اخر الروايات

رواية الغضب الاسود الفصل السابع والعشرين 27 بقلم الكاتبة كوين اسمهان

رواية الغضب الاسود الفصل السابع والعشرين 27 بقلم الكاتبة كوين اسمهان


الفصل 27|الفخ!


                                              
   عرفت كينغلاند بعد عيد الميلاد أياما حارَّة نسبيا، لكن في الأسبوع الموالي عاودتها الأجواء اللطيفة، و ألفت ماريغولد في ذلك فرصة سانحة لا تُفوَّت لتزرع شيئا في المروج، و كان لا بُدَّ كمزارعة حريصة أن تكرر معاينة المكان المخصص لها قبل إتخاذ قرار فيما سيتم زرعه أو غرسه، علاوة عن تهيئة الأرض و تهذيبها و تنحية الحشائش البريَّة الضارَّة قبل ذلك.

3


   بعد الليلة التي قضياها معا في المطبخ يرتشفان القهوة مسافرين على أجنحة كل كلمة كتبتها شارلوت بيل، سافر هارولان بعيدا بمعيَّة وكيل أعماله هوكينز إلى سريلانكا من أجل صفقة مهمة، و طال غيابه لأيام، أيام أرهقت قلبها، و أثقلت حواسها عن الشعور بأي شيء آخر سوى الفراغ الذي تركه، لم يعد شيء على جماله في أرض كينغ، لا الأشجار الوارفة و لا الطيور التي تتقافز فوق أفنانها، و لا حتى ورودها! لم تعد أصوات خُوار الأبقار و صهيل الخيول الذي تفِدُ من الحضائر و الإصطبلات البعيدة تُشعرها بدفء الحياة، و لم تعد النسمات العليلة الآتية من السُّهول تشبه سوى القشعريرة الباردة التي تسيطر على جسدها كلما تذكرت كلماته! طيفه لم يغادر خيالها، و صوته ظل يتردد في أعماقها بقوة، لماذا؟ لماذا تبدو كينغلاند ميتة هكذا بدونه؟ و الأهم... لماذا تبدو هي أيضا ميتة؟

6


   لوقت طويل... لدقائق أو ربما لساعات... تأملت الوردتين اللتين ظلتا ذكرى منه، أصبحت الأوركيد البيضاء شاحبة مصفرَّة و متيبسة البتلات، بينما ذبلت الوردة الجورية الحمراء و بدأت رحلتها إلى الجفاف، كانت تحتفظ بهما تحت ثيابها في الخزانة، و رغم افتقارهما للون و الحياة؛ إلا أن لمسة واحدة كانت كافية لتعيد إليها تلك اللحظات الجميلة، حين اعتذر منها بالأوركيد، و اشترى لها الجوري!

+


   حاولت محاربة استعماره كيانها، بحثت عن شيء يجعلها تخرج من قوقعة تعاستها الغريبة، لتشع في بالها فكرة إحياء الأرض بمزيد من الورود، لذا جلست في ذلك الصباح بالحديقة ترسم مخططا لرقعتها الغالية على دفتر صغير، و عدَّدت على أصابعها خطوات العمل و المعدات و المواد التي ستضعها في السيارة.

+


   عقِبَ ذلك بنصف ساعة، كانت تغادر غرفتها بعدما ارتدت زي العمل، و اعتمرت قبعتها منشرحة الصدر، حتى صادفتها آبي متسائلة:

+


"صاحبة الورود؟ تبدين مشرقة!".

+


   تداركت ذلك ضاحكة:

+


"أعني... أنتِ دائما هكذا؛ لكن اليوم وجهكِ متورِّدٌ بشكل مدهش!".

+


   ضحكت ماريغولد بدورها مردفة في تواضع:

+


"إنه حماسي للعمل فحسب!".

+


"هذا يدفعُ نحوي الحماس أيضا، ماذا ستفعلين في الحدائق اليوم إذن؟".

+


   تأملت ماريغولد يديها، و صرحت:

+


"لن أعمل في الحدائق هذه المرة!".

+


   نظرت إليها آبي باستغراب، فتابعت الأخرى موضحة و هي تتجاوزها في خطوات بطيئة:

+



                                      

"سأعمل في المروج".

+


"المروج؟!".

+


كررت آبي الكلمة مذهولة، لتستطرد بعدها بتعجب عميق:

+


"حسب ما قاله هارولان... ذلك الجزء من كينغلاند بريٌّ و بعيدٌ عن البيت!".

+


   توقفت عن سيرها و أوضحت:

+


"صحيح! لكن السيد كينغ نفسه من سمح لي بذلك، و حدد رقعة مناسبة هناك لأزرع فيها ما أشاء".

+


   تمهلت قليلا متنهدة، ثم أضافت بحيرة:

+


"حسنا، لم أقرر بعد أي نوع من الورود سأزرع هناك! لكنني أتحرَّقُ شوقا لمباشرة التحضيرات الأوليَّة".

+


   عبرت عينا آبي نظرة غامضة، و علقت محركة رأسها بفخر:

13


"ما رأيكِ في مساعدة؟ لديَّ حسٌّ فنيٌّ لن تندمي باسغلاله! قد أقترحُ عليكِ أي نوعٍ تزرعين؛ لكن عليَّ أولا إلقاء نظرة على المكان".

1


   ٱعجبت ماريغولد بالفكرة، و هتفت بفرح:

+


"ألا رافقيني الآن إذن! و لا تنسي وضع قبعة، من يدري؟ قد تصبح الشمس أقسى ظهرًا!".

+


"ممتاز! سأحضرُ الكاميرا خاصَّتي، لن أتأخر!".

+


"و أنا سأنتظركِ في الأسفل!".

+


   بالطبع أبيغايل باشلار لا تتحرك قيد أنملة دون عزيزتها الكاميرا، ابتسمت ماريغولد منتظرة نزولها عند مدخل البيت، و هي تفكر أن الحصول على رفيقة حيوية مثلها سيُنقذها من الوحشة التي تفترسها، و من التفكير في السيد و الشعور بالتعاسة جراء غيابه!

+


   اقتحمت هانا أفكار ماريغولد بصوتها الرنَّان و سلَّة مُتاخمة بالكعكِ و العصير المنعش:

+


"و ها نحن ذا! ها هي ذي وجبة الإستراحة من العمل!".

+


"أوه! هذا كثير جدا! لماذا أتعبتِ نفسكِ؟".

+


   ردَّت هانا مطبطبة على كتف الفتاة:

+


"دعيني أتعب... إنه التَّعب الذي يروقُ للأمَّهات!".

+


   ترقرقت عينا ماريغولد لسماعها تلك العبارة الدافئة، و عانقتها شاكرة، في حين كانت آبي تنزل الدرج و ترى ذلك المشهد الحميم، لتتمتم لنفسها و هي تبتسم في وجهيهما بعدما لاحظتا حضورها: «يبدو أن الجميع هنا يحب صاحبة الورود! لكن... كيف ينظر إبن خالي إلى هذه الفتاة يا تُرى؟».

13


   قالت هانا مخاطبة الفتاتين بقلق جميل:

+


"هل ستعتنيان بنفسيكما... أم عليَّ إرسال أحد العمال معكما لأطمئن؟".

+


   تولَّت آبي الإجابة مقهقهة:

+


"كُفِّي قلقلكِ هانا العزيزة! أنا أحملُ الحزام الأسود في الجيدو، و برفقتي بطلةُ كينغلاند التي امتطت مارد هارولان دون خوف!".

3



        

          

                
   لوَّحت هانا لسيارة الجيب الخضراء المبتعدة عن ناظريها، قبل أن تعود إلى مطبخها و بقية مهامها، ارتدت آبي نظاراتها الشمسية، و تأكدت أن رباط قبعتها الإيطالية معقود بإحكام أسفل ذقنها حتى لا تطير مع الرياح المتدفقة من النافذة، ثم التفتت تطالع السائقة بعين متفحصة، متسائلة:

+


"تملكين سيارة جيب إذن!".

4


   أردفت ماريغولد و هي تتجاوز آخر جزء من الحدائق و تنحرفُ باتجاه المروج:

+


"ليست لي!".

+


   رفعت آبي حاجبيها مستفهمة، فاستطردت الٱخرى قائلة:

+


"إنها بالأساس للسيد كينغ، لكن... مسموحٌ لي بقيادتها عند الضرورة!".

+


   كلا! كانت السيارة ملكا لها، هكذا قرر هارولان، و هكذا قال بوضوح، لكن كبرياءها اعترضت، و لم تعتبرها أكثر من وسيلة نقل مخولة لها خلال العمل، أو كلما رغبت في الوصول إلى الإصطبلات، و هذا ما جعل احترامه لها يتعمق أكثر!

+


   همهمت آبي و جنحت إلى الصمت و تأمل المناظر حولها لما تبقى من المسافة، بينما تساءلت ماريغولد في أعماقها عن شيء مهم، لتقطع الصمت فجأة و هما تترجلان من السيارة:

+


"كيف تعرفين أنني امتطيتُ حصان السيد كينغ؟".

+


   ابتسمت آبي بطريقة غامضة، و زاد من غموض تعابيرها الظلال التي كانت تلقيها النظارات السوداء حول قسماتها، ثم أجابت بغير اكتراث:

+


"لِيونارد".

1


   هناك في أرض المركبات... راحت ساري توزع القهوة و الكعك على عمال النقل، و عندما حان دور غاري لتناول نصيبه ألقى قفازاته جانبا، و قال بخشونة:

+


"تناول أنت نصيبي يا هوجو، باتت هذه القهوة تشعرني بالغثيان... لأنها لم تتغير أبدا!".

5


   جرحها ذلك؛ لكن... لقد تصرف معها غاري كما تستحق تماما، لأنها غبية، حمقاء، و ساذجة! لأنها أسوء امرأة في الكون! لأنها صدقت تُرَّهاتِ ريك، و عمت عن مشاعر غاري النبيلة، مضت تؤنب نفسها و هي تعضُّ شفتيها، ماذا خسرتِ يا ساري؟ أيُّ رجلٍ رائع أضعتِه من بين يديكِ؟ لم يكن غاري بمثل وسامة ريك؛ لكنه كان يحمل بين حناياه روحًا طيبةً و قلبا معطاءً صادقًا، كان رجلاً حقيقيًا! خفضت بصرها متألمة، و رحلت تجرُّ قدميها، فيما استمرَّ غاري يسترق النظر إليها و ألمٌ رهيب يطحنُ صدره! لم يفهم هوجو ما قيل، لكنه كان سعيدا بالنصيب المزدوج الذي حظي به، و بات يعتقدُ أن السماء تحبه، آه، من يتذمر من قهوة كهذه؟ خاصة إذا رافقها كعكُ هانا الشهي!

5


   كانت ساري ستنهار من الحزن حين عادت إلى البيت، لكن رؤيتها لِيو جعلتها تتماسك و تبتسم له متمتمة:

+


"ماذا بك صغيري؟".

+


   نظر حوله مردفا:

+


"أبحث عن صديقتي و لا أثر لها، لدي صعوبة في حل الأحجية، و اعتادت ماريغولد أن تساعدني ببراعة".

+



        
          

                
"لا بُدَّ أنها تنجزُ بعض العمل، هيا عزيزي، ساري هنا من أجلك، لنرَ أي أحجيةٍ هذه التي أعجزتك!".

+


   تناولت يده مُرافقةً إياه إلى غرفته، فأشعرتها تلك اللمسة بالقوة، و تساءلت بشوق و هي تتحسَّسُ بطنها: «تُرى متى ستأتي و تمسكُ يدي هكذا يا صغيري؟ آه... لو تعلمُ كم أنا بحاجة لك الآن!».

4


   انطلق عملُ ماريغولد في المروج فور وصولها، بدأت باقتلاع النباتات العشوائية و الأعشاب الضارَّة، جنحت بعد ذلك إلى تهذيب التراب و تقليبه شيئا فشيئا، ثم نثرت بعض الفيتامينات التي تسبق عملية الزراعة على كل شبر من الأرض، و تمتمت لنفسها متذكرة ما جاء في إحدى رسائل شارلوت بيل: «البداية من الصفر جميلة دائما! هكذا بدأ هارولان كل شيء هنا، و هكذا بدأت شارلوت مسارها الفني أيضا!».

+


   من هناك كانت آبي متسلقة السيارة، تُراقبُ تفانيها باهتمام، قبل أن تقفز مصرحة:

+


"سأقوم بجولة بين تلك الأشجار، ربما أجد ما يستهوي عدستي!".

+


   ابتسمت لها ماريغولد موافقة، و حذرتها بلطف:

+


"موفقة! لكن إحذري الإقتراب من النهر، هناك تماسيح خطيرة!".

+


”أوه، من الجيد أنكِ أخبرتني، سأذكر نفسي بهذا!".

+


   لم تستغرق جولة آبي الكثير من الوقت، إذ عادت بعد ساعة فقط و هي تقضم تفاحة قطفتها من إحدى الأشجار، و علَّقت مستحسنة مظهر ماريغولد التي لا تزال على تفانيها و نشاطها:

+


"كأنني في الجنة! لقد أضفتُ إلى ألبومي صورًا مدهشة!".

+


   نفضت ماريغولد يديها من آخر حفرة أعدَّتها، و عقبت مبتسمة:

+


"إذن... أعتقدُ أننا نستحق إستراحة!".

1


"عظيم!".

+


   أسفل شجرة عريضة الجذور، جلستا تقضمان الكعك و تحتسيان العصير بتلذذ، و ظل الصمت مخيِّمًا عليهما، و لا يتخلله سوى أزيز النحل و زعيق بعض الطيور البعيدة، حتى قررت آبي أن تنطلق في حياكة حوار غير متوقع:

1


"ما أغرب هذا!".

+


"ما هو الغريب؟".

+


   تساءلت ماريغولد قبل قضمة أخيرة من الكعك، فاستطردت الأخرى و على تقاطيعها تعبير عجيب:

+


"كيف وصلتِ إلى هنا يا صاحبة الورود؟".

+


   استمرَّ عدم فهم ماريغولد، و استمرَّت آبي في حديثها غير عابئة بشيء:

+


"طوال حياتي لم أسمع شيئا جيدا حول إبن الخال يشجعني على زيارته... أو حتى مجرَّد التفكير في الإتصال به! لم أسمع عنه سوى ما يجعله يبدو لي وحشًا ضاريًا! لكنني تفاجأتُ برجل مختلف تماما عن تصوري، حتى بعد ماضيَّ الأسود، لم ينظر لي بحقد، و لم يقلل من احترامي، كيف يمكن أن تتغير الأمور هكذا ببساطة؟".

+



        
          

                
   نظرت في عيني ماريغولد مضيفة:

+


"كيف تحوَّلتِ من سجينة إصطبل إلى مزارعة مرموقة لديه؟".

+


   ماذا؟ هي تعرف هذا أيضا؟ كيف؟ حسنا، لِيو لا يعرفُ أن خاله سجنها، لذا يستحيل أن يكون هو من نقل إليها القصة! تخضب وجهها متسائلة بحيرة:

+


"من أخبركِ بذلك؟".

+


   هزَّت آبي كتفيها، و ردَّت:

+


"لا يهم من أخبرني... المهم أن القصَّة وجدت طريقها إلي!".

+


   أطلقت ماريغولد سراح تنهيدة طويلة، و أردفت بهدوء متحاشية تناول التفاصيل:

+


"ما حدث كان مجرَّد سوء فهم، ظنَّ السيد كينغ أنني أشكِّلُ خطرًا على لِيو، و كان سجنه لي فقط ليتأكد أن إبن أخته بأمان!".

+


   سافرت ذاكرتها إلى تلك الذكريات كأنها حدثت منذُ زمن بعيد جدا، و تابعت مبتسمة بمرارة:

+


"كنتُ ضائعة في حزني، خسرتُ أبي و مأواي، و ظهر السيد كينغ كسراج ليبدد ظلماتي، حين اكتشف أنني بريئةٌ من ظنونه صحَّحَ الأمر فورًا، أعاد إلي حريتي، قدم لي هذه الوظيفة، و علاوة على ذلك منحني بيتًا و عائلة! كان كريما جدا معي!".

+


"إنه كذلك بالفعل... بشكل يدهشني!".

3


   أتى تعليق آبي غامضا تماما كغموض نظراتها، لكن ماريغولد لم تنتبه لذلك، و أضافت بقلب خافق:

+


"لهذا أريدُ أن تكون المروج أجمل من ذي قبل، أريدُ أن أختار أجمل نوع من الشتلات لأزرعها هنا قبل عودته، ستكون مفاجأة مذهلة له!".

+


   فكرت آبي قليلاً، ثم نهضت فجأةً، و قالت مباشرةً:

+


"التوليب الأبيض!".

5


"عفوا!".

+


"النوع الأنسبُ هو التوليب الأبيض، إنه ناعمٌ و شفاف، سيندمج بشكل رائع مع هذه الخضرة من حوله، ثم إن المكان فسيحٌ و بوهيمي، و هذا ما يتطلبُه التوليب، و بالأخص... الأبيض!".

5


   تلألأت عينا ماريغولد، و كادت تعانقها فرحًا، أجل، التوليب الأبيض هو أفضل اختيار على الإطلاق، مليءٌ بالمغفرة و التجدُّد، سيجعلُ هارولان كينغ يرى الأرض التي احتضنت الظلام لسنوات مشرقة بالأمل!

+


   لم تضيع ماريغولد مزيدًا من الوقت، جمعت أغراض العمل و ألقت بها داخل السيارة، ثم انطلقت رفقة آبي عائدتين إلى البيت، و هناك علمت أن السيد لي اتجه نحو بريدجتاون للتبضع، كانت تعتمدُ عليه في طلب الشتلات الممتازة، لذا شعرت ببعض الإحباط، و جلست بعد الظهر بائسةً تنتظرُ عودته، لولا تدخل آبي الذي أعاد لها حماسها المفقود، هجمت على المطبخ حيث كانت ماريغولد على انتظارها، و هتفت مصفقة:

+


"حسنا يا صاحبة الورود، حان وقت العرض!".

+


   لم تستوعب ما سمعته، و لم تهتم آبي بالشرح، إذ سحبتها بسرعة نحو الخارج، حيث كان يقف عددٌ من المزارعين الشباب، و خلفهم صفوفٌ لا تكادُ تنتهي من الٱصص التي تحمل شتلات التوليب الأبيض الرائعة!

3



        
          

                
"إذا غاب السيد لي، فهناك آبي!".

14


   سمعتها ماريغولد تقول ذلك قبل أن تعلق مسحورة:

+


"غير معقول! هل طلبتِ كل هذه الشتلات؟ و هؤلاء...".

+


   شرحت لها آبي دور المزارعين مردفة:

+


"هؤلاء سيساعدونكِ لتنتهي من مفاجأتكِ اليوم قبل الغد!".

+


   شعرت ماريغولد بالغرابة، لكنها رأتها ملاكًا في تلك اللحظة، و دون وعي منها احتضنتها بصدق قوي، معبرةً عن امتنانها، ربتت آبي على ظهرها و هي تجد صعوبة في الإبتسام، هذا الحضن الصادق سيضعفها، لا! الضعف لا يناسبها، لأنه يتعارض مع مصالحها هنا! «لا تتراجعي آبي! لا تتراجعي بسبب حضن سخيف! إنه فخ! خدعة سمجة! و ربما ظلم أيضا! لكنكِ لن تحصلي على مُرادكِ إلا هكذا!» ابتعدت عنها و هي تقنع نفسها بذلك، و ترسم على شفتيها شبح إبتسامة قائلة:

54


"إنطلقي الآن! إجعلي تلك المروج تبتسم لهارولان!".

3



+




+


   كان هارولان في غرفة الفندق ينتظرُ قهوته متكاسلاً على الأريكة، مترامي الأطراف، يدعكُ صدغيه بين فينة و أخرى من التعب، و يمرِّرُ يديه بين خصلات شعره الفحميَّة مجفلا من الصداع. لقد لفَّ عدَّة مُدنٍ نائية و قُرىً فقيرة مع وكيله ليُلقيا نظرة على الأوضاع المزرية هناك، عائلاتٌ مشرَّدة، بطونٌ خاوية، نساءٌ يُرضعنَ صغارهنَّ على الأرصفة، و عجائزٌ يبكين في الزوايا لأنَّ الصحَّة الخائرة لم تعد تخولهنَّ مزيدًا من العمل، الرجال لم يعد بمقدورهم تحمُّل قهر الحياة أكثر، بعضهم هاجر لمكان آخر بحثا عن قوتٍ أفضل، و الباقون مكثوا يراقبون بعيونهم الجاحظة هزول أجسادهم و يسمعون بآذانهم المُرهقة بكاء أطفالهم طلبًا لما يسدُّ الرمق، حتى أن منهم من أعجزته الفاقة فجلس قرب العجائز يسندُ رأسه بكف يده منتظرًا حلول معجزة ما!

5


   شعر هارولان بالأسى الحقيقي و هو يتجول بينهم، كان يفترضُ به أن يُبرم صفقته مع متعامليه الجدد في سريلانكا و يعود إلى وطنه؛ لكن شارلوت بيل أرادت هذا في رسائلها له، أرادت أن ينعم بالمال الذي جمعته من شهرتها أولئكَ اللذين يستحقون فعلا! هذا ما كتبته:

+


   «هارولان... اغضب مني، لا تحدق بصوري، و حرِّم على شفتيك إسمي! لكن أرجوك لا تحرمني هذا! لا أعلم متى ستكون آخر أنفاسي، إني أكتبُ هذه الرسالة و أنا في الرابعة و العشرين من عمري فقط، لكن كما تعلم لا أحد يأتمن الموت! لا أعرف متى ستقرأ هذه الكلمات! لكن من المرجح ألا أكون موجودة حينها، لذا أريدك أنت أن تفعل هذا، ليس من أجلي! بل من أجل الطفلة التي كانت تنتظر عودتك من العمل كل يوم فقط لتسألك عن دميتها الضائعة! من أجل شارلوت بيل تلك! كم كنتُ طفلة سعيدة و موفورة الحظ! لكن... لم يكن أطفال الدنيا كذلك جميعا! لم يحظَ الكل بأخٍ حامٍ مثلك، و لا بأبٍ حنونٍ مثل السيد لي، و لا بأمٍّ دافئةٍ مثل هانا، و أعلم أن طفلي العزيز ينعمُ الآن بنفس العائلة التي كانت لي! لقد تركتُ أغلب ثروتي له، لأنها حقه، لكنني لم أتمالك قلبي، و خصصتُ بعضا مما جمعته لغيره من الأطفال الوحيدين الذين خسروا ابتسامتهم جراء الفقر و الجوع و العيش في العراء! ترافق رسائلي السابقة و هذه التي أكتبها شيكاتٌ عديدة، أرجوك أخي، خذ هذا المال لمن يستحقه، ابحث عن العيون التي هلكت من البكاء، عن الأجساد الهزيلة، عن الذين كانوا يتابعون أفلامي محتشدين فوق الأرصفة متسمري الأعين بشاشة العرض الوحيدة في مدينتهم... لأن قاعات السينما حلم بعيد المنال و أسطورة في قانون حياتهم الضنكة!».

6



        
          

                
   عادت به الذاكرة إلى صوت ماريغولد المرتجف و هي تقرأ له تلك الأسطر، و إلى دموعها التي بللت بشرتها الرقيقة و هي تُريه الورقة متمتمة: «ٱنظر! هذه... آثار دموع على الحبر... يبدو أنها كتبت هذا من أعماق قلبها!»، و فكر لو أنها حدقت مثله في المنازل الآيلة إلى الإنهيار بسبب العث و الرطوبة، و لمست الأشرطة المقدسة التي يربطها هؤلاء حول الأغصان و مقابض الأبواب و كل شيء جلبًا لرحمة السماء، لو أنها كانت هنا معه، لعانقت المرضعات، و واست الرجال، و بكت مع العجائز، و لرسمت الإبتسامة على وجوه الأطفال مزيلة الدموع عن عيونهم التي هلكت من البكاء!

+


   كان يكفيه أن ينهي عمله و يغادر، أن يكون هارولان كينغ القاسي الذي لا يلتفت لشيء؛ لكنه التفت لكل شيء هناك، و كان من المستحيل ألا يهتم و هو يرى شارلوت الصغيرة تبتسم له بشفاه كل طفل هناك، و يستنشق عطر مزارعته الجميلة كلما لمح شجرة في مكان ما، حتى أنه لم يصدق نفسه عندما قطف زهرة أقحوان بيضاء، و ثبتها في شعر طفلة سمراء إسمها «نيتا»، سرعان ما شكرته بإيماءة خجلى، و ركضت تسأل جدتها عن شكلها بلغتها الأم!

+


   سرقه من خياله طرقٌ مهذَّبٌ على باب الغرفة، تنهد و استقام متكاسلاً، ثم فتح للقادم، و ألفى شابة سمراء تابعة لخدمة الغرف كما أوضح زيها الرسمي، تنظر إليه بحياء مشيرة إلى وجبة العشاء البسيطة التي طلبها، أشار عليها بالدخول، فدفعت العربة بهدوء، و شبكت يديها خلف ظهرها متمتمة بإنجليزية جيدة:

+


"هل أنت متأكد أن هذا كل ما تريده سيد كينغ؟".

+


   لا! إنه يريدُ أشياء كثيرة، مثلا عطرها، وجهها، و صوتها العذب! لكنه لم يقل ذلك، بل تصرف بشرود و كأنه لم يسمع السؤال، و تمتم بشيء آخر جعل الموظفة حائرة:

1


"ما هذه الرائحة؟".

+


   أغمض عينيه و بحث بأنفه عن مصدرها مستطردًا:

+


"هل هذا عبيرُ ورود؟".

+


   شهقت الفتاة مجيبة:

+


"آه، تقصد رائحة زهرة الكادوبول!".

+


"و هل هناك زهرة بهذا الإسم؟".

+


"بالطبع سيدي! إنها زهرة مميَّزة لا تُزهر إلا نادرًا، و لا تنمو سوى في سريلانكا".

+


   أردف كأنه يُلاحق سرابا:

+


"أريدُ منها الآن في غرفتي!".

+


   شحبت الموظفة و حارت جوابا، إنه هارولان كينغ! و طلبات رجل بمثل أهميته أوامر واجبة الطاعة، لكنها لا تفهم! لقد أوصى وكيل أعماله و هو يقوم بالحجز بعدم وضع أي نوع من الورود في غرفته! و هو الآن يسأل عن الكادوبول؟ الحق معه، هذه الزهرة تحديدًا ينتشي بعطرها أيٌ كان! و الآن عليها قول شيء ما لهذا الرجل الغامض، و إلا فستتشوه سمعة الفندق الذي يفنى السُوَّاح و رجال الأعمال في عشقه! و هذا لا يبدو جيدا إطلاقا!

+



        
          

                
   تمتمت متلعثمة:

+


"المعذرة سيدي! لا يمكن ذلك!".

+


   سأل بتضايق:

+


"لماذا؟ أليس هذا فندق «بيرادينيا» الراقي؟ الجنة الضائعة!".

+


   دق قلبها بسرعة، و غلَّفها العرق جراء خجلها، و بصعوبة ردَّت و هي تتمنى التلاشي من أمامه:

+


"بلى! فندقنا يستطيع توفير أي نوع من الورود و الزهور للنزلاء... إلا هذا النوع سيدي، لأنه نادرٌ و باهضٌ جدا!".

+


"إذا كانت كذلك، فلِمَ أشمُّ ريحها؟".

+


   ابتسمت الموظفة رغم خوفها منه قائلة:

+


"لأنها موجودة هناك!".

+


   و أشارت بيدها من الشرفة إلى حديقة شاسعة يطلُّ عليها هذا الجانب من الفندق، ثم أردفت:

+


"إنها تنمو هناك فقط... في حديقة الزهور الملكية!".

+


   خرج هارولان إلى الشرفة و وقف بكل شموخه ناظرا حيث أشارت، رغم الظلام الذي نشر سدوله في كل مكان، إلا أنه تفاجأ بأجمل حديقة يراها في حياته، كيف لم يلاحظها و قد مضى عليه في مدينة كاندي أكثر من يوم و نصف؟ صحيح! لقد قضى هذه الساعات متنقلاً بين القُرى المنكوبة بكاندي يقدم المساعدات الممكنة هنا و هناك، تماما كما أرادت عزيزته شارلوت بيل!

+


   دنت منه الموظفة مقترحة:

+


"تستطيعُ زيارة الحديقة الآن سيد كينغ".

+


   تفقدت ساعة يدها مستطردة:

+


"إنها لا تغلقُ أبوابها حتى ليلاً، لأن هناك من يهوى تنشُّقَ عبير النباتات الليلية، الكادوبول كذلك، زهرة ليلية تتفتَّحُ مع نهاية المساء، و تضمُّ بتلاتها قبيل الفجر! إنها سريعة الهرب... جميلة مخادعة كما كان يسميها جدي!".

+


   لاحظت الموظفة أن وجودها طال في غرفة النزيل، و ذلك ما يتعارض مع تعاليم صاحب الفندق، لذا لملمت أطراف كلماتها التي كادت تضيفها، و غادرته للاهتمام بتطلبات غيره، و كانت النزيلة الإسبانية في الغرفة المجاورة أسوء و أكثر نزقا، و لو قورنت بالسيد كينغ الغامض لأقسم الكون أجمع أنه محضُ ملاكٍ أمام عجرفتها و تعاليها الفجَّين!

+


   ترك هارولان غرفته، بعدما تخيَّل أن زهور الحديقة الملكية تناديه، تطلبه ليكون تحت رحمة عطورها الأخاذة، ليتمشى مترنحا بين رؤوسها المنحنية حوله، ترنو له، كأن مرامها فقط تقبيل جلده الأسترالي البرونزي، أو هدهدة قلبه الذي بدأ يتمزَّقُ اشتياقًا لأحدهم!

+


   وجدها أخيرا، زهرة الكادوبول الفاتنة، لا يمكن أن تكون إلا هذه النجمة الثلجية الكبيرة المتراقصة على أنغام وقعِ خطواته المقتربة، نافخة بعطرها في كل اتجاه ممكن، وقف أمامها و انحنى مدققا من الرائحة، أجل، إنها هي، وجد لنفسه مقعدا قريبا منها، فجلس باسطًا ساقيه بارتياح، متخيلاً وجهًا واحدًا! وجه مزارعة شغوفة ربما سيُسعدها لو جلست هنا يوما ما! ربما!

1


+


   أقفلت ماريغولد راجعة إلى البيت قبل حلول الظلام بقليل، استنفذ غرس تلك الشتلات طاقتها و أمسيتها بالكامل، و رغم وجود مزارعين محترفين لم يبخلوا عليها بأدنى مساعدة، إلا أن التعب نال منها إلى حد بعيد، تحمَّمت بسرعة، مزيلة عنها آثار الغبار و الأتربة و العرق، ثم تناولت عشاءها رفقة لِيو و آبي، قبل أن ينام هذان الإثنان، و يتركاها قيد السهر، غريب أمرها، إنها تكاد تخرُّ من فرط الإرهاق؛ و مع ذلك... لا نعاس يراودُ عينيها أو يدفعها للتثاؤب حتى!

1


   الساعة تشيرُ إلى الحادية عشر ليلاً، ربما لو كان هنا معها لشربا قهوةً و دردشا، لكنه غير موجود، و هذا الفراغ الموحشُ حولها يشبه الفراغ الذي يخالجُ أعماقها، هل يعقل... هل يعقل أن يبدو الكون فارغا فقط لأن أحدهم غير موجود! راحت تتجوَّلُ في أرجاء البيت ملتقطة آثاره الراسخة، هنا وقف ناظرًا إليها بغضب، و هنا كان يعلِّمُ صغيره لِيو كيف ينتصرُ في لعبةِ الشطرنج، و هناك جلسَ يحتسي قهوةً مُرَّةً و يمتصُّ سيجارته بنهم، أما في تلك الزاوية... فقد كان يتحدَّثُ على الهاتف! كانت آنذاك في الصالون، حثَّت قدميها الحافيتين على السير نحو طاولة الهاتف الصغيرة، تحسَّست سماعته، و قبل أن تلتقطها شاعرة بوجوده، رنَّ الهاتف بالفعل، فانتفضت مجفلة، و سارعت بالإجابة قبل أن يوقظ الرنين جميع النيام! و ما إن أصغت إلى المتصل، حتى سمعت صوته يتدفق عبر ثقوب السماعة كالسحر:

2


"ألو!".

+


   إنه هو! السيد كينغ، كان يشغل بالها، و الآن اتصل! أغمضت عينيها مستمتعة بتكراره لتلك الكلمة، في حين استمرَّ هارولان يردِّدُ حائرًا:

+


"سيد لي! هانا!".

+


   كان قد عاد لتوُّهِ من جولة التأمل بالحديقة، و فكَّر أن يتصل ليطمئن على أحوال المزرعة ككل ليلة، في الأيام الماضية التي شهدت سفره، اعتاد أن يجيبه السيد لي ساردًا عليه أحداث اليوم المهمة، لكن المُجيب هذه المرة شخصٌ آخر، شخصٌ يتنفسُ بقوَّةٍ دون أن ينطق بحرف، أدركت ماريغولد أن عليها قول شيء، فهمست:

+


"هذه أنا!".

+


   لم يحتج الأمر ذكر اسمها، إنه يعرفُ أنها المتحدث! يكفي أن تتنفس هكذا و تقول مجرد كلمة، ليدركَ أنها هي من تقف خلف سماعة الهاتف، أخذ منه إدراكُ ذلك بعض الثواني، ليردف بصوت حاول أن يجعله باردًا دون جدوى:

+



        
          

                
"هل نام الجميع؟".

+


   أصدرت همهمة فقط، فسأل ثانية باهتمام:

+


"كيف سارت الأمور اليوم؟ كيف حالُ الجميع؟".

+


أجابته برقة:

+


"على خير ما يُرام، كينغلاند رائعة كالعادة!".

+


"و لِيو!".

+


   تمتمت مستندة على الجدار كأنها تستنجدُ به كي لا تسقط:

+


"على أحرِّ الشوق لك!".

5


   شعر هارولان أنها كانت تصفُ شيئا خاصًّا بها هي، هل يتوهَّمُ أم أنها حقا تنهدت بعمق و هي تقول ذلك؟ تجاوز ما ظنه وهمًا، و سألها بعد صمتٍ قصير:

+


"و أنتِ؟".

+


   لم تتوقع ماريغولد سؤالاً مُخصصًّا لها وحدها، لذا أخذتها الدهشة، و اغتبطت باحثة عما تردُّ به و هي تمسكُ أنفاسها، لاحظ هارولان صمتها، فاستطرد معتقدًا أنها لم تسمعه:

+


"كيف حالُ مُزارعة كينغلاند؟".

+


"أنا... بخير... شكرا لسؤالك سيد كينغ!".

+


   لم تبدُ له كذلك، حمل صوتها شيئا يشبه التعب، فسأل قلقًا:

+


"هل أنتِ متأكدة؟ يوحي صوتكِ بأنك مريضة!".

+


"كلا!".

+


   أردفت محاولة جعل صوتها أفضل:

+


"ربما أجهدتُ نفسي في العمل اليوم!".

+


   لمست في نبرته شبح حنان حين قال ممازحاً:

+


"لا تجهدي نفسكِ ثانيةً، هذا أمرٌ من ربِّ عملك أيتها المزارعة! أحذركِ من العصيان!".

6


   حدسه أخبره أنها تبتسم الآن! أجل، كان ذلك ما بدر منها، ابتسامة جميلة نافست الأضواء في إنارة الصالون، ابتسمت بفرح لمزاحه، لأنه رجل لا يمزح عادةً؛ لكنه ما إن يفعل، يجعل الكون أجمل من حوله، أرادت أن تخبره أنها اجتهدت بكل ما لها من قوة فقط لتفاجئه بأجمل منظر قد يراه في حياته، لكنها فضَّلت الصبر و التريُّث حتى ميعاد عودته! و قالت بدلاً من ذلك:

+


"هل سيطولُ غيابكَ عن كينغلاند أكثر؟".

+


   هل هذا سؤال عادي لاستمرار الحديث... أم أنها تريد لهذا الغياب نهاية قريبة؟ نقل الهاتف إلى أذنه الأخرى و جلس على الأريكة مردفا باقتضاب:

+


"لا! سأعود قريبا".

+


   لم يكن واضحا في إجابته، لكنها اطمأنت، ران صمتٌ غريب، و لولا أنفاسه التي كانت تسمعها بوضوح، لأقسمت أنه قطع الخط، لو لم يكن يريد أن يضيف شيئا، لوضع السماعة منذ وقت طويل، لكنه تمسَّك مثلها بالمخابرة، و ظلت هي تنتظرُ منه تلك الإضافة، حتى تحركت شفتاه بصوت دافئ:

+


"كوني بخير!".

6


   لم تعرف ماريغولد كيف غمغمت متمنية له ليلة طيبة، و لا كيف وضعت السماعة مكانها و عادت أدراجها إلى غرفتها، و لا كيف أمضت ليلتها حائرة... تتقلُّب على فراشها بألم و شوق و أسئلة كثيرة لا تملك لأي منها جوابا!

+



        
          

                
   و ظنَّت أن اليوم التالي سيحملُ لها أشياء طيبة، لكنه لم يفعل، لم يحمل لها غير الألم! نظرة واحدة إلى التقويم كانت كفيلة بأن تلوي شفتيها و تطلق دموعها من مرابضها ككائنات مسعورة! إنه يوم ميلادها... و في الوقت نفسه... يوم رحيل والدتها عن العالم! يومها الأسود! لكل شخص يومه الأسود الذي يخشاه و يخجل منه، يوم يتمنى محوه من الذاكرة و من التاريخ بأكمله لكنه للأسف... لا يستطيع!

+


   لم تكن ماريغولد تحتفل بعيد ميلادها كما يفعل أي شخص طبيعي، لأن ذلك يعني لها ببساطة أنها تحتفل بموت والدتها! و إنما كان يكفيها أن تزور المقبرة بويندي هاربور، و تجالس قبر والدتها هامسةً لها بالإعتذار و الكثير من الدموع! و كان جاك يحترم رغبتها تلك، و يشعلُ من أجلها شمعة كل سنة سرًّا ليتمنى لها حياة أسعد من حياته، ثم ينفخُ عليها بزفرة مقاومة، و يمسح دموعه مردِّدًا: «أتمنى أن تحظي بشخصٍ يجعلكِ تُدركين المعنى الحقيقي لعيد ميلادكِ!».

4


   تجهَّزت ماريغولد بعدما جففت دموعها لتقصد ويندي هاربور، لن تتخلى عن تقليد كل سنة من حياتها، امتنعت عن تناول فطورها، لم تكن لها رغبة بذلك أساسا، كان يومها الأسود يشعرها أنها عبءٌ على هذا العالم، أنها سرقت حياة المرأة التي حملت بها! كأنها مسخٌ قاتلٌ لم يجدر به أن يولد! إنه شعور غريب، مؤذٍ بشكل لا يُطاق، و لولا قوتها المعهودة، لتفتت قلبها إثره، في النهاية! ليس سهلاً أن تعيش عمركَ و أنت مدركٌ أن مجيئكَ إلى هذه الدُّنيا.. وضع حدًّا لحياة أمِّك!

5


   طلبت من غاري إيصالها، فهو يعرف أين كانت تعيش، و المقبرة التي تقصدها لا تبعد كثيرا عن ذلك الشاطئ، اتخذت مكانها في السيارة، و شعرت أن مغادرتها المزرعة دون إعلام سيدها أشبه بالجُرم؛ لكنها بحاجة لهذا، ثم إن كلمة مقبرة لن تكون شيئا يحبُّ سماعه بكل تأكيد، بعدما استعاد هدوءه و اتزان حياته، لن تتحامق و تبُثَّ فيه ومضةً أخرى من العذاب!

+


   استلمَ هارولان سيارته من المطار الدولي، و قادها بسرعة نحو كينغلاند، بعد اتصال أمس راوده شعورٌ قويٌّ بأنه يجب أن يعود على متن أول طائرة تغادر سريلانكا صباحا، و ها هو الآن يكادُ يصلُ إلى أرضه، ترك الطريق السيَّار، و بدأ يقود سيارته وسط المزارع و المراعي و الغابات الساحرة، و تلوَّت الطرقات الفرعية، و تعرجت، و صادفته الجسور، و الشاحنات المحملة بالمزروعات و البضائع و المواشي تذرع المسار جيئة و ذهابا، حتى صعقه مرور سيارة مألوفة على يساره! إن لم يخطئ... و إن كان هو نفسه هارولان كينغ صاحب الملاحظة القويَّة و البصر الحاد... فهذه سيارة غاري ويبر... و إلى جانبه تجلسُ تلك المزارعة!

+


   دون أن يفكر أو يحلل ما رآه، و دون أن يفرملَ بشكل حذر، جعل عجلة القيادة تدور بجنون بين يديه، مما دفع بالسيارة إلى الإلتفاف وسط الطريق في مجازفة خطيرة كادت تكلفه حياته و حياة صاحب شاحنة ذُرة، و سرعان ما بدأ هذا بالصياح لاعنا، أطلق هارولان شتيمة، و هو يلاحقُ سيارة غاري، لو لم يكن مشغولا، لعاد إلى ذلك البدين و جعله يبتلعُ الشاحنة بما عليها!

3



        
          

                
   كانت ماريغولد تتسلق أسوء أفكارها و أكثرها خدشا لمشاعرها عندما فغر فمُ غاري و توقف بقوة، انتفضت و كاد رأسها يصطدم بالزجاج لولا حزام الأمان، ابتلع غاري ريقه محدقًا بالسيارة التي تجاوزته و قطعت عليه الطريق، ثم أعلن بحيرة و قلق:

+


"إنه المعلم!".

+


   لم تصدق ما رأته، إنه هو بشحمه و لحمه و كامل أناقته، ينزل من السيارة كوحش كاسر، و لا يمتُّ الغضب المتجمع على وجهه بأي صلة إلى صوته الجميل بمخابرة أمس! ما الذي حدث؟ بدا من المستحيل العثور على إجابة و هو ينقضُّ على بابها بتلك الخشونة! كانت الطريقة التي استخرجها بها من سيارة غاري مهينة؛ لكنه لم يكترث لذلك، في كلمتين وجيزتين صرف عامل النقل إلى المزرعة، و سحبها بحدة نحو سيارته، غير أنها استلت يدها قائلة:

2


"لماذا فعلت هذا؟".

+


   حاصرها لتلتصق بالسيارة، و عقب بعنف:

+


"أنا من سيسأل، إلى أين كنتِ تهربين؟".

3


"أهرب! و لِمَ عساي أهرب؟".

+


   أخذ قولها على محمل المراوغة، فردَّ صارفا بأسنانه:

+


"إذن... إلى أين كنتِ تذهبين بحق السماء دون أن تعلميني؟".

+


   كان يتوقع ذلك الجواب الذي لا يريده و لن يسمح له بالتحقق، أنها تريد الرحيل إلى بيتها الجديد، إلى حيث تنتمي، لكنها أدهشته حين تمتمت مُكرهة:

+


"إلى المقبرة! لأزور أمي... لأنها ذكرى وفاتها!".

+


   حدق فيها للحظات بعدم تصديق، ثم بارتياح، حسنا ليس هذا ما انتظرته ماريغولد من جانبه، لا انفعال يمضغ وجهه... و لا ظلام يحتلُّ عينيه... و لا أي أثر لكلمة قاسية تهدد بالإنطلاق من بين شفتيه! كان هذا غريبا بالنسبة لها حقا! لكنه لم يكن كذلك بالنسبة له، كانت السعادة بعينها أنها ذاهبة إلى المقبرة بدلاً من ذلك البيت، بل إن بيت السيدة لوريل بات في نظره... مقبرة لسعادته التي عثر عليها بعثوره على هذه المزارعة!

+


   همس دون أن يبتعد أو يبعد عينيه عنها:

+


"لماذا لم تخبريني على الهاتف أمس؟".

+


   تنفست بصعوبة كأن الهواء تلاشى من العالم، و حركت رأسها مردفة:

+


"كيف أفعل و أنا أعرف أن موضوع المقبرة سيجرفُ نحوك أشياء لا ترغب بتذكرها؟ ثم إني لم أكن أخطط لهذا آنذاك، لقد عشتُ صدمتي ككلِّ سنة و أنا أرى تاريخ اليوم!".

+


   عمل عقله بخفة، و قرأ ما بين السطور، ليست بحاجة لتضيف شيئا، إنها ليست مثالية أبدا، إنها تملك جانبها المظلم، مثله! تتعذب مؤنبة نفسها على شيء لا ذنب لها فيه، و تهربُ بجرحها بعيدًا حتى لا يراها أحدٌ و هي تتألم! و هذا ما جعله يفهمها أكثر من أي وقت مضى!

+


   ابتعد فجأة، و فتح لها باب السيارة في صمت غريب، تأكدت أنه تضايق، ها هو ذا يجلسُ خلف مقوده حزينًا و متقوقعًا على نفسه كما لم تُرده أن يكون، هل كانت أنانية حين ذكرت ما يؤلمه فقط لتوضح مدى ألمها؟ في غمرة تعاستها، لم تلاحظ ماريغولد أنه لم يتجه إلى المزرعة؛ و إنما واصل مساره نحو ويندي هاربور، استمرت تمسحُ المناظر بعينين دامعتين، فكرت أنها خسرت فرصتها السنوية في الإجتماع بأمها، و الإعتذار منها! و لم تلاحظ أنهما أصبحا وسط المدينة، و أنه توقف عند الإشارة، و لولا سؤاله المفاجئ لما انتبهت لما يحدث حولها مطلقا:

+



        
          

                
"هل سترشدينني إلى العنوان... أم أن علي البحث بنفسي في كل مقابر أستراليا!".

3


   كان حديثه موشحا بمسحة المزاح اللطيف الذي تكلم به أمس على الهاتف، و كعادته كانت عيناه تبتسمان بدل فمه، و هو يطالعها منتظرا ردًّا، تفرست فيه متحققة من أن كل هذا ليس مجرد حلم! هل سيأخذها بنفسه إلى هناك؟ سارعت للقول و هي لا تزال تحت تأثير الذهول:

1


"نفس المقبرة التي دفننا فيها إيريكا!".

+


   تحركت السيارة ثانية رهن إشارته، لكن هذه المرة توقف أمام متجر ورود، و قال:

+


"سأعود!".

+


   لم تنتظره كثيرا، حتى لو انتظرت لعمر بأكمله، كانت ستنسى معاناة الإنتظار فور رؤيته من جديد على نحو جعل حزنها يتبخر، كانت عودته من المتجر مذهلة، مشهد خروجه من ذلك الباب و بين يديه باقة قطيفة رائعة أربك قلبها، و حبس أنفاسها، راقبته ببصر مشدوه يصعد إلى السيارة مجددا، و يقدم لها الباقة متمتما:

+


"هذه... من أجل المرأة الطاهرة!".

17


   كان يشيرُ إلى أمها، إنه يتذكر كل التفاصيل المتعلقة بها، هذا الوصف الذي استخدمته حين فتح حقيبتها و أراد لمس فستان الزفاف الذي تحمله، لمست بتلات الورود الزاهية، و عجزت عن التمتمة بالشكر، لكنه شعر بامتنانها، حين شكره كل شيء بها، دموعها و ارتجاف ذقنها و هي تقاوم لتصمد، و نظرة الفرح بمقلتيها المحمرَّتين! لقد شكرته بطريقة جميلة... و يكفيه هذا القدر!

1


   في المقبرة... و بينما كانت تضع الباقة على القبر، كانت تظن أنها وحيدة، ظنت أنه لن يترك سيارته، لكنها حين التفتت عفوًا مزيلة بعض خصلات شعرها التي بعثرتها الرياح، ألفته يقف خلفها، ربما أجمل ما قد يملكه المرء في حياته... شخصٌ ما يقف خلفه بكل هيبة و قوة! لم يكن هارولان مضطرًّا لذلك، هذا ليس وجعه، ليس فقده، و ليس يومه الأسود! لماذا هو إذن هنا؟ ها هو ذا هارولان الذي لم يغلق قبر والدته بعد، يتأمل معها جرحها الغائر، لتكتشف أنها أيضا لم تغلق شيئا في حياتها، هذا القبر غير مفتوح! لكن الألم الذي خلَّفه لا يزال حيا في أعماقها، و الجرح الناجم عنه لا يزال مفتوحا! هارولان قال لها هذا بعينيه عندما نظرت إليه و نظر إليها، هذا يعني أنه سمع اعتذارها المُمزَّق، حين كانت تردِّدُ مخاطبة جسدًا تحت التراب: «آسفة! أنا حقا آسفة يا أمي! لأنني أحيا و أنتِ لا تفعلين!».

+


   ابتعد للحظاتٍ مُجريا اتصالا ما، ثم عاد لموقعه دون كلمة واحدة، كأن الوقوف خلفها لما تبقى من العمر هو ما ينويه! انتهى مخاض أشجانها، و ألفته يمسكُ يدها و يصحبها إلى السيارة برفق، يفتح لها الباب، و يساعدها على الجلوس، ثم يغلقه بهدوء، و ينضمُّ إليها من الجانب الآخر، و على وجهه تعبير غامض، كمن يخطط لشيء ما، لم يطل بها الأمر لتكتشف، إذ عاد بالسيارة إلى وسط المدينة، و توقف بجانب مطعم راقٍ يعتمدُ في ديكوره على الجمال البسيط، فوانيس الشموع الآسيوية، و الورود المحلية الفواحة، و الطاولات الثنائية الحميمة، التي لا تفرض مساحاتها الضيقة مسافة بين الأشخاص، كان مطعما للقلوب أكثر منه مطعما للأجساد! رمقته ماريغولد مستغربة، فحثها على النزول دون شرح، خلف بوابة زجاجية استقبلهما نادل لطيف، و أرشدهما إلى طاولة في الزاوية، حيث نافورة وهمية من الأضواء الزهرية، و نافذة تنقل للمرء صورة بهية على وجه المدينة، و سقفٌ قريبٌ يجعل الوافدَ يشعر أنه في البيت!

2



        
          

                
   جلست ماريغولد مستفهمة:

+


"لماذا نحن هنا سيد كينغ؟".

+


   استرخى على مقعده المريح، و أردف بحكمة تشبه أقوال السيد لي:

+


"إليكِ أحد قوانيني في الحياة: اليوم الذي يبدأ من التعاسة و التعب، دعيه ينتهي إلى المقاومة و القوة! و اليوم الذي يبدأ القدر كتابته كيفما شاء... ضعي أنتِ نهايته كيفما تشائين! تعلمي أن تملكي النهاية... لأن البداية شيءٌ من الماضي!".

13


   كم أثرت بها تلك الكلمات التي نطقها، كأنه ألقى عليها تعويذة سعادة لبقية العمر، تناولا وجبة الغداء في صمت متبادل، و احتسيا القهوة، و انتظرت بعدها أن يسدد الحساب و يعلن عن رحيلهما، لكنه ماطل، و أثار حيرتها، كانت ستتكلم حين أتى النادل حاملاً كعكة عيد ميلاد، تزينها الورود كما لو أنها باقة نادرة، باقة أمل، باقة قوة! فغر فمها، ثم تمتمت خجلة:

1


"سيد كينغ، هذا... كل هذا... من أجلي؟ أنا...".

+


   بحثت عن الكلمات على سطح الطاولة، و بين طيات ورود الكعكة و شرارات شموعها، لتضيف بارتباك:

+


"أنا... لم أحتفل بهذا اليوم من قبل! منذ أن فهمت ماذا يعني أن أكون سببًا في رحيل والدتي!".

+


   من يمكن أن يفهم هذا أفضل منه؟ ألم يكن سببًا في رحيل والدته؟ القصتان تختلفان، لكن النتيجة واحدة، و الألم هو الألم، و العمر هو العمر... يمضي مغادرا الأشخاص بغير إكتراث!

1


   أجابها بحكمة مرة أخرى:

+


"لأنك كنتِ على خطأ!".

+


   تأملته باندهاش، ثم راقبت بعينين لامعتين عددًا من رواد المطعم يتخلون عن مقاعدهم، و يلتفون حولهما، و يرددون من أجلها أغنية أعياد الميلاد، لتكون سعيدة، لتنعم بحياة أطول و أجمل، لتنسى ما مضى... و تقرر إغلاق ذلك الشيء المفتوح!

+


حين غادرا المطعم مساءً لم يركبا السيارة، بل أخذها في جولة على الأقدام، هنا و هناك، على مقربة من البسطاء و الأثرياء على حد سواء، حيث يمكنها أن ترى مشاغل غيرها و متاعبهم و آلامهم التي قد تكون أوسع بكثير مما يأكل روحها! أرادها أن ترى وجه الحياة الأليمة و الجميلة في آن واحد، كما رآه هو في أحياء سريلانكا البسيطة، و مدنها الكبرى، حين كان نهر مهاولا غانغا العابر بين الفندق و الحديقة الملكية يخبره أن الحياة رائعة، و حين كانت عظام الفقراء البارزة تؤكد له أن الحياة مجرد قدر بشع! و ما الحياة إلا مزيج جميل و قاسٍ، كمزيج القهوة بالسكر، هناك المرارة... و هناك المذاق الحلو أيضا!

1


   أمسك هارولان يدها في الزحام، فاحتمت بذراعه و صدره من الاصطدام بأكتاف المارة، ابتاع لها حلوى غزل البنات، كأنها مجرد طفلة! و تفرجا معا على واجهات المحلات، وجدت أن السير جردها من كل شيء سيء كان يتراكم داخلها، و أخبرها هارولان أنه يكتفي بالسير على أرضه حين يواجه ظروفا صعبة، «حين لا يكون الصمت خيارا بل واقعا مفروضا، يكون السير خياري!» هكذا قال ببساطة، و هكذا استمر معها حتى بلغا مكان السيارة ثانية، و بينما انطلقا باتجاه المزرعة، لمست يده هامسة:

3



        
          

                
"سيد كينغ، هل يمكنك أن تتجه إلى المروج أولا؟".

13


   سأل عن السبب، فتابعت بوجه متورد:

+


"إنها مفاجأة لك... عملتُ عليها طوال يوم أمس!".

1


   رفع حاجبيه متسائلا من جديد:

+


"العمل الذي أجهدتِ نفسكِ فيه!".

+


   أومأت مضطربة، و أشاحت عنه و قلبها يكاد يقفزُ من مكانه، لقد حول هذا الرجل أسوء أيامها إلى أجمل يوم تعيشه على الإطلاق، و الآن بات يستحقُّ المفاجأة أكثر مما سبق، و لو أن لا شيء يوفي حق من أزال نقطة سوداء من حياتك!

8



   كان هارولان يقود السيارة إلى المروج بشوق عظيم، لم يحدث أن فاجأه أحد من قبل، حسنا، يفاجئه لِيو فقط برسومه العفوية، و ربما تعدُّ هانا من أجله أطباقا يحبها دون أن تعلمه مسبقا، لكن أن تفاجئه هي فهذا جديد عليه و يروق له! مضى يردد في سرِّه: «إلمسي يدي هكذا مرة أخرى، و سأسير معكِ على خطٍّ من النار!».

13


   بلغ المكان المنشود، و توقف مفرملاً على بعد خطوات من المفاجأة التي تنتظره، سبقته ماريغولد بالنزول منتظرة أن يلحق بها، و ينبهر كما هو متوقع، لكنه لم يفعل، للحظات ظل داخل السيارة جامدا، تحول المكان إلى جنة توليب أبيض! لحظات و هو يتأملها بروح مسحوقة! لحظات تشبه السنين، لم تفهم ماريغولد ماذا به؟ ألا زال عدوا للورود؟ أليس هو من سمح لها بغرس ما تشاء هنا؟ ما هذه التعابير المصعوقة إذن؟ ترجل أخيرا من السيارة، ظهر عليه حرفيا أنه يعاني و يجاهد شيئا عظيما، وقف إلى جانبها محدقا بالورود البيضاء، و لا شيء يجوب عينيه سوى الحزن الحقيقي، ارتجف قلبها، و سألته بحذر:

3


"ألا يعجبك التوليب الأبيض؟ هل يذكرك بشيء سيء؟".

+


   فجأة أصبح الهواء ثقيلا، و أضحت الأرض قاسية، و فقد المكان رونقه حين ردَّ بلهجة صقيعية:

+


"كانت هذه... وردتها المفضلة!".

21


   لا بُدَّ أنه يقصد أمه، من غيرها؟ ما هذا القدر؟ ما هذه الحياة؟ لماذا؟ لماذا من بين كل الأنواع اقترحت آبي هذه الوردة بالذات؟ لم يطرق بالها احتمال أنها وقعت ضحية فخ خبيث! فماريغولد روح مسالمة، لا تمضي في إيذاء أحد، لذا لا تتوقع صدور أي أذى نحوها! تركته يواجه آلامه و استدارت تفركُ عينيها بغير تصديق، حتى تفاجأت به بعد لحظات قليلة يمسك يديها و يبعدهما عن وجهها متمتما:

+



        
          

                
"لقد قررنا أن تكون النهاية اليوم من كتابتنا!".

+


"لا، لا يبدو أن هذا ما يحدث هنا، لقد تدخل القدر لإفساد ما كتبته! حاولتُ أن تكون مفاجأة جميلة لك، لكن ٱنظر لما فعلته!".

+


   أطلق سراح تنهيدة، و أردف هامسا:

+


"لقد علمتكِ اليوم درسًا كان عليَّ تعلمه أولاً، النظر إلى الأشياء التي تذكرنا بالألم مرهق، لكنه لا يقتل! ما دمتُ أستطيع تقبُّل بقية الورود على أرضي، فلِمَ ستتوقف الحياة لأن بعض التوليب الأبيض تسلل إلى عالمي مجددا؟! مادمتُ أستطيع كتابة قدري، فلِمَ لا أكتبُ أن التوليب الأبيض ليس مذنباً... و أن عمل مزارعتي بجهدٍ لمفاجأتي فاز بإعجابي؟".

38


   دُهشت لذلك الكلام، فلتشهد السماء أنها توقعت زلزالاً أسودًا بدل هذا الرد! هارولان كينغ الجديد يجعل العالم ألطف... و أكثر تشجيعا على الوقوف أمامه لملاين السنين! ابتسمت له غير شاعرة بشيء سوى صوته الذي يفِدُ من الفردوس نفسها! و غمغمت:

+


"هل صحيح ما تقوله؟ ألست غاضبا مني؟ ألا تجدني حمقاء لأنني زرعتُ هذه الوردة بالذات؟".

+


   هزَّ رأسه نافيا، و عقب مداعبًا ذقنها:

1


"أنَّى لكِ أن تعرفي؟ حتى التوليب نفسه لا يعرفُ أنه يرمزُ ليوم مشؤوم! هيا، يكادُ يحلُّ الظلام، و أتصورُّ أن الجميع قلقون عليكِ!".

1




+


   عندما غيرت ماريغولد ثيابها، و استرخت أعصابها، نزلت لتناول العشاء، شهدت الطاولة حديثا جميلا بين لِيو و آبي حول لعبة الشطرنج التي بات يجيدها نوعا ما، مقترحا أن يعلمها أسرارها في وقت فراغه، ضحكت آبي على براءة الطفل، و في الوقت نفسه كانت في أمس الحاجة لتعرف أين انتهت الأمور بين هارولان و ماريغولد؟ شحوبُها و هي تلج البيت قبل ساعة أكد لها أن بها خطبا، لكنها لم تجد الفرصة لتسألها!

6


   اتجهت ماريغولد لاحقا إلى غرفة لِيو، فوجدت هارولان هناك برفقته، كان لِيو قد غرق في النوم أخيرا، و خاله يغطيه جيدًا، ثم يستديرُ ليرمقها بنظرة دافئة، تراجعت لتغادر، لكنه استوقفها، و تقدم نحوها، ثم خرج و قال بينما يغلق الباب:

+


"كيف تشعرين الآن؟".
"أفضل!".

+


   تذكرت ما لمحته في درج الرسم الخاص بالطفل قبل قليل، فتمتمت:

+


"لم أكن أعرفُ أنك وضعت رسائل شارلوت بيل تحت تصرف لِيو أيضا!".

+


   زفر ببطء كأنه يتخلص من حمل، و ردَّ بهدوء:

+


"لا زلتُ قلقًا بشأن تأثير الرسائل عليه، لكنني فكرتُ أنها قد تشغل غيابكِ و تجنبه الألم!".

+


"قُلتَ غيابي؟".

+


   شرح لها كيف ظن أنها ستغادرُ للعيش ببيت السيدة لوريل، فابتسمت حائرة، و علقت:

+


"لم يخطر ببالي شيء كهذا قط! صحيحٌ أنني فكرتُ في استغلال البيت، لكن ليس لفائدتي الشخصية، لقد منحتني سقفا، و أريدُ بدوري أن أوفر سقفا لبعض المشردين و الأيتام، لا أعرف كيف سأنجح في هذا، لكني سأحاول، قد يتطلبُ الأمر أخذ رأي السلطات و رجال القانون المناطين بهذا الشأن!".

2


   حدق فيها هارولان باحترام عميق، كبرت في نظره، و وجد نفسه يقترحُ بلطف غريب عنه:

+


"قهوة؟".

+


"مُرَّة؟!".

+


"سأسمحُ لكِ الليلة بإضافة مذاق حلو!".

1


   غابت همهمتهما ما إن نزلا إلى الأسفل، فتحررت آبي من مخبئها منفعلة، و اتجهت نحو غرفتها كالعاصفة، تمنت صفق الباب، لكن هذا سيحدث جلبة، لن تحرج نفسها، ليس و هي على قاب قوسين من تحقيق مرادها، ذرعت الغرفة بعصبية، اتصلت فورا بصديقتها و قالت:

4


"تايلور! لم أعد أطيقُ الأمر، تعالي إلى المزرعة! ماذا؟ لا يهمني موقف خطيبك الأخرق! أنا بحاجة لدعمك! لا! لا أظن أنه يمانع وجودكما! إنه لا يلاحظ شيئا سوى صاحبة الورود اللطيفة! و لا يبدو أن فخَّ التوليب أتى بثماره المرجوَّة كما خططت، تايلور! لا تخذليني! تعالي، و سأتولى ترتيب كل شيء مع هارولان!".

8


   أنهت آبي المخابرة، و ألقت الهاتف جانبا، و هي مصممة على اقتلاع جذور تلك المزارعة من كينغلاند!

41


نهاية الفصل السابع و العشرين.

+


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close