اخر الروايات

رواية الغضب الاسود الفصل الخامس والعشرين 25 بقلم الكاتبة كوين اسمهان

رواية الغضب الاسود الفصل الخامس والعشرين 25 بقلم الكاتبة كوين اسمهان


الفصل 25|القبر المفتوح!


                                              
   ازدردت ماريغولد ريقها، غير شاعرة بوجهها الذي بللته الدموع الغزيرة، و أخذت أنفاسا عميقة لتواصل محادثته، أخبرتها كلُّ شرارة تقفزُ من عينيه أن تستدير على عقبيها و تغادر؛ لكن صوتًا خافتًا توسَّلها من مكان ما لتبقى، لتُصرّ، و لتُبلسمَ جروحه برقَّتها، و لم تعرف ما كان وراء ذلك الصوت، و لم تكترث كي تعرف، ما يُهمها الآن، ألا تترك هذا الرجل لتبتلعه ظلمات الوحدة.

1


   نظرت في سواد مقلتيه اللتين اكتحلتا بالحزن و الليل، و تمتمت في لهجة لطف:

+


”أعرفُ فيما تفكرِّ، من الصعب تقبُّل غياب الغالين عن حياتنا، و ما أقسى نقل خبر كهذا إلى طفل في الخامسة من عمره! أنا أفهمك!“.

1


   توقعت ماريغولد أي شيء منه، إلا أن تثور ثائرته بتلك الهبَّة المُرعبة، لم يكن ذلك غضبا أبدا، بل كانت الجحيم نفسها تسكنه، ارتفع بحدة عن مقعده الوثير، و دنا منها مهددا، حدجها بعصبية و أردف:

+


”تفهمينني؟“.

+


   أمسك لسانه لبعض الوقت، و مضى يفترسُ ملامحها بعينين ضيقتين، ثم أضاف بصوت قاسٍ:

+


”هذه هي مشكلتكِ، تقحمين فلسفتكِ في أشياء لا تفهمينها أبدًا!“.

2


   لاحظ أن القصاصة لا تزال في قبضتها، فانتزعها منها، و حدق فيها بامتعاض مستطردًا:

+


”هذه المرأة التي تذرفين الدموع من أجلها، و تعزِّينني في موتها، ماتت بالنسبة لي منذُ زمن بعيد! ماتت و فنت مُذ تخلَّت عن رضيعها و لاحقت أضواء النُجوميَّة!“.

8


   حاصرها إلى الجدار، حتى كادت أنفاسه القوية تطغى على أنفاسها المهزوزة، و تطمس ما بقي لها من قوة هذا اليوم، و من شدة تقاربهما و عنف كلماته، تحركت خصلات من شعرها حين أضاف بخشونة:

+


”موتها الآن لا يغيِّرُ رأيي فيها، في الأخير... نالت النهاية التي تستحقها تماما!“.

+


   لكن خشونته كانت كجداء في الصفر بالنسبة لها، لم تغادره، و لم تخف نظرته المرعبة، و لا كلماته المنفعلة، تشجعت مُلحَّةً على الجهر برأيها في هذا الشأن، كأنها كانت بحاجة ماسَّة لتفعل هذا، آلمها حقا أن والدة لِيو كانت بذلك الجُبنِ و الرعونة فتخلت عن طفلها، لكنها رفضت أن تتحامل عليها، خاصة بعدما باتت في عداد الراحلين، ضمت شفتيها، و انبرت تعنِّفه بردٍّ معاكس يُجلي الأمور أمامه:

+


”لا تكن عبدًا للسَّواد، لا تسمح له بالإمتداد داخلك أكثر، كان موتها مأساويا بما فيه الكفاية، إنها والدة لِيو شئتَ أم أبيت، و من واجبك كأخ أن تهتمَّ بجثمانها حتى يستقرَّ بمثواه الأخير، من واجبك أن تقيم لها جنازة تليقُ بمركزها، فضلاً عن هذا... يحقُّ لكل طفل زيارة قبر أمه المتوفاة، إن لم يكن اليوم... فسيسألكَ عنها يوما حتما، كل شخص يُفطرُ على هذا السؤال!“.

1



                                      

   ارتعشت فتحتا أنفه بغيظ، و صاح في وجهها:

+


”إذن سأحرصُ على ألا يفكر لِيو في هكذا سؤال أبدا، و إن تطلَّب الأمر محو كلمة والدين من قاموسه... فأنا جاهز!“.

1


   ردَّت بحكمة ساخرة:

+


”الحياة لا تسير وفقا لإشارتك سيد كينغ!“.

3


   تجاوزت الهياج الذي بدأت تشهده أطواره، و تابعت سخريتها:

+


”الوضع هنا يخصُّ مشاعر طفل صغير، و ليس قطيعا من البقر على أرضك يسهُل عليك ترتيب أموره بهزَّةٍ من بنانك! ثم إن للسيدة شارلوت بيل الحق في أن يعرف إبنها مكان قبرها، ليزورها و يتذكرها بباقات الورود، ليلتمس لها الرحمة إزاء الأخطاء التي ارتكبتها في حياتها، رغم كل شيء... الأم هي الأم!“.

9


   بلغ به الغضب أشدُّه، و شعرت كما لو أنه ينوي سحقها على الجدار، كوَّرَ قصاصة الجريدة في قبضته المشدودة، و رماها، ثم زجر محاولاتها قائلا:

+


”هذه الأم التي تُمجِّدينها لم تسأل عن لِيو لخمس سنوات، لم تتكبَّد حتى عناء الإفصاح عن هويَّة والده اللعين! حملت به جرَّاء طيش! و ما إن وضعته حتى صرفت نظرها عنه، كما لو كان مجرَّد فضلات لا قيمة لها، تنكَّرت لضعفه و حاجته لها، و أولته ظهرها كأنه ليس قطعة منها! لخمس سنوات لعينة لم تتصل مرة واحدة لتسأل كيف أصبح شكله... و ماذا يحب... و مِمَّ يتحسَّس! ألا يُفترض بأي أم طبيعيَّةٍ أن تعرف هذه التفاصيل عن ابنها أكثر من غيرها؟“.

8


   ران صمتٌ قصيرٌ بينهما، و لم تكد ماريغولد تلتقط بعضا من أنفاسها، حتى توغَّرَ صدره، و استطرد بسخط أفظع من سابقه:

+


”تتحدثين عن الأم؟ أنا كنتُ الأم و الأب بالنسبة للِيونارد، أنا كنتُ عائلته مُذ رحلت عنه من تُسمِّينها أمًّا، كانت مجرَّد جبانة أنانيَّة، فلا تبحثي لها عن أعذار فقط لكونكِ ٱنثى مثلها!“.

6


   ذُهلت ماريغولد مما تفوَّه به، و تمتمت بحزن:

+


”أنا... لم أفكر هكذا، أنا فقط لا أريد أن يكبُر لِيو بحقد عظيم تجاه أمه، لن يجعل منه ذلك طفلاً سليمًا و لا رجلاً سعيدًا!“.

2


   تطلَّع بها مكشِّرًا، و استفزَّه ما خرج من ثغرها للتو، فعقَّب شامخا بأنفه:

+


”منذُ سنوات و أنا أحاول أن أربي رجلاً قويًّا، متحاشيا ذكر المرأة التي تخلَّت عنه، لأن ذلك سيدمِّره!“.

+


   نفذت بعينيها الواثقتين إلى مكامنه معلقة:

+


”لا أرى ذلك، للأسف يا سيد كينغ... أنت لا تحاول سوى تربية رجل لا يعرف شيئا عن الأم! رجل مظلم... مثلك تماما!“.

8


   تجهم وجهه، و غشت الظلمات عينيه فزادتهما سوادًا، و تحولت شفاه النورس الجميلة التي يتمتع بها إلى خط مستقيم بلا حياة، و دون أن يُنذرها بحركة مسبقة، أطبق بيديه الحانقتين على كتفيها، و كاد يهزُّها بعنف مؤذٍ لولا تذكره لذلك الوعد: «لن أكسرَ فيكِ شيئًا من هنا فصاعدًا!»، لا يمكنه أن يكرر ذلك، لا يمكنه كسرها مرة أخرى، إنها هشَّة و حسَّاسة دائما في نظره مهما تحدَّت و عاندت! ارتدَّ إلى الوراء مفلتا كتفيها الناعمين، سقطت ذراعاه إلى جانبيه، شملها بنظرة عميقة عجزت عن فهمها، و أدار لها ظهره دون كلمة واحدة، لكن حركته تلك كانت بمثابة صرخة جليَّة: «إذهبي! إبتعدي عني... قبل أن يجرحك جانبي المكسور! لا تنظري إلى أوجاعي! لا تنظري إلى أبشع جزء مني!».

1



        

          

                
   لم تدرِ ماريغولد كيف أطاعته هذه المرة و انسحبت من مكتبه في صمت، كانت قد التقطت القصاصة من الأرض، و عالجت تجاعيدها لتتأمل مليًّا وجه شارلوت بيل الجميل، كم كانت جذابة و ناعمة! كما عرضتها شاشات السينما دائما، ربما لم تناسبها حياة المزرعة القاسية، فهربت إلى بريق النُّجوم، لكن السيد كينغ على حق في بعض الأشياء، لا شيء يبرِّرُ تنصُّل المرأة من واجبها كأم! و مع ذلك لا أحد يحق له إنكار حقيقة أنها أم لِيو العزيز!

8


   في بيته... تأوَّه ريك بنصف إغماضة متمددا على فراشه، و لوى شفتيه كالأطفال مُدَّعيا الألم، و استمرَّ يستجدي سيدني لتجلس إلى جواره، و تساعده في تقطيع الفاكهة!

5


”لا تكوني قاسية! ٱنظري إلي، لا أستطيع حتى حكَّ أرنبة أنفي بهاتين اليدين المضمَّدتين!“.

+


   رفع في وجهها يديه مؤكدًا كلامه، فزفرت سيدني مستسلمة، و فعلت ذلك بنزق و هي تتمتم:

+


”لو لم تُصرَّ هانا على إحضاري العشاء لك، لما رأيت ظلِّي هنا حتى!“.

+


   منحها ابتسامته الجذابة، و أردف بنبرة لينة كحمل وديع:

+


”لن أنسى صنيعك سيدني!“.

+


”آنسة من فضلك!“.

+


   ابتلع ريقه، و شعر بألم حقيقي يزور ساقيه حين تحرَّك قليلا، ثم غمغم:

+


”أجل! حسنا... آنسة سيدني!“.

+


”هذا أفضل!“.

+


   أنهت تقطيع الفواكه من أجله، و بينما كانت تضع السكين و الشوكة أمامه إن رام استخدامهما في غيابها، لاحظ ريك كم هي جذابة في قميصها البيضاء و تنورتها المشمشية القصيرة، حتى مرولتها الرمادية المُطرزة ببساطة تُضفي عليها سحرًا خاصًّا، ربما لم تكن بمثل حسن ساري و الآنسة موران، لكن سمرتها الخفيفة جعلته يُحصي أنفاسه، و غمازات خديها أنسته باقي النساء! وضع يده المضمدة على راحتها هامسا:

24


”شكرا!“.

+


   فقفزت سيدني من مكانها، نافضة عنها يده، و في لحظة خاطفة أذهلته، التقطت السكين ثانية، و وضعتها على عنقه مهددة بحدة:

+


”إياك أن تلمسني مجددا أيها النذل!“.

25


   غصَّ ريك بكلماته و هو يتلعثم محاولا الحفاظ على حياته، فيما كانت أعماقه تئن مغتاظة، بعدما كان ريكارد جونسون مرعب الجياد، أضحى خرقة بالية تُهدَّدُ بالسكين! و بيد من؟ مجرَّدُ خادمة حمقاء!

+


”تمهلي! كنتُ أعبر عن امتناني فقط“.

2


   واصلت مخاطبته في سخط غير عابئة بتمثيله دور الضحية:

+


”من تخدع بهذا الهراء؟ أتخالني حمقاء؟ هل تتصور أنني لا أعرف ما فعلته بساري و كيف خدعتها بأكاذيبك؟ ربما لم تروِ لي زميلتي شيئا، لكننا نحن النساء... نفهم بعضنا دون الحاجة إلى الكلام!“.

1



        
          

                
   أضافت و عيناها تمشطانه بقرف:

+


”كنتُ في السابق أشفق عليها لأنها تميل إليك، لكني الآن لا أشفق على سواك، أعني... أنظر لنفسك... تبدو كالمومياء بهذه الضمادات المنتشرة على جسدك! و مع ذلك لا زِلتَ ماضيا في دناءتكَ المقززة!“.

4


   و لتتأكد أن تحذيرها له واضح وضوح البدر في ليله، ضغطت على ذراعه بقسوة حتى صرخ، و استطردت متهكمة:

2


”أنت لا تستحق مشاعر ساري، و لا رحمة السيد كينغ، و لا قلق هانا، و لا مساعدة أي كان! أنت لا تستحق سوى الألم!“.

+


   ختمت عبارتها بنظرة حانقة، و حين انطلقت نحو باب الخروج، أضافت بانفعال:

+


”رجل وضيع بحق!“.

6


   جفَّفت هانا آخر قطعة من الأواني التي أنهت تنظيفها للتو، و تلكأت في الجلوس إلى الطاولة شاردة، كانت بحاجة للثرثرة مع أحد، لكن الخادمات أخذن كفايتهن، و قصدن مضاجعهن مستسلمات للنعاس، و السيد لي...

+


«آه عزيزي السيد لي!».

+


   تنهدت مواظبة على تفكيرها في زوجها، ليقطع دخول ماريغولد المفاجئ حبل أفكارها، حدَّقت فيها بعينين ذابلتين، و هتفت:

+


”عزيزتي ماريغولد! ألم تنامي بعد؟“.

+


   هزَّت هذه رأسها نافية، و انضمت إليها جالسة على المقعد المقابل في صمت، ثم ما لبثت أن تمتمت بضياع:

+


”أودعتُ لِيو فراشه، و نام فورا كالملاك، فيما عجزتُ أنا عن الإستلقاء حتى!“.

+


   تنهدت هانا بأسى مردفة:

+


”يبدو أنها ستكون ليلة مؤرقة للجميع... عدا مساعداتي الكسولات طبعا!“.

+


  و استطردت بوجه تعسٍ بعدما استخرجت الجريدة التي أخفتها هذا الصباح:

+


”من يمكنه الوقوف بوجه القدر؟ لقد نجحت في إخفاء خبر الجريدة عن السيد كينغ و السيد لي، حاولتُ قصارى جهدي تجنيبهما هذا الألم؛ لكن... لم أنجح في تغطية رائحة الموت... و فازت مشيئة القدر!“.

2


   تأملتا معا صورة شارلوت بيل على واجهة الجريدة، كم هي شبيهة بأخيها! الشعر الفحمي نفسه، و العيون النجلاء الكحيلة نفسها، لكن عينا هارولان كانتا أشد ظلمة، و ذقنه أكثر قسوة! فيما بدت شارلوت ألطف وجه يمكن أن ينظر إليه المرء، كطفلها الصغير تماما!

+


”كيف هو السيد لي الآن!“.

+


”يُحاول التماسك!“.

+


”قال أنه اعتنى بالسيدة شارلوت بيل منذُ البداية!“.

+


   ردَّت هانا على ذلك محاربة دموعها:

+


”لم يعتنِ بها فحسب، لم تكن مجرَّد طفلةٍ ربَّاها على يديه، لقد وضعها السيد لي موضع الروح يا عزيزتي... و ها هو الآن يترنَّحُ بدون روحه!“.

1



        
          

                
   تأثرت ماريغولد بتلك الكلمات، إن كان هذا هو وضع السيد لي، فكيف هو شعور شقيقها؟ لن تصدق أنه يكرهها، لن تصدق أنه شامت بموتها، لقد رأت الوجع و الحزن يملآن عينيه عندما تلقى صدمة وفاتها! كيف يمكن ألا يكون مترنِّحا بدون روحه أيضا الآن؟

+


   سألتها هانا قلقة:

+


”هل أنتِ على ما يُرام عزيزتي؟“.

+


”أجل! لا تهتمي، أنا فقط... مرهقة!“.

+


”أنا أيضا، ما رأيكِ لو نشرب قهوة؟“.

+


   ابتسمت بعياء مضيفة:

+


”سأجرِّبُ حيلة زوجي العزيز، إنه مثل سيده يحتالُ على أوجاعه بفنجانٍ من المرارة!“.

1


   وافقت ماريغولد راغبةً في تمضية الوقت الذي يتباطأ بشكل خانق، و في جوفها قناعة تامة بأن لا شيء يتفوق على مرارة الفقد! و بعد لحظات كانتا تنتشيان برائحة البُن المختمر بالماء الساخن، و يبدو الألم مستسلما و هو ينهزمُ و يغرق رويدًا رويدًا تحت سطوة تلك الرغوة الذهبيَّة، لكنه ما يفتِئُ أن يعود بقوَّة عقِبَ كل نظرة سارحة نحو الجريدة! حقيقةً... ما الشيء الذي قد يهزمُ الألم؟ إذا لم تنجح القهوة! إذا عجزت هذه الرائحة الزكيَّة و زبد البنُّ المضغوط في طرده... فما الشيء الذي سينجحُ إذن؟ لعلَّها الرِّفقة! أجل! هذا الألم لا يزالُ حيًّا لأنهما تسلقتا أفكارهما، و أفلتتا أطراف الحوار منذُ غرقتا في معمعة الفنجانين! رفعت ماريغولد رأسها مفكرة، و أدركت أن الوقت تأخر، و لم يعد بمقدور الطاهية السهر أكثر، ها قد خرَّ رأسها على إحدى كتفيها شاخرًا، هزَّتها بلطف، لتستيقظ و تقصد جناحها، ثم تولت تنظيف الفنجانين، رافضة فكرة أخذ القهوة للسيد كينغ، إنه منتصف الليل، وقت قهوته المفضل؛ لكن يكفيه مرارة وجعه، و لعلَّ تركه لوحده هو الخيار الأصوب! و لم تكد تسدلُ الستار على قرارها، حتى رأته من نافذة المطبخ يتجه شمالا، خلف البيت، خفق قلبها بشدة، و الآن! لماذا تشعر أن عليها اللحاق به؟ ماذا يجدرُ بها أن تفعل؟ تتركه لخلوته... أم تسنده؟ لمعت في رأسها ذكرى وجوده قربها حين كانت تبكي أحدهم هي الأخرى، لم يتركها، لم يرحل، قال لها أنه موجود ليسندها! و استرجعت كلام السيد لي ذات ليلة في هذا المطبخ: «لا تتخلَّي عن طريقٍ إن كنتِ متعلقة به، اتبعي الإشارات التي يُقدمها لكِ هذا الطريق، و اجمعيها لتجدي الصورة كاملة!»، حسنا إذن، إن كان السيد كينغ أحجية، فستجمع قطعه و تعيد تركيبه بالشكل الصحيح!

2


   تسلَّق هارولان طريقًا مُتربا، و كان نور القمر المنتصف يجعله واضحا للعيان، لكن ما إن استتبَّ مساره، و انتهى إلى غابة كثيفة، حتى غمر الظلام جسده، و لم يعد يلمسه ضوء القمر، و لا يظهر منه سوى وميض سيجارته الأحمر يتقدم كشبح فوق عتبات الفراغ، و يزداد اشتعاله كلما لامسته الرياح الآتية من الجنوب.

+


   بلغ مكانا غريبا، و وقف أمام بوَّابة حديدية غليظة أكلها الصدأ من الطراز القديم، تتوسَّطُ جدرانا رمادية أسوارها عالية، توقفت ماريغولد بدورها بعيدا حتى لا يُلاحظ وجودها، و أمعنت النظر مستغربة، ما هذا المكان؟ فغر فمها فجأة عندما دفع شقًّا من البوابة، فتمزَّقت شباك العنكبوت السميكة، و تطاير الغبار، و دلف متباطئا، إنها تقرأ اللافتة الجانبية الآن بوضوح:

+



        
          

                
 «مقبرة آل كينغ الخاصة»!

2


   بدا المكان في نظرها مهجورًا عفنا و شاحبا، كأن لا أحد يهتمُّ بأمر من دُفنوا هنا، دلفت خلفه محاذرة، و لاحظت عددا من القبور التي حملت نفس الكنية: «جون كينغ»، «راؤول كينغ»، «جوشوا كينغ»، «ميريديت كينغ»... و غيرهم! خمنت أنهم الأجداد و الأعمام من العائلة، و استغربت وجود امرأة واحدة بينهم، «ميريديت» التي دلَّ تاريخ ميلادها أنها و لا بُدَّ جدَّته، لكن أين قبر والدته؟ هل يُعقلُ أنها لم تمت؟ أين هي إذن؟

+


   شعرت بالبرودة تلفُّ المقبرة عندما وقف هارولان وسط القبور مرددا بسخرية غريبة:

+


”مرحبا آل كينغ البؤساء! ها قد عدتُ مجدَّدًا بعدما أقسمتُ ألا أفعل، لكنني هذه المرَّة أحمل خبرًا سيرقصُ عليه رفاتكم المُقدس!“.

+


   انتظر قليلاً، و رفع رأسه نحو السماء ليتابع هازئا:

+


”هناك من سينضمُّ إلى عالمكم قريبا! لكني لن أكون موجودًا لأشهد الحدث العظيم، سأبقى بعيدًا... كما كنتُ طوال الوقت!“.

6


   كان صوته مرعبا، غارقا بالرفض، كأنه يرفض أن يكون هناك، كأنه يرفض وجود هذه القبور، و يرفض فكرة الموت في حد ذاتها! امتصَّ سيجارته بجوع شديد لدخانها الرصاصي، و نفثه بوحشية، تأملته ماريغولد و هي تقف خلفه خافقة القلب، مخطوفة الأنفاس، مبعثرة الأفكار، رأته يلتفتُ صوب قبرٍ مفتوح، و يتفرَّسُ فيه للحظات طويلة بجمود، قبل أن يتحرَّك بعصبية مغادرًا... كما لو كان يهربُ منه! و المُرعبُ حقا هو التعبير الذي كسا وجهه حين  اكتشف أنها هناك... تتفرَّسُ مثله بنفس القبر! قطَّب بشكل مفزع و زمجر:

+


”أنتِ! ماذا تفعلين هنا بحق الجحيم!“.

10


   كان يجسِّدُ الغضب نفسه بكل مقاييسه، و ليست مبالغة القول بأنه كان جحيما متنقلة في تلك اللحظة بالذات، و فهمت من سؤاله الوحشي أنه لا يقول لها سوى: «كيف تجرؤين على النظر إلى جحيمي؟»، أجابته ماريغولد مشجعة نفسها على المواصلة في طريقها:

+


”أستطيع أن أوجه لك السؤال نفسه! ماذا أنت فاعلٌ في هذه المقبرة المهجورة بمثل هذا الوقت المتأخر؟“.

+


   زجرها بفظاظة فجَّة:

+


”لا تملكين الحق في هكذا سؤال!“.

+


”بلى! لي كامل الحق!“.

9


   نظر إليها بجحوظ، فاستطردت و هي تتخذُ نحوه أول خطوة:

+


”أصبحتُ أملك حقوقا كهذه منذ اللحظة التي عملت فيها على أرضك، ألم تقل أن من يعمل معك ينتمي إليك بطريقة أو بأخرى؟ أنا الآن أنتمي إليك، أنا أعتبرك أنت و لِيو و الباقين عائلتي، و العائلة تملكُ على بعضها حق السؤال و القلق و المآزرة!“.

+


   لمحت شيئا غامضا يكتنف عينيه، قبل أن يسألها بسخرية و صبر فارغ:

+


”إذا قفزتُ إلى النار... فهل ستقفزين أيضا؟“.

+



        
          

                
   ابتسمت بعيون لامعة، و ردَّت:

+


”إن كان ذلك سينقذكَ من سوادك... فسأفعل دون تردد!“.

7


   خالجته بعض المشاعر الغريبة لقاء ما سمعه، لكن الغضب كان الأكثر سيطرة و تحكما به، تجلَّت نرفزته بوضوح ما إن احتدَّت نظرته، و تقلَّص فكَّاه، و انكمش ذقنه، و برزت عروق صدغيه، حتى ظنت أنه سينفجر، و كان ذلك ما مُنِّيَت به فعلا جرَّاء عنادها، التقط مرفقها بقبضة قاسية، و سحبها بخشونة ليقفا معا أمام القبر المفتوح، ثم صرخ بهياج لا سابق له:

+


”سوادي؟ ماذا تعرفين عن السواد الذي عشته؟ ممَّ تحاولين إنقاذي؟ من الماضي الذي لا ينخلع عن وجه الحاضر... أم من هذه الأصوات اللعينة؟“.

+


   تساءلت بقلق مجفلة من قسوة قبضته و نبرته الحادة:

+


”أي أصوات؟!“.

+


”أصواتُ آل كينغ المستنكرة! ألا تسمعين؟ لقد تلقوا طعنة أخرى من إحدى نساء كينغ! كُتِبَ على هذه العائلة الخزيُ حتى الفناء، و ها هي ذي نجمتهم اللامعة تهوي كأنها لم تحلق يوما!“.

+


   كانت كلماته تلخص العذاب حرفيا، و تابع ناظرًا إلى الحفرة عند قدميهما:

+


”أتريدين حقا أن تنظري إلى هذا الجانب مني؟ أمُصرَّة أنتِ على التحديق بسوادي؟ حسنا... لكِ هذا، دعينا نبدأ من الأم! هل تعرفين أي نوع من الأمهات كان لي؟“.

6


   راقب نظرة الترقُّبِ و الحيرة على وجهها، فأضاف مشيحا إلى القبر المفتوح:

+


”الأسوء على الإطلاق!“.

8


   لم تره من قبل هكذا، كأنه قرر الاستسلام لها، و إلقاء كل آلامه و همومه بين يديها، أليست هي من أرادت أن تشاركه هذا، لكنها لم تتوقع أن يكون ماضيه قاسيا و مأساويا إلى هذا الحد، و كان ما سمعته لاحقا حلقة من الصدمات الصاعقة:

+


”لم أعرف الأم التي كنتِ تتحدثين عنها دائما، المحبَّة و المضحيَّة! بل إني لم أعرف أبوين سويَّين كما يستحق أي طفل، كان أبي كقطعة من الجحيم، «جوشوا كينغ الضوضائي»، صاحبُ الصوت المرعد و القبضة الحديدية! كان راعي بقر متوحش، يتحدث لغة العنف، و يسحق الضعفاء و الساذجين أيًا كانوا، لهذا سحقني، لأنني كنت في نظره الضعيف الساذج الذي قتل أمه!“.

8


   شهقت ماريغولد، فتابع هارولان بلهجة أقسى:

+


”كان أبي يخونُ أمي مع عدة نساء، لكنه لم يجاهر سوى بعشيقته آلكا، امرأة فاتنة عرفها خلال إحدى سفراته النادرة، و صار يعبدها كأنها أرفعُ شأنًا من السماء، و يتجاهل امتلاكه زوجة جميلة هنا! تزامن اكتشاف أمي علاقته بآلكا مع ولادة شارلوت بيل، كنتُ آنذاك في الخامسة من عمري عندما تركت شقيقتي باكية في مهدها، و جاءت بي إلى هنا، سألتها العودة لإسكات الرضيعة و هدهدتها، و كان كل ما قالته: «لا تقلق يا بني لا بكاء بعد الآن!»، سألتها لماذا نحن هنا؟ و أجابت ببساطة: «لنلعب معا!»، لم تلعب معي من قبل، لم تكترث لي، كانت لعبتها المفضلة ملاحقة تحركات زوجها و التذمر من خياناته المتكررة، و كانت لعبة جوشوا المفضلة أن يجلدها بسوطه عقابا لها، و لتكون زوجة خاضعة و مطيعة، تقبل مداسه بكل رضى!“.

8



        
          

                
   تلوَّى قلبُ ماريغولد في أعماق صدرها، شعرت بيده تشتدُّ أكثر حول مرفقها، و بصوته يصبح مظلما حين أضاف مشمئزًا:

+


”خانها أبي اللعين، خان جسدها و روحها، و رغم أنها تعرف ما يعني ذلك؛ إلا أنها أذاقتنا من نفس الكأس، و خانتنا، خانت طفولتنا، خانت ثقتي حين كذبت علي، خانت ابنها و رضيعتها، خانت فرحتي و أنا أنتظر بشغف لتنتهي من هذه الحفرة و تنام فيها كما أوهمتني، هذا ما قالته: «إنها مجرد لعبة! سأنامُ هنا... و ستغطيني أنت بهذا التراب، ثم ستحضرُ الورود من أجلي!» اللعنة! كانت تدركُ أن الورود بعيدة عن المقبرة، و كانت واثقة أن طفلا ساذجا مثلي سيصدق لعبتها السخيفة و سيدفنها بيديه!“.

51


   ترك مرفقها، و رفع يديه يتأملهما مستشيطا:

+


”جعلتني أدفنُها بيدي، و أركض كالأبله إلى الحدائق لأقطف لها ورودها المفضلة، و هناك قبض علي أبي سائلا عنها، حدثته ببراءة عما فعلناه، زففتُ الخبر و أنا سعيد فقط لأنها لعبت معي لأول مرة في حياتي! و لم أكن لأعقل حينها أنني كنتُ لعبتها، أنا و شارلوت و العائلة و الحياة، لم تقدِّر أيًّا من ذلك، تخلَّت عن كل شيء و لوَّثتني فقط كي تضع حدًّا لعذابها!“.

14


   شعرت ماريغولد بروحها تنسحق، و بأنها لم تعد قادرة على كبت دموعها، و لم يقبض هارولان على مرفقها مجددا، بل تابع متحاشيا النظر إليها، كأنه سيلوثها إن فعل:

1


”لم أفهم ما حدث إلا مُتأخرًا، سحبني أبي بمعيته إلى هنا، أريته القبر، و راح يحفر جاهدا ليمنع موتها، و كنتُ بدوري أحفر، و كم كان الحفر بيدين ضعيفتين صعبا! كنتُ آمل أن تضحك لي لأن ورودها معي، لكنها لم تنظر إلي حين خرجت إلى النور جثة هامدة، و لم تتنفس حتى! و هكذا أدركتُ أنها لم تكن أبدا لعبة!“.

4


   الآن أدركت فقط لماذا يكره الورود، و حرمها على أرضه! شرد هارولان في تلك اللحظة التي هزَّت طفولته و كيانه، حين ذرف تلك الدموع، حين سقطت الورود التي قطفها فوق جثتها و تلوثت بالتراب، أغمض عينيه متذكرا بامتعاض شيئا آخر:

+


”...و كانت لكمة أبي آخر شيء أتذكره في ذلك اليوم! ثم أصبح الألم رفيق نهاراتي و سمير ليالي! في البداية ظننتُ أنه يعاقبني لأنني الطفل الذي دفن زوجته، و أنه حزينٌ و غاضبٌ من أجلها؛ بيد أنه كان يفعل ذلك لأنه خسر الدمية الخاضعة التي كان يصبُّ عليها جام غضبه، و يستمتع بإذلالها، كان مهووسًا بتعذيبها، حتى و هي ميتة لم يدعها بسلام، ترك قبرها هنا مفتوحا، و نفاها إلى مقبرة بعيدة، و بموتها لم يجد غيري دمية بديلة!“.

14


   التفت نحو ماريغولد، و خاطبها بنبرة يقشعرُّ لها البدن:

+


”هل تعلمين ماذا كان يفعل بي؟“.

3


   أيقنت بحدسها أن ما ستسمعه لن يروق لها، و لن يكون طبيعيا، لكنها مضطرة لجمع قطع هذا الرجل؛ و يا لها من قطع شائكة و مؤلمة!

+



        
          

                
”كان يتركني لأيام في الإصطبل وحيدًا، حافيا، جائعا، أفترشُ الأرض، و كانت الأرض أكثر حُنوًا من ذلك الأب الذي لم يرأف بي، لم يذكر نفسه بأنني مجرد طفل و أنا أحمل الأثقال على ظهري، و أعمل كالبهائم دون راحة، و كلما تعثرت أو أوقعتُ شيئا ينالُ جسدي لسعة لاذعة من سوطه!“.

5


   وضعت يدها على شفتيها كاتمة شهقة استنكار، و هو ماضٍ في سرد قصته الفظيعة:

+


”كنتُ ابنه، من صلبه، هارولان كينغ، وريثه الأول، و خليفته، و مع ذلك كان يعاملي كحيوان، لم أكن حتى كبقيَّة عماله، و كان مُحرَّمًا علي لمس قطعانه، أجل! كان بكل عجرفة يصيحُ بي: « لا تلمسها! أخشى أن تقتل فردًا منها كما قتلت أمك!»، لم يكن يسمح لي حتى بنسيان الحادثة و الشفاء منها، رسَّخها بأعماقي، و صارت تمثل الجانب الأسود مني، تحوَّل ذلك الطفل إلى حجر، لم يعد السوط يؤلمني، و لا صياحه يخيفني، و في اليوم الذي سمعتُ فيه أن ثورًا متوحشا قتله أثناء الترويض، لم أستطع أن أحزن، تجاهلتُ تحذيرات العمال، و أخذتُ أتردد على حضيرة ذلك الثور الأسود محاولاً كسبه، و نجحت في النهاية، حرَّرته من قيده و تحرَّرتُ معه، كنتُ قد بلغتُ العاشرة من العمر، و لم يصدق أحد من الرجال أنني أمتطي الثور الذي قتل جوشوا الضوضائي، أدركوا أن سيدا جديدا وُلد، دون أن يدرك أحدهم حقيقة أنني وُلدتُ من الرماد الذي خلفه احتراقي! كان السيد لي يرعى شقيقتي، فيما ظللتُ أنا متعلقا بالمزرعة و صعابها، تولى رام سينغ تعليمي بقية الأمور، حتى صرتُ متفوقا عليه! و بلغتُ ما أنا عليه الآن... لأصبح سيد كينغلاند“.

8


   جنح حديثه إلى الهدوء نوعا ما و هو يستطرد:

+


”لقبتُ ذلك الثور الأسود العجيب بالغضب الأسود، لأنه كان عنيفا و ضخما، تماما كالغضب الذي ينهشني! جعلته يتزاوج مع إيناث القطعان العادية، لأصنع من نسله المميز سلالة ليس لها نظير، أردتُ أن أكون أفضل من جوشوا، أن أجعل من اسم «كينغ» مدعاةً للفخر و القوة و النفوذ! كرَّستُ كل وقتي لهذا، و كانت شارلوت بيل الشيء الوحيد الذي يجعلني أبتسم حين أعود من العمل، كبرت يوما بعد يوم أمامي، و فجأة... لم تعد تعجبها هذه الحياة، أرسلتُها للدراسة في أديلايد، لتكون أفضل مني ربما، لتصبح قوية دون الحاجة لتذوق نفس عذابي، لكن بدل العودة بشهادة النجاح، عادت إلي محطمة، ببطن منتفخ، و جنين!“.

18


   ذرفت ماريغولد الدموع التي لم تستطع حبسها أكثر، لم تشهد ألما في حياتها بقدر هذا الذي تسمعه بصوته، و تشعر به يتوارى بين كلماته!

+


”غفرتُ لها ذلك... لأنني أعرف أنها ساذجة و بريئة، و حاولتُ جاهدًا معرفة من يكون السافل الذي تجرأ و فعل بها هذا ثم هجرها، حتى أنني طاردتُ كل من درسوا بنفس جامعتها لسنوات دون جدوى، ساندتها، منحتها ثقتي مرة أخرى، و قرَّرتُ أن نعيش ثلاثتنا فقط دون الحاجة لأي طرف آخر، انتظرتُ بفارغ الصبر اللحظة التي سيأتي فيها ذلك الطفل البريء! لكن ولادته شهدت صدعا آخر في حياة آل كينغ، و خيانة أخرى! بعد وقت قصير من وضعها لِيو، هربت، و أعلمني صديق لي لاحقا أنها تعمل نادلة في مطعم بسيدني، و أنها تجمع المال لتشارك بعرض مسرحي، ابتعدت عني كل هذه المسافة لتعمل نادلة! لتذل نفسها، بينما كانت تعيش هنا كملكة! لم أفهم لِمَ كانت تفعل بنفسها هذا؟ لكنني بعدها أدركتُ أنها مثل أمها... مجرَّدُ أنانية! لذا جمعتُ أغراضها التي ظلت هنا و أحرقتها داخل هذا القبر المفتوح، لقد سبق و أقمتُ جنازتها و أخذتُ العزاء فيها!“.

8



        
          

                
   ساد الصمت الرهيب بعد ذلك، تعمدت ماريغولد ألا ترد بشيء حتى تجفف شيئا من دموعها، و ترتب الكلمات على طرف لسانها، ثم تمتمت:

+


”لكنها ستبقى دائما قطعة منك!“.

15


   لمح في عينيها قوة عجيبة، ربما هي قوة العاطفة التي تملأ هذه المرأة، و سمعها تردف بنعومة:

+


”لعل السيدة شارلوت بيل أذنبت و تصرفت بأنانية و رعونة، لكنك لا تستطيع إلغاءها من حياتك، و حياة إبنها!“.

12


”لِيو إبني أنا! أنا من ربَّاه و سهر على راحته، أردته أن يكون رجلاً دون الحاجة لها، لم أملأ رأسه بسخافات عن أمومة مزيفة، مثلما لم أملأ غرفته بالألعاب و الألوان، لأنه بنظري كان في غنى عنها، ربما لا أريده أن يتحجر مثلي، لكنني لا أريده أن يكبر أيضا بجروح و طعنات!“.

+


”و رغم هذا لا شيء يلغيها، حتى إن أحرقت أغراضها سيبقى الرماد حافلا بالذكريات!“.

7


   كال لها نظرة حانقة، و استدار عنها، غير أنها أدارته إليها بكلتا يديها، و تابعت مبتسمة:

+


”إنها مع كل أخطائها تبقى شارلوت بيل الرضيعة التي لم تكن تريد استمرارها بالبكاء، الطفلة التي كانت تدفع الإبتسامة إلى شفتيك كلما عدت من العمل، الفراشة المتمردة التي لم تعجبها حياة المزرعة و حلقت بعيدا، الساذجة الحامل التي لم تغلق الباب في وجهها رغم خطيئتها، إنها هي نفسها التي جعلك عملها كنادلة تغضب! و هي نفسها التي افترست نظراتك صورتها على الجريدة حين علمت برحيلها عن العالم! كنتَ طوال الوقت شقيقًا رائعًا، لِمَ لا تكون الآن أيضا؟ لماذا لا تؤدي واجبك الأخير نحوها؟ من غيرك سيفعل؟ من يمكن أن يحبُّها بقدرك؟“.

4


   ليتها لم تقل ذلك، ليتها لم تتأمل عينيه بهذه النظرة الصادقة، ليتها لم تكن رحيمة و لحوحة في لطفها إلى هذا الحد، ليتها تركته و شأنه و لم تفجر أسراره السوداء، و ليتها لم تقترب منه الآن، و لم تنزع سيجارته و تلقها بعيدا، و لم تضع يدها على قلبه! أجل لقد فعلت ذلك... و ليتها امتنعت و تمالكت نفسها! لأنه فعلا بدأ يضعف أمامها! تحسست ماريغولد صدره باحثة عن صوت قلبه، و قالت و وجهها قريب جدا من وجهه رغم فرق الطول بينهما:

+


”كيف تقول أنك متحجر؟ أنت مخطئ! أنت تشعر! وقفت بنفسي على رحمتك و إنسانيتك، لو أنك متحجر لقتلت رايس بأرض غولدمان، و لما حررت ريك من أسره، أنا لم أنسَ شيئا! لم أنسَ ما قدمته لي من أشياء جميلة، هذا القلب يشعر بكل شيء!“.

1


   راقبت الهدوء يسيطر عليه، و الذهول يغزو مقلتيه، فانزلقت دموعها من جديد، و عقبت على نفسها برقة:

+


”أنت تتألم على فراقها، أنا أعرف! رأيت كيف نظرت إلى صورتها بروح ممزقة، أنا أشعر بكل دقة من قلبك نابضة بالحزن، ما حلَّ بها آلمك أكثر من أي شخص آخر، إنها فاجعة شرخت قلبك و لا يمكنك إنكار هذا! أعرف جيدا هذا الشعور... لأنني خُضته! فقدان قطعة من روحك ليس هينًا أبدا! هكذا كان أبي... و الأفظع من هذا أنه كان القطعة الأخيرة من روحي! أما أنت... فهناك قطعة متبقية منها، لِيو، لذا... آمل ألا تحرمه هذا الحق! آمل أن تفعل الصواب على الأقل من أجله!“.

5



        
          

                
   للحظات لم يقل شيئا، لكنها أيقنت أنه تأثر بها، و استسلم لسحرها، عيناه القاتمتان انحرفتا و أصبحتا ناعستين، طافت نظراته الهائمة على وجهها، ملامحها، كلماتها، عنادها، كانت بمثابة مهدئات لأعصابه المرهقة، و لمستها على صدره جعلته يفتح بابا ما بينه و بين الشعور، الشعور بها... و حسب! إنه أجمل شعور على الإطلاق! إنه غامض و غريب... لكنه لذيذ يخفف الألم!

2


   وجد نفسه في عينيها، غرق هناك، و دون أن يتردد كان هو المبادر هذه المرة، أخذها بين ذراعيه بقوة، ضمَّها إليه كأنه كان يربت بها على صدره المختنق، كأن حياته تعتمد على هذا الحضن، كأنه يشحنُ نفسه بحنانها، تذكر مداعبة السيد لي للطائر الذي شُفي من إصابته هذا الصباح، كان يمرر أصابعه بلطف على ريشه، ففعل هارولان نفس الشيء معها، كانت عصفورة جميلة، تحاول انتشاله من سواده، و منحه بعض الألوان، راح يداعب شعرها الحريري المتساقط بين أصابعه برقة بالغة، لماذا يفعل هذا الآن؟ هل لأنه بحاجة لها؟ ربما ليدفن أنفاسه بين عنقها و شعرها... ربما لأنها ذكرت والدها... ربما لأنها عاشت ألم الفقد... و لأنها هشَّة و بحاجة إليه؟!

14


   تركته ماريغولد يحتضنها قدر ما يشاء، و ضمته إليها بنفس القوة، لعل هذا الحضن يذكره بجانبه الأبيض، لعله يشفيه! ارتاحت لتحرك يده على ظهرها، و ابتسمت دامعة لما داعبت يده الأخرى شعرها بتلك الرقة، من أين له هذه الرقة معها؟ أم أنه فقط يتخيلها شقيقته شارلوت بيل؟! إنها لا تعرف! لكنها تعرف شيئا واحدا و متيقنة منه... هذا الحضن المذهل حرك فيها أشياء أعمق مما كانت تتخيل!

17


   آنذاك... و من مكان ليس ببعيد، أزاحت إيفلين المنظار عن عينيها، و خاطبت مساعدها بليك بمكر:

12


”عظيم! لدينا مفاجأة هنا!“.

+


”أوافقك الرأي أيتها الزعيمة“.

+


   عادت إلى التحديق مردفة:

+


”أظن أنني لن أبقي يدي بعيدتين عن هارولان كينغ طويلا!“.

+


”و المعنى!“.

+


   سألها بليك بغباء، فأجابته بملل:

+


”سنصطاد يا صغيري!“.

+


   لم يفهم بليك مرمى كلامها، غير أنها تابعت في غير اكتراث:

1


”و سيكون هذه المرة صيدًا ثمينًا!“.

2


”الآن؟“.

+


”كلا! سأخبرك عندما تكون الطريدة جاهزة!“.

+


   ابتعدا عن بعضهما مضطربين، و لم تصدق ماريغولد أنهما سارا صامتين خلال العودة، و أنه أمسك يدها بقوة حين عبرا الغابة المظلمة، و ما إن اقتربا من مدخل البيت، و أضاء القمر ثانية دربهما حتى حدقت في السماء مسحورة بلمعانها، و قالت متمتمة:

3


”لا ظلام يدوم!“.

+


   التفت إليها هارولان رافعا حاجبه، لتردف:

+


”ٱنظر! حتى القمر لديه نصفه الأسود! لكنه يضيء العالم رغم ذلك“.

+


   كانت تبعث له برسالة خاصة، و سريعا التقطها و شعر بها، تأملا الفلك المتلألئ معا قليلا، ثم سرت برودة في المكان، فضمت ماريغولد ذراعيها إلى صدرها مرتعشة، و ابتسمت بأجمل طريقة في وجهه، ثم سمعها تقول بثقة قبل أن تختفي داخل البيت:

+


”أنا واثقة أنك ستقوم بواجبك وفق الأصول، لأنك ذات يوم أخبرت لِيو أنك رجل المستحيلات، لذا فهذه الجنازة المستحيلة عليها أن تُقام... لتكون صادقا! الجرح المفتوح يا سيد كينغ... لا يندمل إلا بالصفح و المغفرة و ترك الماضي يمضي!“.

5



  

  و هكذا ظل واقفا في الحديقة طويلا، يحدق بالقمر، هل يشبهه هذا القمر بحق؟ و هل غادرته فعلا؟ أجل! إنه لا يراها، لقد غادرته... لكن دون أن يغادره شيء منها، الصوت، و العطر، و الدفء، و الرقة، و كل شيء  ظل يملأ هذا الفراغ!

3


نهاية الفصل الخامس و العشرين.

+

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close