اخر الروايات

رواية وكانت للقلوب رحمة الفصل السادس والعشرين 26 بقلم مروة حمدي

رواية وكانت للقلوب رحمة الفصل السادس والعشرين 26 بقلم مروة حمدي


وكانت للقلوب رحمة
مروة حمدى
٢٦
******
اه من عبدالله ورحمة وقد عدنا لهم من جديد أحبائى، قلبان يعانقان بعضهما يهون كلا منهما على الاخر، كانا دائما مقربين ولكن الآن اصبحا روح واحدة وقد شطرت إلى جزئين وقسمت مناصفة على جسديهما؛ ليجد كلا منهما العوض بالآخر، نتمنى أن يظلأ هكذا دائما والا يكدر صفو حياتهما مرة أخرى، اى كيد أو غل وأن تظل حياتهما بعيدة عن تصفية تلك الحسابات القديمة.

ولكن لحظه، هل يمكن هذا ونحن نعيش داخل منزل آل الجمال؟! لنرى ماذا ينتظرنا اليوم معهم من أحداث.
بالشقة بالدور الاول، تجلس متصنمة وقد تخشب جسدها بعد ما أخبرها به حفيدها عماد، ابنها بشقته بالأعلى، وقد جلس بجوار ابنته بعطلتها، حتى لا يتركها بمفردها ولا يجبرها على المجى معه فى يوم راحتها الأسبوعية.

أغمضت عينيها بألم ينهشها وهى تستمع له يكمل حديثه، بأنه قام بتغيير ميعاد الإجازة الأسبوعية للعاملين معه ايضا بالورشة حتى لا يقصر نحوها ويظل إلى جوارها دون تقصير فى عمله ومصدر رزقه.

صمت متأثرا من حال خاله، لا يرغب برفع عينيه إلى جدته حتى لا ترى فيهما نفس السؤال، الذى طالما ارق مضجعة منذ تلك الليلة، وهو يراها تشعل بنفسها النيران، كور يده أسفل الطاولة بغضب وقد نفرت عروقها وهو يسترجع تلك الأحداث وكأنها البارحة، تجبرهم وتحالفهم على خاله، اغلاق كل السبل امامه، أحكامه للحبل حول عنقه.

تلك المسكينة المتوارية تحت التراب وهى تنتظر أن تسمع حكم الاعدام وهى تعلم بأنه خارج من فاه حبيبها لا محالة وخاصة بعد تلك النيران التى كانت بدايتها بطرف ثوب جدته ولكنها امتدت إلى قلبها ومن بعدها إلى جدران هذا المنزل حتى تراخت الأعمدة وهددت بسقوطه على رؤوس قاطنيها وخاصة بعد رحيلها وقد كشفت الوجوه وسقطت الأقنعة.

_ليه يا ستى ليه؟
نطقها عماد داخله بعدما حاد بطرف عينه باتجاه جدته وهو يراها مغمضة العينين وهناك لؤلؤة تتشبث بأهداب أجفانها مهددة بالسقوط، أغمض عينيه يطلق زفيرا حارا من صدره الملتهب، وهو يحرك رأسه باللاتجاه الآخر.

يد رقيقة ناعمه لمست قبضته الملتهبة من أسفل المائدة، لترتخى تحتها وقد انبسطت عليها كريشة ناعمه مرطبه لها، انتظمت دقات القلب بعدما كانت تتقافز بغضب، رفع رأسه لها وقد أصبحت مرطب القلب الخاص به، ليجدها تنظر له بأعين داعمة، تطلب منه الهدوء تشير برأسها باتجاه جدتها بخفة مشيرة إلى أنه بها ما يكفى.

اختطفت شبح ابتسامة تختم به حديثها الغير منطوق، وهى تحارب تلك الدموع التى تهدد بالسقوط بعدما لمعت بعينيها، تجاهد تلك الصرخات التى ترغب بإخراجها من صدرها لعلها ترتاح، تعلم أن الذنب الأكبر يقع علي والدتها وبطريقة أو بأخرى كانت هى واختها تلك الورقة التى عجز عمها الحبيب عن استثنائها.

عماد، عبير والجدة عزيزة، مشاعر مختلطة ما بين الندم والذنوب والغضب وقلة الحيلة، ولكن ما جمع الثلاثة سويا هو الحزن والشفقة على حال ذلك الاب الملكوم وإبنته التى حرمت من والدتها مبكرا جدا غافلين عن هذا الثنائ العنيد" غادة و هانى" وكلا منهما فى وادى يشغله بعد حديث عماد وهو يصف خاله ومعاناته من أجل ابنته.

هانى شاردا للأمام؛ متذكرا والده وسؤاله عن ما به عندما ذهب له لمحل عمله راكضا باكيا ضائعا، كيف رأى الاهتمام والخوف بعينيه وقد كان صادقا، قلقه عليه وبحثه عنه، ذهابه لغرفته ليلا بعدما أتى من عمله ليطمئن عليه، كيف ادعى النوم وقتها، لم يرغب بأن يواجه عيناه ويرى فيهما ذلك الخوف مرة اخرى؛ وقتها سيصبح ضعيفا، سيلقى بنفسه داخل أحضانه مخرجا فيها ما بداخله؛ ضاربا بأى شئ أخر عرض الحائط.

ولكن أين ذهب هذا الاهتمام باليوم التالى؟ تبخر، وقد شغلت عيناه التى كانت تشع بالخوف عليه إلى شئ اخر، لا يعلمه، أغمض عينيه لثوانى، مفكرا، هو لا يكره رحمة ولكن دائما يشعر بأنها الطرف المحظوظ بهذة العائلة و اهتمام والدها بها ووالدتها سابقا، ذلك الاهتمام الذى لم يتحصل على نصفه من والدته قبلا، اعتصر الحزن قلبه عند تذكره لوالدته، والان إهتمام جدته التى من الواضح أنها ستغدق عليها به من اليوم وصاعدا.

وبالمقعد المجاور له، شردت هى الأخرى بكلمات عماد، نهشت نيران الغيرة بقلبها الصغير مرة أخرى، بعدما بردت نارها قليلا، وهى تراها تقضى معظم يومها بالشارع على عكسها، طعامها الذى تتناوله، والأهم عمها وقد ساوى بينهما فى ذراعيه بعدما كانت تستوطنه سابقا لوحدها.

رق قلبها لها قليلا، وقد فكرت كثيرا بأنه لا ضرر فى معاملتها ببعض اللين وخاصة بعد حديث عمها معها، وقد طلب منهما سويا هذا، ولكن حديث عماد؛ سكب البنزين على النار التى كادت تنطفئ لتشتعل من جديد، تطلق زفرات غاضبة، من كل هذا الاهتمام الذى تتحصل هى عليه من والدها، ولم تتحصل هى على ربعه سابقا.

اتجهت بعينيها على يدها، تغمض عينيها بحزن وهى تتذكر ذلك الحرق الذى يؤلمها لمجرد الذكرى، فما بالك أعزائى بألمه وهى تستشعر بالسكين الحامى يوضع عليها، دمعة متألمه هبطت على وجنتيها وهى تضم راحة يدها إلى صدرها وباليد الاخرى تحاوطها، لتفتح عينيها وهى تستشعر بملمس أصابع يسير على وجنتيها يزيح تلك الدمعة برقة.

رفعت رأسها له بأعين لامعة، ليهز هانى رأسه لها بالاتفعل، يمسك بيدها بعدما سحبها من حضن يدها، يخفيها بين راحتى يده مسند إياها على قدمه، ينظر لها بابتسامة متألمة لأجل حالها هى الاخرى، وهى تنظر له بحزن تشكو له بدون صوت ألم يدها وهو ينهش بها بكل مرة تتذكر ذلك اليوم، لا تعلم أنه يفهم عليها وعلى شكوى عيناها وكم المرات التى لعن بها خاله فتحى كلما رأى تلك النظرة بعينها.

خرج الجميع من شروده على صوت عبير التى صرخت بحماس، وقد تخلت عن هدوئها معلقة بفرحة.
_عبير: لقتها.
_هانى ببلاهه من حال عبير الجديد يميل على غادة بعدما أطلق صراح يديها: هو انا ليه حاسس ان ال جاى وخصوصا بعد جنان اختك المفاجئ مش هيعجبنى.
_غادة وهى تؤمى برأسها مؤيدة له وهى تنظر لأختها بإستغراب: وانا كمان حاسه ان ال جاى بلا مقاطعه هيجلطنى، كل حالات جنان السنيورة ال يتعدوا على الصوابع حطوا فوق رأسى فى الاخر.
الجدة وهى تسمى فى سرها وتنفس الهواء بصدرها بعدما سحبت مقدمه ملابسها من أثر الرجفة : بسم الله الرحمن الرحيم، مالك يا بت ما كنتى بعقلك؟!
عبير وهى تحرك حاجبيها بسعادة لجدتها وملامحها اشرقت بفرحة: لقيتها يا ستى.
الجدة بإستفهام: ايه هى ؟
العبير: الطريقة الى ممكن بيها نساعد عم عبدالله.

كل هذا الحوار وذلك العماد شارد بذلك الجانب الجديد المرح الذى يظهر أمام عينيه، وهو يراها من تلك العبير لأول مرة، يبدو أنه سيستمتع كثيرا وهو يستكشف كل جوانبها، وهو أكثر من مرحب.
ضحكات نابعة من القلب، لا تخرج إلا معها، هى الوحيدة القادرة على إنتشاله من بئر أحزانه، لأجلها يقمع غضبه وسخطه، لأجلها يعيش، لأجلها يبتسم و لأجلها يفكر بالغد؛ فأى غد يتوق إليه وحبيبة الروح لا تشاركه إياه!

يبتسم عليها بمحبة خالصة وهى تعمل إلى جواره بكد، أراد أن تأخذ اليوم عطلة لها حتى يأخذ جسدها بعضا من الراحة، ولكنها أبت على نفسها، فأجاته باستيقاظها باكرا وهى تقفز تجلس على معدته كعادتها القديمة حتى توقظه، ولكم اشتاق لتلك العادة.

نظر لاجمل ابتسامة يمكن أن يبدأ بها يومه بعدما عكرت صفوة تلك الكريهه.
_رحمة بابتسامة أظهرت تلك النغزة بوجنتيها ترتمى بإحضانه: صباح الخير يابابى.

_عبدالله بابتسامة تحمل الكثير والكثير من الحب الأبوى الخالص لها وحدها: صباح الخير على حبيبة قلب ابوها.
_رحمة وهى تدعى التفكير تضرب باصبعها على وجنتيها وتمسك بيدها الأخرى ذقنها: اممم، مش عارفة هيفضل ده رايك لآخر اليوم ولا هيتغير؟
_عبدالله بريبة منها ومن أفعالها الشقية التى لا تخرج منها إلا معه هو فقط: قصدك ايه؟
_انهاردة ايه؟
_الجمعة.
_يعنى ابه؟
_إجازة!
_ أيوه وايه تانى ؟
_اخذ الأمر دقيقة ليفكر، فتح عينه بصدمة بعدما ما توصل له من استنتاج، يغشى من أن يكون صحيح، لكم يكره هذا الامر، كان يتحجج عندما تبدأ به ناهد ولكن رؤيتها وهى تعمل بجد، تجعله يرمى كل شئ وراء ظهره ويرفع اكمامه قميصه ويساعدها.

هبط نظره إلى اسفل، وهو يترحم عليها داخله وقد عادت تلك النغزة لضربه من جديد، يخرجه من دوامة ذكرياته صوت طرقعة أصابع ابنته وهو تفعلها أمام وجه حتى تعيد تركيزه لها من جديد.

_رحمة بلؤم: شكلك نسيت يا اغلى الغالين.
_عبدالله وهو يذم شفتيه بغضب طفولى حقيقى فهو يكره هذا الأمر وللغاية: نعم، نعم يا عبقرية هذا الزمان.
قالها وهو يرفعها من على جسده، يتمتم بعض الكلمات بسخط، ليرفع صوت قبل أن يخطو خارج الغرفة، يلتفت بجزعه لها وهو يشير بإصبعه، يتحدث بتقرير.
_عبدالله بضيق طفيف: مش همد ايدى فى حاجه قبل ما افطر واشرب الشاى ياما ارجع انام تانى فى يوم اجازتى زى الناس الطبيعيه.
_رحمة وهى تقفز من الفراش لاحقة به: وانا كمان جعانه يالا نحضره سوا نفطر ونلحق اليوم من أوله.
_مفيش مهرب، صح؟!
_تهز رأسها بالنفي وهى تسبقه باتجاه المطبخ ضاحكة
تنهد بألم ينخر بصدره وهو يقف يتكأ على عصى المقشة، يعود إلى شروده مرة أخرى ولكن لذكرى بعيدة تلك المرة جمعته مع تلك القريبة البعيدة.
متململا فى نومه وهو يشعر بثقل على جسده، يفتح عينيه ليجد رحمة تجلس على معدته، تنتظره لأن يستيقظ، وبمجرد أن فتح عينيه أنحنت بجزعها العلوى عليه؛ تقبل وجنتيها وتتمسك بعنقه بيديها الصغيرتين وهى تضع رأسها على صدره بأمان.

بينما هو ابتسم عليها بحب وهو ما بين الحلم واليقظة، يمد ذراعيه يحاوطها وهو يشتد بمضمها مقربا إياها منه.
تدخل ناهد من باب الغرفة، لتشهق وهى تتقدم نحوهم حتى وقفت أمام الفراش، تضع يدها فى منتصف خصرها.
_ايه ده يا أميرة رحمه؟ قولتلك صحيه مش تحضنيه وتنامى جنبه!
ذمت رحمة شفتيها بحزن، يرفع عبدالله إصبعه باتجاه شفاها يفك تلك الذمة، متحدثا الى ناهد بعتاب مبطن.
_فى ايه يا ناهد، مالك؟
_انهاردة ايه؟
_ليه؟
_أنت عارف.
_اخ منكم انتوا يا ستات، بتختاروا يوم الاجازة مخصوص علشان التنظيف اقصد حمله قلع الحيطان وتلمعها ، ليه يوم الاجازة ها ليه؟
_ناهد وهى نجيبه نفس الرد الذى لا يتغير عند معرفته بأن اليوم هو يوم التنظيف: علشان تراعى البنت وتاخد بالك منها لحد ما اخلص.
كبرت رحمة وأصبحت تلك عادة أسبوعية بالنسبة لهم، يوم العطلة هو يوم التتظيف، على الرغم من كرهه للامر واعتراضه وتذمره كل صباح، إلا أنه لا يستطيع أن ينكر سعادته التى كان يعيشها مع زوجته وابنته وتلك المواقف التى تحدث معهم.

عاد من شروده وهو يهز رأسه، كيف نسى الامر؟ يحمد الله بداخله الف مرة على تلك الزوجة الراحلة وهى تعاونه حتى فى مثواها الاخير، ابنته خير مثال على صلاحها وقد اتخذت من والدتها عادات كثيرة.

كيف ترك أمر نظافة المنزل؟ ليضع حبه وكرهه للتنظيف جانبا حتى لا يضطر إلى طلب هذا من أحدهم وهو لا يرغب بفعل هذا ابدا، ذكره أمر الطلب بشئ ما، ليخرج هاتفه بسرعة، يخطو بكلمات وهو يرسل رسالة ما، يبتسم بعدها بانتشاء وهو يمد ذراعيه فى الهواء يبسطهما.

ضيق عينه وهو ينظر إلى ابنته التى عقدت حجابا ما على شعرها بطريقة مضحكة، ترتدى إحدى منامتها القديمة، ترفع أحد ارجل بنطالها، تمسك بيدها مقشة طولها اكبر منها ثلاث اضعاف، لتنطلق ضحكاته مجلجلة بالمكان.

استمع لمن يقف خارجا على الباب يهم بالطرق لتلك الضحكات، ليشير على الباب بسعادة يتحدث إلى من يحاوطنه.
_عماد بكلمات تملأها الفرحة: خالى عبدالله بيضحك
_عبير بسعادة هى الأخرى: انا كمان سمعت صوته.
بينما يضع كلا من غادة وهانى اذنهما على الباب، يستمعوا إلى ما يشيرله عماد بعدما آتيا على مضض.
غادة وهى تتمسك بتلك الذريعة حتى تستطيع الإفلات منهن: شكله مبسوط ما ينفعش نعكر مزاجه ونقوله يالا ننظف وخلى بالك القطنه ما بتكدبش، ايه معندكوش قلب يحس بالراجل ده احنا مصدقنا يا جدعان.

_عبير وهى تنظر لها ترفع أحد حاجبيها: مش كله زيك بيكره النظافه يا حبيبتى.
_غادة وهى تنظر لها بشر فهى من اقترحت الذهاب الى شقة عمها وتنظيفها حتى لا تتراكم بها الأتربة: عبير ومش كله زيك بيحب عظمه يتكسر وهو بيشيل ويحط ويرفع ويرتب.
هانى مؤيدا لحديث غادة: والنهارده اجازة يا شباب، يعنى رراحه، ازاى نقلق الراجل؟ ايه ما بتحسوش، يالا يا غادة انا لا يمكن أشارك فى الجريمة دى.
غادة : ولا انا يا هانى.

أعقب حديثهما إمساكه بيدها ينويان هبوط الدرج، ليمسكهما عماد من ملابسهما من الخلف ليعيدهما إلى موقعه مرة اخرى، وقد قطعت كل باب للاعتراض وهو يطرق على الباب وينادى باسم خاله.
لينظر كلا من هانى وغادة إلى بعضهما هامسين بصوت واحد: مافيش فايدة.
لم تمر ثوانى، ليفتح عبدالله الباب، ليجدهم امامه، ينظر لهم باستغراب وهو يرى تجمعهم الغريب بالنسبة له، ليرفع أحد حاجبيها وهو يتساءل بقلق حقيقى من ذلك الجمع الذى لا يتكرر سوا بالنصائب.
عبدالله لهم: خير يا طير.
عماد بابتسامة: كل الخير، مش هتقولنا اتفضلوا.
عبدالله وهو يقف بجانبه مفسحا لهم المجال: تفضلوا يا اولاد،من امتى وانتوا عايزين إذن؟
وقف الأربعة متصنمين وهم يرون رحمة على هيئتها تلك وتقم بكنس الأرضية تحتها بصعوبة.
غادة وهى تنظر لهيئتها تهمس بتفكير عميق: القمطة دى ورجل البيجاما دى شفتها فين شفتها فين؟
هانى باستهزاء وسخرية وهو ينظر الى رحمة فنحن لا نزرع الشوك ودى سيدة..
غادة: انت اتفرجت عليه؟
هانى بسخرية: وهنعيد تمثيله من تانى واحنا بنساعد شاديه اقصد رحمة.
غادة: ده ظلم.
هانى: حكم القوى يا حبيبتي، الناس دى بتستغل طيبه قلبنا.
غادة: عندك حق ال قلبهم ابيض زينا مالهوش عيش وسط الناس دى.
عبدالله وهو يشير لهم وقد استمعوا لحديثهم كاملا جميعهم: القط والفار دول قصدهم ايه بكلامهم الأهبل ده؟
الحياة تستمر على الرغم ما نمر به من حزن؛ يجعلنا نفكر بأنه هنا أخر المطاف ولكن هل يبقى أى شىء على حاله؟ فحتى الحزن يتضاءل ليستقر بالأخير بقلب صاحبه والعالم يدور من حوله دون أى تغيير، فقط وجود قلوب محبة لك بصدق، تحيط بك، تدعمك؛ هى ما تسهل عليك عيش أيامك.

هكذا فكر عبدالله وهو ينظر من حوله، يجد الجميع يعمل بكد حتى ذلك الثنائى العيد وعلى الرغم من هيئتهم المثيرة للضحك، الأ أن وجودهم و محاولتهم من أجل المساعدة راقاه كثيرا، كادت ضحكة تخرج من بين شفتيه على هيئتها وهى تحاول النهوض من على الأرض بعدما أنتهت من المسح وهانى يمد لها يده يرفعها كسيدة عجوز تتكأ عليه بدراميه والآخر يجاريها فيما تفعل.

غادة: اه يا عظمى اه
هانى: براحه يا حجه هاتى ايدك.
غادة: اه، يا بنى لا بيحترموا سنى ولا عمودى الفقري علشان يخلونى اشتغل الشغل ده.
هانى وهو يمسح دمعة وهمية من على وجنته: ربنا يعنا على ال احنا فيه.

رفع نظره لأعلى وهو يرى صديقه وابنه الروحى عماد يقف على السلم الخشبى ينظف السقف ويزيل اى أثر لخيط عنكبوت، تلاقت الأعين ليهدئ عماد إبتسامة لخاله بادله إياها الآخر بمحبة خالصة.
أتى إلى مسامع أصوات قادمة من المطبخ، فعبير أسندت لنفسها هذة المهمة مع رحمة حتى تقم بتنظيفه وترتيب وإعداد وجبه للجميع يتناولهوا سويا بعد الانتهاء.
أغمض عينيه يتنهد براحه، شاردا بما حدث منذ بعض الوقت .
توجهم للداخل والبدء بالتنظيف دون إعطاءه أى فرصة للحديث أو التعليق.
مبادرة راقت قلبه، طمئنته قليلا وأنه على الرغم من كل شىء، ليس وحيدا هنا لا هو ولا إبنته.

بالدور القاطنة فيه كريمة وعائلتها، أستيقظت من نومها بتكاسل، تعتدل فى جلستها من على الفراش وهى تتثاءب، نظرت إلى الساعة الموضوعة على المنضدة جوارها، فتحت أعينها على وسعها وقد طار من بين جفونها النوم، همست شاهقة.
_ياه انا أزاى نمت لحد دلوقت؟!

تهم بالنهوض لتتفأجا يممدوح زوجها يتسطح الفراش جوارها، تعقد حاجبيها متسائلة.
_وده لسه نايم كمان؟! هو مش رايح الورشة انهاردة ولا ايه؟ يالا وانا مالى طالما ما جبش فلوس من عبدالله فهو حر يبقى يشوف شغله معاه ماليش دعوة.
خطت بقدمها للخروج من غرفتها، لتقف فجاءة وقد جال خاطر ما بفكرها لتهمس بداخلها وهى تضع يدها على فمها، تلتف بجزعها وهى تمرر نظرها فى أنحاء الغرفة؛ لتجد ضالتها على المنضدة جوار السرير، تذهب باتجاهها بسرعة وخفة على أطراف أصابعها حتى لا تحدث أى صوت من شأنه أن يوقظ ذلك الغافى قبل أن تنتهى.

أمسكت بهاتفها وجعلته على الوضع الصامت بسرعة، أطلقت تنهيدة راحه بعدما انتهت وعادته مرة أخرى ولكن على وجهه، حتى إذا اتصل محسن كعادته كل يوم بعد رحيل ممدوح، لا يظهر لا اسم ولا إنارة الشاشة، فكرت أنه إذا قضى ممدوح اليوم بالمنزل فهى لن تستطيع أن تتواصل مع محسن.

لذا بدون تفكير، أخذت تدفع بزوجها النائم بيدها بكتفه توقظه بنفاذ صبر.
_هاااىي، ممدوح، ممدوح، يالا اصحى.
_ممدوح بحدة طفيفة وجسد مرهق لا يرغب بالاستيقاظ: ايه فى ايه عايز انام.
_يالا يا راجل كفاية نوم، اتاخرت على شغلك يالا لحد ما اجهز الفطار.
أمسك بالغطاء الذى سحبته عنه وهى توقظه ليتدثر به يخبرها بنعاس.
_ انهاردة اجا.
قطع حديثه وقد أستيقظ عقله، يفكر سريعا، هى لا تعرف بعد أنه تم تغير يوم العطلة بالعمل وأصبح اليوم، إذا فهى فرصة جيدة لقضاء بعض الوقت مع تلك الوردة الجويرية منذ بداية اليوم والبحث عن مسكن أخر، كما طلبت منه دون أن يغشى من سؤالها ما إذا تأخر فى العودة.

وعند هذة النقطة؛ ابتسم بمكر من تحت الغطاء، يبدل ملامح وجهه السعيدة لأخرى ممتعضة وهو يرفع الغطاء عنه بنزق، ينهض سريعا متوجهاً لدورة المياة الملحقة بغرفتهم، يتحدث لها دون أن يلتفت بحدة مطنعه.
_افطر ازاى وانتى سايبانى نايم لحد دلوقت، ايه عايزه اخوكى يطردني المرة دى علشان نشحت رسمى منه ومن غيره؟!!

أعقب حديثه بغلقه الباب بعنف فى وجهها مما جعلها ترتد قليلا إلى الخلف تنظر فى أثره بصدمه من رد فعله الغير مبرر بالنسبة لها.
_ماله ده؟

فى الغرفة بالجهة المقابلة، تستلقى على فراشها شاردة به ولا غير سواه منقذها، اليوم عطلة لن تراه اليوم ايضا، لا تعلم لما ولكنها تشتاق له، لا تستطيع تفسير تلك الضربات التى تؤلمها بيسارها وتؤرقها بنومها، لا تعلم لما بالأساس تفكر به هو دون عن غيره بهذة الطريقة.

بينما ذلك المعنى وقد فقد ذرات ثباته المعروف عنه، لا يقل عنها بحيرته بل أكثر قليلا، يقف بزاوية على قارعة الطريق داخل سيارته بعد أن أغلق نوافذها السوداء، يراقب الطريق التى رأها بها ينتظر مرورها أو قدومها، راح عن باله أن اليوم عطله، فقط يفكر بصغيرة تصغره بالعديد من الأعوام، هزت داخله مالم تفعله إمراءة وهو المرافق للكثيرات، ليمر الوقت عليه وهو يتساءل بحيرة.

_أنتى فين يا غزال؟
وعلى بعد منه تمشى كالمجذوبة بالطرقات، تدور حول نفسها وهى تتطلع إلى لافتات المتاجر المغلقة، تكاد تبكى بقهر، لا تعلم ماذا عليها أن تفعل، لن تستطيع أن ترتدى ملابسها تلك مرة أخرى وتواجه نظراته المشمئزة منها من جديد، وجدت سيدة متقدمة بالعمر تعبر الطريق، لتوقفها بسرعة وهى تلتقط أنفاسها تسألها كغريق يبحث عن طوق نجاة.

_خالة، خالة معلش فهمينى هى ليه كل المحلات قافلة كده، فى حاجه؟

_تنظر لها السيدة بدهشة: انهاردة الجمعة يا بنتى.
_إنتصار بخلع وقد نست ذلك بالفعل: ايه يعنى مش هلاقى ولا محل فاتح دلوقت.
_يمكن بعد الصلاة أو بعد العصر.
_ها، مقدرش اقعد بره البيت ده كله.
قالتها وقد عادت الدموع تأخذ مجراها على وجنتيها من جديد.

السيدة وقد رق قلبها لها تسألها: طب ايه هو ال انتى عايزاه ومش صابره عليه اوى كده؟
_انتصار من بين شهقاتها: هدوم، معنديش حاجه البسها.
السيدة بعد تفكير دام لثوانى: امم متهيألي محل عمك جرجس ال اخر الزقاق ده ممكن تلاقيه مفتوح دلوقت وو.
لم تكمل حديثها وهى تنظر لتلك التى ركضت لأخر الرواق دون أن تشكرها حتى، لتضرب كف بالآخر تتابع طريقها.
وقفت أمام المتجر تلتقط أنفاسها بسعادة وقد وجدت ضالتها، دلفت إلى الداخل تفتش بين المعروضات تقلبها بين يديها تستكشفها تحت نظرات صاحبه، ليتقدم منها بلباقه يسألها.
_فى طلب معين يا افندم؟
_عايزة هدوم.
_فى حاجه معينه بتدوري عليها.
_اه عايزة كن كله بيتى خروج نوم اقولك سبنى وانا هجيب ال انا عايزاه.
أجابته بدون أن تنظر له فقط تخرج ما تراه أمامها مناسب ومختلف عما لديها سابقا.
الرجل وقد لمعت عيناه من السعادة لتلك البيعة الرابحة: زى ما تحبى بس هنادى على البنت ال ماسكه الحريمى تساعدك.
صاحب المتجر بهمس للعاملة: خليكى معاها وريها اغلى حاجه وطلعيهالها واهتمي بيها كويس.
تهز له رأسها وتذهب لها تفعل كما أخبرها.

أثناء انشغالها بالبحث بين المعروضات وقعت عيناها على شئ ما، ذهبت له شاردة و ومضات من مشاهد سابقة تعاد لها وهى ترى شبيه له على احدهم، أمسكت بطرفه وهى تمرر يدها عليه، وقد لمعت عيناها التى أنطفأت، لتخبر العاملة التى وقفت خلفها.
_عايزة ده، وافصليه فى كيس لوحده عن الباقى.
هزت لها رأسها ورحلت تنفذ ما أرادت، لتضع انتصار يدها بحقيبتها تخرج جذلانها، لتصطدم يدها بالهاتف لتخرجه من مكانه تتطلع إلى الوقت، لترى رسالة من حلم عمرى وقد أتت لها صباحا ولم تنتبه لها.
قرات محتواها بأعين جاحظه وهى تضرب على وجنته بيدها الأخرى شاهقة بصوت مسموع.
_يا نصيبتى سى عبدالله فى البيت وانا بره، بس ازاى واجازته يوم الاثنين كنت هعرف منين، بس ده لو عرف انى طلعت من غير أذنه وهو منبه عليها مت اعتبش بره عتبه شقتى، يالهوووى يالهوووى.
ذهبت مسرعة تدفع ثمن مشترياتها وقامت بسؤال صاحب المتجر بأن يوقف لها سيارة أجرة ريثما تنتهى الفتاة من تجهيز أغراضها، لتقف أمام المنزل بعد وقت قصير عقب هبوطها من السيارة، تبلع ريقها بخوف وهى تخطو إلى الداخل بخفة.
لا تعى بتلك الأعين المتربصة لها تبتسم بمكر ثعلب جديد عليها.
استغفروا.


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close