامة من أوصلها إلى المشفى، يخبرهم بجلوسه فى غرفة الاستقبال منتظرًا الاطمئنان عليها، تستمع إلى صوت بكاء والدتها ، تتخيل نظرة ابيها المنكسرة
فتحت عينيها لتجد أنها حبيسة غرفة مشفى كانت فيه دائما هى الطبيبة واليوم هي المريضة، ولكن مرض أزلي، شرف قد دُنس دون ارادتها
لمحت والدتها استيقاظها فهرولت إليها تحتضنها ولكنها صامتة بين ذراعيها كجثة هامدة، دموعها المنسابة بصمت على وجنتيها وتحرك بؤبؤ عينيها يوحيان بأنها ما زالت على قيد الحياة ولكن روحها قد نُحِرت
اقترب الطبيب يتفحصها ولكنها انتفضت مبتعدة لا تطيق اقترابه منها، بل تخشاه، انكمشت بحضن والدتها يتعالى صوت بكائها و نحيبها، تحاول والدتها تهدئتها ولكن دون فائدة
ظهرت صديقتها (نيرة) بباب الغرفة، (نور) كانت تريد مصاحبتها ولكن قدوم بعض النسوة لتقديم التعازي قد عرقل مجيئها كما أن دينها يمنعها أن تخرج من منزلها قبل أن تقضي عدتها، أما (ندى) فلا تجيب على هاتفها
اقتربت منها (نيرة) والدموع تغرق عينيها، حزينة لحال صديقتها، ترى خوفها باديًا فى انكماشها بأحضان والدتها، استمعت إلى الطبيب يخبرهم : أنا من رأيى نعرضها على طبيب نفسي، هتحتاج لدا الفترة الجاية
أعطاها الطبيب حقنة مهدئة لحين قدوم الطبيب النفسي، وحين خروجه لمحه يقف أمام الغرفة، يقف مستندًا إلى الحائط يظهر بعينيه الحزن لحالها، كان يحاول الاطمئنان عليها، انتبه إليه والدها فذهب إليه وشكره سائلًا إياه إذا كان قد لمح من فعل بابنته هذا وكان الجواب بالرفض
تردد في الذهاب، لا يعلم لما تتولد لديه رغبة فى البقاء بجوارها والاطمئنان عليها، يحاول أن يسرق نظرة إليها، ولكنها تدفن وجهها بصدر صديقتها فلم يلمح منها شئ، توجه بالحديث إلى والدها مخرجًا بطاقة تحتوى رقمه واسمه كاملا : دا كارت فيه تليفونى وعنوانى عشان لو حضرتك احتاجت منى اى حاجة لو هتعملو بلاغ
تناولها والدها ونظر إلى الاسم المدون بها : شكرا يا أستاذ حازم
*****************************
دلفت (ندى) إلى غرفتها والدموع تغرق عينيها، تكاد لا ترى أمامها حتى أنها لم تلق التحية على والديها، تعجبت والدتها من حالتها فذهبت خلفها، وما كادت تفتح باب الغرفة حتى صُدِمت مما رأت، فقد كانت ابنتها تمزق ثوب زفافها ولم تتركه سوى أشلاء
هرولت إليها وانتزعته من بين يديها واحتضنتها محاولة تهدئتها وسؤالها عن سبب فعلتها هذه، ولكن نحيب ابنتها ازدادت حدته مما جعلها تنادي زوجها الذى أتى مهرولًا ووقف بباب الغرفة مشدوهًا، وحينها تهادى إلى مسامعه كلماتها التى تخرج بصعوبة من بين شهقاتها : واطي وحقير، أنا سبته، أنا مش عايزاه، أنا واثقة إن قراري صح
ظل والديها ينظران لبعضهما، لا يفقهان شيئا مما تتفوه به ولا يقدران على تجميع الخيوط، كل ما توصل إليه فهمهم هو أنه يوجد مشكلة بينها وبين خطيبها
حاولت والدتها تهدئتها حتى تقص عليهم ما حدث وقد كانت صدمة لهم ما سمعوه من ابنتهم
*****************************
انتشرت الأخبار سريعة كسرعة اندلاع الحريق، وما إن وصله خبر ما حدث معها وهو يشعر بالصدمة، يسأل نفسه إن كان سيتحمل أن يتعايش وينسى ما حدث معها، أم سيبقى هذا حاجزًا فى علاقتهم دائمًا
والآن وبعد مرور أكثر من عشر ساعات على الحادث، ها هو يقف أمام غرفتها بعد أن حسم أمره واتخذ قراره
طرق الباب ليأتيه صوت والدها يدعو الطارق للدخول، دلف إلى الغرفة تقابله نظرة والدها المعاتبة فقد كان يتمنى أن يكون هو أول من يقف بجوارها فى محنتها، ألقى عليهم السلام وحانت منه التفاتة تجاه النائمة بعمق بتأثير إبرة المهدئ، ثم عاد بنظره إلى والدها : كنت عايز أتكلم مع حضرتك يا عمي
لاحظ (منصور) التوتر البادي على خطيب ابنته وتوقع ما سيُحدثه بشأنه : خير يا أيمن!
نظر إلى الارض، يعبث بالحلقة الفضية التى تحيط إصبعه، انتزعها يعلنها صراحة : أنا آسف بس مش هينفع نكمل مع بعض، مش هقدر اتعايش و اعدى اللى حصل
لم اختار القدر أن تستيقظ فى ذلك الوقت؟ هل لتستمع إلى تخليه عنها بأذنيها؟ أم لتدرك أن الجَراحة الماهرة قد أُصيبت بطعنة في قلبها وتحتاج إلى من يداويها