اخر الروايات

رواية الغضب الاسود الفصل الثامن والعشرين 28 بقلم الكاتبة كوين اسمهان

رواية الغضب الاسود الفصل الثامن والعشرين 28 بقلم الكاتبة كوين اسمهان


الفصل 28|من أجلها!

                                        

                                              
   ترجَّلت تايلور كراوفورد من السيارة الفخمة، و انتزعت نظاراتها العريضة لتتأمل بانشداه بيت آل كينغ، كانت ممرات الحدائق التي عبرتها قبل قليل فاغرة الفم مذهلةً حقا، و هذا البناء الذي تقفُ أمام أبَّهته الآن، لا يقل عنها إذهالا، و ما زاد منظره رونقا تلك الورود الزاهية التي تنمو حوله.

+


   تمالكت دهشتها فورا حين فتح الباب رجل صيني متوسط العمر و انطلق نحوها مُرحِّبًا، أومأت له شاكرة و التفتت تخاطبُ الخادمة التي ترافقها بلهجة ساخطة:

+


"ماذا تفعلين بيني؟ انتبهي للحقائب و أنتِ تحملينها، خاصَّةً العُلب... لا تهُزِّيها كما لو أنكِ ترُجِّين بخاخ حشرات! إنها تحوي أغراضًا ثمينة".

2


   راحت المسكينة بيني تترنَّحُ بما تحمله متعثرة، يكادُ وجهها المتقلصُ لا يُرى من خلفِ كل تلك الأغراض، أشفق السيد لي عليها، و نادى الخادمات ليساعدنها، و يضعن حدًّا لمعاناتها. ثم قاد الضيفة باحترام نحو الصالون، أين جلست كالأميرات منتظرة اللحظة التي ستقابلُ فيها صاحبة الورود كما وصفتها صديقتها، و للحظةٍ فكَّرت أنها تقوم بالصَّواب، أليس دعم الأصدقاء بعضهم بعضًا صوابًا؟ ظهرت آبي بعد ذلك على باب الصالون، و عانقت تايلور بسعادة مرددة:

+


"أخيرًا أنتِ هنا؟".

+


"آه! تعرفين أنني سائقة مُملَّة جدا، ثم إن الطريق من بانبري إلى هنا كان رائعا، لذا توقفتُ عدَّة مرَّات لالتقاط صور من أجل دعايتي القادمة!".

6


   تذكرت آبي أن صديقتها أنشأت جمعيَّتها الخاصة لحماية البيئة و الحيوانات المهددة بالانقراض، صحيحٌ أنها دخلت المجال حديثا؛ غير أنها لاقت نجاحًا فوريا، و تهافتت عليها عروض رجال الأعمال و المشاهير من أجل تمويل مشروعها، بفضل إنسانية الفكرة، و بشكل أكبر... بفضل اسم والدها الشهير، فقد كان نيلسون كراوفورد كاتبًا و ناشطًا سياسيَّا مرموقا في البلاد، و أثَّرت آراؤه و كتاباته الهادفة للتغير و التطور في أستراليا لعقود متعاقبة.

+


   اندهشت آبي متسائلة:

+


"ظننتُ أن سائقكِ الخاص هو من سيأتي بكِ!".

+


"فضَّلتُ أن أقود بنفسي!".

+


   تجاوزت آبي ذلك، و هي تجلس إلى جوارها ممسكة يدها بحماس:

2


"من الجيد أنكِ تحررتِ من وجهه العابس!".

+


   همست لها تايلور و هي ترى رجلاً أسمرًا شديد الطول مصقول الجسد يقفُ على باب الصالون:

+


"حسنا، لن أناديه بالعابس بعدما رأيتُ هذا".

+


   التفتت آبي متتبعة مسار نظرات تايلور و على الفور قفزت من مكانها بابتسامة متكلفة و هي تهتف:

+


"هارولان! عمتَ صباحًا، لم تكن موجودًا على طاولة الفطور قبل قليل، لذا لم أخطِرك بوصول صديقتي اليوم!".

+



                                      


                
   نشبت فيه عينيها، أرادت أن يفضي لها بالسبب الذي جعله يتغيب عن وجبة الصباح المعتادة، لكن هارولان كينغ لم يكن ذلك الرجل الذي يبرر تصرفاته أو يقدم تفسيرات لأحد! استسلمت للأمر حين حافظ على صمته المريب و حدق في الفتاة الغريبة التي وقفت بدورها، منتظرا تقديمها إليه بصفته سيد البيت، و قالت معرفة:

+


"هذه صديقتي المقربة التي حدثتك عنها، تايلور كراوفورد، لا ريب أنك سمعت عن والدها! إنها ممتنةٌ جدا لأنك استضفتها في المزرعة".

+


   أومأ هارولان ببرود، و قال في اقتضاب:

+


"مرحبا بك!".

+


   لم ينتظر لتتقدم نحوه و تصافحه شاكرة، غادر الصالون كأنه لم يكن هناك للتو، لملمت تايلور يدها التي مدَّتها، و جلست ثانية قائلة بتأفُّف:

+


"يا إلهي! إنه أسوء رجل وسيم في العالم! من يستقبل ضيوفه هكذا؟".

1


   انضمت إليها آبي ضاحكة:

+


"إنه هارولان كينغ عزيزتي، أشكري السماء أنه رحَّب بكِ أساسا!".

+


"أ هو لئيمٌ إلى هذا الحد؟".

+


"ليس لئيمًا! فلنقُل أنه محيطٌ عميقٌ من البرود و السواد!".

+


   تركت الأريكة، و تنهدت مضيفة:

+


"هيا عزيزتي، سٱريكِ الغرفة التي أعدَّتها آديا من أجلك".

4


   أقامت بيني في جناح الخدم، أين وجدت الوضع غريبا و مُريحا في نفس الوقت، بخارُ قهوة السيد لي المتسلل كل حين من المطبخ، غثيان ساري المتكرر، كسل تِيا و تثاؤبها المستمر، لطفُ هانا الدافئ، و هذيان سيدني بفارس أحلامها الثري و رحلة إلى سويسرا الشتاء القادم! كانت بيني تنظر إلى كل ذلك بعينين واسعتين خلف نظارات عريضة الإيطار، ثم تقفزُ فجأةً هلعة ما إن تُناديها سيدتها طالبةً شيئًا ما!
و كانت تايلور كراوفورد جميلة، قمحية البشرة طويلة و نحيلة كعارضات الأزياء، بشعر قسطلي متوسط الطول و عينين لوزيتي الشكل في لون العسل، أنفها دقيق، و لها فمٌ صغيرٌ منمنمٌ كأفواه الدمى الصينية! 

+


   ٱعجبت تايلور بالمزرعة بعد جولة قصيرة على سيارة ماريغولد، كان اللقاء الأول بينهما عكس ما توقعته تايلور، بعد حديثها مع صديقتها، ظنت أنها على وشك مقابلة ساحرة من العصور الغابرة، بنظرة ماكرة و روح خبيثة؛ لكنها فوجئت بملاك مليءٍ بالوُدِّ و الرحمة!

+


"أنا أحبُّك آبي! لكن عليَّ أن أكون صريحةً معكِ، منافستُكِ ليس سهلة أبدا!".

+


   قالت تايلور ذلك و هي تجالس صديقتها على شرفتها في اليوم التالي، و تلتهمُ قطعة من المانجو بتلذُّذ، كانت ماريغولد بالأسفل تروي ورود القطيفة في تلك الأثناء، اتكأت آبي على سور الشرفة مفكرة، قبل أن تستطردَ الأخرى مسحورة:

+


"إن وقع كينغ العابس تحت تأثيرها فلن ألومه، أنظري إليها... إنها جميلةٌ جدًّا!".

+


   حدقت فيها آبي مليًّا، ثم هزت رأسها نافية، و أردفت معترفة:

+



        

          

                
"لا، ليست جميلة بذلك المعنى الذي تقصدينه، أعني أن مظهرها عادي مقارنةً بالجميلات؛ لكنها دافئة و رقيقة مثل الورود!".

+


"فهمت إذن!".

+


   أضافت تايلور معلقة بينما تأخذ رشفةً من العصير:

+


"إنها النوع الذي قد يؤثر بسهولة على رجل بارد مثل هارولان كينغ!".

+


"كلا، لم يكن الأمر سهلاً أبدًا يا عزيزتي!".

+


   ظهر عدم الفهم جليًّا على وجه تايلور، فأوضحت آبي و هي ترى لِيو يركض بغبطةٍ نحو المزارعة:

+


"الوصول إلى رجلٍ مثله يتطلَّبُ جنونًا، و صاحبة الورود كانت الجنون بعينه!".

+


   همس لِيو في أذن ماريغولد بشيء جعلها تضحك، و تتركُ مرشَّ النباتات لتختفي بمعيته بين الأشجار، فيما استطردت آبي ناظرةً إلى شجرة الماريغولد البهيجة:

+


"إنها ليست مجرد مزارعة ممتازة أو بستانية رقيقة الطباع، إنها تمتلكُ ما تفتقرُ إليه بقية النساء، الجرأة! هذا ما جعل هارولان ينجذبُ إليها و يُصبح مختلفا! هل تصدقين أن هذه الجميلة الناعمة امتطت أشرس الجياد على الإطلاق؟ حصانٌ متوحشٌ لا يجرؤ أحدٌ على الإقتراب منه سوى هارولان!".

+


   شهقت تايلور مصعوقة:

+


"غير معقول!".

+


"أجل، كان هذا أول ما سمعته بعد حلولي بالمزرعة، ظل الجميع يتحدثون عنها كما لو أنها بطلةٌ قوميَّة! لم تمتطِ ذلك الحصان فحسب، بل وقفت بكل جنون ممكن أمام ثور هائج! تخيَّلي فقط أيُّ احترامٍ كسبته من لدن هارولان، إنها تعمل على أرضه بتفانٍ، تهديه البهجة التي يفتقدها، تحنو على لِيونارد أمامه، و تنظر إلى عالمه الحالك بنظرتها الحالمة، و لا تخشى غضبه أبدا، لهذا السبب لم أظهر لها العِداء، و لهذا السبب سأستغلُّ طريقتها، و أسخرها لطموحي!".

3


   تنهدت تايلور سائلة:

+


"و ما هو طموحكِ عزيزتي آبي؟ تمضية الصيف مع أكثر رجل عابس و جذاب في الكون؟!".

2


   قهقهت الأخرى، و أجابت هامسة:

+


"طموحي... أن أكون السيدة أبيغايل كينغ قريبا!".

72


   فغر فم صديقتها، و غصت بالعصير الذي ارتشفته، سعلت قليلا، ثم قالت بذهول:

+


"لا بُدَّ أنكِ تمازحينني! صحيح؟ أنتِ... و الزواج؟ ألم تقولي أنك لن تلتزمي بعلاقة جديَّةٍ أبدا؟!".

+


   هزَّت آبي كتفيها بغير اكتراث لتغير موقفها من الزواج، و عقبت:

+


"لن أنكر أنني قلتُ ذلك سابقا؛ لكن الأمر تغير الآن، لقد عثرتُ على رجل يستحق المجازفة بحريتي في سبيل الإقتران به، رجلٌ فريدٌ لا شبيه له، و الزواج منه سيكون مغامرةً رائعة!".

1


   استدارت إلى صديقتها مستطردة بدلال:

+


"و أنت تعرفين كم أهوى المغامرات!".

1



        
          

                
   هذه هي أبيغايل باشلار، عندما يتعلق الأمر بشغفها تجاه شيء ما لا تكترثُ لأي منطق أو صواب، و الآن هي شغوفة برجلٍ لم ترَ مثله من قبل، و لن ترتاح حتى تخوض مغامرتها معه! استسلمت تايلور و لم تُحاجِجها أكثر، و قالت بيأس:

+


"ألا يُخيفكِ رجلٌ مثله؟ إنه لا يبتسمُ حتى!".

+


   لوَّحت آبي برأسها ضاحكة، و ردَّت مُجعِّدةً أنفها:

+


"و هذا ما يعجبني فيه، إختلافه الآسر!".

7


   لم تصدق تايلور ما تسمعه و تراه، كانت عينا آبي تلمعان و هي تتحدث عن هارولان، هل وقعت في حبه... أم أن الأمر لا يعدو كونه إعجابًا عابرًا؟!

1


"و كيف ستنجحين في إثارة إهتمام شخصٍ باردٍ مثله؟ إن تحريك التماثيل الصمَّاء أسهلُ من تحريك مشاعر ذلك الراعي العابس!".

+


   تمطَّطت آبي بغنج، و تأملت الحدائق بعيون ناعسة قبل أن تُردف بهمس:

+


"سأتصرَّفُ برقَّة تماما كصاحبة الورود، سأهتمُّ لما يهتمُّ به، سأحفر طريقي الخاص نحو قلبه!".

36


   فكَّرت تايلور قليلاً، ثم التقطت مجلة ديكورات الأعراس التي كانت تطالعها، و قالت مُمازحة:

+


"من يدري؟ ربما نتزوجُ في يومٍ واحد!".

+


"و يكون حفل الزفاف هنا بين الحدائق".

7


   تمتمت آبي بذلك حالمة؛ لكنها انتبهت لما تلفظت به سهوًا، و التفتت هاتفة بمرح:

+


"يا لها من فكرة مذهلة!".

+


"ماذا؟".

+


"الحفل! حفلُ زفافكِ! سيكون رائعًا لو تمَّ هنا بالمزرعة!".

+


"يستحيلُ حدوثُ شيء كهذا! ما قلته كان مجرد مزحة!".

+


"لِمَ لا نجعل المزحة حقيقة؟".

+


   حاولت آبي إقناعها، فاعترضت تايلور:

+


"لن نستطيع! أُول يمقتُ إبن خالكِ العزيز و يدعوه بالطاغية!".

19


"آه! عدنا إلى سخافات خطيبك الرنَّانة!".

2


   عبست تايلور مردفة:

+


"ها أنتِ تهينين خطيبي ثانيةً! أُول رجلٌ شريف و هذا ما شجعني على قبول الزواج به".

13


"هل جمعكما موقف جديٌّ أثبت فيه هذا الشرف العظيم؟ هل رأيتِ بنفسك كم هو شريف؟ لا! صحيح؟".

1


   ارتبكت تايلور لثوانٍ، و عقصت المنديل الورقي بين يديها حتى كادت تمزقه، ثم أجابت بغمغمة مترددة:

+


"حسنا، قالت عنه السيدة ريد أنه رجل شريف و مسؤول!".

+


"و أنتِ ركضتِ فورًا لأحضانه! و وافقتِ على زواجٍ مُدبَّرٍ بأكثر الطُّرق رجعية على الإطلاق!".

4


   كانت تايلور تدركُ أنها تسرعت، لكنها خشيت ألا تحصل فرصة أفضل من هذه لتستقر مع زوج و بيت و أطفال كما يتمنى والداها، خشيت أن تستمر على رفض عروض الزواج المتراكمة فتبقى عانسًا طوال العمر! و كان الزوج الذي أرسله القدر هذه المرة وسيما و من عائلة مرموقة، ألا يكفي هذا لاختيار الزوج؟ ألا يكفي هذا لبناء بيت؟ أم أن عليها المجازفة بحياتها مثل ماريغولد... و خوض المغامرات مثل آبي... كي تعثر على زوج يحبها لنفسها لا لمشروعها النبيل... أو لاسم والدها؟ إنها لا تعرف! إنها حقيقة لا تعرف!

4



        
          

                
   أدركت آبي أنها ربما خدشت مشاعر صديقتها بعدما رأتها تترك الشرفة، و تجلس على سريرها ضائعة، فلحقتها و انضمت إليها معتذرة:

+


"أنا آسفة! ما كان يجب أن أسخر بهذه الطريقة، لكنني أحبك... و أخشى أن تضيعي داخل علاقة غير واضحة تبتلعُ جمال روحك!".

+


   ابتسمت تايلور بحزن:

+


"أيُّهما الأسوء... أن تبتلعني علاقة غير واضحة... أو أن تبتلعني الوحدة لبقية العمر؟".

1


   كان ذلك من أكثر الأسئلة الغامضة و المستفزة بالنسبة لآبي، كيف يمكنها أن تجيب على هذا؟ لم تكن لديها إجابة، لكنها شعرت بما يخالج صديقتها، فطبطبت عليها قائلة:

+


"ما رأيكِ لو تتصلين بخطيبكِ و تسأليه متى سيصل؟".

+


"خابرني منذ قليل، قال أنه سينهي قضية مهمة أولا، و وعد ألا يتأخر عن العشاء!".

36


"الأجدر ألا يفعل، هارولان كينغ لم يعارض فكرة استضافته و التعرف عليه!".

+


   نهضت و خطت نحو الباب ثم تابعت باستمتاع:

+


"و لن يعارض فكرة إقامة الزفاف هنا أيضا!".

7


"أوه، آبي رجاءً لا تفاتحيه بهذا! أُول لن يقبل".

9


"الزوجة الجيدة تعرف كيف تقنع زوجها! تدربي على هذا عزيزتي... و إلا فستواجهين مشاكل عويصة في أيامكِ القادمة!".

+


   تساءلت تايلور بحيرة:

+


"كيف عساني أفعل؟".

1


"استخدمي سحر الأنثى، مثلما سأفعل أنا الآن".

3


   فتحت آبي الباب، فتركت تايلور مجلسها مردفة:

+


"هل ستذهبين لرؤية هارولان الآن؟".

+


"أجل، إنه في أرضِ الجياد منذ بكرة الصباح، سيكون من الرائع أن أراه و هو يعتني بجياده الغالية!".

+


"إذن عليكِ تغيير هذا الفستان الزهري القصير، البناطيل تناسب عالم الرعاة أكثر!".

+


   سخرت آبي ضاحكة:

+


"لا داعي لذلك، فلن أتحامق مثل صاحبة الورود و أركب صهوة حصان ما، قلتُ لكِ أنني سأكون أرقَّ مما تتخيلين، سأسترق النظر فقط لجسده المصقول و هو يعتلي جواده الأسود!".

3


   سألت تايلور ثانية بنبرة قلقة:

+


"هل أنتِ واثقة أن الفكرة تستحق التجربة؟ أعني... إقامة الحفل هنا!".

+


"بالطبع عزيزتي، أنتِ تتزوجين مرة واحدة في العمر، فليكن زواجا خالدا في التاريخ! تخيلي منظركِ و أنتِ تتأبطين ذراع عريسك و تسيرين بين مئات الورود البهيجة! سنعتمدُ أزياءً مشابهة لألوان الأقحوان و النرجس و القطيفة!".

10


   تحمست تايلور و تابعت بدلاً منها:

+


"و الموسيقى ستكون بوهيميَّة هادئة!".

+



        
          

                
   شجعتها آبي أكثر:

+


"و لن تضطري لإنفاق الوقت بين البيت و موقع الحفل، سيكون كل شيء قريبٌ منكِ هنا!".

+


   مازحتها الأخرى:

+


"و سيكون هارولان الحبيب قريبًا منكِ أيضا!".

14


   قهقهتا معا، و انتهت دردشتهما بخروج آبي من الغرفة و على شفاهها إبتسامة واسعة، لكن ما كان بإنتظارها في أرض الجياد لم يكن في الحسبان! لم يعجبها منظرُ ماريغولد و هي تسندُ جسدها على حافة السياج، و تصيحُ ملوِّحة بكل ما بها من حماس و غبطة:

+


"أحسنتَ لِيو، أنت رائع!".

+


   ثم مضت في تصفيقها الحار مثل بقية الرعاة، بينما كان هارولان يحثُّ المارد الأسود على إكمال الدورة، ليتبعه المهر الصغير الذي يمتطيه لِيو، أمسك جيدا الحبل الذي يربطهما، و صاح مشجعا:

+


"ممتاز يا بطلي! ستكون فارسًا عظيما".

+


   شعر لِيو بالقوة تغمره و تنتشر في كامل أوردته، إنه أسعد رجل صغير، يمتطي حصانا مثل خاله، و صديقته المحبوبة تراقبه بوجه ضاحك، و كل العمال يرفعون قبعاتهم و ينظرون إليه بإحترام، إنه ببساطة يملك العالم الآن!

2


   كوَّرت آبي قبضتيها باستياء، حتى حفرت أظافرها الطويلة باطني يديها و خدشتهما، لم يكن ما تراه سارًّا أبدا؛ لكنها أجبرت وجهها على الإبتسام، و سارت نحو الحلبة مسلوبة الإرادة، فاقدةً للشغف، هل قطعت كل تلك المسافة و تحملت سخافات المدعو هوجو الذي أوصلها بسيارته فقط... لترى هذا؟!

1


   كان هارولان يراقبُ بحيطة إبن أخته، و يصحح من وضعيته بين حين و آخر، ثم يسرق في لمحة خاطفة نظرة لها وحدها، كم كانت رائعة، ليس لأنها ترتدي شيئا مميزا، لا، فقط لأنها كانت تصيح مشجعة الطفل، و تضحك بصوت جميل... جميل جدا... كما لم يرها من قبل! آبي أيضا رأت ذلك، بل و رأت أكثر من ذلك، كانت ثياب ماريغولد بسيطة و عادية جدا مقارنة بفستانها الزهري الباهض، و مع ذلك ظلت تبدو أجمل منها، ببنطالها الجينز و قميصها المتربة جراء العمل في الحدائق، نعم، كانت أجمل ببساطتها، لأن الجمال لا ينبع من الحُلَّة فقط بل من الروح أيضا، و جمال الروح إن ملأ عين الناظر... لا يبرحُها أبدا! ابتلعت ريقها بغصة و هي توقن الفرق بينهما، فرقٌ يفوق شساعة السماء و الأرض معا، كانت ماريغولد تبدو كوردة قويَّة الجذور، أصيلة، تنمو لتبقى؛ أما هي فكانت تشبه العصفورة الحُرَّة، التي إن تمسَّكت بمكان واحد تفقدُ روحها و تموت ألحانها و تفنى، لا يمكن للعصفورة أن تتقبَّل جذورًا أبديَّة، لا يمكن لعصفورة أن تكون وردةً أبدا!

7


   لاحظت ماريغولد حضور آبي فحيَّتها بلطف، و أخبرتها عما يجري في صوتٍ مشبوبٍ بالفرح:

+


"تعالي لتري هذا! لِيو موهوبٌ في ركوب الخيل!".

+


   تمسكت مثلها بالسياج، لكن بقسوة، محاولة كظم غيظها، و أردفت بأسنان مشدودة كأن إيلام قلب ماريغولد هو أشدُّ ما تتمنى:

1



        
          

                
"إنه شيءٌ فطريٌّ فيه، لأنه إبن هذه الأرض، كل أفراد عائلتنا هكذا، أقوياء و يشبهون كينغلاند، لأنهم ولدوا و ترعرعوا عليها، يلمسونها... يتنفسونها... و يموتون بها! لأنهم جزءٌ حقيقيٌّ منها!".

5


   فقدت ماريغولد إبتسامتها فجأة، و خلت نظرتها من الغبطة، انتبه هارولان لذلك فورًا، و تساءل بحيرة أين اختفى إشراق وجهها، أعلن عن نهاية الدرس، و قفز مبتعدا عن المارد، ثم اتجه إلى المهر، و رفع لِيو عن صهوته ليضعه على الأرض و يربت فوق شعره مستحسنا أداءه.

+


   كانت ماريغولد ترتجف، شعرت للمرة الأولى أنها غريبة عن كينغلاند، أليس ذلك صحيحا؟ إنها إبنة ذلك الشاطئ، لم تولد هنا، لم تترعرع بين هؤلاء الرعاة، و لم تعرف شيئا عن هذه الحياة سوى من قصص والدها، تُرى... هل يمكن أن تنتمي حقا إلى آل كينغ؟ و إن إنتمت! فإلى متى؟ ابتسمت آبي شاكرةً لسانها على تلك الكلمات المتعمدة، فلتتذكر هذه الفتاة أنها في النهاية و مهما حاولت... لن تنتمي إلى عائلة كينغ!

+


   ركض لِيو معانقًا ماريغولد، فتلقَّته بين ذراعيها و دارت به فرحة، ثم أنزلته ثانية متمتمة:

+


"كنتَ مذهلاً صغيري!".

+


"هل يمكنُ أن تكفِّي عن مناداتي بالصغير يا صديقتي؟ أصبحتُ رجلاً كاملاً الآن!".

+


   داعبت شعره الأسود ضاحكة و بعض الدموع في عينيها:

+


"عزيزي! أنت رجلٌ كاملٌ منذ البداية!".

+


   أدخل أحد العمال إبنه، كي يدربه المعلم، ليصبح بدوره فارسا ممتازا يوما ما، فثار بعض الغبار حين ٱسرِجَ خيله المختار، و وُضِعَ على الصهوة مضطربا، و نظره يتأرجح بين والده و المعلم كينغ الذي كان يطمئنه بهدوء، عندها أيقنت آبي أن الوقت غير سانح لفتح موضوع الزفاف، ستتركه الآن لهذه المزارعة، لكن ليس طويلاً، لأنها لم تتراجع بعد عن نواياها! لقد واجهت المستحيل في البراري و الصحاري و الأدغال فقط من أجل إلتقاط الصور، كيف ستعجزُ عن سبر أغوار هذا الرجل و تنحية فتاة مثل ماريغولد موران عن طريقها! إن كان هذا يتطلب بعض المكر و الخطط المؤذية فهي لن تكون آسفة أبدا... لأن هارولان كينغ لا يتكرر!

2


   قفز هارولان تاركا جواده مرة أخرى، و نصح الطفل الذي كان يدربه بأن يحارب خوفه كي يصبح راكب خيل حقيقي مثل والده، و بينما كان يقتربُ من ماريغولد و لِيو التقط حوارهما:

+


"صديقتي؟ هل سنحضرُ زفاف تايلور؟".

+


   سمعت ماريغولد هذا السؤال من لِيو، فاستيقظت من شرودها و هي تتابع ركض ذلك الطفل المذعور لأحضان والده، و تمتمت بأسف:

+


"لا أعتقد، لكن ربما خالك يفعل، و قد يسمح لك بمرافقته".

+


"و ماذا عنكِ؟".

+


   أجابته ثانية بإبتسامة ضيقة:

+


"يستحيلُ هذا، لا أملكُ ثوبًا لمناسبةٍ كهذه، ثم إنني لستُ مدعوَّة! و ليس لائقا أن أحضر مناسبة لم يدعُني أصحابها إليها".

+



        
          

                
   أردف لِيو ببراءة أضحكتها:

+


"لا تقلقي، سأطلبُ من تايلور أن تدعوكِ لزفافها!".

+


"حتى إن دعتني، لن أذهب، إنها تعيش في بانبري البعيدة، و يتطلب حضور زفاف هناك وقتا و ترتيبات خاصة، و هو ما يتعارض مع عملي هنا، أنا لستُ حُرَّةً تماما لأفعل ما أشاء يا عزيزي!".

+


   أمسكت بقية كلماتها حين وصل هارولان، و سأل عما يجري، و كان لِيو على وشك التكلم، لولا ماريغولد التي غيرت دفة الحديث تماما و مدحت طريقته الخبيرة في تدريب الصغار على ركوب الخيل، فيما لم يتوقف هو عن التفكير بما سمعه، أهذا ما يُحزنها إذن؟ أهذا ما سرق إبتسامتها الجميلة؟ مجرد حفل زفافٍ لن تستطيع حضوره! هل هذه الأشياء تسعدُ النساء فعلاً؟ الحفلات... و الفساتين! هل ستعيدُ هذه الأشياء الإبتسامة التي كانت تزينُ شفتيها؟

23


   لمح وكيل أعماله يلوِّحُ له من بعيد، متعرِّقًا متضرج الوجه، يكادُ يذوب من حرارة الشمس، فتذكر أنه ترك الهاتف الخلوي في المكتب، و أدرك أن الموضوع بالغ الأهمية، و إلا لما تكبد واين هوكينز كل هذه المشقة لمجرد إلقاء التحية! هل يعقل أنه نجح في تلك المهمة التي أوكلها له قبل أسابيع؟ أرسل ماريغولد و لِيو إلى البيت، و أمر الرجال بإعادة الأحصنة إلى مرابضها، ثم ساق المارد نحو إصطبله، ليتفرغ في الأخير كليًّا لما يتأرجحُ على شفاه واين! و الواضح أنها بشرى سارة كما يرى و هو يتقدم صوب سيارته الآن!

+


"أبشر سيد كينغ، عثرتُ عليه أخيرًا!".

10


"أين هو؟".

+


"كما أمرت! وضعه الحُراس في كوخ الصيد!".

1


"ممتاز! فلنُرحِّب به إذن كما يستحق!".



+


   حاولت ساري باذلة قصارى جهدها تجاهل غاري كما يتجاهلها؛ لكن الأمر كانا شاقًّا عليها، إنها لا تحب تجاهل أحد في الأساس، يا له من شعور مقيت، أن تدعي أنك لا تكترث... بينما كل إنش بك يكترث و يهتم و يتمزق! كان غاري قد اقتحم المطبخ باحثا لدى خزانة السيد لي الخاصة عن معدات صيانة الأبواب:

2


"بوَّابة المستودع خارجة عن الخدمة، و لن ننتظر قدوم عامل الصيانة، ثم إن الوحيد الذي يجيد تصليح هذه الأشياء هو ريك جونسون، و كما تعلم لا يزال طريح الفراش!".

+


"فهمت، لحظة فقط!".

+


   تمتم السيد لي بذلك تاركا مجلسه أين كان يطالع جريدته، و اتجه صوب الخزانة السحرية التي تكتنز في جوفها كل ما قد يحتاجه المرء وقت الضرورة! حدق غاري في كل شيء حوله، البصل المفروم، الجدران البيضاء، القدر الكبيرة التي تصاعد نشيجها، مرولة هانا و شعرها الأشيب المعقوص، و حتى السقف، حدق في كل شيء إلا ساري! بينما لم تحدق هذه في سواه! عاد السيد لي حاملا علبة معدات الصيانة، فتناولها غاري و خرج مسرعا، كأن الكون يطارده، آلمتها عيناها، تحجَّجت بتضايقها من رائحة البصل، و غادرت المطبخ تلاحقه، ركضت خلفه قائلة:

+



        
          

                
"حسنا، لقد تعبت، تعبت حقا غاري، إذا أخبرتُك من يكون والد طفلي... هل سيتغير شيء؟ هل سيعترف بنا زوجةً و إبنًا؟ هل سأرتاح من هذا الألم الذي يحفر أعماقي؟".

+


   توقف غاري بحدَّة، و نظر إليها مليًّا، مزقته دموعها، و أدمت قلبه، تابعت قولها بصوت مكسور:

+


"سأكون إمرأة حقيقية، لكن ريك جونسون لن يكون أبدًا رجلاً حقيقيًّا! لا من أجلي! و لا من أجل طفله! و لا من أجل أي شيء في العالم!".

+


   رحلت عنه لتبكي مصيرها في زاوية أخرى، فيما أكله هو الغضب، و تداولت عليه هصرات الإنفعال و الصدمة! إذن هو ريك! اللعنة! بالأمس كان هو و هوجو يطمئنان على وضعه! و هذا الصباح فقط كان يتمنى له الشفاء العاجل و يمدح للرجال موهبته الفذَّة في تصليح كل شيء! ليتبين الآن أنه ليس سوى الوغد الذي فعل هذا بساري!

3


   كان ريك يقرأ طالعه على آخر صفحة من جريدة اليوم، و بدا أن الأوضاع لن تكون طيبة في قادم الساعات! فكوكب زحل يحتلُّ فلكه، و هذا يعني العِداء و المشاكل و المعاناة! دفعها بعيدا عنه متأففا، و كاد يصرخ بجنون لأنه عجز عن حمل الكأس بشكل جيد ليرتشف شيئا من الماء فيبتل ريقه الذي جف، لكن بدل ذلك أطلق شتيمة حادة و خاطب نفسه بضيق: «متى سأتخلص من هذه اللعنة؟»، طار باب بيته فجأة بعدما ركله شخص ما، و ما لبث أن حدث نفس الشيء لباب غرفته، و وجد نفسه وجها لوجه مع زميله في العمل غاري، اللعنة الحقيقية في بيته الآن! أهذا هو غاري ويبر نفسه؟ لم يسبق أن رآه مشتعلا بالغضب هكذا! لم يسمح له غاري بإعمال عقله أكثر، انقضَّ عليه كوحوش البريَّة، و مضى يضربه كيفما إتفق، و كيفما راق له، غير عابئ بكسوره و جروحه الخطيرة، و مع كل لكمة أو ركلة يوجهها له كان يصرخ بصوت خشن:

16


"كيف سمحت لنفسك بالنظر إليها حتى؟".

1


   و في خضم غضبه كسر الكأس، و أوشك على فقع عينيه بشظية من الزجاج، لولا أنه تذكر طفل ساري، لا، لن يجعله يتيما، بل سيجعل هذا النكرة يصبح رجلا رغما عنه!

+


"ستتزوج ساري!".

47


   هدد عينيه ثانية بالشظية متابعا:

+


"أو ستموت على يدي!".



+


   عندما عاد هارولان مساءً، كان الإسترخاء بادٍ على وجهه، كأنه قام بحل أزمات العالم أجمع! أراد أن يجتمع بماريغولد قبل أي شخص آخر، ليزفَّ لها أجمل خبر قد تسمعه في حياتها، إنه مضطرٌّ لفعل هذا، لأنه الصواب، لأنه حقها! حتى إن كان ما سيفعله يهدد بابتعادها عنه؛ لكنه واجبٌ عليه بعد السكينة التي أنزلتها على روحه و حياته، هي تستحق أن تبتسم من كل قلبها! غير أنه بدلاً منها وجد آبي تنتظره في الحديقة بفارغ الصبر، في البداية كان سينصرف عن ثرثرتها، إلا أنه اهتمَّ فجأةً بفكرة إقامة الزفاف بمزرعته!

4


   تابعت آبي مقترحها بلسان يقطر شهدًا:

+


"أتمنى أن تسمح بهذا، في النهاية كينغلاند أرضٌ ساحرة، و تايلور مثلي تعشق كل ما هو طبيعي و بوهيمي! ثمَّ إنَّ خطيبها الذي...".

+



        
          

                
"موافق!".

6


   كان هذا كل ما خرج من بين شفتي هارولان، قال هذا فقط... و تجاوزها نحو البيت كأنها مجرد سراب، حسنا، هذا غريب! فلم تتعب في شرح أي شيء، و لم يتطلب الأمر قدرات خارقة في الإقناع، بضعُ كلماتٍ و انتهى الأمر بنجاح! هنَّأت نفسها على ذلك الإنتصار، و ركضت نحو غرفة تايلور ناقلةً إليها الخبر القنبلة، فيما كان هارولان آنذاك يقفُ قرب غرفتها، و هو يعرف يقينا أنه لم يوافق من أجل آبي أو غيرها، إنما وافق فقط من أجل المزارعة! طرق الباب، فلم تجبه، أدار المقبض، و فتح ليجد الفراغ و بقايا عطرها، أغلق الباب ثانيةً، و آنذاك مرَّت به سيدني، فسألها مدعيا اللامبالاة كأنه لم يكن ينظر إلى عالمها الحميم للتو:

+


"أين المزارعة؟".

1


"ربما... في غرفة لِيونارد".

+


   انصرفت الخادمة، و كان سيبتعد لولا الحركة التي سمعها داخل غرفتها، فتح الباب مجددا باستغراب، و ابتلعته الدَّهشة! هل رآها من قبل بهذا الجمال؟ كلا! لم يفعل. كانت ماريغولد قد خرجت للتو من الحمام، بشعرها المبلل الطويل، الذي كلما حركت رأسها و أبعدته بأطراف أصابعها، عاد متعنتا ليلتصق بجلد كتفيها الناعم كأنه يعانقها، لا يجب أن ينظر لهذا! لا يجب أن يطيل النظر! ترك الباب مواربا حتى لا تنتبه لوجوده و تشعر بالخجل، و انسحب بهدوء نحو غرفته، مصارعا رغباته التي باتت تنهشه بوحشية، و ترسله نحوها مع كل فكرة ينسجها خياله المفتون! جلس على حافَّة سريره محاولاً نسيان ما رآه، لكن كيف سينسى؟ كيف سيقف أمامها بعد هذا دون أن يهمس لها كم كانت فاتنة؟ لكن... لقد أقسم على فعل ذلك! و لن يتراجع الآن!

6


   انتظر مرور بعض الوقت، ثم عاود الوقوف أمام غرفتها مرة أخرى، و لاحظ أن الباب ظل مواربا كما تركه، و هذا يعني أنها لا تزال مشغولة بشيء ما، أطلَّ برأسه بعد تردُّد، و كانت المفاجأة أنها تجلس على الشرفة، ترتدي ثوبًا أسودًا قصيرًا، يُبرزُ ساقيها الجميلتين، تِنك الساقان اللتان كانت تسندهما إلى الدرابزين! و بين يديها كتاب، كتابٌ جعلها تنسى الوجود، و تصنع لنفسها وجودا آخر بين تلك الصفحات، وجودٌ بعيدٌ عنه، عن الطرقات المتتالية التي أوقعها الآن على الباب و لم تسمعها، و عن وقع خطواته و هو يقتربُ منها قائلا:

+


"هل تسرقُ الكتب البشر من عالمهم أم ماذا؟".

15


   انتفضت و استقامت تحييه بحيرة، فتمتم بشيء من الحقيقة:

+


"طرقتُ و لم تسمعي!".

+


"المعذرة، كنتُ فقط مندمجة مع الرواية!".

+


"رواية؟".

+


   ابتسمت بحماس، و احتفظت بالصفحة التي بلغتها، ثم ملأ البريق عينيها و هي تقول واضعة الكتاب بين يديه:

+


"طلبتُ من تِيا أن تبتاعها لي حين زارت بريدجتاون مؤخرا، إنها إصدارٌ حديثٌ لهذه السنة و أغلب النسخ نفذت، لذا أنا محظوظة بها، و نعم، الكتب تسرقك من عالمك بكل سهولة!".

+



        
          

                
"و عن أي شيء تتحدث الرواية؟ ما هذا الشيء الساحر الذي حوَّلكِ إلى حاضرة غائبة؟!".

+


"الحب!".

1


   تفرس في ملامحها المتوردة و هي تبتسم مضيفة:

+


"أغلب الروايات تناقش هذا المُسمَّى النبيل، الإنجذاب، الفوارق التي تلعب دور الحدود، صراعات الأحبة و شتاتهم، و جذوة العشق الصادق، و جحيم الغيرة، و وصالٌ ثم فراقٌ ثم وصالٌ بعد ذلك يجعلك تمسك أنفاسك غير مصدق أنك بلغت نهاية القصة!".

4


   للحظة ظن أنها لم تكن تتكلم بل ترقصُ داخل قلبه! تأملها و تأمل الكتاب، فتحه دون أن يفهم من حروفه شيئا، ثم أعاده إليها، و قال بأسف:

1


"كما تعلمين لن أستطيع قراءة شيء من هذا، لذا لِمَ لا تقرئين لي القليل بنفسكِ؟".

2


   أحزنها أنه محرومٌ من هذه النعمة! و أسعدها في آن واحد أنه يريدها أن تقرأ له، تناولت منه الكتاب، و تمتمت:

+


"سأفتحه عشوائيا، لنرَ ما سيختاره لنا الحظ!".

+


   كانت الصفحة التي صادفتها أكثر الكلمات التي هزَّت أعماقها سابقا، لدرجة أنها سطرت تحتها بقلم كي لا تنسى ما قرأته و ما حفره داخل عقلها و قلبها، سألها مستعجبا صمتها:

+


"ما الأمر؟".

+


"لا شيء، أنا فقط أستغربُ أنني فتحتُ على هذا المقطع بالذات، لأنه أكثر شيءٍ أحببتُه في الرواية بأكملها!".

+


   تشوَّق هارولان أكثر ليعرف عن أي شيء تتحدث، و لم ينتظر طويلا، لأنها فتحت فمها الجميل ثانية، و بدأت تقرأ، و بدأ هو بالإصغاء عقلاً و قلبًا و روحًا، قالت ماريغولد بأعمق نبرة ممكنة:

5


«...أنظر إليه من ثقب باب مخاوفي، ترحب به كل مشاعري؛ و ترفضه كبريائي! أطرده مرغمة بقسوة؛ و أعتذر بدموعي! للمرة الألف يعبس و يصمت و يبقى! أنظر هذه المرة إلى ما وراء وجهه الأسود، أرى في العبوس ضحكا... و في الصمت حكايات... و فوق خشونة الراحتين ورودا و هدايا! أنظر كعمياء... تكتشف ما هو النور! كطفلة ساذجة ترى شبح الغرفة يتحول إلى شريك عمر! لأول مرة يبدو دخان سيجارته كغزل البنات! و يتحرك عطره حولي كما النسيم! أنظر إليه بدهشة... أرى أن بداخله شارعي المفضل... دميتي القديمة... دكان السكاكر الذي أحب... و عالم صغير لي! ترتجف يدي على مقبض الثقة، يقتحم مكاني مقنعا كل ذرة مني... أنني قطعة منه! يتسلل إلى عقلي و قلبي... و ينزلق بينهما، كأنهما ساعة زجاجية... و كأنه هو الرمال! أنظر إليه مجدداً... أراه بشكل مختلف... و بين ملامحه أراني!».

87


   عمَّ الصمتُ المكان للحظات و لحظات طويلة جدا، حتى ظنت ماريغولد أنه فقد القدرة على الكلام، تُرى هل لمس أعماقه هذا المقتطف كما فعل بها؟ و هل جعله يلهثُ وراء المزيد و المزيد من شهْدِ هذه الرواية؟ أجل، إنه كذلك، و إلا ما كان ليقول بصوته الهادئ و عينيه الباسمتين:

+



        
          

                
"ما هو عنوانها؟".

+


"من أجله!".

3


   كان واضحا أن من كتبت هذا الكلام خياليَّةٌ إلى حدٍّ بعيد... أو عاشقة حقيقية! حتى هذا العنوان يتكلم بعشقها، لكنه لا يعرف شيئا من ذلك، لا الحب و لا العشق و لا ما شابه، إن ما يعرفه الآن فقط... أنها جميلةٌ جدا في اللون الأسود، و أن ما خرج من ثغرها للتو كان أجمل ما سمعه في حياته برمَّتها، ربما سيخبرها بهذا يوما ما، أما الآن فهناك الأهم... على الأقل بالنسبة لها.

4


   استخرج من جيبه مفتاحا و قال بينما يقدمه لها:

+


"أعتقدُ أن هذا سيسرقكِ من الكتاب!".

+


   قلبته بين أناملها ذاهلة، و اغرورقت عيناها بالدموع مغمغمة:

+


"هذا... هذا... مفتاحُ بيتي!".

+


   حدقت في وجهه غير مصدقة، فأكد لها بإيماءة صامتة أنها لا تحلم، ثم قال:

+


"على الأشياء أن تعود إلى مواطنها الأصلية!".

+


   إنه يفعل هذا على الدوام، يرتبها بعد كل فوضى، يمتصُّ أوجاعها، و يجعلها الأسعد، إنه جانبه الأبيض الذي بات يبرز كثيرا في الآونة الأخيرة، إنها تراه بشكل مختلف... و بين ملامحه ترى نفسها! كيف عساها تشكره؟ لم تستطع أن تفكر أكثر، ارتمت عليه تحتضنه كأن ذلك الشيء الوحيد الذي سيضمن استمرارها في التنفس! كأن الحياة بأسرها خبأت نفسها في عرض صدره الدافئ! و الجميل في الأمر، أنه كان ينتظر ذلك، كان بحاجة ليدفن شفتيه بين خصلات شعرها، و يتمرغ بفمه المتعطش فوق شواطئ جيدها! و يضمها إليه دون أن يتكلم لساعات و ساعات! ناضلت ماريغولد لتقاوم السحر الذي يجذبها نحوه، و ابتعدت عنه متسائلة:

5


"كيف حصلت عليه؟ لقد أخذه مني ماكمان عندما وافقتُ على بيعه البيت!".

+


"استرجعتُه منه!".

+


   انتبهت ليده المتورمة، فقالت بوجوم:

+


"هل... ضربته... من أجلي؟".

+


   عرف أنها لاحظت ما حلَّ بيده، و تذكر ترحابه بماكمان في كوخ الصيد، كان عدد اللكمات العنيفة التي وجهها إلى فكه العريض أكثر من عدد الكلمات التي تبادلاها، لكنه نجح آخر الأمر في إجباره على نقل الملكية إليه.

4


"لا تفكري بهذا! المهم أن المفتاح معكِ مجددا، البيت بإسمي في الوقت الراهن، لكن قريبا ستعود الأمور إلى نصابها، و سنقصد المدينة لنتمم كافة الإجراءات!".

1


   ظلت ماريغولد تحدق بيده، كأن أمر استرجاعها البيت لم يعد يشغلها بقدر تورم يده، لمستها متحسسة إصابتها بحنان، و تمتمت بحزن:

+


"يجب أن تضع ثلجا عليها!".

+


   كانت لمستها أفضل من أي شيء آخر، أي ثلج سيحتاجه و سيروح عنه الألم أفضل من يدها؟ تابعت تقول هامسة:

4



        
          

                
"لا أعرف كيف أمتنُّ لك، أنا عادةً أمقتُ العنف، و أحاربه؛ لكن هذا العنف الذي تظهره من أجلي يشعرني بالحماية، لقد فقدتُ هذا الشعور بفقدان أبي، و الآن ها أنت تعيد إلي أشياء كثيرة ظننتُ أنني لن أعثر عليها ثانية!".

+


   ذرفت دمعة لم تتمكن من كبتها، فأسرع هارولان إلى إزالتها كأنها كانت شعلة نار تنزلق على قلبه، و تمتم قبل خروجه من الغرفة:

1


"سيُقام حفل الزفاف هنا، خذي إجازة غدا، سيوصلكِ غاري إلى بريدجتاون... لتبتاعي ما تريدين من أجل المناسبة".

1


   كانت ساري ماضية في عملها تساعد هانا على التجهيز للمأدُبة، خطيب الآنسة كراوفورد على قدوم، و ميعاد العشاء اقترب، و الكل على وشك رفع أيديهم مستسلمين للتعب الذي نال من أجسادهم، عدا السيد لي الذي كان في أتم نشاطه و عنفوانه، كأنه اكتشف نافورة الشباب منذ وقت قريب!

5


   اقتحم غاري المطبخ فجأة مُلحًّا على ساري أن ترافقه إلى الخارج لسبب ضروري، تعجب الكل، و عارضت هانا بعدما اكتشفت مؤخرا أن ساري حامل، فباتت تلاحقها كظلها، و توصيها بالراحة و الإبتعاد التام عن ريك، خشية أن ينوي بجنينها سوءً ليتخلص من عبء خطيئته! غير أن السيد لي الذي كان عالما بالقلوب، و خبيرا بالبشر، أرسلها برفقته مطمئنا و هو يردد في أذن هانا:

2


"غاري يعانق الموت و لا يسمح بأن تتأذى شعرة من رأس ساري، لذا كُفِّي قلقكِ، و تفقَّدي مرق لحم العجل، أخشى أنه يحترق!".

+


"وامصيبتاه!".

2


   ضحك السيد لي من فزعتها، و استطرد:

+


"متى ستتعلمين تمييز المزاح عن الحقيقة يا عزيزتي؟".

+


"سُحقا! أنت دائما تفعل بي هذا!".

+


   بعيدا عن مداعبات كبير الخدم و زوجته، كانت ساري تلاحق غاري نحو المجهول، و قدر ما سألته امتنع عن الإجابة بشيء يشبع فضولها، و يقمع حيرتها، و سرعان ما سرت قشعريرة مهلكة بسائر فرائصها، ليس لأن الجو بارد، بل لأنهما اقتربا من منزل ريك! توقفت مزدردة ريقها، و سألته بخوف:

+


"غاري! لماذا نحن هنا؟".

+


   التفت نحوها بنظرة غريبة، و أمسك يدها مجيبا:

+


"لتحصلي على كل حقوقك!".

+


   دفع الباب المخلوع كأنه يدخل بيته، و سحبها معه إلى غرفة المعيشة، حيث يجلس ريك بصعوبة، و قبالته موثق مدني! و كان على الطاولة سجل ضخم، و قلم! ببطء بدأت تستوعب ما يحدث، كانت هيأة ريك يُرثى لها، و كان الموثق يعيش حالة من العجب و الحيرة، في البداية هذا العريس المشوه، و الآن هذه العروس الشاحبة التي ترتدي زي الخادمات بدل ثوب الزفاف الأبيض، أي زواج هذا؟

1


   جلست ساري صامتة، ذاهلة، فاقدة للشعور، أليس هذا ما أرادته؟ ألا يعني هذا أنها ستضمن حقوق إبنها القادم، و تحميه من لقب اللقيط؟ لماذا هي تعيسة إذن؟ لقد سمعت ريك يعتذر منها هامسا، و يؤكد بصوت جهوري أنه سيكون معها في السراء و الضراء، و سيحبها حتى تختفي الشمس! لم تشعر بقلبها يهتز، و لا بجسدها يرتجف فرحا، و لا دموع سعادة زارت وجهها، شعرت أنها فارغة من كل المشاعر التي كانت تكنُّها لريك، لقد خان ثقتها و أهملها رغم علمه بأنها تحمل طفله، لقد حطم سكينتها، و جعلها تزدري نفسها كل يوم! جاء دورها لتقول أنها ستكون معه في السراء و الضراء، و لتوقع على ذلك السجل، أمسكت القلم، و نظرت نحو غاري، فألفته مشيحا عنها، كأنه لا يستطيع أن يشاهد خسارته لها، دق قلبها بعنف و هي تفكر أن الوحيد الذي أحبها بصدق هو غاري، من يمكن أن يجبر ريك على التحول إلى رجل حقيقي إلا غاري؟ إنه رجلها الحقيقي، الوحيد الذي يستحق أن توقع لتكون له!

+



        
          

                
   رمت القلم، و قفزت نحوه، تناست وجود الموثق و ريك، و قبلته بكل عاطفة تملكها، قبلته أمام الرجل الذي كانت له يوما ما و داس على قلبها، للحظة دُهش غاري، و لم يصدق أن هذا يحدث، ضمها إلى صدره و رفعها، لتدوم تلك القبلة مطولا، حتى كاد يغشى على ريك من الصدمة، ربما لم يكن متلهفا للزواج منها، لكن أن تنبذه بهذا الشكل المهين هو ما لم يتقبله مطلقا، عض شفتيه، و اعتصره الألم بينما كان الموثق يبحث عن قلمه الضائع، و هو يعاني عسرا في الفهم، لقد سمع عن مزرعة كينغلاند أنها ملكٌ لرجل إقطاعي لا يرحم، لكن يبدو أن المجانين فقط من يعيشون هنا، لذا فور عثوره على ظالته، زحف خارج البيت بدفتره الضخم، و هو يلعن نفسه لأنه جاء كل هذه المسافة من أجل لا شيء!


40


   لم تشأ ماريغولد أن تتكلَّف كثيرًا من أجل العشاء، جففت شعرها جيدا، و اكتفت بإرتداء ثوب أسود طويل الأكمام، الألوان تبهجها أكثر، لكن الأسود لسبب غريب يجعلها تشعر بالأمان و القوة، و هذه الليلة راودها حدسٌ بأنها ستحتاج القوة لتقف بثبات و تستمر، لم تفهم لِمَ؟ لكنها عندما تركت غرفتها و خرجت إلى الحديقة حيث كانت تِيا و آديا تجهزان طاولة العشاء، اصطدمت بوجه آخر شخص كانت تتوقع أن تراه... و بالأخص في هذا المكان بالذات، خطيبها السابق... أوليفر هاغان! كيف حدث هذا؟ و ماذا يفعل هنا؟ حصلت على جوابها حين قدمته إليها تايلور معتزة بعلاقتهما:

30


"آنسة موران، هذا خطيبي المفتش أوليفر هاغان!".

16


   خطيبها؟ أوليفر خطيب تايلور؟ يا للقدر العجيب! رغم أنها لم تعد مرتبطة به الآن، إلا أنها شعرت بالأسى و الأذى، تذكرت ما فعله بها، تخليه عنها لا يزال محفورا بذاكرتها، كأنه حدث أمس فقط! كأن هذه الأسابيع التي مرَّت لم تكن سوى ثوانٍ منذ تلك الطعنة! حسنا، لن تعارض القدر، و لن تكسر قلب أحد لأنها فقط لا ترغب برؤية هذا الرجل، بكل بقوة داست على كل شيء، و صافحته كغريب بالفعل، و تمتمت بسخرية:

+


"مرحبا، ماريغولد موران!".

+


   كأنه لا يعرف اسمها، نظر إليها أوليفر بشرود، تمزق حرفيا لأنها قالت اسمها كما لو أنهما غريبان، شيءٌ لا يصدق أن يجدها هنا، بل شيءٌ لا يصدق أن يجد نفسه هنا، لكن إلحاح تايلور و تهديدها له بتأجيل الزفاف الذي دبرته والدته مع صديقة لها، هو ما دفعه للمجيء إلى عرين كينغ بقدميه، و قد أقسم طوال الطريق أنه يتوقع حلول كوارث هنا، لأنه لم يكن متأكدا من أن هارولان لا يعلم شيئا حول تسببه في ذلك الحادث! كما لا يعلم الآن كيف باتت ماريغولد تتمتع بهذه المكانة في مملكة كينغ السوداء!

2


   كان هارولان يراقب من بعيد أمارات الألم و التعاسة بادية على وجهها، و عجز عن فهم السبب، لقد تركها في غرفتها منذ قليل على خير ما يرام، سعيدة بمفتاح بيتها العائد إليها! فما الذي استجد؟ لمس لِيو كُمَّ خاله مصرحًا على نحو مفاجئ:

+



        
          

                
"أنا أذكر هذا الرجل!".

22


   حدق فيه هارولان رافعا حاجبيه، فتابع الطفل بعفوية:

+


"إنه نفسه الذي دهس مُهرتي بسيارته، و ترك ماريغولد وحيدة، لقد جعلها تبكي، لأنه رجلٌ سيء!".

60


   أصبحت دماء هارولان تفور و تتبخر فوق دماغه، استشاط بشكل جعله يكاد يكسر يديه من الإنفعال، هذا هو الشرطي الجبان إذن؟ حسنا، هذا أكثر ما كان يتمنى حدوثه!

+


   أرادت تايلور أن ترشد خطيبها إلى الصالون ليرتاح قليلا قبل العشاء، لكن هارولان تدخل مصافحا إياه بقوة كادت تسحق يده، و اقترح ببرود:

+


"أتصور أن المفتش البطل يتوق للتعرف على أجزاء مدهشة من الحدائق... حيث سيقام زفافه!".

8


   لم يرتح أوليفر لذلك، لكنه وافق على مضض، سلم مفتاح سيارته و حقيبته للخادمة، و تلقى قبلة من تايلور و هي تقول:

+


"إستمتع بالجولة حبيبي أُول!".

13


   طال بهما السير، حتى هلك أوليفر، ليس من تحريك ساقيه؛ بل من التفكير في السبب الحقيقي وراء هذه الكياسة التي يُبديها هارولان كينغ، هذا الهدوء يقتله، يثير جنونه، توقف فجأة هارولان، فحذا الآخر حذوه، لكنه في اللحظة التالية وجد نفسه يتخبَّطُ في دماء شفاهه أرضا! لم يرَ سوى نظرة مرعبة على وجهه و هو يتلفت إليه، و شيئا يتحرك بسرعة صوب فمه، كانت تلك قبضته إذن؟ تلوَّى متأكدًا بلمسات يديه أنه لا يزال يملك نصف رأسه! و حاول النهوض، لكن لكمة أخرى استهدفت فمه مرة أخرى، و ركلة قاسية أبقته في مكانه، داس هارولان على صدره حتى كاد يفرمه، و زمجر بغضب جنوني:

13


"كيف فعلت ذلك بها؟".

1


   كان أوليفر يظنُّ أن غضبه بسبب ما حلَّ بمهرة إبن أخته، فقال مبرِّرًا مسلكه المُشين:

+


"أنا آسف سيد كينغ، لم أرَ المُهرة! تهيَّبتُ نفوذك! لم أكن شجاعا كفاية لأواجهك، لكن أنا الآن جاهزٌ للتكفير عن ذنبي، و للإعتذار من الطفل على الحادث! سأعوضه بأي طريقة تحددها!".

+


   اشمأزَّ هارولان منه، و التقطه من ياقة قميصه، و صرخ فيه بعنف لم يعرفه في نفسه من قبل:

+


"أنا أتحدث عن الفتاة التي تخليتَ عنها في الغابة!".

7


   شحب أوليفر مبتلعا ريقه و رعونته التي لن يمحوها مهما حاول، فيما تابع هارولان ممتعضا:

+


"كيف أمكنك أن تتركها لوحدها هناك؟ ألم تكن تعني لك شيئا؟ ألم تفكر كيف ستحمي نفسها و هي مجرد مخلوقة هشَّة؟".

2


   واصل هزَّه و تعذيبه بالكلمات:

+


"تركتها و أنت تدركُ أنها لا تملك شخصا آخر يكون سندًا لها! أي صنف من الرجال أنت؟".

5


   أضاف له لكمة ثالثة، و علق بوحشية:

+


"و هذه أيضا من أجلها! من أجل ثقتها التي كُسِرت، و من أجل دموعها التي لا تستحق أن تذرفها بسببك!".

7


   لكمه مجددًا، و كان سيضيفُ المزيد، لولا أنه تذكر وجهها اللطيف، و كرهها للعنف، لقد ابتعد كل هذه المسافة عن البيت فقط كي يمارس هذا العنف من أجلها، و من أجلها أيضا لا يمكنه المواصلة، لأنه لم يعد يرغب بحل كل شيء عن طريق الخشونة و العنف و الغضب، إنه على الأقل يحاول أن يكون إنسانا طبيعيا، لذا تنفس بحدة، و مدَّ يده نحو أوليفر بهدوء، و للحظات تسمر الشرطي متأملا تلك اليد بقلق! لكنه تقبلها في النهاية، و لحق به نحو المكتب، أين قدم له هارولان من ثلاجة صغيرة كمادة ثلج تقلل من تورم وجهه، و تركه يلتقط أنفاسه، ثم فتح الباب ثانية ليغادرا، و قال بلهجته الباردة:

7


"بوسعي تدميرك فقط بحركة من بناني! و لستَ بحاجة لتعرف ما يمكنني فعله بك من خلال مكالمة واحدة لرئيسك في بانبري! لكنني لن أفعل! سأختار الرحمة رغم أنك لا تستحقها، و إذا كنت تريد أن تتمسك بخطيبتك الجديدة، فيجدرُ بك أن تختار تبريرا لما حل بوجهك، لقد وجدتَ لنفسك إمرأة أخرى سريعا، و بنفس السرعة جد كذبة جيدة، لأنني لن أرهق عقلي في ذلك، في النهاية... أنا لا أجيدُ الكذب... و لا أترك اليد التي أمسكها حتى فنائي!".

36


نهاية الفصل الثامن و العشرين.

+


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close