رواية الغضب الاسود الفصل الثلاثون 30 بقلم الكاتبة كوين اسمهان
الفصل 30|نوافذ تبتسم
النظر للأشياء الجميلة ينعش قلبك، و يجعلك تبتسمُ تلقائيا، تبتسمُ من أعماقك؛ لكن أن تبتسم امرأة لذلك الرجل الذي صرخ بوجهها أمس و طلب منها أن تغرب عنه بكل قسوة... هو ما لا تفهمه ماريغولد!
+
كانت قد خرجت إلى الشرفة حاملة منحوتة الحصان، كأنما تعرف أنها ستجده هناك، لمحته يحمل مرشَّ النباتات، و يروي مع لِيو شُجيرة القطيفة! أجل إنه يروي الورود التي ترمز إلى أمها، و هي تتأمله بسرور مُستلذ، و تشعر أن النظر إليه هو أروع ما تفعله في حياتها، لأنه رغم كل شيء الرجل الذي يُهديها تفاصيلاً راقية، لأنه الجبل القويُّ الذي يقفُ خلفها و يسندُها كلما أوشكت على الإنهيار، لأنه الرجل الذي يُحاول جاهدًا الآن أن يتحرر من ظلامه!
+
انتبه لها الطفل و هتف بإسمها فرحًا، فلوحت له ضاحكة، رفع هارولان في تلك اللحظة رأسه بسرعة إلى شرفتها، و أرسل نحوها أجمل نظرة على الإطلاق، جاءت نظرته خالية من أي غضب، هادئة، مرهفة، و عميقة، كأنه يسألها إن كانت قد غفرت له، كم تبدو جميلة حين تستيقظ من النوم! ناعمة كأول شعاع من الشمس! كبداية المطر! إنه لا يعرف ماذا تفعل به هذه المرأة؛ لكنه لا يريد أن يبعد عينيه عنها، و لا يريدها أن تتوقف عن الإبتسام له بهذه الطريقة الساحرة، و طالما إبتسمت و هي تحمل ما نحته بيديه... فهذا يعني أنها لا تضمرُ نحوه أي شعور سلبي!
+
هتف لِيو بحبور:
+
"إنضمي إلينا صديقتي!".
+
كيف لا تفعل؟ قلبها سبقها و انضم بالأساس، أما جسدها فقد هرع بها إلى الحمام لتغتسل، ثم نحو الخزانة لترتدي ثيابها و تترك الغرفة راكضة، كأن العالم يفرُّ من بين يديها الآن! التهمت درجات السلم في قفزات سريعة، و عند باب الخروج، توقفت مرتبكة تحاول الطبطبة على قلبها النابض، و السيطرة على تذبذب أنفاسها.
+
تجاوزت العتبة ببطء و خطت نحوه ناظرة حولها كأنها تهتم بالجو اللطيف و أوراق الأشجار المرتعشة و رقص النسمات أكثر منه؛ بينما لم يكن إهتمامها يسع لشيء آخر سواه، حتى لِيو لم تستطع الشعور بوجوده هناك كما تعودت، هل احتلَّ السيد كينغ الكون... أم أنه يحتلُّ فقط أفكارها؟ لا يهم، لا شيء يهم الآن سوى كونه الرجل الذي كلما أذى شعورها سهر الليل بطوله فقط لينحت إبتسامة طويلة الأمد داخل روحها! من الحمقاء التي يمكن أن تتوقف عن النظر إلى رجل كهذا؟ من يمكن أن ترفض الصفح عن رجل روحه بهذا الجمال؟ ربما يراه من حوله مرتعّا للسواد و القسوة و الغِلظة، و ربما كانت هذه نظرتها له في البدء؛ نظرة إلى القشرة المتحجرة لا غير، نظرة إلى ذلك العبوس الذي لا قرار له؛ لكنها الآن تنظر إلى ما خلف سواده، إلى أعماقه المستترة، أعماقه التي يمكن أن تنافس ورودها جمالاً! في تلك اللحظة رنَّ بعقلها قول مأثور: «من يجهل الأمور... عاداها!».
2
"تعالي لتري كيف نروي شجيرة القطيفة صديقتي".
1
وقفت بالقرب منهما، فتابع لِيو كلامه مغتبطا:
+
"قال خالي أن روح أمكِ ستكون سعيدة بهذا!".
+
لم تتذكر ماريغولد أن شعورًا مماثلاً خالجها من قبل، كأن الأرض و السماء تبادلتا المواقع، كأنها تحلِّقُ و هي واقفة في مكانها، أليس هذا أجمل شعور على الإطلاق؟ أن يروي شخصٌ ما روح أمك و يسعد طيفها! أن يحفر داخلك نهرًا أبديا تجري بين ضفافه ضحكات و نبضات و رجفات! غريب حقا... لكنها تريد أن يتوقف الزمن في هذه اللحظة، ليقفا إلى ما لا نهاية عند شجيرة القطيفة، و يروياها يدًا بيد!
3
كانت ستهمس له بمدى سعادتها بعد مفاجأة هذا الصباح، المنحوتة الرائعة، و كلمة الإعتذار، كانت ستخبره أن حديثه عن روح أمها أثلج صدرها، غير أن حضور آبي قيد لسانها، و جعل الأرض و السماء تعودان إلى موضعيهما! داعبت شعر الطفل، و انطلقت تخاطب إبن خالها متجاهلة وجود ماريغولد تماما:
+
"عزيزي هارولان، كنتُ أفكرُ أين يمكن أن نضع طاولة عقد القران، ما رأيك لو نجلس و نتناقش بهذا الخصوص!".
26
أشاحت ماريغولد بوجهها متألمة لسبب غير معلوم، لماذا؟ لماذا يؤذيها أن تناديه إبنة عمته بعزيزها؟ ما الذي يحدث لها؟ إنها لا تفهم ما هذا الشيء الحاد الذي يخزُ قلبها في الأعماق؟ لكن الإرتياح غمرها حين أجاب هارولان فورًا:
+
"أظنُّ أن هذا من اختصاص الآنسة كراوفورد و المفتش، في النهاية هذا حفل زفافهما!".
+
تجهم وجه آبي، و ابتلعت ريقها بغصة، فيما ابتعد هارولان دون أن يودع أحدًا، و عجبت ماريغولد لشعور الراحة الذي سيطر عليها، هذا فعلا غريب!
+
فكرت ماريغولد لاحقا بعدما أنهت عملها في الحدائق أن الشكر لا يتطلب كلمات، تماما مثل إعتذاره الذي يأتي دائما في حُزَمٍ من تفاصيل راقية و معبرة عن صدق ندمه، ستفعل مثله إذن، سشكره دون كلمات، و مضت تذرع غرفتها متسائلة عما يحب! ما هو الشيء الذي قد يسعدُ رجلاً مثله؟ شعرت باليأس و الضياع، من تسأل؟ أعملت عقلها قليلا، ثم استنجدت بلِيو، لعله يعرف بعض التفاصيل عن خاله!
+
كان لِيو في غرفته يراقب قطاره الصغير و هو يواصل دورته العاشرة على السكة البلاستيكية، و انطلقت أساريره في ضحكة منشرحة ما إن دخلت عليه ماريغولد، تربَّعت إلى جواره على الأرض، و راقبت مثله دوران القطار الصغير، قبل أن تعلق:
+
"أنت تحبُّ هذا النوع من المركبات صحيح؟".
+
"جدا".
+
تمتمت بحذر و فضول:
+
"ماذا عن خالك؟ ما هي الأشياء التي يحبها؟".
+
أجاب الطفل دون تفكير:
+
"الجياد طبعا!".
+
خبا حماسها، و انطفأت عيناها، صحيح! إنه يعشقها، لكنها ليست بهذا الثراء لتُهديه جوادًا! ثم إنه يملك الكثير منها في إصطبلاته، فضلاً عن المارد الأسود الذي لن يستبدله بغيره أبدا. فجأة قفزت من مكانها و هتفت:
+
"وجدتها!".
+
حدق فيها لِيو بتعجب، فعانقته كما لو أنها في مثل سنه، و قالت قبل أن تهرول خارج الغرفة:
+
"لِيونارد كينغ، أنت أروع طفل في الكون!".
6
بعد سير طويل بلغت المكان المنشود، من حسن حظها أن الشمس لطيفة اليوم، أوحى لها المكان الساكن أن لا أحد هناك، حزنت لأنها توقعت أن تجده في إصطبل المارد، لكن البوابة موصدة، أين يمكن أن يكون إذن؟ لا بأس! يمكنها أن تكتفي بلقاء الحصان الآن، إنها مشتاقة له بالأساس. رفعت السدادة، و دلفت تاركة البوابة مفتوحة، ثم تقدمت نحو الكائن الأسود الممشوق، و قد هالها أن خيوط الشمس المتسللة من شقوق الخشب تجعل جلده يبرق و جدائله تلمع كالفضة! كم هو جميل!
+
ترددت قليلا في الإقتراب منه، لكنه ميَّزها، و أمعن النظر في عينيها كأنه بذلك يعانق روحها، فتشجعت و ابتسمت ملامسة خطمه، و لم تنتبه لأصوات الخطوات المقتربة من بعيد!
+
كان هارولان في طريقه إلى حصانه المفضل، ليتفاجأ بالبوابة المفتوحة على مصراعيها، ما الذي يجري بحق السماء؟ مضت ماريغولد ترفع غطاء السلة التي أخذتها من مطبخ هانا قائلة:
+
"ٱنظر ماذا أحضرتُ لك؟ الفاكهة التي تحبها!".
1
تساءل هارولان من يمكن أن يتجرأ على فتح إصطبل المارد دون إذنه؟ و ما إن تقدم حتى نال جوابه، من غيرها يملك هذه الجرأة و الشجاعة ليدخل و يلمس مارده بذلك الشكل؟ كانت ترتدي كنزة خفيفة كريمية، و بنطالاً قمحي اللون، لم يكن شعرها حُرًّا كعادته، بل عقدته خلف رأسها بمشبك صغير، و رغم ذلك ظلت على جمالها المعهود!
+
استخرجت ثمرة تفاح، و منحته إياها، ليلتهمها بنهم، فقهقهت مستمتعة بمنظره، و قالت مداعبة جدائله:
+
"أنتَ شرهٌ كعادتك! و سعيدٌ أيضا، أليس كذلك؟".
+
لم تنتبه للرجل الذي وقف على الباب مشدوها، و أضافت:
+
"يهمني أن تكون سعيدًا أيها الحصان الجميل، لأن سيدك اهتم لسعادة أمي، لقد روى روحي و ليس فقط شُجيرتي، لهذا أنا هنا، أنا لا أستطيع إعطاءه الكثير، أعني... كما ترى... أنا فتاة بسيطة، و لا أملك أشياء ذات قيمة كما يملك السيد كينغ، لكنني أستطيع أن أقدم أشياء معنوية، صحيح؟ أستطيع أن أعتني بك لأنك مهم بالنسبة له، تماما كما اعتنى بالقطيفة التي تعني لي الكثير! هل تُريد تفاحة أخرى؟ حسنا تفضل، السلة كلها لك".
2
تجمدت الكلمات على لسانها، و النبضات في قلبها عندما سمعت حركة خلفها، التفتت بسرعة لتجد هارولان يسد الضوء النافذ من البوابة بجسده، و هذا ما جعل نظرته مبهمة بالنسبة لها، لكنه ما إن دنا خطوتين أخريين حتى تبينت وجهه المسترخي، لتسمع بعدها نبرته الدافئة، و هو يخاطب المارد بمرح جديد عليها:
+
"يا لكَ من حصان محظوظ!".
3
لفَّها شعور غريب بوجوده، يا إلهي! حضوره يطغى على كل شيء آخر، كادت توقع السلة، لكنها تماسكت، اقترب أكثر، حتى احتك ذراعه بكتفها، فحبست أنفاسها، و سرت رعشة قوية في كامل جسدها، عجزت عن رفع بصرها إليه بينما باشر مثلها دعك خطم الحصان و عنقه، و سمعته يقول لها باقتضاب:
+
"تدلِّلين ماردي إذن!".
10
تنحنحت و قدمت للحصان تفاحة أخرى مردفة على تعليقه دون أن تنظر إليه:
+
"ألا يستحق؟".
+
استطرد باهتمام:
+
"لماذا أتيتِ سيرًا؟".
+
منعت نفسها من الالتفات إليه و سألت:
+
"كيف تعرف؟".
+
"لا يحتاج تخمين هذا ذكاءً خارقا!".
+
التقط تفاحة من السلة، و دفعها داخل فم المارد مردفا:
+
"لا أثر لسيارتكِ في الخارج!".
+
ما بها؟ هل يجعلها حضوره غبية أم ماذا؟ تنهدت و ردَّت مستمرة في إشاحتها عنه:
+
"السيرُ لا يضايقني البتَّة، أشعر أن كل خطوة تسحب مني ألما ما أو ذكرى سيئة! إنه يجعلني قادرة على الوصول إلى أي شيء أريده!".
1
"و ماذا تريدين بسيركِ حتى هنا يا مزارعتي؟".
80
حركت تلك الكلمة الأخيرة كل شيء بأعماقها، و حفِلَ قلبها بنبضٍ غير مسبوق، لقد تعودت على تسميته لها بالمزارعة، لكنها المرة الأولى التي تسمعه فيها يربط تلك التسمية به! مزارعته! ربما امرأة غيرها ما كانت لتتوقف عند تفاصيل كهذه، و قد تعتبرها سخيفة و فارغة من أي معنى! لكن هي لا، لقد رقص قلبها إثر كونها مزارعته، و ليس فقط المزارعة التي تعيش ببيته و تهتم بحدائقه... و تتسلل إلى إصطبله، إنه لا ينسب أشياء كثيرة إليه، لا يمنح تلك الرابطة العزيزة إلا للأشياء التي تعني له كثيرا، يقول دائما «ماردي» و «ثيراني» و «جيادي» و «مكتبي»، و ينادي لِيو غالبا بـ «بطلي»، و ها هو ينسبها إليه أيضا! هل تعني له الكثير حقا؟ هل يهتم لأمرها كما توحي كلمة «مزارعتي»؟
1
فطنت لشرودها، و لانتظاره جوابا، فتمتمت بنبرة خفيضة:
+
"أردتُ فقط شُكرك... سيد كينغ!".
+
لم يقل شيئا بعدها، و استمر ذلك الصمت مسيطرا على المكان، حتى ظنت ماريغولد أنها تستطيع سماع صياح الجوارح البعيدة في براريها، و سماع دقات قلبها العنيفة أيضا، هذا يكفي، البقاء بقربه هكذا يطمئنها و يربكها في نفس الوقت، عليها الذهاب الآن! ألقت آخر تفاحة بين شدقي المارد، و همَّت بالرحيل في صمت، لكنه فاجأها و أمسك معصمها متمتما:
+
"هل يجبُ أن تذهبي؟".
3
تخضب وجهها، و أحسَّ هو بالنبض الذي يكاد يفجر شرايينها، و استغرب ذلك، نقلت بصرها إليه أخيرا، و تشابكت نظراتهما، كانت عيناه متألقتين بشكل لم يسمح لها بالتفكير في شيء واضح، عقلها مشوش، و قلبها يُلحُّ عليها بفعل شيء ما، و كان ما فعلته غريبا و جميلا إلى حد لا يوصف، لثمت خده كما فعلت تلك الليلة، و تمتمت بغمغمة شكر مبهمة، ثم أفلتت منه راكضة، و أقفلت راجعة من حيث أتت. امتلأت السلة بالرياح العابرة، و امتلأت عروقها بالدماء الفائرة، حتى ضجَّ وجهها بحمرة طفيفة جعلتها تبدو أجمل من ذي قبل عندما بلغت البيت!
15
بعد يومين من تلك الأمسية، أصرَّ لِيو على زيارة بيت ماريغولد، فوافق هارولان على ذهاب ثلاثتهم إلى «ويندي هاربور» و تمضية اليوم هناك، انطلقوا بعد الظهر، و قبل وصولهم إلى الشاطئ، طلبت منه أن يتوقف وسط المدينة لتبتاع بعض الأغراض، لم تقبل أن تمكث بالسيارة كما أشار، و رفضت أن تخبره بما تريده:
1
"لا تقلق سيد كينغ! التسوق لا يضر بالصحة، بل يجعلني أشعر بالحيوية!".
+
ترجلت من السيارة، و سار الطفل و خاله حولها صوب المول الرئيسي للمدينة، أين يعثر المرء على سائر متطلباته، تجولوا قليلا بين الرفوف، و كانت ماريغولد في كل مرة تلتقط علبة حليب أو طحين و تلقي بها وسط العربة التي يدفعها هارولان.
+
"البيت خالٍ من كل شيء، و أنا أفكر في إعداد الكعك من أجل لِيو، سيحبه كثيرا! سأحتاجُ إلى البيض أيضا، و السكر، و... آه... نعم... الخميرة، أين هي؟".
8
كانت تتحدث و تعدد لوازم الكعك بحماس كسيدة بيت حقيقية، رفعت رأسها لتجد أن علب الخميرة في مكان عالٍ، مدت ذراعيها و وقفت على أطراف قدميها دون جدوى، حتى أنقذ هارولان الموقف و التقط واحدة بمنتهى السهولة، شكرته مستأنفة تعداد بقية الأشياء، و كان بالقرب منهم عامل يتسلق سُلَّمًا مزدوجا و يملأ بعض الرفوف بعلب الكرز المصبر الكبيرة، اختلَّ توازنه فجأة، و سقطت بعض العلب من الرف الذي يعلو مكان ماريغولد تماما، و لولا فطنة هارولان لٱصيبت و فقدت وعيها حتما، سحبها بسرعة و حماها بذراعيه كما لو أنها تمثل العالم بأسره، و رأت في نظرته خوفا حقيقيا و هو يسألها بقلق:
+
"هل تأذَّيتِ؟".
+
حركت رأسها نافية، ثم التقطت أنفاسها معلقة:
+
"شعرتُ فقط بأن قلبي غادر مكانه من المفاجأة!".
+
ابتعدت عنه محرجة، و بحثت بعينيها عما ستضيفه إلى القائمة، يا الله! كيف نسيت القهوة؟ و قبل أن تسأل أين تجدها، لاحظت هارولان يحملها و يضعها في العربة، فابتسمت له بعمق، و قالت:
+
"لن يكتمل يومنا دونها!".
+
حدق لِيو في طفلة صغيرة تقاربه سنا، ترافق والدها فقط، و تتوسله كي يبتاع لها السكاكر و الشوكولاتة، و تساءل ما إذا كانت هي أيضا فقدت أمها مثله، التفت لتأمل ماريغولد و خاله، ثم تقدم نحوهما، و وقف بينهما ممسكا يديهما في آن واحد، و على وجهه إبتسامة واسعة، ربما خسر أمه، لكنه في المقابل يملكُ خالاً رائعًا و صديقةً لطيفة!
5
غادروا المول بعد قليل، وضع هارولان المشتريات في الخلف قرب الطفل، و انطلق نحو الوجهة المقصودة، انتبه أنها لا تزال على استياءها، فقال كأنه يداعبها بصوته:
+
"هل ستعبسين هكذا طويلا؟ أعرف أنكِ أردتِ دفع ثمن الأغراض من مالكِ الخاص، لكن ماذا أفعل؟ لا يمكنني أن أكون إلا كينغ المُستبِد!".
6
شعرت بالمرح في نبرته، فارتخت شفتاها، و ردَّت متضايقة:
+
"إنه بيتي، و هناك سأستقبلكما للمرة الأولى، يجدرُ بربِّ البيت أن يقدم كل شيء على حسابه الخاص، أليس هذا المتعارف عليه دائما؟".
+
"لا تهتمي للأعراف كثيرا، لقد عشتُ حياتي على هواي دائما، أقوم بكل شيء على طريقتي و وفقا لما تُمليه المواقف، ثم إني لم أقف يوما إلى جانب امرأة أمام مقصف الدفع، بل إنني لم أتسوق في حياتي، السيد لي يفعل، هوجو، غاري، و غيرهم! أما اليوم فقد قدمتِ لي فرصة اكتشاف هذه التجربة الجديدة، و أنا قدمتُ مساعدة بسيطة فقط!".
+
لوت شفتيها و علقت ساخرة:
+
"حسنا، لقد دفعتَ ثمنا مرتفعا بالنسبة لي!".
+
ترك متابعة الطريق، و نظر إليها معقبا:
+
"لكنكِ تقدمين أشياء معنوية جميلة، ستُعدين الكعك من أجل لِيو، و ستسمحين له برؤية العالم الذي ترعرعتِ به، ستُسعدينه، و هذا أغلى بالنسبة لي من أي ثمن مرتفع أدفعه!".
+
جعلتها الكلمات الرائعة التي سمعتها تستعيد ابتسامتها الضائعة، و سريعا أعلن توقف السيارة عند وصولهما إلى الصخور التي تفصلهما عن أجمل منظر، كان الظهر قد نفض شمسه نحو مسارها العصري، و لملم لظاه فارًّا من نعومة نسمات المساء العابقة بعطر الملح و بريق الرمال، الشاطئ هناك يترنحُ بين مد و جزر أبديين، و المنازل الثلاثة مسترخية في حلمها المتواصل. أدارت ماريغولد المفتاح في القفل، و دخلت مرحبة بهما:
+
"حسنا يا بيتي أقدم لك ضيفي الكريمين، السيد كينغ ليس غريبا! لكنك حتما لم تقابل لِيونارد الجميل!".
+
ضحك لِيو على خفة دمها، و انطلق يحي كل شيء يراه هناك، استطردت ماريغولد محرجة:
+
"آسفة، سيحتاج الأمر جولة ترتيب و تلميع!".
+
"لا عليكِ صديقتي! سنقدم المساعدة، ألسنا قويين يا خالي؟".
+
أومأ هارولان له، و خاطبها بتأكيد:
+
"بالطبع، سنتعاون على ذلك!".
+
استغرق تنظيف و ترتيب غرفة الجلوس و المطبخ وقتا لا بأس به، ٱعجب لِيو بصورة والدها مع الورود على الجدار فوق المدفأة، و ظل يطالعها مطولا مندهشا من شاربي جاك موران الأبيضين! أحضر هارولان المشتريات من السيارة و وضعها على طاولة المطبخ، و ظل يتأملها بنهم، عيناه جائعتان بشدة، لِمَ لا يكون كذلك؟ هل هناك أجمل من تأمل ٱنثى في بيتها، بين أغراضها الخاصة، وسط جدران مطبخها الدافئة؟لم يكن يعرف ذلك من قبل، لكنه الآن اختبر هذا!
+
انتبه أن ماريغولد ارتدت مرولة زهرية تعود لأمها، و لفَّت شعرها بمحرمةٍ ملونة، بدت مختلفة تماما، رآها بصورة أخرى عن المزارعة التي يعرفها، و أطال النظر إلى حاجبيها المرسومين بإتقان رباني عجيب، و رموشها الطويلة المُسدلة و هي تكسر البيض و تخفقه، ثم تضيف إليه أشياء عدة، حسنا، ألا تفعل هذا بأعماقه طوال الوقت؟ ألا تكسر جموده و بروده، ثم تضيف إلى روحه نكهات لم يتذوقها من قبل؟! ألا تسكُبه أيضا في قوالب لم يتعود عليها، و تلقيه فوق نيران تلتهمه بلا رحمة؟! لاحقتها عيناه كيفما تحركت، سكب لِيو بعض الحليب و هو يساعدها في إضافته إلى المزيج، و توقع منها أن تشد أذنه و تمضي بتوبيخه كما فعلت إحدى الأمهات مع إبنها في برامج الكرتون، لكن ماريغولد ضحكت بمرح، و مسحت البقعة متسامحة، دقق فيها هارولان النظر، و تساءل كيف يمكنها أن تكون طفلة و امرأة معا؟ كيف تجمع الشيئين في الوقت ذاته؟ منظرها عفوي، تندمج بطبيعتها مع كل ما حولها، يشبه عطرها رائحة الفانيليا التي سكبتها للتو، وجنتها ملطخة بالطحين الآن، و خصلة من شعرها تضايقها، أراد أن يساعدها بإزاحتها، لكن لِيو سبقه، طلب منها أن تنحني للحظة، أرجع الخصلة خلف أذنها، و قبل خدها معلقا:
+
"أنا سعيدٌ جدا صديقتي! آمل أن آتي دائما هنا... معكما!".
3
و التفت صوب خاله ينتظر تأكيدا، فهزَّ هذا رأسه بإيجاب صامت. بعد وقت قصير استخرجت ماريغولد الكعك من الفرن معلنة جاهزيته، فانتزعت القفازات، و استدارت نحوهما قائلة:
+
"اسبقاني إلى غرفة الجلوس، لن أتأخر!".
+
استرخى الخال مع الصغير على الأريكة، ينتظرانها، و أقبلت متخلية عن المحرمة و المرولة و بين يديها صينية وضعت عليها ما أعدته. كانت نوافذ البيت تبتسم، و رائحة القهوة و الكعكِ تتجوَّلُ بينهم، و الشمس ترسل خيوطها الأخيرة نحوهم عبر الستائر، كأنها حاسدة مغتاظة و تريدُ الإنضمام أيضا! شعر كل من هارولان و لِيو أنهما في بيت حقيقي، رغم صغره، و تقارب سقفه و جدرانه، و قلة غرفه، و بساطة أثاثه؛ لكنه كان أجمل و أكثر دفءً من أي بيت آخر!
+
جلس ثلاثتهم بعد ذلك على رمال الشاطئ، يراقبون تسلل الشمس المحترقة نحو المغيب، و بدأت بعض النجوم بالبروز و التلويح لهم، غلفهم الصمتُ و التأمل حتى تكلم الطفل بما لم يكن في الحسبان:
+
"إذا كانت أمي قد تحولت إلى نجمة، فماذا حلَّ بأبي؟".
+
تحول هارولان إلى حجر فجأة، كز على أسنانه و لعن في سره ذلك الحقير الذي لم ينجح في الوصول إليه رغم كل جهوده، و شعرت ماريغولد من جهتها بقلبها يهوي إلى أسفل الدركات! راقبت حيرة الطفل، و قبضة خاله القاسية حول الرمال التي كان يداعبها قبل قليل بنعومة، و كان خيرًا أنها تكلمت قبله مقدمة للِيو أفضل جواب ممكن:
+
"هل تعرف أساسا ماذا يعني الأب؟".
+
"ماذا يعني؟".
+
التفت كل منهما إليها ينتظران ما ستضيفه، فأكملت مبتسمة و هي تمشط المياه الداكنة بعينيها اللامعتين:
+
"إنه ليس مجرد الشخص الذي ينجبكَ للحياة، الأبُ محيطٌ شاسعٌ من العناية و العطاء و الحماية، هو الذي لا يهنأ بالاً حتى تقرَّ عينك، و لا يطمئنُّ إلا بإطمئنانك، و أكبر أحلامه أن تكون فقط سعيدًا، الشخص الذي يُبجلك على نفسه، و لا يرفض لك طلبا مهما أشقاه! هو الأب الحقيقي".
+
نظرت إلى الطفل، و تركت فاصلا قصيرا من الصمت يمر، ثم أضافت ناظرة نحو هارولان:
+
"الشخص الذي يفعل كل ذلك لك، و الذي يستحق حقا أن تفكر فيه كأب... يجلسُ إلى جواركَ الآن!".
+
أفلت هارولان الرمال من قبضته، و خشي أن يحدث كلامها رد فعل سلبي لدى الطفل، لكن لِيو بعقله البريء تقبل تلك الإجابة، و احتضن خاله سعيدا بوجوده معه، لقد منحه كل شيء، و أحضره إلى هذا الشاطئ الذي حلم به ليالٍ متواصلة، و جعل صديقته تعيش معه تحت سقف واحد، إنه لا يعرف كيف هم الآباء، لكن ما دام الأب كما وصفته ماريغولد، فخاله إذن أجمل من كل آباء العالم! تحرر الطفل من حضن هارولان، و استدار ناحية ماريغولد مفكرا في شيء آخر بدا له رائعا لو تحقق!
+
تفقد هارولان ساعة يده، و استقام معلنا:
+
"تأخرنا كثيرا، حان وقت العودة إلى المزرعة".
+
عبس الطفل، و تمسك بيده متوسلا:
+
"خالي، هل يمكننا أن نمضي الليلة هنا؟".
2
تبادل هارولان و ماريغولد نظرة قصيرة، و قبل أن يقولا أي شيء، استخدم لِيو حيلته الناجعة، و لوى شفتيه لأسفل، ففاز على ماريغولد التي ما كانت لترفض أي شيء كلما فعل ذلك، و لوت شفتيها بدورها محاولة إقناع خاله، و لم يكن لهذا الأخير أدنى فرصة ليلتقط أنفاسه أو يفكر في رفض ما!
+
"إثنان ضد واحد!".
6
"هنيئا لكما! إذن سنطلبُ العشاء، هل تريدان شيئا خاصا؟".
+
هتفا معا بحماس:
+
"بيتزا!".
+
"مع صلصة و مايونيز!".
+
"و الكثير من الجبن!".
+
"أريدها بفصول مختلفة!".
+
"و بحجم كبير أيضا!".
+
"و لا تنسى الكوكاكولا يا خالي!".
8
كم أمضى هارولان مع إبن أخته من وقت؟ و رغم ذلك ها هي المرة الأولى التي يختبر فيها هذا الكم من السلام، شكلهما و هما يرددان طلباتهما ببراءة أذاب قلبه، و جعله يشعر أنه رجل مختلف، إنسان له أسرة صغيرة دافئة! رافقهما إلى البيت، فركض الطفل فورا إلى الداخل غير مصدق تحقق حلم آخر له، و على الباب وقف هارولان ممسكا يدها بحنان، و قال:
+
"شكرا لما قلتِه قبل قليل، أقدِّرُ كل ما تفعلينه من أجل لِيو، أقدِّرُ ذلك كثيرا!".
+
♘
+
كانت آبي تذرع الصالون جيئة و ذهابا بانتظار عودتهم، لم تعرف إلى أين ذهبوا، كل ما سمعته من لسان السيد لي و هانا أنهم قصدوا المدينة، و شعرت باليأس و التعاسة حين أضافت ساري خبرا حطم آمالها:
+
"اتصل السيد كينغ و أوضح أنهم لن يعودا قبل الغد!".
+
لم يستأ أوليفر من ذلك، بل اعتبرها فرصة لتناول عشائه على راحته، دون أن يضطرب كلما نظر في عيني ذلك الرجل الذي لا ينفك يذكره بملامحه القاسية أنه كان حتى وقت قريب نذلاً! سحب يد خطيبته مقترحا أن يقوما بجولة في الحديقة قبل العشاء، فابتسمت له تايلور مسحورة، و رافقته تاركة آبي لخيبتها، لكنها خلال العشاء همست لها بوشوشة:
+
"ارحمي نفسكِ آبي! لماذا تأخذين الأمر بهذه الجدية؟ إنها ليست نهاية العالم!".
+
"لم يسبق أن خسرتُ معركة من قبل يا تايلور!".
+
وضعت هذه شوكتها متفاجئة، و عقبت قرب أذن صديقتها:
+
"لماذا تعتبرين الحياة حلقة معارك؟ ٱنظري إليها بشكل مختلف! لا تنسي أن هناك غيره!".
+
عاندت آبي متمتمة متجاهلة نظرة أوليفر الفضولية:
+
"لكن لا يوجد مثله! إنه مختلف عن الكل، و صعوبة الوصول إليه تزيدني إصرارا، على كل لم يبقَ لي الكثير من الوقت لأمضيه هنا، لذا دعيني أحاول حتى آخر لحظة!".
+
♘
+
في منزل الشاطئ، كان ثلاثتهم جالسين على الأرض، بأرجل متقاطعة، و بطون ممتلئة، أفرغت ماريغولد آخر قطرة من الكوكاكولا في حلقها، و راقبت لِيو يقضم آخر قطعة من البيتزا بصعوبة، ثم ألقى ما تبقى منها داخل العلبة و استلقى متأوها:
+
"آه! يا ويلتاه! بطني سينفجر!".
18
قهقهت متسلية بمنظره المضحك، و لم تشعر بنظر هارولان الذي لم يطلق سراح ثغرها الجميل. مضى العشاء البسيط رائعا، لكن بحلول وقت النوم، قرر لِيو أن يطلب شيئا جعل هارولان يستديرُ إليه بسرعة و قلب ماريغولد يخفق بجنون!
+
"هل يمكن أن تناما معي؟".
91
اصطبغ وجهها بألف لون، و نظرت إلى هارولان بعجز، ماذا ستقول؟ الطفل في مرحلة حساسة من حياته! إن رفضا هذا الطلب البسيط فقد ينتكس و يشعر أنه منبوذ و وحيد! و لكن أي طلب بسيط هذا؟ إنه يطلب أن يناما معا في غرفة واحدة و على سرير مشترك معه! هي و السيد كينغ! انتظرت رده أولا، فأدهشها أنه قرفص أمام الطفل و قال بكل ثقة و أريحية:
+
"إذا كان هذا ما تريده يا بطلي، فلا مانع لدي!".
48
ماذا؟ لا مانع لديه! لقد توقعت كل الردود إلا هذا، ماذا يحدث للسيد كينغ عدو النساء العاشق لوحدته و خلواته؟ نظرا نحوها معا و كم كانا متشابهين، كأب و إبنه بالفعل، إنهما ينتظران ردها، تحاشت التحديق فيهما، و تمتمت باضطراب:
+
"حسنا، فلننم معا!".
+
هرعت مبتعدة عنهما لتحضِّر غرفة النوم التي كانت لها، رتبتها بعناية، و فتحت النافذة للتهوية الجيدة، و قلبها لا يزال يثب من نبضة لأخرى دون أن يستقر أبدا! نادتهما بعد ذلك ليدخلا، بينما فرَّت كطيف نحو المطبخ، و هناك أمضت وقتا تطمئنُ نفسها دون أن تفهم أبعاد ما تمر به، هل تخافه؟ كلا! إنه يشيع فيها الإطمئنان! ما بها إذن؟ تحركت أخيرا عائدة إلى الغرفة، فتحت الباب، فإذا بلِيو قد اختفى نصف جسده تحت اللحاف، في حين اكتفى خاله بالوقوف عند النافذة متأملا المحيط، تُرى فيمَ يفكر الآن؟ كان قلبها ينزلق و هي تراقب شروده.
+
"هيا تعالا و احتضناني كما يفعل الآباء و الأمهات!".
62
هل كان قلبها ينزلق للتو؟ حسنا، ها قد قفز إلى حلقها الآن! التفت هارولان متفرسا بوجهها، فأسرعت لتختفي أيضا تحت اللحاف، و تمتمت:
+
"ها أنا ذي يا عزيزي!".
+
"و أنت أيضا يا خالي!".
+
أمسكت أنفاسها لوقت طويل و هي تنتظر رد فعل منه، لم تستطع النظر باتجاهه، غير أنها لمحت ظله يتحرك و يقترب، ثم شعرت بالسرير يهتز، و انكمشت حين ارتفع اللحاف، و زحفت يده السمراء الخشنة إلى صدر الطفل مُطَمئِنَة، انتبهت أنها ستختنق، فأطلقت سراح أنفاسها، و كادت تسعل. سألها لِيو إن كانت تملك قصة جديدة، في السابق كان ذلك أسهل ما يمكنها القيام به، أما الآن فقد شعرت أن كل قصصها تبخرت من ذاكرتها، و أن خيالها عاجز عن تأليف أي شيء! حتى فاجأهما قول هارولان:
+
"دع صديقتك تأخذ إجازة الليلة، أنا سأكون الراوي هذه المرة!".
4
تحمس الطفل، و كذلك ماريغولد، و انطلق هارولان في سرد قصة عجيبة:
+
"كان هناك وحش يهابه الجميع، و قيل أنه يعيش في غارٍ على جبل عالٍ و بعيد جدا، و في مدينة الجن كانت تعيش جنية شجاعة مع والدها المريض، كان يحتضر، و تستلزم نجاته إحضار نبتة نادرة من جبل الوحش، تدعى نبتة الظل، و لا تنمو إلا هناك، داخل الغار! تجاهلت الجنية تحذيرات أهالي المدينة، و بدأت رحلتها باتجاه الغار، حيث ينمو أمل والدها في الشفاء، سمعت الكثير عن بشاعته و عنفه، لكنها عندما قابلته رأت بداخله ما عمي عنه الجميع، كان الوحش كسائر الكائنات، مجرد جني بشع المظهر فقط... لكن له قلب طيب و مشاعر كغيره يمكن أن تتأذى! كان الجن يكرهون منظره، و كلما رأوه رموه بالحجارة و كبَّدوه جراحا بليغة... ليس في جسده فقط بل في روحه أيضا! و هكذا ظل هناك وحشا في الغار! لكن الجنية لم تكن مثلهم، لم تخفه، بدأت بالإقتراب منه، و بلمس جروحه، و مداواتها، ابتسمت لقبحه، و أخبرته أنه جميل لأن وجوده في الغار لسنين جعل نبتة الظل محمية من اللصوص و المشعوذين، و حفظها حتى تأتي و تقطفها، ثم تستعملها في علاج والدها، أصبح الجني حُرا بفضلها، و لم يعد وحشا في نظر نفسه، رمَّمته تلك الجنية، و جعلته يحب نفسه لما هو عليه! و لا يلتفتُ لرأي أحد!".
10
ابتسمت ماريغولد لروعة القصة، و تمتمت بذهول:
+
"هذه أروع قصة أسمعها في حياتي!".
+
نظر في السقف ثم في عينيها، و رد ببحة جميلة:
+
"الفضل يعود للسيد لي! كل قصصه فريدة!".
+
سأله لِيو باهتمام:
+
"هل كان يروي لك القصص و أنت طفل أيضا؟".
+
"أجل! كان بارعا في هذا... و لا يزال".
1
"و هل تزوج الوحش الجنية؟".
+
"هذا ما لم أعرفه بعد!".
13
شعر الطفل بالفضول، و قرر أن يسأل السيد لي حين يعود إلى المزرعة، تثاءب، و أثقل النعاس عينيه، فتأكد أن يد خاله لا تزال على صدره، ثم سحب يد ماريغولد و وضعها فوقها، و ضغط عليهما بيديه الصغيرتين، كأنه يبني حلما لا يعرفه سواه، قبل أن يغمض عينيه و يغفو بعمق!
+
سرت الحرارة في يدها من لمسته، و تضرج وجهها، و هي تتجه بنظرها إليه، فإذا بعينيه السوداوين متسمرتان عليها، و كانت ستائر النافذة تهتز ببطء شديد سامحة لبعض النسمات الليلية بالدخول و الطبطبة على اضطرابهما و هما يخوضان حوارا ناعسا:
+
"كان لِيو سعيدا جدا اليوم، بيتُكِ و كل شيء في عالمكِ جعله يعيش لحظات لن ينساها!".
+
"أنا سعيدة أيضا لسعادته، لو كان بيدي لجعلته أسعد بكثير!".
+
فكر هارولان قليلا، ثم استطرد بغموض:
+
"هل تظنين أن الجنية تزوجت الوحش؟".
4
فاجأها ذلك السؤال، و لم تستطع أن تنكر أنها فكرت فيه أيضا، و تاقت لتعرف! طرفت بجفونها، و بللت شفتيها مجيبة:
+
"أعتقدُ أنها فعلت! ألم تقل أنها رأت قلبه الجميل؟".
+
شعر هارولان أن تبادل هذا الحديث معها ممتع جدا، فسألها مجددا:
+
"كيف ترين الزواج؟".
23
ابتسمت لوهلة، و ردت بعذوبة:
+
"روحان تقتسمان كل حلو و مر، و كل منهما يرمم نصفه الآخر و يكمله و يرى نفسه فيه و يعتبره روح البيت!".
4
كلماتها اقتنصت إعجابه، فتدفق من بين شفتيه سؤال آخر:
+
"و كيف يُبنى البيت؟ كيف يُمكنُ أن يحصل المرء على عالم صغير بهذا السلام و الدفء؟".
+
أجابته بحكمة:
+
"بناءُ البيتِ لا يتم برصِّ الحجارة فوق بعضها، و تزيينها بالألوان ثم تأثيث الغرف! إنما توضعُ الثقة و الإحترام و التفهم و الصبر متراصَّة بعضها فوق بعض، و تُزيَّنُ بالحنان و الرحمة و المودة، لتُأثَّثَ لاحقا بالإحسان و العطاء و الحب، و هذه قطعُ أثاثٍ أصيلٍ لا يرثى مهما مرَّ عليه الزمن!".
14
للحظات طويلة حافظ على صمته، و ظلت هي تنظر إليه بترقب، و لو لم تكن عيناه مفتوحتان، لأقسمت أنه قد استسلم للنوم، حتى تمكن أخيرا من النطق بتثاقل:
+
"هل ابتلعتِ السيد لي أم ماذا؟ أصبحتِ تتحدثين مثله!".
15
كتمت ضحكتها، و حاولت جاهدة عدم إحداث جلبة تزعج لِيو، قبل أن تردف على تعليقه بلمعة جميلة في عينيها:
+
"إنها كلمات أبي!".
+
"أعتقدُ أنه على حق إذن!".
+
"أعتقدُ ذلك أيضا!".
+
شعرت أن النعاس بدأ يتفوق عليها، كانت في بيت المزرعة تعاني غالبا من أرق متواصل، لكنها الليلة تشعر بحاجة شديدة للنوم، و بحاجة أشد لتمسك يده إلى الأبد! ثم تبخرت أفكارها و تبددت، و أصبحت عاجزة عن النظر إليه أكثر، فأغمضت عينيها، و أسلمت نفسها للنوم!
+
عندما استيقظ هارولان صباحا، تفاجأ بعدم وجود لِيو بينهما، انتفض قلقا، و قفز ليبحث عنه، لكنه تنفس الصعداء حين رآه يدخل من الباب منشرحا، و هو يقول:
+
"صباح الخير خالي".
+
"أين كنت؟".
+
أجاب محرجا:
+
"بالحمام!".
+
زفر هارولان ببطء و أردف:
+
"هل نمتَ جيدا؟".
+
"كانت أروع ليلة في حياتي! و راودني حلمٌ مذهل!".
+
تقدم الطفل من السرير، و أشار إلى ماريغولد التي لا تزال تغط في نوم عميق قائلا:
+
"هل أوقظها؟".
+
تأملها هارولان لثوانٍ و أجاب:
+
"ليس بعد، لا شيء يستعجلنا في المغادرة!".
+
"هناك ورود جوري بيضاء أمام البيت، أريد أن أقطف لها واحدة، هل تسمح لي يا خالي؟".
+
هز رأسه موافقا، و رد دون أن يبعد نظره عنها:
+
"شرط ألا تغادر حدود البيت!".
15
"عُلِم!".
+
عندما اختفى لِيو من الغرفة، استلقى هارولان على الفراش ثانية، و طوى ذراعيه متأملا جمالها، كأن كل رقة الكون و فتنته تجتمعان فيها و هي نائمة! كم مرة دخل غرفتها و راقبها و هي هكذا، لكنه لم يستيقظ أبدا على وجهها من قبل، و لم يكتحِل نظره بحسنها الصباحي سوى اليوم! و لم يشعر إلا و قد سرقه النوم من جديد، و رأى نفسه يأخذها بين ذراعيه، و يتريضان على الشاطئ، و يتمددان على الرمال في تأمل مفتون للنجوم! حتى شعر بشيء يتحرك في الواقع حوله، فتح عينيه، و قبض على الشخص المقترب منه، كانت هي، واقفة عند رأسه، و منحنية لتوقظه، أجفلت و اعتذرت في كلمات متعثرة:
+
"إنها العاشرة، تصورتُ أننا تأخرنا... و أردتُ فقط... إيقاظك!".
+
لاحظ أن كتفيها بين يديه، فتركها و نهض باحثا عن ساعته و هاتفه، ثم ما هي إلا لحظات قليلة حتى انتهوا من تناول فطورهم، و غادروا البيت.
+
استقبلتهم آبي بوجه مبتسم، و تايلور بسعادة عارمة، منحها لقب العروس المستقبلية و حماس التحضيرات بريقا خاصا، حتى غدت أجمل من ذي قبل. ساري هي الأخرى كانت تتمتع بألق مدهش، الحمل زادها فتنة، و إهتمام غاري جعلها أسعد خطيبة في العالم، أجل، حدث هذا بعد وصول ماريغولد بساعة فقط، جمع غاري الكل في الحديقة، و انحى على ركبته عارضا عليها الزواج به، فمدت يدها ليلبسها الخاتم الذي دفع راتب ثلاثة أشهر كي يشتريه، ثم ارتمت عليه تعانقه بشغف و فرح لا نظير لهما، و انطلق الحاضرون يصفقون و يتصايحون مشجعين الحب و كل المتحابين. دمعت عينا ماريغولد تأثرا، ها هو الزمن يضحك لساري و لإبنها أخيرا، حقيقةً... ليس الأب مجرد من ينجبكَ للحياة! و ليس الحبيب من يردد في أذنيك شعارات الغزل الرنانة و حسب! عليك أن تمضي بقلبك نحو من يجد دائما طريقا أبديًّا إليك!
1
قبل ليلة فقط من حفل الزفاف، طرقت آبي باب ماريغولد، ثم دخلت بابتسامة عريضة، و سحبتها نحو غرفة تايلور قائلة:
+
"تريدُ تايلور أن أكون إشبينتها الأولى، ما رأيكِ لو تكونين أنتِ الإشبينة الثانية؟".
+
تابعت آبي كلماتها السريعة وسط دهشة ماريغولد:
+
"سترتدي كل منا فستانا مستوحى من وردة ما، كأننا نحضر مهرجان ورود في بلاد لاتينية! ما رأيكِ؟".
1
ارتبكت ماريغولد، و ردت معتذرة من تايلور التي كانت تجلس أمام المرآة و تضع قناعا منظفا للوجه:
+
"آسفة لتخييب أملكما لكنني نسيتُ أن أبتاع فستانا، لا يمكنني أن أكون إشبينة في زفاف فخم كهذا بدون فستان لائق!".
+
"أوه، لا تشغلي بالكِ عزيزتي، حسبنا كل خطوة، و تذكرناكِ و نحن نطلب الأزياء أمس، حضرت المصممة هذا الصباح، و معها كل المستلزمات، ٱنظري!".
+
أشارت آبي إلى فستان لا يمكن وصفه بمجرد الكلمات، و أضافت:
+
"هذا هو ما اخترناه لكِ، ناعم و جريءٌ مثلكِ تماما يا صاحبةَ الورود!".
+
تناولت ماريغولد منها الفستان، و مررت عليه بصرها و أناملها غير مصدقة نعومة خامته الحريرية، و تصارع اللونين الأحمر و الأبيض فيه، لكنها أيقنت بحزن أنها إن ارتدت شيئا كهذا ستبدو... وردة توليب بيضاء مُشتعلة!
+
في غرفتها جلست حائرة و بين يديها الفستان الرائع، إن رفضت ارتداءه فستجرح شعور تايلور و آبي، و إن قبلت، ستجرف الألم ثانية نحوه، ستذكره بوردة أمه المفضلة، الوردة التي ترمز ليوم مشؤوم، ربما يجب أن يتقبل هارولان ماضيه و يتجاوزه، لكن ليس هكذا، طُرِقَ بابها، و لم تنتبه بسبب شرودها العميق، ففتح هارولان الباب قلقا، و دخل مستفسرا عما بها، استفاقت أخيرا و أخفت الفستان خلفها، لكنه رآه و انتهى الأمر. دقق فيها النظر، و كرر سؤاله، فقالت:
+
"لا شيء!".
+
"ما هذا الذي خلفكِ إذن؟".
+
كررت قولها بخوف:
+
"لا شيء!".
+
"لكنني أرى شيئا فعلا خلفكِ!".
+
ازدردت ريقها، حين مد يده و تناول منها الفستان متأملا جماله، ذكره أيضا بالتوليب، حتى الأعمى يلاحظ ذلك، فستان شفاف و ملتهبٌ في آن واحد تماما كتحديها و عنادها المتأججين من حين لآخر، توقعت عاصفة الغضب، غير أنه مضى بهدوء يلمسه و يتفحصه كما لو أنه خبير أزياء! ثم سألها فجأة:
+
"هل هذا سبب حزنك و إختفائك هنا منذ ساعات؟".
+
رفعت بصرها إليه محاذرة، و اضطرت أن تقول:
+
"إنه هدية من الآنسة كراوفورد، تريدني أن أكون إشبينتها، و أن أرتديه، لكنني لا أستطيع!".
+
عاود النظر إليه، و علق:
+
"و ما المانع؟ إنه جميل جدا".
+
تعجبت من تعليقه مردفة:
+
"ألا ترى... ماذا يشبه؟".
+
امتنع عن الكلام، فتابعت بتوتر:
+
"ستحزن العروس و إبنة عمتك، لكنني لا أستطيع أن أفعل بك هذا ثانية!".
+
"لا تستطيعين ماذا؟".
+
جاء سؤاله هامسا، فهمست بدورها مشيحة عنه:
+
"أنا... لا أستطيع أن أجرحكَ مرة أخرى!".
+
لم يبدُ عليه لا التضايق و لا الحزن، كأن الموضوع لا يجرحه على الإطلاق، كأنه بوجودها تصالح مع ماضيه، بل مع الكون بأسره! و توقف الزمن عندما عقب:
+
"يسرُّني اختيارُكِ لراحتي... مع علمكِ أن هذا سيجرح الباقين! لذا...".
+
أدارها و دفعها نحو المرآة، و وقف خلفها، ثم أمسك الفستان و نشره أمامها، مثبتا أطرافه العلوية على كتفيها، تأملها مثلما تأملت نفسها منبهرة، قبل ينحني و يعلق قرب أذنها:
+
"أنتِ قرَّرتِ أن ترفضيه من أجلي، و أنا قرَّرتُ أن ترتديه من أجلي!".
128
حبست أنفاسها، حتى كادت عروقها تنفجر، قبل أن يضيف هامسا:
+
"أريدُ أن أتخلص من كل ذلك، أريدُ أن أنظر إليكِ بهذا الفستان بالذات لأنه راق لي، أريدُ أن أرى كيف يحترقُ التوليب تأثرًا بجمالكِ آنسة موران!".
33
ما الذي يحدث لهذا الكون؟ هو يراها جميلة و يعبر عن ذلك هنا في غرفتها و بهذه الطلاقة الشاعرية؟ و يناديها للمرة الأولى بالآنسة و بكنيتها؟ ماذا يريد؟ ماذا قال؟ هل سمعت أوهاما فقط أم أنه قال حقا أنه يريد رؤية فستان التوليب المشتعل عليها؟ لاحظ تذبذبها الواضح، و هو يخطو مبتعدا نحو الباب، و بينما يدير المقبض، أضاف بنبرة دافئة:
+
"لقد أنهيتُ الحرب بداخلي، و غفرتُ للتوليب!".
34
نهاية الفصل الثلاثين.
+
الحادي والثلاثون من هنا
