اخر الروايات

رواية الغضب الاسود الفصل التاسع والعشرين 29 بقلم الكاتبة كوين اسمهان

رواية الغضب الاسود الفصل التاسع والعشرين 29 بقلم الكاتبة كوين اسمهان


الفصل 29|عناق الجمر


                                              
   نفثت إيفلين سحابة أخرى من الدخان، و سكبت كأسا للمرة الألف، فاض الزبد، و انسكب القليل منه على طاولة الٱبنوس الفاخرة، لم تكترث لذلك، فقط بتكاسل ضيق و نظرة مشحونة، راقبت تراقص صورة وجهها المنعسكة على بقع السائل الذهبي، ثم أغمضت عينيها، و تجرعت ذلك الشراب بوحشية، كأنها تتجرَّعُ السُمَّ برضاها، انكمشت كما لو أنها أصبحت عجوزا فجأة، تلاطمت في ذاكرتها صور و مشاهد من الماضي، و سافرت مع سواد أحقادها لوقت طويل، حتى شدَّ انتباهها دخول الخادمة أولغا، و استفزَّها السؤال الذي طرق سمعها:

2


"هل تريدين شيئا سيدتي؟".

+


   يا له من سؤال لعين! كم تُريد سحق هارولان كينغ كما تسحق سيجارتها على المنفضة الآن! ذلك الرجل الذي لن ترتاح إلا إذا حضرت جنازة قلبه و شيَّعت معه سعادته إلى قبرٍ لا قرار له! لا هناء لها... ما دام ذلك الكينغ يحيا بسلام، كأن والده لم يكن سبب تكبُّدها أكبر خسائرها في الحياة! أشعلت السيجارة العاشرة لتلك الليلة، و تذكرت و هي تأخذ أول مجَّة بحسرة الصفقة التي ضاعت من بين يديها ثانية بسببه، هكذا كان على الدوام... يسبقها بخطوة، خطوة شاسعة تطل منها الجحيم! و ككل مرة كان أذكى و أكثر فطنة، اللعنة! لقد كانت فكرة لئيمة منه أن يلعب دور الملاك، و يقدم تلك المساعدات الإنسانية لضحايا الإعصار الأخير، ثم يمضي مقدما المزيد خارج أرض البلاد، ناثرا سحره الكاذب على شوارع سريلانكا! إنه في نظرها ليس سوى شيطان خبيث، كوالده، يخفي أنيابه الملوثة بدماء عزيزة عليها! دماء شقيقتها الكبرى آلكا!

27


   كانت آلكا إمرأة فاتنة بشكل يشلُّ عقول الرجال و يجعلهم يبدون كالحمقى في حضورها، فيرتمون عند أقدامها و يفرشون الأرض حولها بالورود و المال، نبذت حياة المزارع و الرعاة، و عشقت أضواء الشهرة و المدن، فعملت راقصة إستعراضية في أكبر سيرك متنقل بٱستراليا؛ «سيرك سيلفر الأعظم» عُرفت لسنوات بجمالها النادر و شجاعتها المجنونة، إذ كان الجمهور العريض الذي يشاهدها يحبس الأنفاس كلما عانقت الأفاعي، أو سارت فوق حبل حاملة مشاعلاً متأججة، أو حين ترقص مع الأسود دون أن تهابها أو يهتز لها جفن واحد حتى، لكنهم ينطلقون في تصفيق حاد بعد ذلك منبهرين بعروضها الرائعة!

1


   و هكذا أيضا انبهر بها جوشوا كينغ في إحدى سفراته، فسمح بتنظيم السيرك على أرض مزرعته «كينغلاند»، لينال إسمه الشهرة، و لم يكن يتوقع أن تنال تلك الراقصة الجريئة من لامبالاته، كان الشاب الإستعراضي الذي يرافقها يطلق سهاما مشتعلة نحوها بينما ترقص دون أن يصيبها سهم واحد؛ بل كانت السهام تصيب فقط جوشوا و تحرقه و هو جالسٌ في المنصة الشرفية، سهام الإعجاب و الرغبة!

1


   ظل يطاردها بعينيه النهمتين، كأنه يرى امرأة للمرة الأولى في حياته، ثم طاردها فعليا بعد ذلك، لتكون ملكه و رهن إشارته، ليتذوق شيئا جديدا معها، و بالنسبة لها كان ذلك غريبا، فهي لم تتعود على أكثر من الإطراء العابر، و الورود المتطايرة حولها و التي سرعان ما تختفي من حياتها بانتهاء العرض، فبالرغم من فتنتها... لا أحد رغب بها حقا كما فعل جوشوا، لأن كل رجل يقترب منها يخشى حياتها المحفوفة بالمخاطر، و يرفض الإقتران بامرأة تراقص الأسود و تتلحف الأفاعي و تقف ضاحكة أمام السهام المشتعلة!

+



                                      


                
   لكن حتى جوشوا الوسيم و القوي الذي أحب عروضها و جنونها، لم يحبها بالشكل الذي تمنته، و لم يضع خاتما ذهبيا حول إصبعها، كيف له أن يفعل و هو متزوج بالأساس؟ بعد سنوات من علاقتهما الساحرة، و لقاءاتهما كل مرة في مدينة ما أين تقيم عروضها، فاجأته ذات يوم بزيارة لمزرعته، و رأته يجلس في الحديقة مع إمرأة حامل و طفل في الرابعة أو الخامسة من العمر، أخبرها الحراس أنهما زوجته و إبنه هارولان! تحطمت آلكا، و تشوه عالمها الجميل، لهذا السبب إذن ينزعج جوشوا كلما تحدثت عن الزواج! لأنه كان يملك زوجة طوال الوقت! و كانت هي العشيقة!

7


   بات ذلك الإكتشاف الصادم سببا في تشتت ذهنها و ضياعها أثناء العروض، انشغل بال مدير السيرك، و نصحها بأن تأخذ إجازة حتى تتحسن نفسيتها، فما كان لها إلا أن تعود إلى مزرعة والديها في سيمبسون، حيث لا شيء يتحرك سوى رمال الصحراء الحمراء، و حوافر الخيول، و الألم الذي يزحف داخل روحها! كان عذابا حقيقيا ما قالته لها إيفلين و والدتها فيوليت: «نصحناكِ بالإبتعاد عنه؛ لكنكِ أردتِ الحب، و حصلتِ في المقابل على الألم!».

+


   بحث عنها جوشوا، و عثر على عنوان مزرعتها، و لأنه بات مشهورا مؤخرا، فقد كان هناك صحفي في أثره، و حين اجتمع جوشوا بساحرته الجميلة آلكا أمام المزرعة، و احتضنها بقوة، و استكانت له لأنها رغم كل شيء كانت متيَّمة بحبه، و احتقرت نفسها على ذلك في ذات الوقت، آنذاك التقط الصحفي صورة لهما، و نشرت في اليوم التالي على أول صفحة من صحيفة أخبار رجال الأعمال و المشاهير، لتحدث ضجة كبيرة، و جدلا لا ينتهي، ليليها في صحيفة اليوم الموالي، خبر انتحار زوجة جوشوا! و كان هذا أقسى شيء على آلكا، أنبت نفسها على تحطم تلك العائلة، و بكت كما لم تبكِ من قبل، و غادرت المزرعة نحو السيرك الأعظم، حيث يمكنها أن تجد نفسها، سألها المدير سيلفر إن كانت واثقة من قدرتها على تقديم العرض هذه المرة، فأكدت له ذلك بلمعة غريبة في عينيها.

6



                

   ارتدت ثيابها المفضلة، و بدأت الرقص مع أشرس حيوانات السيرك، لماذا ستخشاها؟ لم تكن تلك وحوشا على الإطلاق! الوحش الحقيقي كان جوشوا كينغ! و لن يسامحه الكون على هذا أبدا! حلقت على أرجوحتها العالية فوق رؤوس الجماهير العريضة التي كانت قبل أيام تنتظر عودتها، ابتسمت لهم، ثم ضحكت من أعماق قلبها، و مزق الألم الرهيب أحشاءها ثم صدرها، فترنحت، و بدأت تسعل، و انطلقت الدماء من بين شفتيها! هذه نهايتها إذن لتسقط بعد ذلك بين أيدي المعجبين، مدركة أن السم الذي تناولته خلف ستار الكواليس أتى بثماره! تناقلتها الأيدي حتى بلغت خشبة المسرح، و هناك وُضِعت بلطف كملاك، و انحنت عليها الوجوه الحزينة الحائرة تراقب ما يحدث لها في عجب و صدمة، لتكون آخر كلماتها الخالدة: «آسفة! آسفة! لم أستطع الموت وحيدة! أبقوني دائما في قلوبكم!»، سكنت و تجمدت نظرتها فجأة، و بعد ذلك العرض الأسطوري الذي قدمته فقد العالم جزءً كبيرًا من بريقه... فقد آلكا راقصة السماء!

15


   أغمضت إيفلين عينيها بحدة و هي تتذكر تلك الفاجعة، تناقلت صحف البلاد كلها -بل صحف العالم الخبر الصاعق، فلم يحدث أن انتحرت نجمة بين أحضان جمهورها، بكاها كل شخص هناك، عرفوا أنها أحبتهم، لهذا أسلمت روحها للسماء بين أيديهم، و ظلت راقصتهم المحبوبة و نجمتهم الجميلة حتى مع آخر أنفاسها، لكن إيفلين لم تذرف دموعا، بل شغلت نفسها بالحقد على جوشوا كينغ، و بدأت منذ ذلك الوقت بالتخطيط لتدميره، و جُنَّ جنونها حين سمعت أنه توفي في حادث ترويض لأحد الثيران، لم ترد أن يكون موته سريعا، أرادته أن يتعذب مثلما تعذبت روح آلكا! لذا امتد حقدها نحو إبنه، ما دام يحمل نفس الكنية و الدماء، فعليه أن يدفع ثمن خطايا والده، على أحد ما أن يدفع!

21


"على أحد ما أن يدفع ثمن الخطايا!".

9


"عفوا سيدتي! هل أنتِ على ما يُرام؟ هل تريدين مساعدة ما؟".

+


   كرَّرت أولغا السؤال بقلق، و قد لاحظت منذُ مدَّة أن سيدتها تُكثر الشرب، و تستهلك السجائر أكثر من استهلاكها للأوكسجين! التهبت عينا إيفلين، و تحشرج صوتها، و صرخت بصوت مرعب، و هي تسدِّدُ قارورة الشراب نحو رأسها، لولا أن أولغا تنبَّهت لذلك، و تلافت الخطر بنجاح راكضة مجددا ناحية المطبخ! و ظلت تسمعها من هناك ماضية في كسر الأشياء من حولها و الصراخ:

1


"اللعنة على كل ما يمتُّ لآل كينغ بصلة! إن كان جوشوا قد نفذ مني و نجا بجلده، فابنه موجود، و لا بُدَّ أن يتذوق فرد من تلك العائلة إنتقامي! اللعنة عليهم جميعا! اللعنة على ذلك المستبد! لا أريد إلا أن يحترق هارولان كينغ لبقية حياته... مثلما احترقتُ أنا طوال هذه السنوات! لا أريد لقبر آلامه أن يُغلق مطلقا! لا أريد حياة خالية من تعاسته! لا أريد سوى الإحتفال على شرف عذابه! أريده أن يتحطم إلى ملايين القطع... هكذا... هكذا!".

21


   استمرت تلك الفوضى طويلا، الصراخ و تهشُّم الأغراض امتزجا ليصنعا موسيقى مرعبة، و كان بليك واقفا على الباب يراقب ثورتها المجنونة بصدمة جليَّة على وجهه، لم يجرؤ على الإقتراب منها و تهدئتها، إنها أسوء امرأة عرفها التاريخ، خاصة إذا استسلمت لغضبها، لكنه لم يرها أبدا من قبل تفقد صوابها على هذا النحو الخطير، إنها أشبه بلعنة الآن!

1



        
          

                
   تأكدت إيفلين أنها لم تترك شيئا يصلح للكسر بعد، حرفيا... دمرت صالونها الفاخر في لحظات! قهقهت بسخرية، و لكن... فيمَ سيهمُّ الثراء الآن؟ إنها شخصيا مدمرة إلى حد بعيد جدا، و لا شيء سينقذها من الفناء تحت أنقاض هذا الدمار سوى الورقة الأخيرة التي تبقت معها، عادت إليها ذكريات المقبرة في تلك الليلة، عندما كانت تراقب هارولان كينغ، و لمحته يحتضن الفتاة التي أفلتت من رايس قبلاً! الفتاة التي أكد بليك أنها تعيش في بيته و ترافقه إلى «ويندي هاربور» من حين لآخر، علاوة على حضورها جنازة شقيقته، و إمساكها يد الطفل طوال الوقت، لا ريب أنها مقرَّبةٌ من ذلك الكينغ إلى حد عميق! تنهدت و جلست ثانية على الأريكة، حسنا، ستواصل احتساء الشراب حين تطبق مصيدتها على عنق الطريدة، لوقت طويل و هي تسدد ضرباتها تجاه الأشياء التي تجعل هارولان كينغ متفوقا عليها؛ كقطعانه الغاضبة، و جياده الأصيلة، لكنها الآن ستختار هدفا أكثر حساسيَّة و هشاشة، إن كانت تنوي الإنتصار عليه هذه المرة... فالأجدر أن تستهدف ما يجعله إنسانا قابلاً للشعور بالألم الطاحن!

2


"بليك!".

+


   ضم يديه و أجاب بسرعة:

+


"أوامركِ أيتها الزعيمة!".

+


"هل لا زلتَ على مراقبتكَ لآل كينغ؟".

+


"طبعا! هل تريدين أن أتوقف عن ذلك؟".

+


"كلا!".

+


   فكرت مليًّا، ثم أردفت بخبث:

+


"ستتقلصُ مراقبتك لتشمل فردًا واحدًا فقط، ثم سنجتمع و نمرح قليلاً، و لنحرص يا عزيزي بليك ألا يرفع هارولان كينغ رأسه بعد هذا أبدا!".

+




+



+


   أمضى أوليفر قرابة النصف ساعة يقسم لتايلور أنه لا يتألم، و أن السيد كينغ أسعفه في الحال، فور وقوعه عن ظهر المارد، و كم كانت تلك الكذبة فعَّالة بحق، فقد صدقته خطيبته، بل صدقه الجميع، عدا ماريغولد طبعا، إذ ظلت تنظر إليهما بعينين ثاقبتين، هذا غريب! ركوب خيل؟ الآن؟ و على صهوة المارد تحديدا؟

1


"و لكن ما الذي دهاك عزيزي؟ حفل زفافنا أقرب من أسبوع... و انظر ماذا فعلت بنفسك!".

2


"كان حادثا تايلور، ثم لا أظنُّ أن الأيام الستة المتبقية على زواجنا غير كافية لشفاء وجهي، سأكون وسيما لا تقلقي!".

+


   زفرت تايلور، و أعادت مداواة جروحه بلطف و حذر، ثم علقت مازحة:

+


"آمل ألا يضايقك هذا... لكنك تبدو كمن سحقه ثورٌ متوحش!".

11


   عجزت آبي عن كتم ضحكاتها، و هي تتمنى لو أنها رأته يهوي من فوق المارد و يخرُّ على وجهه، فيما وافق هو تعليق خطيبته ضمنيا، فهارولان كينغ بالفعل كان كالثور أو أكثر توحُّشًا، إنه لا يزال لهذه اللحظة يشعر بنصف رأسه فقط!

+



        
          

                
   ادَّعى أوليفر المرح، و مضى قائلا:

+


"حسنا، المارد كما وصفتِه تماما حبيبتي تايلور، عنيف!".

+


   يا لبراعته في تقمص الأدوار! هكذا فكر هارولان و هو يحدجه بنظر حانق، إذن كما توقع... المفتش هاغان في النهاية يجيد إختلاق الأكاذيب بالفعل!

+


   اتخذ الجميع أماكنهم حول طاولة العشاء، لكن قلب ماريغولد لم يتخذ مكانه في أعماق صدرها، و إنما ظل على ثورانه منتفضا يروحُ و يجيءُ بنبضاته المسعورة على إمتداد كل شريان! كانت قد قلقت لغياب هارولان و أوليفر المشكوك به، حتى كادا يفوتا موعد المأدبة، و حين عادا جعل عبوسهما الجلسة الودودة تتحول إلى جلسة على الأشواك! لاحظت ماريغولد تورم يد هارولان الذي زاد عن ذي قبل، ثم لاحظت ذهاب لون أوليفر، و خجله من النظر إليها، و لم يتطلب الأمر تحليلات عبقرية لتدرك ما حصل في أطراف الحدائق، لا شكَّ لديها أن محاكمة ما تمت هناك! هذا الرجل عاقب ماكمان الذي حرمها بيتها بقسوة، فيا تُرى ما الذي فعله بأوليفر الذي هجرها و تركها وحيدة في أسوء ظرف ممكن؟! و لكن هل يعرف أساسا أنه هو؟!

1


   ظل هارولان يراقب ردودها عن كثب، يدرس ملامحها ليعرف كيف تشعر و ذلك الرجل يجلس أمامها بهدوء بعد كل شيء فعله، و لم تكن ماريغولد تُبدي شيئا مما يخالجها، غير أنه لمح في عينيها لمعة حزن تثبت انزعاجها من وجود خطيبها السابق على نفس الطاولة، و أنها مثله ترغب بانتهاء هذه المأدبة الثقيلة بأسرع وقت ممكن!

+


   انتبه ليده بعد فوات الأوان فأخفاها تحت الطاولة، و سمع لِيو يسألها ببراءة:

+


"صديقتي، لماذا لا تأكلين من خبز الشوفان؟ مذاقه رائع... جربي!".

+


   قرَّب الطفل قطعة الخبز من فمها، فابتسمت ماريغولد و تراجعت برأسها، و بينما هي على وشك الإجابة، انطلق صوتُ أوليفر محذرا دون يعي ما يقوله:

+


"أبعده عنها! إنها تتحسَّسُ من الشوفان!".

60


   خيَّم صمتٌ رهيبٌ على المكان، حتى أجزم الجميع أنهم يسمعون بوضوح صفير صراصير البريَّة، حدقت الأعين بأوليفر، فابتلع ريقه، و أيقن أنه في ورطة حقيقية، تعرَّق بشدة و هو يلتفتُ لتايلور المندهشة، و يحرِّفُ كلامه بشكل يجنِّبه المصيبة التي تتربَّصُ به:

1


"أعني... لعلَّها تعاني حساسيَّة تجاه الشوفان، الكثيرون... يعانون من هذا!".

1


   رسمت تايلور ابتسامة مترددة على شفتيها، و تابعت تناول طعامها باضطراب، حدست شيئا غريبا يدور حولها، لكنها لم تعرف ما هو! أما هارولان فقد تجمدت روحه في الأعماق، و تجلدت، و سقطت نحو هاوية سحيقة لتنكسر إلى قطع حادة، و صارت تلك القطع تطعنه كيفما بدا لها! و بات الطعام في حلقه أشبه بحمم بركانية تهوي داخله لتذيقه طعم الإنصهار! شعر أنه لا يزال بعيدًا عنها، و هذا الرجل الذي تركها و لم يتحرَّج من ملء فراغها لا يزال قريبا منها رغم كل شيء! كم يجهل عنها من أشياء مهمة يعرفها ذاك الأخرق؟ كزَّ على أسنانه بقوة، و ترك الطاولة متمتما بوجه خالٍ من التعابير:

13



        
          

                
"لدي عمل مهم!".

+


   انصرف باتجاه مكتبه، فتركت آبي أيضا مجلسها مكتفية بذلك القدر من الطعام، قائلة أنها تتبع حمية خاصة، و سارت باتجاه البيت، لتعلن تايلور باهتمام:

+


"أظن أنني شبعتُ أيضا، سأرى ما إذا كان السيد لي يملك وصفة أعشاب تنفع مع جروحك حبيبي!".

+


   ابتعدت تايلور، فلحق بها لِيو معلنا أنه يريد سؤال السيد لي أيضا إن كان قد تمكن من حل أحجية هذا الصباح، فحذرته ماريغولد مبتسمة:

+


"لا تركض عزيزي فقد تتعثر و تقع!".

+


   بينما كان أوليفر يحدق فيها بتركيز، فكرت ماريغولد في غضب هارولان الذي رأته بوضوح، لقد أصبحت تقرأه الآن ببراعة، تعرف متى يستاء و متى يفرح، و منذ قليل كان على قاب قوسين من الإنفجار غيظا، تُرى هل اكتشف حقا من يكون خطيب تايلور؟ و هل ضربه بالفعل؟ لا ريب في ذلك! ما ألحقه بمهرة لِيو كان فظيعا، المهرة لا تزال لتوها في عيادة الدكتور أوكلي تخضع لعلاجها الخاص فقط بسببه! و الأسوء أن الأمر يتعلق الآن بقلب تايلور! إن استسلم هارولان لغضبه و طرد أوليفر سيُلغى قرار إقامة الحفل هنا تلقائيا، و ستتحطم تلك العروس المتحمسة لزفافها، كما أنها ستسأل حتما عن سبب الخلاف، و هذا قد يسبب إلغاء الزفاف بأكمله! لا لن تسمح له بهذا! 

+


   نهضت تسير باتجاه المكتب، فأسرع أوليفر بإعتراض طريقها قائلا:

+


"مهلا! ميغ، علينا التحدث!".

10


   سخرت بشكل آلمه:

+


"لم يعد الوقت مناسبا لا لهذه التسمية الحميمة و لا للتحدث بأي شيء أيضا سيد هاغان!".

+


   حاولت التحرك، فوقف أمامها من جديد ممسكا كتفيها، و أردف:

+


"مهلاً... لا تذهبي رجاءً! فسِّري لي ما يحدث هنا! لأنني أكاد أفقد صوابي! كيف أصبحتِ تعيشين في بيت هذا الرجل المتوحش".

4


   أزاحت يديه عنها، و تراجعت إلى الخلف مبتسمة بألم:

+


"لقد فقدت الحق في طلب أي تفسيرات منذُ تلك اللحظة التي رحلت فيها عني! لكن دعني أقول لك أمرا واحدا... هذا الرجل الذي تسميه متوحشا هو أكثر الناس نُبلاً، يكفي أنه إستضافك و سمح بإقامة زفافك في مزرعته!".

+


   تقلص وجهه، و أوضح صوته حجم تعاسته و هو يقول بندم حقيقي:

+


"أنا آسف بحق ماريغولد! لقد أمضيت أسابيعا مريرة و أنا ألوم نفسي على ذلك الخطأ، هل ستصدقين أنني عدتُ في ذلك المساء باحثا عنكِ، لكنني أضعتُ المكان الذي وقع فيه الحادث، و ظللت أتخبط في الغابات مدركا أنني أكبر أحمق في هذا العالم، و أكبر جبان أيضا... لأنني رأيت رجال كينغ يبحثون عن الطفل الضائع، فرضختُ لخوفي و فررتُ! لم أتخطاكِ أبدا، حتى العروس التي اختارتها أمي وافقتُ على الإرتباط بها فقط لأنها تحب الطبيعة و الحيوانات، فقط لأنها لطيفة و رحيمة مثلك! لم أكترث لإسم والدها المرموق كما اكترثت أمي! كل ما فيها ذكرني بكِ، أنتِ لم تخرجي مني بعد يا ميغ، لا زلتِ بطريقة ما في أعماقي!".

20



        
          

                
   أشفقت ماريغولد عليه، و تحركت عاطفتها، لم تشعر كما يفترض بأي خطيبة سابقة أن تفعل، لم ترَه كحبيب عائدٍ إليها نادما؛ إنما رأته مجرد صديق غبي و أحمق إرتكب خطأ في حق صديقته المقربة... و جاء ليعتذر! استعاد أوليفر شيئا من احترامه في نظرها، فالإعتراف بالذنب و الإعتذار أصعب شيئين قد يقدم عليهما المرء! لذلك و بكل طيبة ممكنة في كيانها ابتسمت له و صافحته متمتمة:

8


"أنا بالأساس... سامحتك منذ مدة، كل ما في الأمر أن بعض الجروح تستغرق وقتا لتندمل و تُشفى، حتى أن منها ما تستغرقُ سنينًا و لا يهدأ ألمها و لا يجف نزيفها!".

1


   سافر خيالها إلى جروح هارولان التي لم تُشفَ بعد، ربما تجاوز جرح شارلوت بيل، لكن جروح والديه يصعبُ تجاوزها لأنها أعمق و أكثرُ وخزًا و أبلغ أثرًا! ارتمى عليها أوليفر غير مصدق، احتضنها كما كان يفعل قبل خطوبتهما حتى، حضن الأصدقاء النقي من أي شيء آخر! و ردد في أذنها:

12


"شكرا لأنك طاهرة الروح! أنتِ أجمل شخص عرفته في حياتي، عفوك هذا أنقذ سعادتي، و خلصني من عذاب الضمير الذي نهشني طويلاً!".

+


   ربتت ماريغولد على ظهره بطيبة، و لم تكد تقول شيئا، حتى فاجأهما صوت جليدي من الخلف:

3


"ما الذي يجري هنا بالضبط؟".

13


   كانت تايلور تقف على بعد خطوات فقط تشاهد ذلك الحضن البريء و عقلها يعمل على تحليله بمفاهيم أخرى خاطئة، عقل المرأة في ظروف مشابهة يعمل أسرع من محرك سيارة البوغاتي!

8


   حاول أوليفر شرح الموقف بالكذب بعد ابتعاده عن ماريغولد، لكن هذه نظرت إليه محذرة، و فهم هو الاشارة الصامتة، في النهاية الكذب لا ينفع طويلا، و الصدق سيكون دعامة جيدة لعلاقته مع تايلور، أجلى حنجرته و قال بحذر:

+


"لقد كان بيننا خلاف، و لحسن الحظ سويناه".

+


   سألت بحيرة:

+


"متى كان هذا الخلاف و قد تعارفتما للتو فقط؟".

+


   ابتلع أوليفر ريقه بغصة، و أجاب بوجه متضرج:

+


"ليس صحيحا! ماريغولد كانت جارة لي في «ويندي هاربور»، كانت صديقة مقربة و ...".

+


"و ماذا؟".

+


"و خطيبتي السابقة أيضا!".

+


   كان الذهول كل ما ترجمته ملامح تايلور، تمزق قلبها ألما و هي تسأله دامعة العينين:

+


"لماذا إذن إدعيت عدم معرفتك بها قبل قليل؟ الآن فهمت كيف عرفتَ أنها تتحسَّسُ من الشوفان! كنت تخدعني طوال العشاء!".

+


   نظرت إليهما باتهام صريح، و صرخت:

+


"بل كنتما تخدعانني! كلاكما مخادعان! كذبتما علي!".

+


   ركضت تايلور ناحية البيت، تكاد لا تتبين طريقها بسبب الدموع، تحرك أوليفر فورا للحاق بها، غير أن ماريغولد منعته قائلة:

+



        
          

                
"لن ينفع أي شيء تقوله لها الآن، يجدر بك أن تتجه إلى غرفتك و ترتاح، سأتولى أنا شرح الأمور لها!".

1


"هل أنتِ واثقة من قدرتكِ على ذلك؟ ربما لن تسامحني أبدا، آه، أنا لن أكون أبدا رجلا مناسبا لأي امرأة!".

4


   طمأنته بلطف:

+


"دع الأمر لي أوليفر، كل ما عليك التفكير فيه الآن هو كيف تكون شخصا مسؤولا و صادقا معها في قادم الأيام!".

3


   شكرها مجددا، و اختفى مطمئنا داخل البيت، في الوقت الذي كانت تايلور تجهش بكاء على كتف آبي، و تشكو لها فظاعة ما رأته و سمعته، طرقت ماريغولد الباب بعد لحظات، ففتحت لها آبي، و رمقتها بنظرة حادة، لكن ماريغولد تفهمت ذلك، و تجاوزتها نحو تايلور قائلة:

2


"يجب أن نتحدث آنسة كراوفورد، يجب أن أشرح لكِ بعض الأشياء!".

+


   صاحت بها و نشيج البكاء لا زال يهز صدرها:

+


"ماذا ستشرحين آنسة موران؟ ما خالجكِ و أنتِ تحتضنين الرجل الذي سأتزوجه بعد أيام قليلة! الخلاف الذي كنتما تسويانه! أم الخطوبة التي أخفيتماها على طاولة العشاء بالأكاذيب!".

+


   تألمت ماريغولد من قسوة الإتهام الموجه لها، لكنها أجابت بثبات:

+


"لم أكشف معرفتي المسبقة به، لأنني رفضت إحراجه أمامكِ، انتظرت أن يصارحكِ بنفسه، و ها قد فعل، أما بخصوص احتضانه لي، فقد كان ذلك رد فعل عفوي، كان أوليفر يشكرني فحسب لأنني غفرتُ له خطيئته بحقي!".

+


   جففت تايلور دموعها، و تساءلت بقلق:

+


"ماذا تعنين بالخطيئة؟ ماذا فعل ٱول لكِ؟ هل كان انفصالكما نتاج خطيئة قام بها؟ رجاءً آنسة موران أخبريني لماذا انفصلتما؟ هل أوليفور هاغان شخص سيء؟".

1


   لم تكن ماريغولد متأكدة من مدى صواب هذا، لكنها عجزت عن إبقاء الأمر سرًّا، و مضت تسردُ بإيجاز ما جرى في الغابة آنذاك، جحظت عينا الفتاتان و هما تسمعان شيئا أشبه بالخيال، أخيرا عرفت آبي سر سجن هارولان لصاحبة الورود في إصطبل المارد! إذ لم تسمع القصة الكاملة بحذافيرها من قبل، لم تتوقع أبدا أن تكون هذه المزارعة قوية و طيبة إلى هذا الحد، لتخرج سالمة من تلك التجربة القاسية، و تقف الآن مدافعة بنُبلٍ عن الرجل الذي خذلها! فيما استنكرت تايلور ما تسمعه، و علقت بخوف:

+


"كيف استطاع ذلك؟ كيف رحل عنكِ بتلك السهولة؟ أهذا حقا الرجل الذي سأرتبط به لبقية العمر؟".

1


   استأنفت ماريغولد حديثها مبتسمة بسماحة:

+


"لقد أخطأ نعم، رحل عني نعم، لكنني أنا من دفعته لذلك، كان يعرف أنني عنيدة و لن أترك لِيو و مهرته، جرحتُ كبرياءه بعنادي، و كسرتُ قلبه أيضا لأنني كنتُ سبَّاقةً لانتزاع خاتمه من يدي، أنا لستُ ملاكا، و هو ليس شيطانا، أعني لا أحد منا شيطان أو ملاك بالكامل، جميعنا نخطئ في لحظة ما؛ لكن... نادرون فقط من يعترفون بالخطأ و يطلبون الصفح، و أوليفر كان شجاعا و قويا ليفعلها، كان يعتذر مني منذ لحظات، و قد صفحتُ عنه، لذا... لا تعاقبيه من أجل شيء مضى، ثم إنه لم يكذب إلا لخوفه من انزعاجكِ و هجركِ له، أعتقد بعد كل ما حدث أن أوليفر تعلم درسه، و سيعرف كيف يعتذر منكِ على كذبته... بكل صدق و إخلاص!".

3



        
          

                
   حتى آبي تأثرت بذلك الكلام، و وافقتها مردفة:

+


"لأكون صريحة... أنا لا أطيق أوليفر، لكن صاحبة الورود محقة، لا أحد من الرجال يعترف بخطئه إلا إذا كان شخصا شهما، ربما تعلم درسه بالفعل، و قرَّرَ أن يتغير! هيا... جميعنا نستحق فرصة ثانية تايلور".

1


   تفرست فيهما تايلور بحيرة، ثم ابتسمت بارتياح، و هي تمسك يد ماريغولد خجلة:

+


"أعتذرُ بشدَّة آنسة موران، قلتُ لكِ كلاما قاسيا!".

+


   شدَّت الأخرى على يدها بروح متسامحة و ردَّت:

+


"لا بأس، أنا امرأة أيضا، لذا أتفهم ما مررتِ به!".

+


   غادرت ماريغولد غرفة الآنسة كراوفورد مليئة بالإنشراح، لكن مهمتها لم تنتهِ بعد، لا يزال عليها إقناع السيد كينغ بعدم الإنجراف مع غضبه، و الحقد على خطيبها السابق، و لعل هذه أصعب المهام على الإطلاق! سارت بقلق بين الأشجار، مرَّت بالقرب من شُجيرة القطيفة، فلمستها كأنها تبتهلُ لها أن تساندها في مسعاها، و ها هي الآن تطرق باب مكتبه ببطء. 
ترك هارولان أدوات النحت خاصَّته، و رفع رأسه ناظرا باتجاه الباب، لا يمكنه أن ينكر تحرك أشياء كثيرة فيه كلما سمع الطريقة التي تطرق بها بابه، أجل، هذه هي... المزارعة!

+


"تعالي!".

48


   كانت تلك الكلمة غريبة، لطيفة و قاسية في آن واحد، مفعمة بمشاعر غامضة يكتنزها هارولان كينغ، ذلك الرجل الذي رأته يجلس بوقاره المعهود خلف طاولة مكتبه، ينحتُ شيئا ما! كم كان مليئا بالقوة و الجمال! و الحزن أيضا! للحظات ظلت في مكانها بعدما دلفت و أغلقت الباب، كأنها تنتظرُ أن ينظر إليها بعينيه القاتمتين، أدرك ذلك، و تساءل لماذا تخشبت كتمثال هناك، فترك عمله ثانية، و رمى بصره نحوها متأملا جمودها، ها هي نظرة التحدي مرة أخرى، و ها هي عواطفها تقفز من عينيها البنيتين!

+


"اقتربي!".

19


   فعلت ذلك ببطء، و تبينت الشكل الذي يعمل عليه، كان ينحت حصانا مذهلاً، أمسكت أنفاسها و هي تعدد التفاصيل الرائعة التي يبرزها خلال عمله الفني، أدهشها ذلك، و فكرت أنه شخصٌ مرهف الحس من الداخل، لولا ذلك السواد الذي تراكم عليه طيلة هذه السنوات! خاطبها متتبعا حدسه:

+


"هيا تكلمي! بأي شيء ستقنعينني هذه المرة؟".

17


   ابتسمت بعمق، على الأقل هو الآخر يستطيع قراءتها! التفَّت حول المكتب و وقفت قريبة جدا منه، لمست بأناملها منحوتة الحصان، فسألها باهتمام:

+


"هل أعجبتكِ؟".

+


"كثيرا!".

+


   جعله ذلك يشعر بلذة غريبة، راقب انتقال أناملها إلى يده المتورمة، و سمعها تهمسُ له:

+


"لا ريب أنك عرفت من يكون! لكن هل كان يجب أن تبرحه ضربا مثل ماكمان؟".

+


   رفع رأسه محدقا بوجهها، و الآن لِمَ هي مستاءة؟ ألم يفعل ذلك من أجل عينيها اللتين بكتا في الغابة؟ ألم يشوه وجهه لأنه شوه الكثير من ذكرياتها؟ ألم تخبره حين ٱحتُجِزَ معها في الإصطبل أنها كانت ترى ذلك الشرطي بطلاً قبل أن يحرق بطولاته بتخليه عنها؟ لو أنها طلبت منه أن يحرقه حيًّا لما تردَّدَ على الإطلاق! لكنها لم تفعل، بل قالت له بكل رقَّة:

2



        
          

                
"لقد سامحته، سامحه أنت أيضا سيد كينغ!".

3


   إنها تطلبُ شيئا صعبا للغاية، كيف يسامحه؟ ربما صفح عنه و لم يمحه عن وجه الأرض، لكنه في أعماقه لا يملك قدرة على أي مسامحة، لقد كان ذلك الهاغان الأخرق سببا في سجنه لها ظلما بالإصطبل! و هذا ما لن ينساه أبدا، هذا ما سيلوم نفسه عليه لوقت طويل جدا، و ربما لبقية العمر!

3


   أشاح عنها مدعيا عكس الحقيقة:

+


"ما الذي يجعلكِ تفكرين أنني ضربته؟ ألم تسمعي قصة وقوعه عن ظهر المارد؟".

1


   ضحكت معقبة:

+


"حسنا، لن ينطلي هذا علي سيد كينغ!".

+


   عاود التحديق فيها مستغربا، فتابعت قولها كاتمة قهقهة عالية:

+


"لو أنه امتطى المارد حقا، لاستغرق غيابكما وقتا أطول، و لكان وضعه أسوء بمراحل!".

1


   برقت عيناه بشكل جميل، بينما أضافت و هي لا تزال تلمس يده بهدوء حتى لا تؤلمه:

+


"وجهه أوحى لي أنك كنتَ رحيما به! شكرا لأنك رحيم رغم غضبك، لأنك تجعلني أشعر بأن هناك جبلاً عظيمًا يقف خلفي و يحميني، و شكرا أيضا لأنك لم تسبب له عجزًا لأسابيع مثل ريك جونسون، شكرا لأنك تحاولُ التحرُّرَ من سوادك رغم صعوبة الأمر! و الآن... سأكون شاكرةً أكثر لو أنك تلبي لي طلبي!".

4


"مسامحته؟ يستحيل هذا!".

+


"ألست رجل المستحيلات؟ ألا يمكنك أن تنظر إلى تايلور التي سيتحطم قلبها إن تراجعت عن إقامة حفل الزفاف هنا؟ أنسيتَ أن لِيو تحمَّس للفكرة؟ بل و اختار البدلة التي سيرتديها!".

1


   هي أيضا أرادت حضور الحفل و لهذا سيتحمل وجه ذلك الأخرق! تأملها صامتا، كانت نظرتها واسعة و بريئة، أثرت عليه بالفعل، و شعر كم هي جميلة بأعماقها أكثر من ظاهرها، العين تحب الجمال، لكن الروح عندما تشعر بجمال روح أخرى تعيشُ سلامها الحقيقي! فكر قليلا ثم ترك مجلسه، و أصبح ينظر إليها من علياء قامته قائلا:

+


"لم أقل شيئا كهذا، أنا لا أنوي إلغاء قراري، لو كان الأمر كما تظنين، لطردتُ المفتش في نفس اللحظة التي عرفت فيها من يكون!".

+


   كان سماع ذلك مريحا بالنسبة لها، أولاها ظهره و نظر عبر النافذة إلى بعض شجيرات الورود التي زرعتها حول مكتبه، فانسحبت ماريغولد بهدوء معتقدة أنه ملَّ تمطيط ذلك الحديث أكثر، و عند الباب أرادت أن تلتفت و تنظر إليه ثانية، لكنها تحكمت بنفسها، و تقدمت خارج المكتب بسرعة.

2


   في غرفة لِيو تعاون السيد لي و ماريغولد على حل الأحجية الصعبة كما تعودا دائما، و كان الجواب في النهاية كلمة الحب، علق لِيو مستغربا:

+


"كل هذا التعقيد من أجل كلمة سهلة كهذه؟".

+


   ابتسمت ماريغولد مداعبة وجهه، في حين تجلَّت الحكمة على قسمات السيد لي حين ردَّ بغموض:

+



        
          

                
"هل يمكن لأي شيء أن يكون أكثر تعقيدًا و بساطةً من الحب؟".

+


   لم يفهم الطفل، و كعادتها لم تستوعب ماريغولد أبعاد كلماته، حسنا، لعل الكلمات واضحة، غير أن المعنى بعيد... بعيدٌ جدا! على ذلك النحو غادرهما كبير الخدم ليخلد إلى الراحة، بينما توسَّل لِيو صديقته كي تقرأ له بعضا من رسائل أمه، فوافقت مسرورة، و لم تكن حينها تدري أن هارولان أتى من مكتبه، و توقف أمام غرفة الطفل ليطمئن عليه، فسمع همهمتها، و فتح الباب ببطء ليتأكد من بالداخل، بدأت ماريغولد القراءة قائلة على لسان شارلوت بيل: «مرحبا يا حبيب أمك! هذا عيد ميلادك الثالث! لا أعرف كيف تبدو الآن؟ و لا إذا كنت قد بدأت النطق أم تأخرت كبعض الأطفال! و لكني متأكدة أنك ألطف و أجمل طفل في العالم بأسره! قمتُ اليوم بدهن بيتي بلون خمري يشبه بشرتك الرائعة، و هل تعلم ماذا؟ علقتُ صورتك و أنت جنين في بطني إلى جانب سريري، حتى أراك كلما استيقظت و كلما رمتُ النوم! و هل تعلم ماذا أيضا؟ كل شهرٍ أضعُ علامات على ذلك الجدار مفترضةً طولك الجديد، أعتقدُ أنك ستكون شديد الطول مثل أخي! سأرى هذا من مكان ما...» ترقرقت عينا ماريغولد بالدموع و ارتجف صوتها قليلاً، لكنها تابعت مقاومة نفسها: «... البيتُ هنا مليءٌ بك، لأنني دائما أفكر فيك، لأنك حاضرٌ بقلبي و عقلي يا عزيزي! لهذا فقط يبدو بيتي جميلاً! لأنك روح هذا البيت يا قلب أمك!».

26


   في نهاية الرسالة، سأل الطفل حائرا:

+


"صديقتي، ماذا يعني أنني روح البيت؟".

+


   طوت الرسالة و دستها داخل مظروفها مجيبة:

+


"يعني أنك موجودٌ معها رغم غيابك، موجود في أفكارها و مشاعرها! هكذا أشعرُ دائما، بعد وفاة أبي، ظل البيتُ مليئا به، ظلت الزوايا التي تحمل أغراضه تشعرني بوجوده حولي دائما".

+


   خفض الطفل رأسه بأسى، و تمتم متلمسا المظروف:

+


"ليتني امتلكتُ زوايا تحمل أغراضها أيضا! لكنها عاشت في بيت بعيد عن بيتنا هذا!".

+


   فهمت ماريغولد أساه، و ربتت على يده بلطف لينام نافضا عنه الأحزان، و اقترحت أن تسرد عليه قصة ما قبل النوم لينسى مآسيه، فوافق مسرورا، عندها قرر هارولان أن يواصل طريقه نحو غرفته؛ لكن ما سمعه تاليا شده للوقوف على الباب أكثر!

+


"هل تذكر يا عزيزي قصة الساحر الذي احتجزني في الظلام؟".

+


"أجل، أليس نفسه الساحر الشرير الذي تحطم إلى قطعٍ صغيرة؟".

+


   أومأت ماريغولد مبتسمة و هي تداعب حاجبه، ثم نظرت إلى الفراغ متخيلة وجه هارولان، و قالت بعذوبة:

+


"كنتُ أجمع قطعه المتناثرة، لأعيده إلى الحياة من جديد!".

1


   اندهش هارولان مما يسمعه، هو الآخر لم ينسَ تلك القصة التي جعلته يتميَّزُ غضبا من قبل، لكنها الليلة تجعله يشعرُ بسكينة عجيبة، سأل لِيو بعينين واسعتين:

+



        
          

                
"لماذا؟".

+


"لأنه ليس شريرًا كما ظننت، كان فقط محتجزًا في الظلام! و حين أنتهي من جمع قطعه و إعادتها لمكانها، سيتحرر!".

+


   تحرك هارولان ببطء صوب غرفته، أغلق الباب على نفسه، و أخذ حماما طويلا، ليرتدي ثيابه بعدها، و ينزل إلى المطبخ، لم تغادره كلماتها بعد، كان واضحا أن الوقت تأخر، و السيد لي نائم، و هو الآن بأشد الحاجة للقهوة، كلا! إنه يتضور جوعا، صحيح، لم يستمتع بشيء من طعام العشاء، كأن تلك كانت مجرد مأدبة على شرف عذابه! ألقى رأسه داخل الثلاجة، فوجد مرق العجل و العديد من العلب المتبقية من العشاء، لكنه تكاسل عن تسخينها في الميكروويف، فصفق الثلاجة بتضايق مكتفيا ببعض السلطة، ربما هذا أفضل من لا شيء! تمتم بذلك و هو يتهيأ ليتخذ له مجلسا، قبل أن يصبح المطبخ فجأة مليئا بعطر تلك المزارعة، و هذا ما جعله يفكر بصوت مرتفع:

6


”كيف أتخيل رائحتها بهذا الشكل؟“

+


   حدثته ماريغولد التي وقفت على الباب للتو:

+


"عن أي رائحة تتحدث سيد كينغ؟".

+


   تجمد للحظات، ثم وضع الصحن على الطاولة و ردَّ بجفاف:

+


"السلطة".

48


   وجدت ذلك غريبا و مضحكا، هل هو مهووس بالسلطة إلى هذا الحد؟ تقدمت و سكبت لنفسها بعض الماء، ففتح الثلاجة ثانية باحثا عن المخلل الذي تعده هانا دائما، كان مطبخ بيت كينغ كبيرا، لذا كانت به عدة ثلاجات من مختلف الأحجام، سألته باهتمام:

+


"هل تبحث عن شيء معين؟ يمكنني مساعدتك".

+


"و هل تعرفين أين تضع هانا المخلل؟".

+


"بالطبع أعرف! البرطمانات المخللة تضعها هانا على حدًى!".

+


   قالت ذلك بثقة، و توجهت نحو ثلاجة أخرى أصغر، فتشت داخلها لثوانٍ معدودة ثم منحته ما يريد.

+


"يبدو أنك تعرفين الكثير عن مطبخ بيتي أكثر مني!".

+


   قال ذلك باندهاش، فعقبت بتواضع:

+


"أشغل أحيانا مكان ساري حين تتعب من العمل بسبب الحمل! لذا حفظت بعض القواعد و الأسرار!".

2


   كم هي إنسانة رائعة! التقط تفاحة من سلة الفواكه الموضوعة فوق الطاولة، و قدمها لها في المقابل، و كان ذلك رمزا خاصا بينهما، تماما كالقهوة! تذكرا معا تلك الليلة في الإصطبل، حين قدمت له التفاحة، ابتسمت قائلة:

+


"شكرا، لستُ جائعة!".

+


   تذكر أنها أكلت على العشاء مثل العصافير بسبب وجود أوليفر، فعلق مستمتعا بقراءته لها:

+


"هل تعلمين أمرا؟ أحبُّ أكاذيبكِ المُفتضحة، لأنني أكشفها بسهولة!".

3


   تعمقت ابتسامتها، و لمعت أسنانها، فقبلت منه التفاحة، تلك الليلة أيضا قالت أنها ليست جائعة، و مع ذلك لم يصدقها، و وصفها بالكاذبة، كان آنذاك قاسيا، أما الآن بات حنونا بشكل يثقل حواسها! وضعت التفاحة جانبا، و بدأت بإعداد قهوة دون أن يطلب ذلك، فتساءل بعدما أطل على قعر صحنه الفارغ من السلطة:

+



        
          

                
"كيف تعرفين أنني أريد قهوة؟".

+


   التفتت له باسمة، ثم ردت فيما تبحث عن فنجان له:
"سٱبقي هذا سرًّا!".

+


   نظر نحوها بدهشة، و سمع رقرقة القهوة المسكوبة، وضعت الفنجان أمامه و جلست مثله إلى الطاولة، ثم قطعت التفاحة إلى نصفين، و أعطته شطرها محتفظة بالآخر، و سرعان ما بدأت تقضمه، حتى قال ساخرا:

+


"عدد التفاح في كينغلاند يكفي جيشا بأكمله! لو كنتُ أرغب لمنحت نفسي ثمرة أيضا".

+


"لا بأس، أعلم أن هناك غيرها، لكن لا ضير في أن نتشارك هذه، أنت منحتني ثمرة كاملة، و أنا أحببتُ أن يكون نصفها لك!".

+


   لم يمد يده، فاقتربت و وضعته أمامه، ثم تناولت قضمة أخرى مستمتعة بمذاقها، أخذ رشفة قهوة، و انتبه أنها لم تسكب لنفسها!

+


"أين فنجانُكِ؟".

+


"لم أعد الكثير منها! أعتقدُ أن البنَّ نفذ! أو ربما لم أبحث جيدا".

+


   دفع الفنجان نحوها متمتما بكلماتها:

+


"يمكننا أن نتشارك هذه إذن!".

21


   ترددت قليلا، ثم رضخت لإصراره، و أخذت رشفة، دافعة الفنجان نحوه ثانية، فراق له أن يلمح أثر شفاهها على حافة الفنجان، و تعمد أن يتخذ تلك النقطة بالذات موضعًا لشفتيه، و هكذا استمرا لدقائق، حتى نفذت القهوة، و كان ذلك ألذ شيء يتذوقه هارولان في حياته، ليس طعم القهوة، بل طعم الرِفقة!

42


"هل نذهبُ غدا لإتمام إجراءات إستعادتكِ للبيت؟".

+


   اتسعت عيناها فرحا، و وافقت بسرعة دون تفكير، فاستقام عن الطاولة، و أضاف قبل أن يغادر المطبخ:

+


"غدا في الثامنة صباحا!".

+




+



+


   قلَّب مدير جمعيَّة «الأمل لرعاية الأيتام» جوزيف زيغلر الأوراق التي بين يديه، و علق معجبا:

+


"سيرتُكِ الذاتية مذهلة آنسة موران! و الجيد في الأمر أن عائلة والدتكِ مرموقة، و لطالما ساهم أجدادكِ في الأعمال الخيرية!".

+


   كانت تجلس قبالته إلى جوار هارولان، نظرت في عيني المدير مستفهمة، و تساءلت:

+


"ماذا تعني بأن عائلة والدتي مرموقة؟".

+


   رفع زيغلر حاجبيه، و قرأ الإسم من أوراقها الثبوتية بجهر:

+


"روز ماكنمارا و جاكسون موران! أليسا هذين الإسمين الكاملين لوالدتكِ و والدكِ؟".

+


"بلى!".

+


   أجابت ماريغولد، فتابع زيغلر:

+


"وفق التقارير التي معي، آل ماكنمارا أثرياء، و من الطبقة الراقية في البلاد، فضلاً عن مشاركاتهم المستمرة بأعمال الخير، خاصة لفائدة جمعيات الأيتام، و هذا سيجعلكِ أهلا لإدارة مشروع بيت الأيتام الذي تحضرين له، سنرسلُ شخصا خبيرا يعاين البيت الذي خصصتِه لهذا الهدف النبيل، لكن ليس على الفور، سنتصل بكِ في حينه!".

+



        
          

                
   عندما غادرا مكتب ذلك المدير، و ركبا السيارة، تذكرت ماريغولد كيف تركا المزرعة هذا الصباح، و أتما الإجراءات، لتصبح مجددا مالكة البيت الذي قضت فيه طفولتها، ثم اقتراح هارولان زيارة هذه الجمعية، و مناقشة فكرتها مع المدير، لكنهما زارا بيتها أولا، أين أخذته في جوله بين أغراض طفولتها، و ثيابها القديمة، و الأثاث الذي اشتاقت له، حتى الغبار الذي تراكم على الأشياء كان مقدسا! كان الواضح أن ماكمان لم يستخدم البيت مطلقا، و اكتفى بتشميعه حتى لا تدخله من مفتاح إحتياطي، كأنه أراد فقط تمزيقها عن روح البيت!

+


   سحبته من يده نحو غرفة صغيرة كانت تسميها المدرسة، حيث علقت صبورة تقليدية على أحد الجدران، و نصبت أمامها طاولة خشبية بكرسيها، رائع! لا يزال هناك طبشور قديم على الرف! من يدري متى ٱستخدم ذلك الطبشور؟ التقطته و راحت تكتب به بعض الحروف، ثم وضعته بيده ليكتب أيضا!

1


"أنا لا أجيد ذلك!".

9


"أعرف! أنا أيضا لم أكن أجيد امتطاء الخيل، لكنني عندما سمعتُ بالحريق تشجعتُ و فعلتها، الأمر لا يحتاج مهارات خاصة، إنه فقط يتطلب رغبة!".

+


   تناول منها الطبشور، و حاول تقليد الحروف المكتوبة أمامه، و كم كان خطه رائعا! ثم سألها ما الذي كتبته فأجابت:

+


"شكرا!".

+


   استرجعت الطبشور ماحية ما كتباه، لتخطَّ من جديد حروفا أخرى، ثم تمتمت معيدة إليه أداة الكتابة:

+


"و هذه... «آسف!»، سنكتبُ أيضا «صباح الخير» و «عمتَ مساءً» و «كيف الحال» و غيرها... مما ستحتاج استخدامه يوما ما!".

+


   أطاعها هارولان في كل ذلك، ليس لأنه رغب حقا بالكتابة، بل رغب بتتبع أي مسار ترسمه له، لم يبعد عينيه عنها، لم يشأ التوقف عن الكتابة، لكن الوقت داهمهما، و حان موعد اللقاء مع المدير، ثم بعد ذلك اللقاء غرق كل منهما في تفكير عميق! فماريغولد مثلا كانت غير قادرة على تجاوز ما علق في عقلها، و هو ما قاله جوزيف زيغلر عن عائلة أمها، لماذا لم يخبرها جاك شيئا عن ذلك؟ 

+


   فكرت بصوت عالٍ:

+


"هذا غريب! لم يذكر أبي أي شيء بخصوص عائلة أمي، كل ما أعرفه أنهما كانا وحيدين في هذا العالم عندما وقعا في الحب و تزوجا!".

3


   كان هارولان يسبح في عالم آخر، يقود السيارة نحو المزرعة بجسد فارغ من كل شيء، كأنه ضائع!
ترجلا من السيارة، و كررت ماريغولد شكرها له، فلولاه ما كانت لتسترجع بيتها، و لا كانت ستنجح في طرح فكرة مشروعها بهذه السرعة! حدق فيها هارولان بصمت، فقط هكذا دونما أدنى كلمة، و استمر تحديقه المستغرق، كما لو أنه يخشى أن تتلاشى من أمامه في أي لحظة! كأن الزمن سيسرقها منه! رفع يده ملامسا بها خدها في رقة جميلة، ثم انسحب كما ينحسِر الموج عن الشاطئ!

7



        
          

                


+


   في ذلك المساء طافت ماريغولد حول النباتات التي تُسقى ما بعد الظهر ترويها حتى لا تجففها حرارة الشمس، و كانت خلال ذلك تدندن لحنا جميلا، شعرت باقتراب أحدهم، فالتفتت متحققة، و إذا به أوليفر يبدو بحاجة للفضفضة، و ما إن سألته عن خطبه، حتى أخبرها فورا أن تايلور تتحاشى اللقاء به منذ أمس، و أنه لن يستطيع الإعتذار منها على هذا النحو، ضحكت و انحنت تقطفُ وردة جوريَّةً حمراء، من الجوري الهولندي المميز، ثم منحته إياها متمتمة:

+


"هذا ليس سوى دلال النساء! ربما تنتظر منك اعتذارًا مناسبا، مع وردة مثلاً!".

+


   تشجع متناولا الوردة، و ربت على كتفها قائلا:

+


"أنتِ الأروع ميغ!".

+


   انطلق بعد ذلك فورًا نحو خطيبته ليمسح عبوسها بطريقة رومانسية، و كاد يصطدم بهارولان لولا أنه تدارك خطواته معتذرا منه، على أن هارولان لم يهتم لا به و لا باعتذاره، كان جل اهتمامه منصبا على الوردة الحمراء التي بين يديه، ثم انتقل بصره الحاد نحو المزارعة، حاولت ماريغولد محادثته، لكن الغريب أنه تجاوزها كأنها سراب، و سار لمسافة طويلة، كأن السير يُنسيه ما شعر به قبل لحظات، هل يحترق المرء بهذه البساطة فقط لأن فتاة منحت خطيبها السابق وردة؟ لماذا منحته تلك الوردة الحمراء تحديدًا؟ تماما كتلك التي اشتراها لها من بائعة الورود! لماذا يشعر منذ قدوم ذلك المفتش كما لو أنه يعانق الجمر؟

17


   انتهى به السير أمام إصطبل المارد، فرفع سدادته، و دلق البوابة بغضب، و أخذ يصولُ و يجولُ كثور هائج من جدار لآخر، هل تعني تلك الوردة تجدد شيء ما بينهما؟ هل ستستعيد رجُلها و ترحل من أرضه كأنها لم تأتِ يوما؟ اللعنة! كل شيء هنا يذكره بها، عطرها في كل مكان، حتى على هذا القش، ركل أكوام التبن فنشره في كل مكان! شعر المارد الأسود بتوتر صاحبه، فصهل بحدة، و رفع قائمتيه كأنه يسأله بلغته الخاصة «من تجرأ على فعل هذا بك يا صديقي؟».

3


   اقتحمت ماريغولد المكان بعد وقت قصير، غير معقول! هل لحقت به كل هذه المسافة؟ كان جسدها متعرقا، و صدرها يعلو و يهبط لاهثا، استفزه أنها ركضت فقط لتلحق به، فصرخ هارولان و قد عاد إليه غضبه القديم:

+


"ماذا تفعلين هنا؟".

+


"قلقتُ عليك و...!".

+


"لستُ بحاجة لقلقك!".

+


   لم تصدق أنه عاد إلى قسوته، مضى وقت طويل لم يحدثها فيه بهذه الوحشية، ما الذي حدث؟ بماذا أخطأت؟ حدقت فيه طويلا، ثم تمتمت مقتربة منه:

+


"هل أنا السبب؟".

+


   اشتعلت عيناه، فأمسك كتفيها و زأر فجأة و هو يدفعها خارج الإصطبل خطوة بعد خطوة:

+


"أجل أنتِ السبب، سذاجتكِ، طيبتكِ اللعينة هي السبب، إن كنتِ تريدين أن يجرحكِ ثانية فهذا ليس شأني، إن كنتِ ستغفرين له، و ستمطرينه بورودكِ المعبرة فهذا ليس شأني أيضا، أنتِ لستِ محور العالم لتكوني سببا في غضبي، لماذا أغضب من أجلك إن كنتِ لا تغضبين من أجل نفسك؟".

4


   قست يداه، و بلغا حدود بوابة الإصطبل، و رغم ذلك قالت ماريغولد بدهشة:

+


"و لكن تلك الوردة...".

+


   قاطعها بصرخة هزَّت فرائصها:

+


"ٱغربي عن وجهي! لا أريدُ سماع أي شيء!".

10


   جرَّت ساقيها بصعوبة بعيدا عنه، و شغلت نفسها بأي شيء طيلة المساء حتى لا تتذكر ما جرى بينهما، لاحظ الجميع حزنها؛ حتى آبي سألتها بصدق ما بها؟ لكنها أخفت سبب انزعاجها، و مضت تتصرف بروح معذبة... كأن شيئا لم يكن!

+


   قابلها هارولان على باب الصالون عندما عاد أخيرا من الإصطبل، تبادلا نظرة طويلة، شملت الكثير و الكثير، قرأ الحيرة و العتاب في عينيها، فأراد أن يصحح الأمر و أن يتجاوزها و يقصد غرفته في ذات الوقت، لكن أوليفر سبقه، و قال لها بسعادة:

+


"لا أعرف كيف أشكركِ ميغ، تايلور و أنا عدنا معا بفضلك، آه، نعم، الوردة الحمراء كانت انتقاءً مُوفَّقًا، تلألأت عينا تايلور حين رأتها".

+


   أنهى كلامه، و أومأ لسيد البيت مبتعدا، شعر هارولان بروحه تنسحق، إذن أعطته الوردة ليهديها إلى خطيبته! و هو الذي ظن شيئا آخر يُحاك بينهما! لقد كسرها مرَّةً أخرى! و لا يدري كيف سيصلح الأمر هذه المرة؟ حاول أن يقول شيئا، لكن ما الذي يُمكن أن يُقال بعدما زمجر به داخل الإصطبل؟

5


   تغيب هارولان عن العشاء بحجة العمل المهم الذي ينجزه في المكتب، و ظنت ماريغولد أنه لا يزال على غضبه المجنون، تناولت القليل من طعامها بأطراف شفتيها، و حين انزوت بغرفتها، أطفأت الأنوار، و عجزت عن التحكم بمشاعرها المهزوزة، تمدَّدت على سريرها، و ظلت تشارك الوسادة دموعها حتى غفت!
و كانت المفاجأة حين استيقظت صباحا، و وجدت منحوتة الحصان مكتملة... مطلية بلمعة برونزية... تزيِّنُ منضدة السرير الجانبية إلى جانب صورة أمها، و بالقرب منها، بطاقة صغيرة دُوِّنت عليها كلمة: «آسف!»، و لم تحمل توقيعا أو اسما، فالمرسل ليس إلا الفنان هارولان! أهذا هو العمل الذي كان ينهيه في المكتب إذن؟ هل هذا يعني أنه حضر في وقت متأخر إلى غرفتها و ترك لها هذه المفاجأة المذهلة؟ أجل، لقد لاحظ أنها أحبت المنحوتة كثيرا، سألها و أكدت له ذلك، هذا لا يصدق! ما تعيشه مع هذا الرجل غير طبيعي! إنه يجعلها متقلبة مثله! أرادت أمس أن تفهم سبب غضبه، و أن تعرف لماذا عاد إلى قسوته؟ لكنها الآن لا تهتم سوى بما بين يديها، تلمست تفاصيل المنحوتة بقلب خافق، و مررت أصابعها على خطه الذي كان مرتعشا بعض الشيء بالقلم، ثم همست: «ما أجمل هذا الكينغ... و ما أجمل طريقته في الإعتذار!». 

26



نهاية الفصل التاسع و العشرين.

+


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close