اخر الروايات

رواية الغضب الاسود الفصل السادس والعشرين 26 بقلم الكاتبة كوين اسمهان

رواية الغضب الاسود الفصل السادس والعشرين 26 بقلم الكاتبة كوين اسمهان


الفصل 26|جزءٌ من كينغ

                                              
   فوق طاولة الفطور في الصباح التالي، تبادلت ماريغولد مع هارولان نظرات عميقة دامت طويلا، شعرت بالهدوء الذي غلفه و لفَّ قاعة الطعام، و فكَّرت أن أنفاسها يمكن أن تسترخي و تسترسل في رقصات ترنو إليه كما يفعل بخارُ القهوة المتصاعد بينهما، كانت تعلم أنه لم يتخلص من غضبه بعد، لا زال هناك في أعماقه، لا يزالُ جزء منه عالقا في ذلك القبر المفتوح، لا يزال نصفه مغمورا بالظلام كالقمر المُنتصف؛ و رغم ذلك ها هو يضيءُ كل شيء هنا، و يجعل الأثاث يترنَّح، و النجوم تتساقط، و فراشات غريبة تثبُ من العدم لترفرفَ فوق رأسها، و كلما نظر إليها كما يفعل الآن، تتوقف أنفاسها، و يمسكُ قلبها دقاته كأنه... لم يعد قادرًا على النبض!

1


   أفاقت من أفكارها على رنين هاتفه الخلوي، وضع هارولان شوكته، و أجاب بصوت عميق بينما كانت عيناه تلمعان بشكل ساحر:

+


"نعم، حسنا، تولَّ أنت إعلام معارفها و أصدقائها، لا يهمُّ العدد الهائل، المزرعة تسعُ أكثر مما تتخيَّل، لا تقلق... سيتكلَّفُ وكيل أعمالي بالباقي، لن ينقص شيءٌ جنازتها... ستحظى بتوديع لائق!".

17


   أغلق هارولان الخط، و بقي رنين كلماته يراود أذني ماريغولد، لم تصدق ما سمعته، هل حقا قرر إقامة الجنازة؟ ابتسمت له و هي تهزُّ رأسها بفخر، كما لو أنها تقول: «هذا هو عين الصواب!» أو ربما قالت بعينيها: «أترى؟ ليس صعبا أن تكون أخًا من جديد!»، لاحظت أنه يترك الطاولة و يغادر، فلحقت به، و على باب القاعة همست له بلطفها الذي ألفه:

+


"لن أعمل إذن اليوم، سأتفرَّغُ لمساعدتكم!".

+


   تمهلت قليلا و هي تنظر ناحية لِيو، ثم استطردت بقلق:

+


"سأبذل قصارى جهدي أيضا لجعل لِيو يفهم ما يحدث حوله بشكل يُجنِّبه القدر الأكبر من الألم و الحزن، لا أعلم كيف سأبدأ هذا... و لكن... سأحاول التعامل مع الأمر بصبر و حذر!".

+


   حدقت في هارولان لهنيهة، و تساءلت بخجل مستدركة:

+


"إذا كنتَ تفضل تولِّي هذا بنفسك و ترفض تدخُّلي بالأمر...".

+


   قاطعها هارولان بإيماءة ثقة، و صوت هادئ:

+


"كلا! سأتركُ هذا لكِ، أنتِ في النهاية... جزءٌ من كينغ! و آل كينغ شُجعانٌ يُعتمدُ عليهم في أصعب المهام!".

15


اختفى من مسرح نظرها، مخلِّفًا بكلماته على وجهها أجمل ابتسامة، و في حنايا صدرها أوسع دفء ممكن، لقد أقرَّ بكل جلاء... و بأكثر الطرق نفاذا إلى الروح... أنها تنتمي إليه... إلى عائلته و بيته، و هذا ما منحها قوة عظيمة لتجيب سؤال لِيو الحائر:

1


"ما معنى جنازة يا صديقتي؟".

1


   حزنت في البداية، و كادت تفقد عزمها و تتلعثم، لكنها لمست قلادتها و أغمضت عينيها كما تفعل دوما عندما تتوتر، ثم سحبت ما يكفيها من الهواء، و ردَّت ببطء:

+



                                      

"إنه تقليدٌ نودِّعُ من خلاله من فارقونا و أصبحوا نجومًا بعيدةً في السماء!".

+


   فكَّر للحظات، و عاود السؤال ببراءة:

+


"من أصبح نجمةً الآن؟".

+


   مسحت على شعره بكل حنان، و حاذرت في قولها إلى أقصى حد:

+


"والدتُك!".

4


   تجلَّت على وجهه علائم الدهشة و عدم الفهم، كيف سيفهمُ هذا و هو مجرد طفل صغير؟ لقد ظن أنه بدون والدين مُنذ ولادته، و قبل أن يسأل من جديد، سارعت ماريغولد إلى الشرح بصبر:

+


"هل تعرف يا عزيزي؟ أمس كنا... أعني خالُكَ و أنا، كنا نتمشَّى حول البيت، و لمحناها، لقد طلبت هذا، طلبت أن نودِّعها، كان قدرها لسنوات أن تبقى بعيدة، و قدرها الآن هو أن تكون بين النجوم".

5


   تمتم بعفويته:

+


"هل كانت جميلة؟".

+


"جدا!".

+


   تكوَّر فمه، و ترقرقت عيناه بالدموع سائلا:

+


"لماذا لم تأتِ إلى غرفتي إذن؟".

3


   أردفت بعد تفكير:

+


"أعتقدُ أنها أتتكَ و لما ألفتكَ نائما لم تشأ إيقاظك؛ لكن... من يدري؟ ربما قامت بتقبيل خديك و معانقتك! الأمَّهات على اختلافهن يفعلن ذلك".

+


"حتى أمك؟".

+


   ارتعشت، و ضحكت من بين دموعها مجيبة:

+


"حتى أمي!".

+


   سأل ثانية:

+


"هل تحولت أيضا إلى نجمة؟".

+


"منذُ زمن بعيد!".

+


   أرسلت بصرها عبر النافذة، و لم يكن أحد ليستطيع رؤية النجوم في إشراقة كهذه، و لكنها على الرغم من ذلك تمتمت حالمة كأنها ترى لمعانها بالفعل:

+


"لهذا السبب تبدو السماء جميلة ليلاً، لأنهم هناك، لأنهم يهمسون لنا أنهم باقون معنا، أنهم تركوا الأرض لُيزيِّنوا سماءنا، و يرافقوا كل خطواتنا، لهذا السبب نقيم الجنازة، حتى يتسنى لنا و لهم توديع بعضنا البعض و تقبل هذه المسافات بيننا!".

1


   لاحظت أنه بدأ يستوعبُ الأمر، و أن الحزن بدأ بالإلتفاف حول قلبه، غير أنها كانت حذقة كفاية حين أضافت بمرح:

+


"والدتك تراك الآن، و لن تحبَّ أبدا هذا الوجه العابس، ستكون فخورة و ستلمع أكثر لو أنك تبتسم و تمضي في حياتك بسعادة!".

+


   ابتسمت لإتساع عينيه البريئتين و استطردت تسحبه نحو المطبخ:

+


"هيا، فلنفعل بعض الأشياء التي يمكن أن تسعد نجمتنا!".


+


   كانت هانا في المطبخ تنفِّذُ التعليمات بقلب تائه، بعدما انتهت من إعدادِ الأصناف المحددة بالقائمة، مضت تغطسُ قطع الحلوى التي استخرجتها من الفرن قبل ساعة في خليط الشوكولاطة، ثم تجعلها تدورُ داخله، لترشُّها لاحقا بمسحوق جوز الهند، و من ثمَّ تأخذُ آديا القطع الجافَّة و ترتبها بإتقانٍ على صوانٍ فضيَّة، لينتهي الأمر بالصواني مرفوعة على يدي تِيا في توازٍ إلى رفوف عربة توزيع خاصَّة بالمناسبات الكبرى التي لا تشهدها المزرعة إلا نادرًا! لاحظت ساري التي كانت تتفقد جاهزية عربات التوزيع أن الطاهية تجدُ صعوبة في دفع دموعها بعيدًا، فاحتضنتها مآزرة، لتنطلق هانا في كلماتها المتهدجة:

2



        

          

                
"صغيرتي، كم كانت تحبُّ حلوى اللامينغتون هذه! أعلم أنها لن تُعيدها، لا شيء سيُعيدها! لكن... ليس في مقدوري اليوم سوى إعدادها من أجلها، على أمل أن يساعد هذا!".

+


   ارتجف ذقنها، و أضافت و هي تنفخ بمنديلها دافعة عنها الخادمات اللاتي تنافسن في مواساتها:

+


"تابِعن العمل، بينما أتخلصُ من هذه الدموع المزعجة! لن نتماطل و نُغضب السيد كينغ في يوم كهذا، من كان ليُصدِّقَ أساسًا أنه سيُقيم جنازتها؟ لكنه فاجأ الكون و فعل! آه! تبا لدموعي! إني لا أرى شيئا! فلتُناولني إحداكن منديلاً آخر!".

2


   و في تلك اللحظة دلفت ماريغولد رفقة لِيو معلنة:

+


"نحن أيضا نريدُ المساعدة!".

+


   تأمَّلتهما أزواجُ العيون بخوف، كان هناك سؤال وحيد تشاركته نسوةُ المطبخ في تلك الأثناء: أنَّى للطفل أن يساعد و هو لا يعلم شيئا عن الراحلة؟! غير أن إيماءة ماريغولد أشاعت فيهن الإطمئنان، قبل أن توضح ما أتيا من أجله:

+


"فكَّرتُ أنا و لِيو أن نقطف بعض الورود من أجلها!".

+


   تدفقت ابتسامة هانا المشعة، و عبرت عن ترحيبها بذلك قائلة:

+


"يا لها من فكرة جميلة عزيزتي!".

+


   سألت ماريغولد:

+


"إذن... أيُّ نوعٍ كانت تحب؟".

+


   أجابها السيد لي الذي وصل لتوه قادما من الحديقة:

+


"الأقحوان البنفسجي".

2


   تقدم داخل المطبخ، و تابع بابتسامة حزينة:

+


"زهرة متمرِّدة و متحررة مثلها تماما!".

+


   شكرت ماريغولد السماء أنها سبق و غرست هذا النوع في الحدائق، الكثير منه! و انطلقت على الفور بمعيَّة لِيو تقطفُ كمًّا مناسبًا يغطي احتياج المناسبة، لتقوم لاحقا بتنسيقها في باقات جميلة، و تزين بها الحديقة الأمامية و الردهة الرئيسية وصولاً إلى الصالون.

+


"جيد! يبدو المكان رائعا!".

+


   أخفت دمعة و هي تهمس لنفسها: «آملُ أن تحبي هذا شارلوت بيل!»، فاجأها الطفل بصوته الرفيع:

+


"هل أستطيع إهداءها شيئا أيضا؟".

+


   حدقت فيه ماريغولد بدهشة، ثم انحنت تسأله مبتسمة:

+


"طبعا تستطيع! ماذا تريدُ أن تقدم لها؟".

+


"سأرسمُ من أجلها شيئا ما!".

+


   شجَّعته ملاحقة ظله المبتعد بعينيها، و تنفست بعمق و هي تتأكد للمرة الثالثة أنها وضعت الورود في الأماكن المناسبة، كم كانت رؤوس البنفسج المتعانقة في باقاتها رائعة، سريعا نشرت عبيرها، و فرض لونها القويُّ تأثيره على كل زاوية!

+



        
          

                
   وصل جثمان شارلوت بيل إلى كينغلاند ظُهرًا على متن طائرة خاصَّة أمَّنها شقيقها، استغرقت الرحلة الجويَّة من كولورادو سبرينغز إلى أستراليا أربعة عشر ساعة و نصف، لتوقن ماريغولد أنه أصدر أمر إحضار الجثمان عقِبَ حديثهما أمس بوقتٍ قصير، مما يعني أنه اتخذ قراره على الفور! نزل النجم جي كي براوس من الطائرة مُرهقًا شاحبًا تغزو التعاسة تقاطيع وجهه، لكنه ما فتِئ أن ابتسم إلى الصف الطويل الذي ينتظره، يتصدره سيد الأرض، تصافح الرجلان، و تبادلا تحية جافة، قبل أن يشير جي كي إلى مساعديه ليُحضروا التابوت.

4


   كان جي كي براوس بدوره نجما سنيمائيا مرموقا و واسع الشهرة في أمريكا، أو فلنقل في الغرب بأسره، و نشر وجوده بعض البلبلة و الإغماءات هنا و هناك بسبب أناقة ملبسه و وسامة وجهه، غير أن هارولان لم يتأثر به، و ظل وجهه جامدًا، و عيناه المتحجرتان لا تفارقان التابوت، لم يصدق! كل ذرة منه رفضت تصديق حقيقة عيشه مثل هذا اليوم! أن يستقبل بنفسه تابوت مُدلَّلته شارلوت بيل! 

1


   شهدت المزرعة جموعا غفيرة، من محبيها و زملاء دراستها و معجبي أفلامها الشهيرة، و جاء رجل دين من بريدجتاون ليقوم بالمراسم المتعارف عليها، كانت أصول الجنائز في ٱستراليا تقتضي بضرورة التمهل في دفن الموتى، لكن هارولان لم يتريث، و لا ليوم واحد أكثر، ظنت ماريغولد أنه يودُّ أن يتخلص من أجواء الكآبة، و يزيح هذا الحمل عن كاهله بسرعة، لكن ما إن انطلق الركب نحو المقبرة حتى ذُهِلت لما رأته، لم يبدُ المكان مخيفا و مهجورا كالسابق، اختفت شباكُ العنكبوت السميكة، و طُلِيت البوابة الصَّدئة بلون أبيض خفَّفَ وحشتها، و ٱزيلت الأتربة و الحشائش التي تسلقت القبور، و لم تعُد هذه هي مقبرة آل كينغ البؤساء! أدركت أنه لا يريدُ التخلص من العبء؛ بل يريدها أن ترتاح في أقرب وقت، بين أهلها، في أعماق الأرض التي ظلت تنتمي لها رغم أنف القدر!

+


   غمغمت ماريغولد بصدمة و هي تقفُ إلى جوار السيد لي و الطفل:

+


"غير معقول! لقد رأيت هذا المكان أمس، و أنا متأكدة أنه لم يكن بهذا الترتيب و الجمال!".

+


   التقط كبير الخدم كلماتها، فردَّ بإعتزاز:

+


"لقد بدأ إبني يستيقظُ أخيرا!".

+


   نظرت إليه في دهشة، فبادلها النظر و تابع مطمئنا، و هو يلاحظ أن رجل الدين بات مستعدا للصلاة:

+


"سهِرنا أنا و السيد كينغ حتى الفجر مجتهدين في تنظيف هذا المكان، كان طرقه على باب غرفتي بعد منتصف الليل ليدعوني إلى هنا كالحلم، قال: «أنت كنتَ والدها الحقيقي... و عليك معاونتي في تجهيز المكان الذي سيحتضنها لبقية الأيام» أجل إبني الذي ربَّيتُه على الرحمة قال ذلك و أعاد إليَّ أجزاءً من روحي!".

3


   توقف لبرهة، ثم استطرد مُراعيا المكان حولهما:

+


"ٱنظري! لا أثر للوحشة هنا، باتت المقبرة الآن مُستقرًّا لائقًا بها".

+



        
          

                
   وافقته ماريغولد ضمنيا، إنه على حق نوعا ما! تغير كل شيء، و لم يبقَ شبرٌ على حاله؛ سوى ذلك القبر المفتوح! كأن هارولان يخشى لمسه، كأنه الجرح الغائر الوحيد الذي لن يندمل مهما حدث!

+


  العمال بدورهم شاركوا سيدهم في مراسم الجنازة، و قدموا تعزيتهم الخالصة له و للسيد و السيدة لي، كونهما مقربين من الراحلة، لم يستطع غاري نزع عينيه عن ساري طوال الوقت، لذلك كان سباقا بملاحظة اصفرار سحنتها، و ترنحها المفاجئ، عرض عليها المساعدة حين همَّت بالمغادرة، فوافقت مرغمة رغم شعورها بالخجل منه، سارا لبعض الوقت مبتعدين عن المقبرة، و ما لبثت ساري أن شعرت أن الأرض تميد تحت قدميها، و الأشجار تتراقص من حولها، و وجه غاري ينتفض و يتموجُ بشكل غريب، و لولا ذراعاه اللتان حملتاها لما عرفت كيف ستبلغ البيت بحالها تلك! أدرك غاري و هو يدخل المطبخ و يضعها على مقعد هناك، أنه يحب هذه الفتاة كل يوم أكثر، و أيا كان ما يختفي خلف شحوبها المريب مؤخرا، فلن يتخلى عن أمنية قلبه، الحب ليس مستحيلا، إنه فقط يحتاج من المرء محاولة، شرارة، إنطلاقة!

6


"كيف تشعرين الآن؟".

+


"أفضل!".

+


"هل أطلبُ لكِ طبيبًا أم آخذكِ إلى المستشفى؟".

+


"لا هذا... و لا ذاك! قليلٌ من الراحة و سأستعيد نفسي".

+


   نظرت إليه بعيني القطط البرية التي تملكها و أضافت:

+


"شكرا لصنيعك غاري!".

+


"لم أقم سوى بواجبي!".

+


   تحرك ليخرج، لكنه توقف ملتفتا نحوها و سأل بقلق:

+


"هل هناك ما يضايقكِ ساري؟".

+


   عاود الإقتراب منها مردفا:

+


"يمكنكِ الوثوق بي، أستطيعُ أن أساعدكِ بأي شيء!".

+


   كيف سيساعدها؟ حتى السيد كينغ نفسه لم يغير ريك، الإنسان لا يتغير إلا إذا أرادت أعماقه ذلك! 

+


"أصغِ إلي ساري!".

+


   جلس قبالتها منتزعا قبعته، ثم استطرد:

+


"أنا رجل صريح و مقدام، لم أصرح بهذا قبلاً لأنك كنت صغيرة جدا، لكنكِ أصبحتِ امرأة الآن".

2


   تأملها بافتتان حقيقي متابعا:

+


"امرأة كاملة... رائعة... لم ترحم قلبي! لقد أحببتُكِ منذ زمن ساري، و لا زلتُ على حبي لكِ، إن كنتِ موافقة، سأجعلكِ أسعد امرأة في الكون!".

11


   لقد تعبت، و لم تعد ترغب أن يقبلها ريك و يتحمل مسؤولية طفلها، تستطيع أن تتولى ذلك بنفسها، و هي ليست بحاجة لأي كان، غاري يبدو لطيفا و صادقا، لكن في الوقت نفسه لا يمكنها إثقال كاهله بهمومها، و بمسؤولية طفل من رجل آخر!

+


   أحزنها أن يكشف غاري مشاعره النبيلة متأخرا، ربما لو لاحظت حبه الشريف سابقا لما خدعها حب ريك المزيف! هزت رأسها بالنفي متمتمة:

+



        
          

                
"لا أستطيع يا غاري، آسفة!".

+


"لماذا يا ساري؟ ما الذي يمنعكِ؟".

+


"شيء لا يمكنني إطلاعك عليه!".

+


   أراد غاري أن يرحل، لكن قلبه ألحَّ عليه، فسأل بحبه الواضح:

+


"هل هو طموحكِ؟ هل تتمنين زوجا ثريا كما تفعل سيدني؟ أستطيعُ أن أعمل بجد لأكون زوجا مسؤولا، سأعمل حتى ليلاً لأوفر لكِ ما تريدين!".

12


"لا...لا... يا غاري! هذا لن يحدث! لا يمكن أن يحدث!".

+


   شعر بالمرارة، بأنها تضيع من بين يديه بعدما ظن أنها ستكون له، و كرر سؤاله كأنه لم يقتنع بجوابها:

+


"لماذا يا ساري؟ لماذا؟".

+


   حاول لمس خدها بعفوية، فتذكرت كل ما فعله بها ريك، و نفرت من غاري بشكل جرح مشاعره، غير أنه نجح في إخفاء ذلك، و قال:

+


"لماذا تتصرفين هكذا؟ كنا صديقين لطيفين في الماضي، ما الذي تغير؟ لم تنفري من لمستي قبل الآن! أصبحتِ لا تلاحظينني حتى عندما تحضرين القهوة إلى أرض المركبات! لماذا تغيَّرتِ يا صديقتي الصغيرة؟".

3


   فجأة لم تعد قادرة على تحمل ضغطه، فصرخت بأعلى صوتها:

+


"لأنني حامل من رجل آخر!".

+


   صُدِمَ غاري بشدة، لا بل صُعِقَ و فقد النطق للحظات و لحظات و لحظات! ظل ينظر إليها كأنه يراها للمرة الأولى، جاهد... جاهد بكل قوته ليسأل و هو ينظرُ إلى بطنها الغير بارز متعرقا:

+


"إذن... ستتزوجان؟".

+


   شحبت ساري أكثر، و تجلت معاناتها، كانت أعصابها مشدودة، لذا انفجرت بالبكاء مرددة:

+


"كلا! إنه... يرفضُ الإعتراف بما حدث بيننا! رغم أنه هو من أقنعني بذلك، و خدعني بعرض الزواج!".

+


   اسودَّت عيناه، و بعدها تمتم بلفظة واحدة:

+


"من؟".

12


   لم تكن ساري ترغب بإقحام غاري في هذا أيضا، يكفي ما كان سيحل بماريغولد لو أن ريك تمكن منها، إن حل مكروه بغاري فلن تسامح نفسها، رفضت إخباره، فغضب، و التقط قبعته بعنف، و قبل مغادرته، قال بحدة:

+


"إذا قررتِ أن تكوني امرأة حقيقية كما كنتُ أظنُّكِ، و أن تخبريني من هو لأعيد لكِ حقكِ، فأنت تعرفين أين تجدينني، أما إذا اخترتِ البكاء و التلاشي، فأفضل ألا أعرفكِ بعد الآن يا ساري!".

4


   كان غاري الطيب هذه المرة قاسيا جدا في كلامه، لكنه كان أيضا على حق، أي شيء ستختار يا تُرى؟ السعي خلف حقها و حق ابنها... أم الصمت و الخوف من ريك و ما قد يفعله إن فضحت أمره؟!

+


   كان من بين الحاضرين في الجنازة إبنة عمَّة هارولان المدعوة «أبيغايل باشلار»، فتاة في أواسط عشريناتها، لا تكبر ماريغولد بالكثير، و كسائر آل كينغ كانت آية في الجمال، تتمتع بشعر أسود قصير، و عينين سوداوين واسعتين، شفاهها ممتلئة، و أنفها ممشوق كعُرفها، أما عن قامتها فكانت في مثل طول السيد كينغ تماما، على العشاء... قالت أبيغايل و هي تتحدث عن نفسها وسط مجموعة من الشباب المُنبهرين بها:

20



        
          

                
"لستُ نادمةً لأنني قضيتُ حياتي في التجوال و الترحال، لقد وجدتُ نفسي عندما اشتريتُ هذه العزيزة و رحتُ أجوبُ بها العالم!".

+


   أشارت إلى الكاميرا الصغيرة التي لا تفارق صدرها، و تابعت بشغف:

+


"أشعر كما لو أنني أملك أجزاءً من العالم داخل الصور التي ألتقطها!".

+


   ابتسمت لها ماريغولد بوُد، وجدتها شخصا رائعا لا يستطيع المرء إلا أن يحبه، و اتفقتا في أشياء كثيرة، كحب الطبيعة و الفنون و الموسيقى البوهيميَّة، و ما لبثت ماريغولد أن انزعجت بشدَّة حين سمعت إحدى الحاضرات تنالُ من والدتها بخبث في أذن امرأة غيرها:

1


"أؤكدُ لكِ ذلك، قيل أن جاكلين كينغ والدة آبيغايل هربت من زواجٍ مُدبَّر في الماضي!".

+


   شهقت المرأة الأخرى بفظاظة:

+


"يا إلهي!".

+


"آه صدقيني! كان شقيقها جوشوا مُستبدًا، ٱنظري! أترين ذلك الرجل الذي يتحدثُ مع جي كي؟".

+


   سافر نظر المرأة المستمعة إلى حيث يقف هارولان بكامل أناقته و حضوره القوي، ثم همهمت مأخوذة به:

+


"ذلك الوسيم العابس! أساسا لم أستطع إزاحة نظري عنه مُذ لمحته في المقبرة! إنه كامل الأوصاف!".

+


"إياكِ أن تنسجي حوله أحلامك يا عزيزتي، فتنالين صفعة خيبةٍ في النهاية!".

2


"أوه! لماذا أنتِ محطمة للآمال هكذا يا بياتريس؟".

1


   تنهدت هذه و أردفت ساخرة:

+


"لأنه رجل منيع، شيء محرَّمٌ، الأفضل و الأسوء في آن واحد، منظره متكامل، و نفوذه و ثراؤه جذابان مثله، لكنه أسود الأعماق يا عزيزتي، والده جوشوا قضى على إنسانيته تماما!".

+


   تفاجأت الأخرى معقبة:

+


"هل تقصدين أن الهارية جاكلين كينغ عمته؟".

+


"آه! نعم، و تلك المصوِّرة صاحبة الإبتسامة الواسعة إبنة عمتِه!".

+


   لم تعد ماريغولد تطيق سماع المزيد، لم تعرف ما الذي جعلها تنفعل تحديدا، لكنها انبرت تقول غاضبة:

+


"أستميحُكما عذرًا! لكن من الفظاعة حقا أن تغتابا الناس بهذه الطريقة! السيد كينغ دعاكما لتشاركاه حزنه على فقدان شقيقته بالحادث المأساوي، و أنتما تقحمان نفسيكما بشؤون عائلته الخاصة!".

+


   امتقع وجها المرأتين، و حاولتا شرح موقفهما، و آنذاك ثبت أن أبيغايل كانت تصغي للحوار أيضا، و كان أن التفتت إليهما، و ألقت ذراعها حول كتفي ماريغولد معلقة ببرود عجيب:

+


"لا بأس عزيزتي، دعيهما، لقد تعودتا على الثرثرة فيما لا يعنيهما... كما تعودتُ أنا على ماضي والدتي المُمتع!".

+


   كان ردُّ أبيغايل غريبا، كأنها فقدت شغفها فجأة، زحفت المرأتان مغادرتين المكان، و انتبهت ماريغولد أن الجميع بدأوا بالرحيل كذلك، حتى الخدم تعبوا، و انسلوا نحو جناحهم مستسلمين للنوم، و لم يبقَ سوى جي كي و إبنة عمَّة هارولان و صاحب البيت و مُزارعته!

1



        
          

                
   حول فناجين من قهوة السيد لي اللذيذة... جلس الأربعة في الصالون يتسامرون، احتفظ هارولان بجموده و لهجته المطاطة، و مضى ليُدخِّنَ سيجارة، غير أن نظرة سريعة إلى وجه ماريغولد جعلته يتذكر ما فعلته أمس حين انتزعت من بين شفتيه عقب السيجارة و وضعت يدها على صدره باحثة عن قلبه، آه! لماذا يتذكر هذا الآن؟ تعنَّت و أشعل السيجارة لنفسه، كأنه يعاندها، ثم استمع لأبيغايل و هي تقول:

2


"انقطعتُ عن أخبار العالم منذ أسابيع، لذا أنا شاكرة لك جي كي على الإتصال بي و إعلامي بالحادث، لو لم تفعل... لما كنتُ هنا الآن! لكنتُ لا زلتُ حبيسة أدغال البرازيل من أجل تلك الصورة!".

1


   توقف الممثل عن لفِّ ولاعته بين أنامله و تساءل متعجبا:

+


"أي صورة؟".

+


   رفعت أبيغايل كتفيها مجيبة بغير اكتراث:

+


"إنها زهرة بريَّة نادرة، ألاحقها منذ مدَّة لألتقطَ لها فقط صورة... فقط صورة واحدة!".

+


   لمعت عيناها و هي تدير الفنجان بين يديها، ثم تابعت ساخرة من نفسها:

+


"آه إنسَ الأمر! أبدو مجنونة تماما حين يتعلق الأمر بالتصوير!".

+


   تخلت عن سخريتها و توجهت بالحديث إلى هارولان كأنها تُغازله:

9


"أنا شاكرة أيضا لإبن الخال العزيز، لم أتوقع أن تفتح كينغلاند أبوابها في وجهي بعدما اقترفته أمي!".

+


   شعرت ماريغولد أن الحوار بدأ يعرج إلى مسائل عائلية بحتة، فقررت وضع فنجانها مكانه و الإنسحاب، لكن هارولان جمدها مكانها بنظرة واحدة، و تمتم:

+


"لا يزالُ الوقت مبكرا على النوم!".

+


   غزا الإحراج خديها، و قالت بوجه مضطرب:

+


"أعرف! لكن ما سيدور بينكم لا يخصني، أنا... أبقى غريبة في النهاية و...".

+


   قاطعها بوجه متجهم:

+


"بل أنتِ جزءٌ من كينغ! أنسيتِ؟".

5


   خفق قلبها حين ذكرها بذلك، أجل! إنها جزءٌ من عائلته، كيف نست؟ نقلت أبيغايل نظرها بينهما مستغربة، و شعرت للحظة أن هناك أشياء خاصَّة تجمع هذين الإثنين، ثم تدخلت قائلة بوجه منشرح:

+


"بالطبع ماريغولد يمكنكِ البقاء و مشاركتنا فضفضتنا العائلية، لقد مدحكِ السيد لي كثيرا، و قال أنكِ أضفتِ بهجةً إلى كينغلاند بعدما عاشت على مر السنين مجرد رقعة كئيبةً!".

+


   نظرت إلى إبن خالها متوقعة ردًّا عنيفا لأنها تصفُ أرضه بالكئيبة، غير أن هارولان إنشغل عنها بتأمل ماريغولد، و بدا كأنه لم يسمعها قط! بل لا يراها حتى! و لا يشعر بوجود أحد غير تلك المزارعة! إلا أن أبيغايل تابعت مصرَّة على جذب اهتمامه:

+


"شخصٌ جميلٌ مثلكِ يا ماريغولد لا يزعجني وجوده بينما أتناول بالحديث خطيئة أمي، أعني... لماذا أخفي هذا؟ حتى قَنادسُ الغابات تعرفُ أن جاكلين كينغ عصَت إرادة خالي جوشوا و هربت مع فريدي باشلار أكبر منافسيه إلى ألمانيا... ثم أنجبتني خارج إيطار الزواج!".

12



        
          

                
   ازدردت ما تبقى من فنجانها و أضافت هازئة:

+


"ثم... عاودت الهروب هي و أبي بطريقة أمكر!".

1


   كانت تقصدُ الموت، تجلَّى ذلك في عينيها بوضوح، و رغم حزنها و امتعاضها، استطاعت أن تقف بقوة، و تعلن إنسحابها من السهرة بطريقة مسرحية:

+


"أعزائي، هنا ينتهي دوري، لا يناسبُ السَّهرُ أكثر بشرتي الحساسة! لذا طابت ليلتكم، تشرَّفتُ بالتعرُّف إليك و إستضافتك لي يا إبن الخال العزيز!".

+


   أومأ لها هارولان محافظا على نفس التعابير، لتُضيف فجأة و هي ترمق ماريغولد بطريقة غامضة:

+


"تشرَّفتُ بمعرفتكِ أيضا يا صاحبة الورود!".

+


   ارتسمت الإبتسامة الصادقة على شفتي ماريغولد و هي تردُّ بسعادة:

+


"الشرف لي آنسة أبيغايل!".

+


"أوه! بدون ألقاب رجاءً! و بدون أبيغايل أيضا، آبي تكفي!".

+


   قال جي كي بعدما أصبحوا ثلاثة فقط، و بات الجو شاعريا بشكل غريب، و مشجعا على البوح أكثر:

+


"مسكينة آبي! ربما لم تعش بعد ذلك الجنون الذي يُدعى حُبًّا!".

+


   حدق في المزارعة و أضاف بفضول:

+


"هل عشتِ حبًّا بهذا الشكل آنسة موران؟".

2


   انجذب هارولان إلى الحوار بتركيز أكبر، و اهتم بمعرفة جوابها أكثر من صاحب السؤال، ابتلعت ماريغولد ريقها، و احمر وجهها، و تأتأت تحت نظر الرجلين:

5


"أنا...! حب! أنا أعني... لا!".

+


   شعر هارولان بالحيرة و الضياع، ألم تكن مخطوبة إلى ذلك الشرطي الجبان؟ لماذا ارتبكت إذن و كان جوابها سلبيا؟ هل هذا يعني أنها لم تحبه؟ هي إذن لم تكن تريده من قلبها شريكا لها؟ لماذا إذن خُطبت له؟ لماذا قبلت برجل مثله و هي على هذه الصفات الرائعة؟ و لماذا كانت تسافر برفقته رغم أنه يفتقر للوفاء الذي تستحقه امرأة مثلها؟ لم يعرف لِمَ سرَّه أن قلبها لم يخفق بجنون لذلك الشرطي الأخرق! إنه كذلك بعدما تخلى عن هكذا امرأة! و إن قابله يوما ما... فسيكون هذا أول ما يقوله له!

+


   استأنف جي كي الكلام:

+


"لا يبدو فعلا أنكِ عشتِه! لكن أنا واثقٌ أن جاكلين كينغ عاشته مع فريدي باشلار! كما عشتُه بدوري مع امرأة أخرى من آل كينغ!".

3


   نظر كل من ماريغولد و هارولان إليه بغرابة، فضحك بعصبية، كأنه يكبت كل آلام العالم بقلبه، و استطرد متحسسا الفنجان بأصابعه:

+


"أنا آسف سيد كينغ! لكن عليَّ أن أقول هذا، ما جاء بي كل هذه المسافة ليس الزمالة أو الصداقة التي جمعتني بشقيقتك منذ سنوات، ما جاء بي شيء أعمق بكثير، لقد أحببتُ شارلوت إلى حد الجنون...!".

2



        
          

                
   لم يتمكن جي كي من متابعة كلماته، لأن هارولان لكمه فورًا دون أن يفكر، سقط فنجانه و انكسر، دحرجته اللكمة العنيفة خلف مقعده، و جعلت شفته السُّفلى تتمزق و تنزف بشدة، فيما شهقت ماريغولد مجفلة من الصدمة، لم يكتفِ هارولان بذلك، بل أضاف له لكمة ثانية، و أسرع ملتقطا إياه من ياقة قميصه، و دفعه إلى الجدار مُزمجرا:

15


"أيها الوضيع! هل كنتَ أنتَ السافل الذي استغلَّها و جعلها تعاني كل ذلك؟ هل أنت والد الطفل؟ تكلم!".

+


   حاولت ماريغولد إبعاده عنه بكل ما ٱوتيت من قوة، لكنها لم تستطع، فلجأت للكلمات، راحت تخاطبه بصوت رقيق:

+


"سيد كينغ! الأمور لا تُحلُّ هكذا، العنفُ لن يصل بك لأي شيء! أنت تخنقه، و لن يتمكن من قول حرف على هذا النحو، رجاءً أفلته! رجاءً!".

+


   رغم غضبه المتعاظم تأثر و اقتنع برأيها، و أخلى سبيله، ثم مرَّر أصابعه بين خصلات شعره بحدة مغمضا عينيه، يحاول السيطرة على أعصابه، و هو يسمع جي كي يسعُل و يقول بكلمات متقطعة:

+


"ليتني كنتُ كذلك! ليتني... كنتُ والد لِيونارد لكنتُ الآن... أسعد رجلٍ في العالم... لكانت هناك قطعة منها تعيشُ معي لبقية عمري! لكنني... لستُ إلا البائس الذي... جاء بجُثمانها إلى هنا!".

5


   تلمَّس شفته السُّفلى بيأس، و مضى في قوله التعيس:

+


"كلا! بل حبي المجنون هو من جاء بي إلى هذا المكان، اللعنة! أنا... أنا... لا أعرف لماذا لم أرَ غيرها؟ أعني... أنا في النهاية جي كي براوس الشهير، لِمَ شارلوت بيل تحديدا؟ إنها ليس الأجمل... و ليست الأكثر دفئا! حتى إنها كانت باردة و منغلقة خارج مسرح التمثيل، كنتُ أرفِّهُ عنها بكل حيلي، و أطري عليها، و أردد أنها نجمتي الجميلة و محبوبة الكل، بينما لم يكن على لسانها سوى إبنها و شقيقها اللذان لن يحباها حتى لو أحبها العالم بأسره، أخذتماها مني في حياتها... و بعد وفاتها أيضا!".

+


   ابتسم بحزن، و تابع مستخرجا رزمة رسائل من جيب سترته الداخلي:

+


"هذا غير عادل، لم يبقَ لي شيء منها، عل عكسكما، الآن... سأحقق أمنيتها الأخيرة على أيَّة حال، لقد كتبت شارلوت هذه الرسائل لكما طوال السنوات الخمس، غير أنها لم تجد شجاعة كافية لترسلها!".

8


   ألقى الرزمة على الطاولة، و غادر البيت كأنه لم يكن هناك قبل قليل، لملمت ماريغولد الفوضى التي انتشرت في الصالون، ثم جلست بجانبه متأملة مثله الرزمة، و حين اطمأنت أنه هادئ نسبيا، قالت:

+


"أترى سيد كينغ؟ شارلوت بيل لم تكن شجاعة لتعود إليك و إلى طفلها؛ غير أنها أرادت التواصل معكما على الأقل! و لو أن ذلك تم بين أوراقها و خيالها فقط! لكنها حاولت السير خطوة نحوكما! حاول أنت أيضا السير نحوها، الآن تستطيع معرفة ما عاشته طوال هذه السنوات بعيدا عنك!".

+



        
          

                
   لا شيء! لا رد! لا غضب و لا أي إنفعال يُذكر! فقط صمتٌ و غموضٌ يستعمران ملامحه! وضعت كفها على ساعده، و تابعت بعذوبة:

+


"أنا أعرف... لقد قطعتَ شوطًا كبيرا بإقامتكَ جنازتها، لكن لا يزالُ أمامك شوطٌ أكبر لتُشفى من الماضي بأكمله، لا يتعلق الأمر بالمغفرة لشارلوت فقط! بل بالمغفرة لوالديك أيضا!".

8


   تحرك فجأة نافضا عنه يدها بحدة، حتى أنها كادت تسقط جانبا، سدَّد نحوها نظرة خطيرة، حذَّرها بعينيه المظلمتين أن تبتعد، أن تتركه و شأنه، لكنها أعند من ثيرانه، تحدت غضبه، تحدت الجنون الذي يجري الآن في عروقه مسابقا دماءه المتغالية، و تمتمت بحزن:

+


"إذا لم تغفر... فستحمل هذا السواد فوق ظهرك لبقية العمر! إذا لم تقرأ رسائلها، فستسأل نفسك إلى الأبد... تُرى ما الذي كتبته لي؟ عليك أن ترتاح سيد كينغ... عليك أن ترتاح!".

4


   غادرته ماريغولد قاصدة غرفتها، و ظل هو وحيدًا يتجرَّعُ مزيجًا من المشاعر المتضاربة، تفرَّسَ في تلك الرسائل دون أن يلمسها، كأنه سيحترق إن هو فعل، تقلَّبت ماريغولد في فراشها دون نوم، عجزت عن نسيان ما حدث أسفل، بل ما حدث طوال اليوم! و بعد ساعتين من الأرق المُنهك للأعصاب، ترجلت من سريرها متلفعة بدثار يستر ما تكشفه منامتها الشفافة، ثم تركت غرفتها، و ألقت نظرة على لِيو، كان ينام في الظلام بعمق، تقدمت ببطء متحسسة أطراف السرير، لم يبدُ الكثير منه، لكنها اهتدت إليه بلمساتها، و لثمت خده، و حين استوت واقفة، و التفتت، تعثرت بقدمي شخص مجهول، و نجح هذا الأخير في التقاطها قبل أن تقع أرضا، شعرت به يطوق خصرها بيديه الدافئتين، و يسحبها نحوه لتتمسك به و تتوازن، نظرت إلى عينيه، جعله نور القمر أوضح الآن، عطره هو الآخر كشفه، لا يمكن أن يكون هذا إلا هارولان!

+


"هل تسرقين أدواري أم ماذا أيتها المزارعة؟".

1


   ابتعدت عنه متضرجة، و غمغمت هامسة حتى لا توقظ الطفل:

+


"ماذا تقصد سيد كينغ؟".

+


"أنا الوحيد الذي يأتي ليلاً لتفقد لِيو!".

1


   استعادت ثباتها، و أردفت مبتسمة:

+


"ما الضير في أن أفعل أيضا؟".

+


   استدارت نحو لِيو و تابعت متنهدة:

+


"إنه يرغب في أن تأتي أمه و تقبله و هو نائم! ربما ستشعره قبلتي أنه نال مُراده! ربما ستمحو قليلاً من حزنه!".

+


   رفع حاجبيه، و سألها بإهتمام جلي:

+


"و هل يمكن لمجردِ قبلةٍ أن تمحو الحزن؟".

20


"حسنا، لستُ متأكدة، لكن... نعم، فقبلةُ أبي كانت تفعل! و كم كنتُ أتوق لقبلة أمي، لهذا أنا أشعر بما يحتاجه لِيو و يتمناه".

6


   شعَّت عيناها ببريق رائع و هي تتكلم، أصبحتا بنفسجيتين تحت ضوء القمر، مثلما رآهما ذات ليلة مقمرة في الإصطبل، هادئتان و مليئتان بالعاطفة القوية، و بالحزن أيضا! إنه يريدُ أن يمحو هذا الحزن الذي يسكنهما، غرق فيهما كما يحدث له دائما، و رأت هي في نظراته شرارة غريبة، لم تكن شرارة غضب، بل شيئا آخر يُظهره للمرة الأولى، تمتمت متمنية له ليلة سعيدة، و تحركت لتغادر الغرفة، غير أنه أمسك يدها و سحبها نحوه بهدوء، لتقف مجددا حيث كانت، لكن هذه المرة وجدت نفسها محتجزة بين يديه، قريبة جدا منه، تتنفس أنفاسه، و تصغي لنبضه، راقبت بعينيها الجاحظتين رأسه يقترب منها، و مثلما فعلت مع لِيو، فعل معها، وضع شفتيه على وجهها الناعم و لثم خدها! نعم... فعل ذلك بكل سلاسة و بطء! كأنها مجرد طفلة نائمة بحاجة لقبلة أبوية! كأنها هديتها بعد ذلك اليوم المُثقل بالحزن! حسنا هذه القبلة أيضا يمكن أن تمحو أي شيء آخر في الحياة... و ليس الحزن فقط!

74



        
          

                
   أبعد هارولان شفتيه بصعوبة، و نظر في عينيها هامسا:

+


"لم أقصد ذلك".

5


   لم تفهم ما يرمي إليه، فاستطرد موضحا:

+


"لم أقصد أن أكون عنيفا معكِ، لا تحزني لأنني دفعتُكِ عني بتلك الطريقة!".

33


   لمس خصلة من شعرها، و أردف:

+


"أنا لا أحبُّ أذيَّتكِ أبدا! و لا أحبُّ أيضا انسحابكِ من حوار يخصُّ عائلة كينغ، أنتِ جزءٌ منها، أنتِ تلاحقينني منذُ البداية برحمتكِ و طيبتكِ، و تُصرين على النظر إلى عائلتي البائسة بمنظار وردي، بل و تعتبريننا أنا و لِيو عائلتكِ، إذا كنا حقا كذلك، إذا كان ما قلتِه في المقبرة ليلة أمس صادقا، فلا تنسحبي ثانية! لا أحبُّ أن يكون أحدهم جزءً مني... ثم ينسحب!".

34


   ابتسمت له بانشراح و رعشة في آن واحد، لم تصدق أنه هو نفسه الرجل القاسي الذي سجنها في الإصطبل، هل يتغير السيد كينغ فعلا؟ حاربت موجة الخجل التي اعترتها، و غمغمت:

+


"أعدك أنني لن أنسحب ثانية مهما حدث!".

3


"انتبهي! أنا جادٌّ، و سأعتبر وعدكِ حقيقةً مطلقة!".

4


"أنا أيضا جادَّة! و لا أكسرُ وعودي مطلقا".

2


   أخلى سبيلها أخيرا، ففكرت في الابتعاد، لكنها و دون أن تتحكم بنفسها، ارتفعت على أطراف قدميها، و لثمت خده بخفة، ثم خفضت رأسها بخجل و تسللت خارج الغرفة و هي تعاني عُسرًا في التنفس!

91



+


   مضت الأيام التالية هادئة، احتفل أهل المزرعة بعيد الميلاد بعد يوم واحد من الجنازة، لم يكن احتفالا صاخبا بسبب الحزن الذي ظل مخيما على القلوب، لكنه أدخل بعض السرور على الأجواء هناك، البعض تمنى أياما أسعد لكينغلاند، و البعض الآخر تمنى أن يجد لِيو ما يعوض حرمانه من الأم، و هناك من تمنى أن يصبح أقوى و يواجه آثامه و انكساره لوحده، و هناك من تمنى فقط أن يكون هذا آخر الأحزان!

+


   تزيَّنت أشجار عدة بزينة الميلاد؛ لكن الأجمل كان تلك الشجرة الصغيرة التي زيَّنها لِيو بمساعدة ماريغولد و آبي، كانت هذه الأخيرة قد مكثت في المزرعة لأسبوعين آخرين بموافقة من هارولان، و كان هذا دائم الإنشغال بين خيوله و قطعانه، و قلَّما رأته ماريغولد، و كلما تقابلا صدفة تسترجع اللحظة التي لثم فيها خدها في غرفة لِيو فتضطرب و تغير مسارها أو تتحجج بأداء عمل ما، و يستغرب هو ذلك!

+


   في البداية لم يستوعب أبعاد تصرفاتها الغريبة، لكنه بعد أيام تذكر أمر البيت الذي ورثته عن السيدة لوريل و شكَّ أنها تتحاشى اللقاء به و النظر في عينيه، و تغرق نفسها بالعمل، لأنها تتوق لتغادر، لأنها تريد إنهاء عملها بأرضه، حتى لا يبقى شيء يربطها بهذا المكان، حتى لا تكون هنا بعد الآن! أما هي فكان روحها تحترق كلما تبادل هارولان حديثا مع إبنة عمته، و يُدمي قلبها أنه سمح لها بتصوير مكتبه، و خيوله، و حتى القطع الفنيَّة التي يعمل على نحتها، و كم تمزَّقت حين تشجعت ذات مساء و قرَّرت أن تأخذ له القهوة إلى الإصطبلات، لتتفاجأ به رفقة أبيغايل داخل إصطبل المارد، داخل ذلك المكان الذي يذكرها بالبداية النارية، بالسبب الذي جعلها ترتبط بهذه الأرض و تعشقها، بصور و تفاصيل كثيرة لا تفارق خيالها، فجأة لم تعد النجوم تتساقط، بل تفتَّتت و تلاشت خلف سحب حالكة، و رحلت تلك الفراشات المرفرفة فوق رأسها، و أصبحت هي من تترنَّحُ الآن! تقدمت كرجل آلي ملقية تحية جافَّة، ناولتهما القهوة التي رغبت أن تتشاركها معه، و رحلت مدَّعية أنها على وعد مع لِيو لقراءة قصة! فيما كانت تنوي أن تنزوي داخل غرفتها، و تفهم قصة شعورها الغامض!

23



        
          

                
   حاولت طيلة ذلك المساء شغل نفسها بأي شيء حتى لا ترى ما يؤلمُ قلبها، لكن عندما دقت ساعة منتصف الليل و شعرت بالظمأ، عجزت عن البقاء في غرفتها، تسللت ببطء إلى المطبخ، و شهقت بفزع عندما رأته ساهرا هناك، آه! كلما تحاشت اللقاء به ظهر من العدم كالأشباح! كان يوليها ظهره، لذا اعتقدت أنه لم يلاحظها، و سارعت بالتراجع فورا، لكن صوته سمرها مكانها قبل أن تفعل:

+


"لا تهربي!".

6


   استدار إليها يشملها بنظرة ناعسة، و تابع:

+


"تعالي أيتها المزارعة!".

+


   هذه التسمية المميزة بالذات تجعل قلبها يخفق بجنون، لا أحد غيره يناديها هكذا، تقدمت نحوه مدعية اللامبالاة، فسألها بوضوح تام:

+


"إذن... لماذا تتجاهلينني؟!".

1


   تلعثمت باضطراب:

+


"أنا... سيد كينغ... لا...!".

+


"الحقيقة! لا أريد من ثغركِ هذا سوى صدقه المعتاد!".

3


   هي نفسها لا تفهم لِمَ تتحاشاه و تتجاهله! كيف عساها تجيبه الآن؟ طال صمتها، فزفر هارولان بصوت مسموع، و طلب منها آخر شيء تتوقعه:

+


"هل يمكن أن تُعدي لي قهوة؟".

+


   رمقته بنظر ذاهل، ثم أفاقت، و هزت رأسها موافقة و هي تشعر بسعادة غريبة لأنها معه في ذلك المطبخ، لا يهم ما يقولانه، لا يهم ما يفعلانه، المهم أنها هناك... معه! لقد اشتاقت له بعدما تجاهلته كثيرا، و هذا غريب فعلا!

3


   فرغت من إعداد القهوة، وضعت فنجانه أمامه مبتسمة، فطالعها بتعجب، و قال:

+


"ٱسكبي لنفسك أيضا... و اجلسي معي!".

8


   هذا غير معقول! في ما مضى كان يطردها مع قهوتها أو يتذمر و يشربها ممتعضا، و إن لم يكن ممتعضا، يكون متباعدًا و غامضا بأفكاره الخاصة، و الليلة... يريدها أن تجالسه و تشاركه القهوة! فعلت ماريغولد ذلك بصمت و حيرة، و ما لبثت أن منحته ابتسامتها الجميلة حين تذوق القليل و علق بعينين مبتسمتين:

+


"أحبُّ القهوة التي تعدينها!".

25


   ماذا قال؟ يحبُّ ماذا؟ هارولان كينغ يحب؟ و يعبر عما يحبه؟! ماذا يحدث في الكون؟ هل تحلم أم ماذا؟ لاحظ اندهاشها لكنه لم يضف شيئا، و لثوانٍ طويلة جدا لم يصدر عنهما سوى صوت ارتشافهما القهوة بتلذذ، حتى استخرج هارولان رسائل شقيقته من جيبه، و وضعها بين يديها قائلا بلطف حيرها:

+


"هل يمكنُ أن تقرئيها لي؟".

8


   وجدت ذلك غريبا، و رفضته بشدة:

+


"لا يستوي هذا سيد كينغ، لا حق لي بالإطلاع على شيء خاص كهذا، إنها رسائل لك و للِيو فقط!".

+


"هذه فقط الموجهة لي، رسائلها لإبنها ظلت في المكتب!".

+


   أصرت تدفع الرسائل نحوه مردفة:

+


"هذا يجعلها خاصة أكثر، إعذرني! هذه الكلمات و المشاعر موجهة لك وحدك سيد كينغ، لذا يجب أن تقرأها أنت بنفسك!".

+


   عبس هارولان، و دل عبوسه على التعاسة أكثر منه على الغضب، و أصرَّ أكثر منها مستطردا بصعوبة مذهلة:

+


"عليكِ أن تقرئيها لي! لأنني لن أستطيع".

+


"لماذا؟ ألهذا الحد لا يمكنك النظر إلى خطها؟ ظننتُك أشفقت عليها و فتحت قلبك لها بعد ما قاله جي كي! لقد كان أكثر ما يشغل بالها هو ألا تحبها أنت و لِيو! لقد كتبت هذه الرسائل الكثيرة لك! من يدري بماذا شعرت و هي تمنع نفسها من إرسالها؟".

1


   واصلت ماريغولد لومه بثرثرة أرهقته، حتى فقد صبره، لمس شفتيها بأصابعه واضعا حدا لكلماتها المسترسلة، و قال شيئا غريبا، غريبا جدا، شيئا لم تستطع استيعابه:

+


"لقد فتحتها، و تأملتُ مطولا الخط، لكنني لم أميز شيئا غير إسمي على الأغلفة و في بداية كل سطر، لم أستطع قراءة ما كتبته... لأنني لا أجيدُ ذلك!".

82


   دفع الرسائل ثانية إليها، و أضاف متأملا عينيها المتسعتين:

+


"لم أتعلم بسبب جحيم جوشوا، ثم بسبب إنشغالاتي في المزرعة لاحقا، و كان يكفيني أن أعرف كيف أكتب اسمي و أوقع على العقود و الوثائق الرسمية، تاركا بقية الأمور لوكيل أعمالي و السيد لي لثقتي بهما! و الآن... هل يمكنكِ أن تقرئي لي؟!".

33


   كم من أشياء ظالمة عاشها هذا الرجل في حياته؟ ممَّ حُرِمَ أيضا؟ في أي ظلام أمضى عمره؟ و الأهم من كل هذا... لماذا هي؟ لماذا اختارها هي لتطلع على أسرار الرسائل الخاصة به؟ هل يثق بها إلى هذه الدرجة؟ تجاوزت ماريغولد الصدمة بجهاد عظيم، ابتسمت، و أومأت له في صمت بينما تلتقطُ أول رسالة، ثم سكن كل شيء حول هارولان، و انطلق صوتُها متدفقا نحو أذنيه و روحه... كالسحر!


3


نهاية الفصل السادس و العشرين.

+


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close