رواية اغواء قلب الفصل الخامس والعشرين 25 بقلم ميرا كريم
توجه هو الى جناحه بخطوات متمهلة رزينة وحمد ربه أنه لم يجد والدته بأنتظاره فلابد أنها غفت كعادتها مبكرًا، وعندما أدار مقبض الباب ليدلف الى الداخل سحب نفس عميق من الهواء الى داخل رئته وكأنه سيشعر بالأختناق بالداخل، ثم تقدم بخطوات هادئة
ليجد الغرفة بأكملها يسودها الظلام الدامس ليخطو عدة خطوات بحذر ويتحسس مكبس الأنارة ليضئ الغرفة
كانت هي تنتظر عودته بفارغ الصبر ولكن دون وعي غفت سهوًا على وضعيتها السابقة
رمقها هو بطرف عينه ولم يكترث لها ثم توجه الى المرحاض ليأخذ حمامًا باردًا لعله يزيح بعض من ارهاق ذلك اليوم الكارثي وعند غلقه لباب المرحاض
انتفضت هي بذعر ونهضت من غفوتها وهي تلعن غبائها، ليتناهي الى مسامعها صوت المياه الجارية بالداخل لتبتسم دون وعي وتتوجه للمرأة تتطلع لهيئتها المبعثرة بعدم رضا فكانت خصلاتها متناثرة بفوضوية ووجهها شاحب بشكل ملفت حتى عيناها كانت منتفخة قليلًا أثر بكائها المتواصل لتزفر بضيق بعدما طالعت ذلك الثوب الأبيض اللعين الذي ترتديه الذي جلبه لها ذلك المقيت وتشعر بالأختناق بداخله لكن ماذا تفعل هي لم تجلب أي شيء خاص بها معها فما حدث شتتها كثيرًا وافقدها تركيزها، لتحاول جاهدة ان تعدل من هيئتها قليلًا وترتب خصلاتها و جلست تنتظر خروجه، بعد عدة دقائق معدودة خرج وهو يحاوط خصره بمنشفته العريضة وتوجه دون أكتراث الى غرفة ملابسه
وعند سحبه لذلك البنطال القطني من خزانته شعر بها من صوت أنفاسها القريبة منه ولكن ظل على وضعيته ولم يعطيها أي أهتمام وظل منهمك بأنتقاء باقي ملابسه
لتقترب هي منه بخطوات حثيثة تحتضنه من ظهره بروية واشتياق، وعندما تشنجت عضلات جسده تحت يدها لم تهتم وشددت أكثر من عناقه تريد أن تستشعر ولو بعض من الأمان والراحة بقربه
ليغمض هو عينه بقوة، وتتعالى أنفاسه ورغم ذلك ظل على وضعيته وألتزم بثباته لتخبره هي بتوجس وهي تدفن جانب وجهها بظهره أكثر:
-عمري ما أتخيلت انك ممكن تسامحني وتصدق اني مظلومة
حانت منه بسمة هازئة وهدر ساخرًا وهو يفك تشابك ذراعيها حول خصره وينفضها بعنف ويبتعد عنها وكأنها تثير إشمئزازه:
-مش هتفرق كتير وياريت متتعديش حدودك معايا واخر مرة تلمسيني وبلاش اسلوبك الرخيص ده
أحتل الحزن معالم وجهها تأثرًا بحديثه وهمهمت متسائلة بعيون غائمة:
-للدرجة كارهني وقرفان مني، طب اتجوزتني ليه؟
ليخبرها هو بغموض وبكلمات مقتضبة:
- ليا اسبابي الخاصة
لغمغم هي بإصرار:
- من حقي أعرف اسبابك
ليهدر هو بحدة وبأندفاع على غير عادته يتقصد أهانتها ويتعمد أن يخفي السبب الأساسي لزيجته منها:
-عايزة تعرفي أسباب هقولك
اولًا مسمهاش اتجوزتني، اسمها أشترتني، انا أشترتك من ابوكِ ودفعت تمنك غالي أوي مع انك رخيصة وتمنك كان لازم يبقى رخيص زيك، وللأسف كنت مضطر أعمل كده علشان خاطر اختك اللي جاتلي هنا واترجتني، وانا بصراحة لقيت الموضوع ممكن استفاد منه واصلح سوء سمعتي اللي انتِ لطخطيها
ما هو مش صقر العزازي اللي واحدة زيك تخسره شغله وسمعته
كانت تستمع له بقلب يمزقه الألم ودمعات منسابة دون انقطاع لتغمغم بصوت مختنق:
- يعني أشترتني علشان فرحة بس مش علشان بتحبني
رد بنبرة هازئة وبقسوة لم تكن ابدًا من طباعه:
-حتى لو كنت، مبقاش ينفع انا لا يمكن أخد فَضلت غيري لازم الست اللي تشيل أسمي وافكر أجيب منها أطفال، تبقى عفيفة ومفيش راجل قبلي لمس طرف توبها وأكيد الست دي مش هتبقي انتِ، جوازي منك هيبقى مؤقت لغاية مصلح الفضيحة اللي الغبي ده عملها، وبعد كده هطلقك و هاخدلك شقة بعيد انتِ واختك تعيشي فيها ومتقلقيش هتكفل بكل بحاجة
لو كانت الكلمات تقتل لسقطت الأن طريحة لآثارها، فقد حانت منها بسمة هزيلة غير متزنة ساخرة من نفسها ومن ما توصلت له حياتها فماذا تفعل هي بشكوكه الواهية نحوها، كيف تثبت له عكس ذلك وكل الدلائل ضدها...حقًا سأمت من تدنيث الجميع لها ولم تعد لديها قدرة على إقناع أحد بعفتها.
لتهمس بضيق و بنبرة حارقة وهي تجفف دمعاتها بيدها تحاول لملمت ما بقى من حطامها:
-كتر ألف خيرك يا صقر بيه جميلك ده عمري ما هنساه
لتنسحب بهدوء من امامه بخطوات متخاذلة ضعيفة ليلعن هو بخفوت وهو يتطلع بآثارها، فقلبه اللعين رغم كل شيء يأن بين اضلعه ويحثه أن يرق لها.
--------------------
حين انتهى من ارتداء ملابسه توجه الى فراشه ولكن ما أثار حنقه هو أنها اتخذت من الأرض فراش لها ليزفر حانقًا ويقول:
- قومي من على الأرض ونامي على السرير وبلاش شغل الأستعطاف ده مش هيدخل عليا
ردت هي بصوت مختنق:
- شكرًا انا مرتاحة كده، انا مش بستعطف حد انا متعودة على نومة الأرض
ابتسم هو ساخرًا وهدر بنبرة متهكمة:
-خايفة مني ولا أيه؟
متقلقيش انا عمري ما هفكر أقرب لواحدة زيك
أغمضت عيناها بقوة وتصنعت النوم وظلت تقنع ذاتها أنها في كابوس مفزع مثل كوابيسها المعتادة
وعندما يأس من ردها تمدد على الفراش وظل كل حين وآخر ينظر لها نظرات خاطفة، فكانت هي متكورة على نفسها بالارض وتحتضن وسادته وتنتفض وكأنها تحاول جاهدة كتم شهقاتها
وبعد عدة دقائق شعر بأنتظام أنفاسها دليل على استغراقها بالنوم
ليحاول هو جاهدًا أن يتحايل على النوم لكن دون جدوى ومع اول انبثاق لخيوط النهار الاولى نهض من جديد وارتدى ملابسة الرسمية المعتادة وغادر الغرفة بعدما ألقى عليها نظرة أخيرة متمعنة هو نفسه لم يعرف المغزى منها.
--------------------------
تململت هي بتكاسل كعادتها وظلت ترمش بأهدابها عدة مرات لتستيقظ بالكامل وعندها شهقت بقوة عندما وجدت نفسها غافية بغرفة نومها القديمة، لتهتف بصوت جهوري وهي تنهض وتتوجه للخارج:
-انت زودتها اوي، والله ما هسكتلك؟
كان هو في تلك الأثناء يعد الفطور التي تفضله هي كالسابق بكل حماس وهو يدندن أحدى الأغاني الشعبية الدارجة
أما عنها بحثت عنه بكامل الشقة لم تجده الى أن تناهى الى مسامعها صوت غنائه بتلك الاغاني التي تمقتها كثيرًا عرفت اين هو فتلك كانت أحد عاداته عندما يدخل المطبخ، لتخطو بخطوات حثيثة و بحذر مبالغ به الى باب الشقة تحاول الفرار
ولكن خابت كافة آمالها عندما وجدته موصود من الداخل
تأففت هي بغيظ وظلت تحاول جذب الباب لفتحه لكن دون جدوى
- متحاوليش يا ميوش مفيش خروج من هنا
هدر هو بتسلية بعدما شعر بها
طالعته بغيظ وهي تضرب الأرض بقدمها:
- انت ايه مبتفهمش بقولك عندي سفر ومعاد طيارة وبعدين انت أزاي تسمح لنفسك تجبني هنا
ابتسم بمشاكسة وهو يرفع حاجبيه وكرر:
-نقول تاني...أنا رديتك ليا ومفيش سفر غير على جثتي انسي ياحبي
لتصيح هي بشراسة وبعناد:
-وانا مش موافقة ومش هرجعلك مش بالعافية ولو فعلاً ردتني يبقى هتطلقني
نفى برأسه وقال ببسمة متسلية استفزتها وهو يقرص وجنتها:
-مستحيل أعمل كده وكلمة طلاق دي تحذفيها من قاموسك يا حبي
زمجرت هي معاندة وهي تنفض يده:
-هطلقني وبعد عدتك متخلص واولد هسافر وخلي ست نيرة بتاعتك تنفعك
تقلصت معالم وجهه بضيق بعدما تذكر تمثليته الدرامية الذي حاكها ضدها وشعر بأنه تمادي كثيرًا بحقها و ظل يبرر لنفسه أنها هي من دفعته لذلك، ورغم ذلك لايستطيع إخبارها الأن فهو يعلمها تمام المعرفة ستعاند وتتخذ ضده موقف عدائي وهو لا ينقصه فليجعل كل شيء ياخذ مساره الطبيعي مع الوقت
لتصرخ هي بأنفعال بعدما لاحظت شروده:
-انت يا دكتور سرحت في ايه ان شاء الله اوعى تكون وحشتك وبتفكر تجري عليها ماهو ده اللي ناقص
ابتسم هو بأتساع بعدما شعر بغيرتها الواضحة وهمهم بعبث: -يظهر انك بتغيري منها أوي
رفعت جانب فمها بأمتعاض وردت بإستنكار وهي تضع يدها بخصرها:
-انا لا...لا طبعًا انت بتهزر
انا مستحيل أغير من المايعة دي بصراحة ذوقك مسهوك أوي زيك
ردد كلمتها بذهول وهو يقترب منها بخطوات بطيئة وترتها:
-انا مسهوك...متأكدة
أومأت له بتأكيد وبشجاعة زائفة
ليباغتها بمحاوطته لخصرها بقوة ويقترب من وجهها بشكل مربك للغايه ويهمهم أمام شفاهها:
-تحبي أثبتلك العكس
أبتلعت ريقها ببطئ شديد وتعالت أنفاسها وظلت عيناها منحصرة عند فمه ليشدد هو من محاصرته لها ويجذبها أكثر إليه بشكل خطير للغاية لتستند هي على صدره براحتيها وترفع نظراتها الضائعة له، ليهمس هو من جديد وهو يقترب ببطئ مميت من ثغرها:
-انا شايف أن ده إتهام خطير ولازم أثبتلك العكس بطريقتي وخصوصًا انك وحشتيني اوي
لتغمض هي عيناها بعدما داعبت كلماته كافة حواسها، ليحمسه ذلك كثيرًا ويجعله يقترب أكثر
وان كادت أن تتلاحم شفاههم تمتمت هي بصوت ضعيف وهي تدفعه بصدره:
-انا جعانة
أغمض عينه بقوة وابتعد عنها وهو يحاول أن يتمالك نفسه من جديد ويتحكم بثورته ليوليها ظهره ويتمتم منزعج:
-وقت أكل ده، ده انتِ فصيلة تعالي ورايا على المطبخ يا أخرة صبري
لتتبعه هي بخطوات واسعة وهي تستمتع برائحة الطعام التي تسللت الى أنفها.
-----------------------
تدلى الدرج وان كاد أن يغادر استوقفته هي بنبرة حادة متهكمة:
-رايح فين أكيد هربان علشان متبررليش عملتك السودة
تنهد هو بضيق وعاد ادراجه من جديد وأقترب منها قائلًا بثبات:
-امي انا اتجوزت معملتش حاجة غلط ومش مضطر ابررلك حاجة
زمجرت هي بعدم رضا:
- يعني يوم ما تفكر تتجوز تكون واحدة زي دي،
انا مستحيل أقبل بكده، البنت دي مستحيل تتنسب لأسم العزازي انت فاهم
فرك ذقنه بهدوء ورد بنفاذ صبر: -امي جوازي منها مؤقت انا بس اتجوزتها علشان ألحق سمعتي وأمحي وصمة العار اللي اضافت في تاريخي انتِ عارفاني يا أمي وعارفة طبعي، واظن انتِ كمان الموضوع هيفرق معاكِ علشان شكلك الأجتماعي ميتأثرش
لتهدر وهي تكتف يدها على صدرها:
- جوازك منها مش هيغير حقيقة انها بنت مش كويسة وسمعتها بطالة، ده بالعكس ممكن يزود الأمر سوء
رد هو بعقلانية وبنبرة واثقة: -متقلقيش انا هكذب كل اللي اتقال عليها وهقول أن اللي قالو عنها الكلام ده أعداء ليا وعايزين يضرو سمعتي، وصدقيني الناس وقتها هتصدق
تنهدت وأمرته بغيظ:
-خلاص يبقى تشوفلها مكان تاني وتطلقها لما الموضوع يهدى
أومأ لها وهدر بعقلانية:
-مينفعش اقعدها في حتة تانية، لازم تبقى موجودة في المكان اللي انا موجود فيه علشان الموضوع يبقى مقنع أكتر
هزت رأسها وهتفت بتهكم وبنبرة مشككة:
-مش عارفة ليه حاسة انه مش سبب كافي لجوازك منها، وان في سبب أقوى من كده خلاك تتجوزها، انا عارفاك كويس وعارفة طبعك زي طبعك ابوك الله يرحمه مبتتهونش في الغلط، الفرق الوحيد اللي بينك وبينه انه هو كان قاسي وعمر ما الحب عرف طريق قلبه
نظر لها بضيق وهو يتذكر ما عانته أمه، فنعم ابيه كان حاد الطباع كثيرًا، وصارم في كافة قراراته ولا يقبل الحياد ابدًا لدرجة انه كان لايقبل النقاش حتى ويتعامل معها بكل قسوة دون أي ذرة تفاهم واحدة و برغم من ذلك تحملت وكانت تخبره دائمًا كي تستعطفه و تثقل كاهله ان ما فعلته كان من أجله هو.
ليتنهد بضيق ويخبرها متعمدًا أن يخفي عنها:
-مفيش اسباب تانية...وصدقيني انا هطلقها بس مش دلوقتي
أومأت له بتفهم وظلت الشكوك برأسها كونه يخفي شيء، ولذلك عزمت أمرها ان تكتشف بنفسها، ليبتسم هو ببهوت ويقبل جبينها وانصرف بخطوات واسعة وهو يتمنى من كل قلبه أن لايكون لوالدته صلة بشكوك عمه.
------------------
ظلت تتناول الطعام بشهية كبيرة حتى أنها أفرغت معظم الأطباق من محتوياتها ومع كل لقمة تلوكها بفمها تصدر تلك الأصوات المستمتعة التي كادت أن تصيبه بالجنون
ليعقب بخفة وهو يطالعها:
- يا ساتر يارب اول مرة اعرف انك مفجوعة ده فاضل شوية وتاكلي دراعي
تأففت مي وردت بتذمر: -اففففف يعني بلاش أأكل ولا ايه مش كفاية انك قاعد بتتفرج عليا وانا سكتالك؟
أبتسم هاشم على طريقتها وهدر بمشاكسة:
-اولًا انا اتفرج عليكِ براحتي ومتقدريش تمنعيني
ثانيًا بقى وده الأهم انا بهزر انا عايزك تاكلي كويس علشان أبني اللي في بطنك، بس وحياتك، ليا رجاء، بلاش أصوات وانتِ بتاكلي علشان انا أعصابي باظت
رفعت جانب فمها بأمتعاض وقالت تعانده بعدما تفهمت معزى حديثه:
-براحتي والله انت مش هتفرض عليا كمان أأكل أزاي، وبعدين مين قال انه ولد انا عايزة بنت شبهي
ابتسم هو بسمة مهلكة لقلبها وهمهم بنبرة عاشقة وهو يتفرس بها:
-بنت ولد كل اللي يجيبه ربنا كويس أهم حاجة انهم هيبقو منك انتِ، وبعدين أنا هبقى اسعد راجل في الدنيا لو طلعوا شبهك يا ميوش
ابتلعت الطعام الذي كان بفمها ببطئ شديد وبصعوبة بالغة بعدما أصابتها كلماته بجفاف حلقها لينتابها نوبة من السعال المتكرر ليسرع هو إليها ويناولها كوب الماء الموضوع أعلى طاولة الطعام ويجثو مقابل لها والقلق يغزو ملامحه، لتتناول هي بعض من الماء ويهدء سعالها تدريجيًا ليهمهم هو بقلق وهويزيح خصلاتها المتناثرة خلف اذنها:
- بقيتي احسن
أومأت له وهمهمت بتوتر:
-كويسة
ابتسم لها بهدوء وتمعن بملامحها وهو مازال على جلسته أمامها ثم تمسك بيدها وهمهم بوله تام يتوسلها:
-علشان خاطري بلاش تعاندي و تبعديني عنك انتِ عارفة اني بحبك، وكان غصب عني، انا راجل وكان صعب اتقبل مجرد الشك انك بتحبي راجل غيري، أعذريني وسامحيني وخلينا نبدأ من جديد
تمتمت بعدم أقتناع وبنبرة غاضبة وهي تتذكر اتهامه لها:
-انت جرحتني وشككت في اخلاقي
نفى هو برأسه وقال بصدق دون ذرة تفكير واحدة:
-والله ابدًا أنا بثق ثقة عامية في اخلاقك وعارف ومتأكد أنك عمرك ما عملتي حاجة غلط... أنا قلة ثقتي كانت في حبك ليا ...أنا عمري ما شوفت نفسي في عينك وعمرك ما حسستيني إني مهم بالنسبة ليكِ أو إني استحقك علشان كده كنت بموت من مجرد الشك أن راجل غيري استحق الاحساس ده منك
تأثرت بحديثه فهو محق هي لا تنكر سخطها عليه في السابق ولكن حقًا حين خسرته قدرت قيمته و ندمت من كل قلبها واستوعبت أنها لم تعشق سواه ولكن هو جرحها وشكك بها واستهان بإخلاصها...فقد أغمضت عيناها لبرهة تستعيد ثباتها ثم طفر عتابها:
-عارفة إني كنت غلطانة بس أنت كسرت قلبي ومعطتنيش وقت حتى ادافع عن نفسي أو اثبتلك حاجة لما لقيتك مع واحدة غيري واخدة مكاني
ليهدر هو بأسف وبنبرة صادقة حنونة نابعة من صميم قلبه:
-حقك عليا و والله العظيم متخلقتش اللي تقدر تاخد مكانك في قلبي، ربنا يعلم اني عمري ما حبيت ولا هحب حد زيك، انتِ الوحيدة اللي دخلتي قلبي واتربعتي جواه وهيفضل ده مكانك لأخر دقة فيه
غامت عيناها تأثرًا بحديثه الذي أصاب أوتار قلبها بأرتجافة قوية ولكنها لن تستسلم بتلك السهولة وتتنازل عن كبريائها:
-مش هعرف اسامحك...
هز رأسه متفهمًا وقال بحنان وهو يضع خصلاتها خلف أذنها:
-حقك...وهستناكِ تاخدي وقتك بس وانتِ جنبي علشان
انا معنديش استعداد أخسرك
تقلصت معالم وجهها وتسائلت بريبة:
-يعني إيه؟
اجابها وهو يتوسلها بعيناه:
-يعني علشان خاطري بطلي عناد و ادي حياتنا فرصة نبدأ فيها من جديد
حانت منها بسمة ساخرة ثم عارضت لكي تثأر لنفسها وترفضه كما فعل معها:
-مش هيحصل يا هاشم أنا مش عايزاك
زمجر هو غاضبًا وتخلى عن هدوئه حين ضرب الطاولة امامه بقبضته بقوة أجفلتها وصرخ بنبرة فاض الكيل بها:
-بس أنا عايزك وده كفاية و أعملي حسابك مش هسمحلك تخربي حياتنا بعنادك....
اعترضت وهي تهب من جلستها منفعلة:
-يعني إيه هعيش معاك بالعافية؟
اكد بنبرة مُصرة يثق من كل كلمة بها:
-اه بالعافية طالما الادب مش نافع معاكِ واعملي حسابك مفيش خروج من هنا لغاية معاد ولادتك، ووريني بقى هتعملي ايه
لينسحب من أمامها بخطوات غاضبة ويغادر، وقبل أن تلحق به استمعت الى صوت حركة أدارت المفتاح بباب الشقة دليل على أغلاقه له وتنفيذه لوعيده بحبسها.
-------------------------
باشر هو بعض من الأمور المتعلقة بالعمل وعند انتهائه رفع سماعة الهاتف وطلب من أكرم الحضور إليه ليشرد بعدها دون أرادة بها وحين تذكر قسوته معها بالأمس اختنقت أنفاسه وكأن حجر ثقيل يجثم على صدره، وما ذاد الأمر عليه سوءٍ هو تذكره لهيئتها المزرية بالأمس ونحيبها المتواصل أثناء نومتها بالأرض، نفض افكاره وهز رأسه بقوة كأنه سينفضها هي من عقله وظل يقنع نفسه ويسمم افكاره بكونها تستحق وربما أكثر، جزاء فعلتها، فلن يشفق عليها فهي بنظره تتصنع كل ذلك لتؤثر عليه.
قطع شروده دلوف أكرم له قائلًا: -خير يا صقر تأمرني بحاجة
أجابه صقر بهدوء:
-ايوة يا أكرم عايزك تجمعلي شوية صحفين علشان عايز أصرح عن خبر جوازي
ردد أكرم كلمته بعدم تصديق وبنبرة متوجسة:
- نعم جوازك أزاي يعني مش فاهم
أبتسم صقر بهدوء وأخبره: -متستغربش ومتزعلش اني مقولتش ليك بس كل حاجة حصلت بسرعة
ليباغته أكرم بتسأل:
-وياتري بقى مين سعيدة الحظ؟
ليغمض عينه ويحل رباط عنقه و هو يهدر بأسمها بضيق:
-فتون
فغر أكرم فمه بعدم تصديق وتمتم بتقطع:
-لأ...بتهزر...مش معقول لازم تحكيلي كل حاجة
أومأ له صقر وأخبره بجدية:
-هحكيلك متقلقش بس الأول نفذ اللي قولتلك عليه وياريت يبقى النهاردة
هز أكرم رأسه بطاعة ثم انصرف لينفذ أمر صديقه برحابة صدر.
-------------------------
كانت مازالت هي تغط في سبات عميق نتيجة أرهاقها، الى أن اندفع الباب بقوة وتقدمت هند منها قائلة بسخط:
- والله عال...لسه نايمة لغاية دلوقتي...انتِ فاكرة نفسك جاية تستجمي هنا ولا أيه
نهضت هي بذعر بعدما اجفلها دخول هند المباغت لها
لتهمهم بحرج وهي تفرك عيناها لتزيح اثار النوم عنها:
-آسف يا أمي بس كنت مرهقة ومقدرتش أصحى بدري
امتعضت ملامح هند بشدة وهدرت باشمئزاز من لقبها:
- اوعي تقوليلي الكلمة دي تاني انتِ فاهمة
قوليلي يا هند هانم زي ما الخدم بينادوني
أطرقت هي رأسها بالأرض بحرج وهمهمت بطاعة:
- حاضر يا هانم
لتأمرها هند بحدة وهي تشملها:
- من النهاردة مسؤولية الجناح بقت بتاعتك، تنظفيه اول بأول ما هو أكيد مش هنقعدك ونخدمك كمان، كفاية ان ابني لمك من الشوارع
ابتلعت غصة مسننة بحلقها من أهانتها ثم همهمت باستسلام دون مجادلة:
-حاضر تأمريني بحاجة تانية
لترفع هند عيناها الى سقف الغرفة بعدم رضا وتهدر بخبث: -أسمعي النجفة دي مش عاجباني حاساها فيها تراب ياريت تعمليها اول حاجة
حانت منها بسمة متألمة عابرة من معاملتها لها فماذا كانت تتوقع أن ترحب بها أَم تفخر بنسبها لذلك همهمت باستسلام وهي مطرقة الرأس:
- انا هنفذ اوامر حضرتك بس مش هعرف اتحرك بالفستان ده وللأسف نسيت أجيب هدوم معايا
أجابتها هند بغطرسة:
-مليش فيه اتصرفي
وبعد عدة دقائق أحضرت فوزية كبيرة الخدم إليها ادوات التنظيف وسلم خشبي ليسهل عليها الوصول لتلك النجفة الكرستالية اللامعة التي تقسم أنها تري انعكاس صورتها بها من شدة نظافتها، عن أي غبار تتحدث هي!
فقد صعدت على السلم بحذر وبصعوبة بالغة وهي تتفادى أن تتعثر بطرف فستانها وظلت تباشر ما طلبته هند منها ولكن ما أثار دهشتها هو وقوف هند تطالعها بنظرات غريبة لا تعلم المغزى منها بعدما أمرت فوزية أن تنصرف
وبعد عدة دقائق وإن كادت أن تنتهي شعرت بأحد يدفع السلم بها بقوة، لتشهق بهلع وقبل حتى أن تنظر للأسفل كانت قد سقطت على ظهرها وسقط السلم معها لكن من حسن حظها الغير معتاد، لم يسقط عليها و سقط بجانبها
تأوهت هي بقوة وظلت متمسكة بظهرها، تأن من شدة الألم
لترمقها هند ببسمة متشفية وتقول بخبث:
-بسيطة قومي وبلاش دلع
هزت فتون رأسها بضعف وهمهمت وهي تقاوم رغبتها بالبكاء:
-مش قادرة أقوم ظهري واجعني أوي
لترد هند بمكر وهي تحاول سبر اغوارها لتتأكد من شكوكها: -اوعي تكوني حامل، أصل وقعة زي دي ياحرام أكيد هتسقطك
وعندها، لم تستطيع فتون كبح دمعاتها أكثر فهي تفهمت الآن لما دفعتها وتعمدت أن توقعها
لتسألها من جديد ولكن تلك المرة بوضوح أكثر وبنبرة لئيمة: -ردي عليا حامل ولا مش حامل ماهو أكيد في سبب قوي يخلي ابني يتجوز منك، قولي وخلصيني
هزت فتون رأسها بنفي قاطع ووضعت يدها على عيناها بضعف وظلت تبكي بحرقة مريرة
لتزفر هند بأرتياح فلو كانت أصابت شكوكها كانت سوف تسعى بكافة الطرق للتخلص من حملها ومنها
في تلك الأثناء هرولت فوزية الي غرفة محمد العزازي بعدما شاهدت كل ما دار خلسة
لتقول بتوسل بعدما فتح الباب لها:
-ألحق يا بيه الله يخليك هند هانم مستفرضة بالبنت المسكينة اللي تحت
ليندفع هو بكل سرعته الى عندها، وعندما وصل اجفله ما رأه
ليهتف بقلق وهو يجثو بالأرض
ليطمأن على فتون:
-ايه اللي حصل يا بنتي ردي عليا
أخبرته بضعف وهي تتحامل على نفسها وتكبح دمعاتها وتحاول النهوض:
-محصلش حاجة يا عمو انا اتكعبلت في الفستان وانا بنظف النجفة
ليوجه حديثه لهند بحدة وبنبرة قوية وهو يسند فتون ويوصلها الى الفراش يجلسها عليه:
-حرام عليكِ ليه مفيش حد بيسلم من أذاكِ، اكيد انتِ اللي أمرتيها بكده صح
أجابته هند بغطرسة:
-وفيها ايه يعني لما تساعد الخدم وتعمل بلقمتها، مفروض تحمد ربنا اننا لميناها من الشوارع
لينهرها محمد بغضب وبصوت جهوري منفعل:
- قسمًا بالله يا هند لو مسيبتي البنت في حالها لكون قايل ل صقر ومخليه هو اللي يتصرف معاكِ، وانتِ عارفة ابنك كويس ميتهاونش في اللي يخصه
حانت منها بسمة هازئة وأستأنفت ساخرة:
-انت قولت بلسانك اللي يخصه، وأكيد الجربوعة دي متخصهوش في حاجة لانه هو بنفسه قالي كده، ريح نفسك انت يا محمد ومتدخلش انا بعرف اتعامل مع الأشكال دي كويس
لتنسحب من أمامهم بخطوات منتصرة وعلى ثغرها بسمة خبيثة متشفية
أطرقت فتون رأسها بالأرض وهي تشعر بالقهر من حديثها وما فعلته بها
ليهمهم محمد بحنان وبنبرة آسفة:
- حقك عليا انا يا بنتي اوعدك هخدلك حقك منها بس انتِ متزعليش، وقوليلي حاسة بأيه انا هجبلك دكتور
هزت رأسها برفض واخبرته بنبرة ضعيفة منكسرة لأبعد حد:
-ملوش داعي انا كويسة وبعدين متقلقش أنا أخدة على الوجع
ليحتضنها محمد بحنو شديد وهو يشعر أن قلبه يعتصر من الألم بسبب حديثها وقلبه يخبره أن تلك المسكينة تعذبت كثيرًا في حياتها، ليفصل عناقه بعيون غائمة وينظر لطاولة الطعام معاتبًا:
-كده يا بنتي مأكليش حرام عليكِ نفسك، قومي يلا أغسلي وشك وتعالي، علشان انا هفطر معاكِ
لتنصاع له وتنهض تتوجه الى المرحاض وهي تتحامل على نفسها وتتعمد أن تخفي ملامحها المتألمة أمامه
ليأمر هو احدى الخدم بتنظيف الفوضى التي حدثت بالغرفة ويجلس ينتظرها
وبعد عدة دقائق جلسو سويًا يتناولون الطعام وهم يتبادلون اطراف الحديث، ولكل منهم افكاره الخاصة، فكانت هي تفكر في كم الطيبة والحنان الذي يغدقها بها وتستغرب كثيرًا شعورها بالألفة والراحة تجاهه، أما هو فكان يشعر بيقين قوي من نحوها كونها أبنته وقطعة من محبوبته الغالية التي فقدها.
---------------------
تعالى رنين هاتفه بإلحاح ليتناوله ويجيب بسأم بعدما شاهد رقم ذلك الصحفي الذي ساعده من قبل
-خير... عايز ايه؟
-يا فندم عندي معلومة ومعرفش هتفيد حضرتك ولا لأ
-اتكلم معلومة ايه؟
-يافندم صقر العزازي عامل مؤتمر صحفي علشان يصرح بخبر جوازه من البنت نفسها اللي نشرنا صورها معاه، وهيكذب فيه كل اللي اتقال عنها انا لسه عارف حالًا من مصادري وحبيت أقولك
ليغلق أكمل الخط و تراوده الكثير من الشكوك واولها أن صقر فعل ذلك لينتقم منها ودون أدنى تفكير حاول النهوض بصعوبة بالغة وهو يتحامل على نفسه ليذهب إليه لكن تفاجئ بدخول هاشم ونهره له بقوة:
-انت قمت ليه تاني مش هترتاح غير لما تموت نفسك، رايح فين يا جبلة
ليخبره أكمل بإصرار:
-هروح لصقر لازم يعرف كل حاجة ومش هينفع اسكت اكتر من كده
رد هاشم بجدية:
- احنا مش اتفقنا لما تخرج من هنا وتشد حيلك ايه اللي جد
فسر أكمل بتقريع ضمير وبنبرة مختنقة بذنبه:
-اتجوزها يا هاشم وانا متأكد انه عمل كده علشان ينتقم منها انا لازم ألحقه وأفهمه
منعه هاشم بحدة:
-مش هينفع تتحرك يا أكمل انا هروحله وهحكيله بس انت ريح الله يخليك ومتتعبش نفسك
ليجلس أكمل بتهاون من جديد ويقول بنبرة متألمة:
- يارتني موتت ولا أني اذيت كل اللي حواليا كده
لينهره هاشم من جديد:
- اتهد بقى وبطل كلامك ده، بعد الشر عليك، قولتلك هنصلح كل حاجة بأذن الله متقلقش انا هروحله ويارب ألقيه في الشركة ريح انت عقبال ما أرجعلك
أومأ له بضعف وشعور الندم يطغو على ملامحه لينصرف هاشم ويتركه يؤنب ذاته من جديد على كل أفعاله المشينة.
--------------------
في شركة العزازي بعد ساعتين
دخل أكرم اليه بهدوء وأخبره: -نفذت اوامرك يا صقر والنهاردة بليل كل حاجة هتم زي ما انت عايز
أومأ له صقر بأمتنان وقال وهو ينهض عازم الخروج:
-شكرًا يا أكرم انا هروح القصر أحاول انام شوية قبليها
تردد أكرم قليلًا ثم اخبره بتوجس:
- استنى أصل هاشم بره وعايز يقابلك بيقول موضوع مهم
ضيق عينه بتفكير وتسائل:
-عايز ايه هاشم مقالكش
-لا متكلمش في حاجة غير انه لازم يقابلك ضروري
زفر أنفاسه ثم جلس خلف مكتبه بوقار وأخبره برزانة:
-دخله لما أشوف عايز ايه؟
هز أكرم رأسه بطاعة وانسحب وبعد دقيقتان دخل هاشم إليه وهو مطرق الرأس وملامح الحرج مرتسمة على وجهه ليهدر صقر:
-اتفضل اقعد يا هاشم خير اوعى تكون جاي علشان تدافع عن أكمل وتبرر موقفه
جلس هاشم مقابل له وقال مستنكرًا:
-لأ ...انا مش جاي علشان ادافع عنه، وعلى فكرة انا مكنتش أعرف اللي هو عمله غير من أكرم ولو كنت عرفت قبليها كنت عارضته ومنعته انت عارفني يا صقر انا مبعرفش اضلل الحق ولا يرضيني اللي حصل
اجابه صقر بجدية:
-لو مش جاي علشان أكمل...جاي ليه؟خش في الموضوع علطول
رد هاشم موضحًا:
-انا جاي علشان...فتون
أغمض عينه بقوة وحاول جاهدًا أن يتغاضى عن صرخات قلبه من مجرد سماعه لأسمها وتمتم وهو يدعي الثبات:
-وانت ايه علاقتك أنت كمان بفتون
أجابه هاشم وهو يدلك رقبته كعادته عندما يتوتر:
- أعرفها يا صقر ويمكن كمان أكون انا السبب فأختيار أكمل ليها بس والله العظيم مكنتش أقصد ولا أعرف للي بيخططله
زفر صقر بنفاذ صبر ورفع نظراته بسأم ثم باغته بقوة:
-انا مش فاهم حاجة انت جاي تقول ألغاز ياريت توضح
ليجيبه هاشم بتوتر بعدما أجفلته ردة فعله:
-هوضحلك كل حاجة وهحكيلك من الأول خالص بس انت بلاش تتعصب وأسمعني
تنهد بعمق بعدما أشعل سيجاره وأومأ له يحثه ان يتحدث
ليبدأ هاشم في قص كل شيء بدايتًا من ذلك اليوم المشؤوم: -بدأت الحكاية لما خدني معاه المخزن المهجور بتاعه لقيته هناك مربط بنتين ونازل ضرب فيهم ولما حاولت امنعه يأذيهم قالي ان واحدة فيهم سرقته وضحكت عليه ولما ضغط على البنت وهددها انه مش هيمشيهم غير لما...ليتحمحم بحرج ويتلعثم
ليزفر صقر بنفاذ صبر ويهدر بعدما تفهم مقصده:
-فهمت قصدك...بس انا مالي ومال كل ده
استأنف هاشم بأندفاع وهو يحاول تجنب غضبه:
- استنى بس ياصقر هتفهم سيبني اكمل كلامي
هدرصقر بنفاذ صبر:
-اتفضل كمل وخلصني
ليستأنف هاشم:
-بعد تهديده ليهم البنت الصغيرة اعترفت ان ابوهم هو اللي سرقه بس هو مكتفاش بكده، مضى البنت على وصلات امانة وقال انه عمل كده علشان يضمن انهم ميبلغوش انه خطفهم ولولا ضغطي عليه مكنش مشاهم من الأساس
ليستأنف بخزي وشعوره بالذنب يؤرقه وهو منكس رأسه:
- يمكن اكون انا السبب لما قولتله أن البنت دي هي نفسها اللي جبتهالي المستشفى من ثلاث سنين
سكن الجحيم عين صقر ونهض من جلسته يقبض على تلابيبه بعدما رفعه لمستواه وهدر بعدم تصديق:
- البنت دي كانت فتون مش كده!
هز هاشم رأسه بنعم وقال يحاول أن يخفف حدة الموقف: -والله ياصقر مكنتش اعرف انه خطط لكل ده غير لما أكرم قالي
ليدفعه يجلسه من جديد وهو يحاول تهدئه ثوران انفاسه الغاضبة ويأمره بحدة:
- كمل
أسترسل هاشم:
-فتون هي اللي حاولت تقتله
عقد حاجبيه بعدم تصديق واستوحشت نظراته بغضب جامح
ليضيف هاشم:
- انا سمعتهم بيتكلمو ليقص عليه كل ما دار بين أكمل وفتون بالمشفى وعند انتهاءه أكد عليه: -البنت مظلومة ياصقر هي ضحية الظروف وأكمل هو اللي خطط لكل حاجة اديها فرصة تانية وبلاش تأذيها، وعلى فكرة أكمل بنفسه كان عايز يجيلك ويعترفلك بكل حاجة بس انا منعته علشان ظروفه الصحية صدقني أكمل ندم واتكسر بعد اللي حصل انا جيت أقولك وأخلص ضميري من ربنا والقرار ليك في الأخر وعند أخر كلمة تفوه بها رفع نظراته له وهو يطالع هيئته بتوجس و يتمني من كل قلبه ان يكون قد أقنعه ولو قليلًا
أما عن صقرظل يعدو ذهابًا وايابًا كليث جريح يحاول ان يعاند الموت وكل حرف تفوه به هاشم يتكرر برأسه فقد
فرك وجهه بيده بعنف ثم زفر الهواء دفعة واحدة يحاول ان يهدأ من غضبه الذي يتملك منه هادرًا بنبرة جهورية:
-حتى لو مظلومة ومأذتنيش وكانت مضطرة ده ميبررش انها شريفة انا شوفتها مع فهد، وأكمل قالي انه رماها ليا بعد ما زهق منهاو قالي انها...ليصمت بخزي بعدما عجز لسانه عن التفوه بذلك اللفظ البذيئ
ليرتمي على الكرسي المقابل له وبأنهاك يضع رأسه بين يده ينعي قلة حيلة قلبه أمام قناعاته الراسخة:
-مش هقدر يا هاشم أقبل فكرة ان في غيري لمسها، غصب عني انا راجل ومن حقي الست اللي اختارها وتبقى شريكة حياتي ابقي انا أول راجل في حياتها
غمغم هاشم بتأثر وهو لا يعلم بما يبرئها من ذلك ايضًا:
-بس انت اتجوزتها خلاص، و بتحبها وهي كمان بتحبك لو تسمع كانت بتتكلم عنك أزاي هتعرف انا أقصد ايه
فتون ضحية يا صقر وكل حاجة اتفرضت عليها، اديها فرصة تانية
هز رأسه بنفي قاطع وهو يحاول أن يسيغ الأمر لعقله لكن عقله اللعين يأبي الإنصياع او الاستيعاب فامثله ككل الرجال في مجتمعنا يصدرون أحكام مسبقة من ظواهر الأمور...ليغمغم بضيق وهو يحاول إقناع نفسه اولًا بأسبابه:
- انا اتجوزتها علشان سبب تاني مختلف، مش علشان بحبها، وجوازي منها بشكل مؤقت وعلى الورق بس مش زي ما أنت فاهم
تنهد هاشم وقال وهو يربت على كتفه بدعم قبل أن ينصرف: -على العموم مهما كانت أسبابك انا عملت اللي عليا وخلصت ضميري والقرار ليك يا صقر ياريت متتسرعش وتظلمها زيهم
وإن غادر هاشم تهدلت معالم وجهه بحزن واحتلها الألم ثم حاول جاهدًا أن يفكر و يعيد النظر بشأنها.
---------------------
على بعد مسافة قريبة من قصر العزازي كان يقف هو بهيئته المقيتة يتحدث مع أحد رجاله:
- عملت ايه؟
ليخبره رجله برهبة بعدما تفحص المكان:
-اللي انت طلبته صعب يا معلم جمال، ازاي بس هندخل القصر بتاعه انت مش شايف الحراسة عاملة أزاي ده غير الكاميرات المرشقة فكل مكان
ليدفعه جمال بغل بصدره ويصيح بغضب:
-انت غبي ومتفهمش أكيد في طريقة علشان اوصله و انتقم منه وأحرق قلبه
حانت من رجله بسمة مستخفة هازئة وهو يتعمد النظر إلى وجه جمال المدمي كي يذكره:
-ما بلاش يا معلم جمال الراجل مش سهل وحتى لسه معالم وشك ضايعة بسبب أذيته
ليزمجر جمال غاضبًا ويدفعه من جديد بغل أكبر هادرًا بحقد وبنبرة متوعدة وهو ينظر الي قصر العزازي القريب من مرمى بصره:
-هتشوف هعمل فيه أيه و مش هيأس وهفضل قاعد هنا لغاية ملاقي فرصة مناسبة وساعتها وحياة ست البنات لكون حارق قلبه عليها واذله زي ما ذلني وعملني فورجة للناس وضيع هيبتي.
