اخر الروايات

رواية اغواء قلب الفصل السادس والعشرين 26 بقلم ميرا كريم

رواية اغواء قلب الفصل السادس والعشرين 26 بقلم ميرا كريم 


🦋السادس والعشرون🦋
بعد إنصراف عمه وتركه لها بحجة أنها تستريح قليلاً اتجهت الى الحمام لتأخذ حماماً دافئ لعله يريحها قليلًا ويفك من تشنج عضلات ضهرها

وبعد وقت ليس بقليل خرجت وهي تلف جسدها الضئيل بأحدى المناشف القاتمة العريضة الخاصة به وبعد أن جففت خصلاتها رفعتهم بفوضوية على هيئة كعكة مبعثرة وقبل خروجها من باب الحمام اشرأبت برأسها بتوجس تجول المكان بعيناها، وعند تأكدها أنها بمفردها خرجت بخطوات مسرعة الى غرفة ملابسه وهي تنوي أن تستعير منها

وعند وصولها إلى هناك ظلت تشاهد ملابسه بأنبهار تام وعندما وجدت قنينة عطره تعتلى المنضدة دون أدنى تفكير تناولتها وتنثر القليل منها على راحتها ثم تضمها إلى صدرها بتنهيدة عميقة تحمل بطياتها الكثير من المشاعر لحين تردد صدى كلماته الطاعنة بالأمس بعقلها لتنكمش معالم وجهها بضيق واقنعت ذاتها أنها لن تبذل أي جهد بعد لتثبت له أي شيء فيظن بها كيفما شاء، فهي قد تعدت أقصي مراحل اليأس وبعد موقف أمه العدائي نحوها تأكدت انها لا تنتمي الى هنا، فمهما دافعت لن يصدق وسيلتزم بحديثه وينفصل عنها بعد أن يرمم سمعته كما أخبرها. وضعت قنينة العطر من جديد أعلى المنضدة وتسللت دمعاتها من جديد تنعي حالها، لتسير بخطى وئيدة الى خزانة ملابسه البيتية كي تستعير منها أي شيء يستر جسدها قبل أن يأتي ويظن أنها تتعمد إغوائه...

في تلك الأثناء كان يدخل الى الغرفة بملامح قاتمة لاتعبر عن شيء وحين جال المكان بعينه لم يجدها ولكن عندما تناهى لمسامعه صوت شهقات خفيضة تأتي من غرفة ملابسه عرف مكانها ليتوجه الى هناك بخطوات ثابتة، وعندما وصل الى باب الغرفة تجمدت كل حواسه من هيئتها فكانت تلتف بمنشفته السوداء بأحكام مهلك يحدد بروز منحنياتها، وما لفت نظره حقاً هو نصاعة بشرتها المتشربة بالحمرة المغرية للغاية، وما زاد الأمر سوءٍ عليه هو ظهور جزء كبير من نحرها أمامه، لعن نفسه ولعن أفكاره ليحمحم ويستعد ثباته فهو ليس بهذا الضعف وسيقاوم إغوائها الرخيص مهما كلفه الأمر ليهتف بصوت رخيم يخفي خلفه الكثير:

-بتعملي ايه عندك ؟

أغمضت عيناها بقوة وهي تلعن ذاتها فما حسبت حسابه حدث وكأن كل شيء تأمر عليها حتى جسدها الذي أنتفض من صوته وخذلها فقد التفتت وهي تتمسك بمقدمة المنشفة وهمهمت بخجل وهي تطرق رأسها بالأرض وتحاول جاهدة تحاشي النظر له:

-آسفة كنت عايزة حاجة ألبسها

تصنع هو البرود وهدر بحدة نابعة من فوران مشاعره:
- مبحبش حد يلمس حاجتي، أخر مرة تدخلي هنا

أبتلعت غصتها الموجعة وأومأت له وألتفتت لتخرج وإن تخطته نظر هو لظهرها بملامح خالية من أي تعابير ليباغتها بحدة وهو يقترب منها:

-استني عندك

توقفت هي ولكن لم تستدير له لتشعر بعدها بسخونة أنفاسه تلفح أسفل رأسها، أغمضت عيناها بقوة ثم انتابتها رجفة قوية عندما شعرت بملمس كفة الدافئ على بشرة ظهرها الباردة لتتعالى أنفاسها، وعندما تتحسس هو تلك الكدمة بظهرها تأوهت بألم وانكمشت ملامح وجهها دون قصد ألتفتت تواجهه لكن لم تجرأ على رفع نظراتها له

ليسألها هو بملامح جامدة:
- ايه اللي في ضهرك ده من ايه؟

فركت يدها بتوتر وبللت شفتاها بطرف لسانها ثم أدعت
كذبة واهية لإقناعه فهي لا ينقصها نزاعات آخرى:
-ده ولا حاجة ممكن من نومة الأرض

ضيق عينه بشك وهدر بنبرة صارمة بعدما لم تنطلي عليه كذبتها الواهية:
-متحاوليش تكدبي عليا، علشان أقدر أعرف بطريقي

لترفع نظراتها إليه بتوجس تبحث عن دفئ عيناه ونظراته الحالمة المعتادة لها لكن خابت أمالها بعدما لاحظت قتامة عينه بشكل أرعبها كثيراً لتهمهم بتلعثم:
-اتكعبلت و وقعت

ليقول بثقة وهو يوليها ظهره وينوي الخروج:
- مش مصدقك وعارف انك بتكدبي بس انا هعرف بطريقتي

لينصرف بخطوات غاضبة أجفلتها إلى الخارج ويصيح بصوت جهوري على فوزية رئيسة الخدم لتحضر له بخطوات مهزوزة وهي تهمهم بخوف:
- خير يا صقر بيه

ليهدر هو بانفعال وبنبرة صارمة:
- مين دخل الجناح بتاعي النهاردة وايه اللي حصل في غيابي

تلعثمت هي وتصببت عرقاً خوفاً من رب عملها ولم تجرؤ على الإفصاح له خوفًا من جبروت هند

-روحي انتِ يا فوزية شوفي شغلك

هدر بها عمه بعدما تناهى الى مسامعه صوت صراخه و اتى مسرعاً

لتنصاع له فوزية ويخبره عمه بهدوء وهو يجره من يده:
-تعالى هنتكلم في المكتب

وحين دلفو الى المكتب سأله صقر بنفاذ صبر:
- ايه اللي حصل انا عايز اعرف؟

ليخبره محمد بضيق:
-هند أهانتها، وأمرتها تنظف الجناح بتاعكم والبنت معترضيتش ولما طلعت على السلم زقتها من عليه علشان كانت فاكرة انها حامل وان ده سبب جوازك منها ولما حاولت أقولها هقول لصقر قالتلي أن انت قولتلها فتون متهمكش ولا تخصك

نفرت عروقه بغضب جامح وكور قبضته يحاول أن يتمالك ثورته قدر المستطاع ثم نهض وظل يعدو أيابًا وذهاباً بخطوات قاسية تكاد تمزق الأرض تحتها هادرًا بأنفعال وبعدم استيعاب:
-ازاي امي تعمل كده انا مش مصدق، طب افرض فعلاً ان فتون حامل مني فعلاً وان ده هو سبب جوازي منها، كانت برضو هتحاول تأذيها، انا مش قادر استوعب ازاي هي قاسية كده انا لازم اروحلها واتكلم معاها

لينهض محمد ويمسكه من ذراعه ويقول بتوسل:
-أهدى يا ابني الله يخليك علشان نعرف نفكر انا خايف هند تدور وراها، ويبقى بوظنا كل حاجة، انا خايف لو عرفت تأذيها

قال صقر باندفاع بعدما تفاقم غضبه:
-عمي، انا مقدر خوفك على فتون بس أمي مش هتوصل بيها كده، وبعدين احنا اتفقنا نتأكد الأول انها بنتك

أومأ له عمه وأخبره بثقة:
-انا متأكد انها بنتي ولو هعمل التحليل هعمله علشان اريحك بس

تنهد صقر بضيق ثم قال:
-أنا كلمت دكتور هيجي كمان شوية ياريت متحاولش تشككها في حاجة قولها انك عايز تطمن على صحتها أهم حاجة متشككهاش وانا فهمت الدكتور ومش هيفتح بؤه بكلمة غير انها فحوص عادية

أومأ له عمه بتفهم لينصرف صقر من أمامه ويتجه يبحث عن هند ولكنه لم يجدها وعند سؤال الخدم أخبروه أنها لم تعود بعد من نزهتها الصباحية برفقة صديقاتها.
--------------------------
دلف هو الى غرفة أكمل بالمشفى بخطوات هادئة استفزت الآخر الذي كان يكاد يفقد صوابه من كثرة الأنتظار

لينهره بحدة وهو يعتدل بجلسته على الفراش:
- يا برودك يا أخي انا هتجن من الصبح وانا بستناك وانت ولا على بالك وجاي تتمشى، انطق عملت ايه، قولت لصقر؟

همهم هاشم بهدوء وهو يجلس مقابل له على طرف الفراش:
-ايوة روحت وحكيتله كل حاجة بس موقفه غريب بيقول ان هو اتجوزها مش علشان بيحبها ولا علشان ينتقم منها وقال ان عنده سبب تاني وقالي كمان ان جوازهم مؤقت وعلى الورق بس وانه عمره ما هيقبل يلمس واحدة حد غيره لمسها

ليتمتم أكمل بضيق وبنبرة مترقبة:
-هو انت مقولتلوش انها ملهاش علاقة بفهد وان انا اللي خططت لكل حاجة

رد هاشم بسذاجة:
-اه قولتله انها ملهاش علاقة بأتفاقكم عليه

عقد أكمل حاجبيه بعدم فهم وهدر بحدة:
- انت بتقول ايه؟اتفاق ايه وزفت ايه؟ وبعدين
انت مش سمعت كلامنا يوم المستشفى، وعرفت اني انا اللي خططت لكل حاجة وان هي ملهاش علاقة بيه

ليهدر هاشم بسوء فهم:
- ايوة ما انا عارف، بخصوص الشغل يعني

ليهدر أكمل بغيظ وبنبرة جهورية :
-انت عايز تشلني، شغل ايه !انا بتكلم في حاجة تانية خالص
انت شكلك جيت تكحلها عميتها الله يخرب بيتك

ليقول هاشم بإنفعال وهو يشهر إصبعه بوجه أكمل:
-ملكش دعوة ببيتي، ده جزاتي اني روحت بدالك، هو انا ايه يعرفني انكم تقصدو حاجة تانية انتم يومها كنتم بتتكلموا بكلام مختصر ومفهمتش حاجة غير انك اتفقت مع فهد ضد صقر وأن هي ملهاش علاقة بأتفاقكم عليه، ده اللي انا فهمته وانت بتقولها (انتي مكنش ليكِ علاقة بفهد وكل ده من تخطيطي انا) وده اللي قولته لصقر، وكمان قولتله ان ابوها كان بيستغلها، وانك انت اللي جبرتها وهددتها بوصلات الأمانة علشان تلعب عليه
وبعدين ايه ان شاء الله الحاجة التانية دي اللي انت تقصدها وانا مفهمتهاش

زاغت نظرات أكمل وأخبره بخزي من نفسه وشعور الندم ينهش به:
-انا وهمت فتون اني هديها وصلات الأمانة بتاعتها واديتها عنوان فهد على أنه عنواني...وبعت صقر علشان يشوفها ويفهم أنها...

نطق بكلماته الأخيرة بتقطع وخزي أكبر وهو مطرق الرأس حتى انه لم يستطيع استكمالها
بسبب هبوب ثورة هاشم وقيامه بضرب الكومود الصغير بجانب فراشه بقدمه بقوة كبيرة أطاحت كل ما عليه، فيبدو أنه استوعب مدى غبائه وعدم ادراكه للأمر، ليهتف بعصبية مفرطة:

- انت ازاي حقير كده!
انا مش قادر أفهم أزاي وصلت بيك انك تطعن واحدة في شرفها كده، انا عمر ما جه في بالي ان الموضوع كده، انا دلوقتي عذرت موقفه، ليه حق مستحيل راجل يقبل على نفسه ده
حتى لو كانت هي مظلومة لازم دليل قاطع يأما هيفضل طول عمره الشك مش هيفارقه وصدقني الشك ده ممكن يدمر أي علاقة مهما كانت قوتها من غير ذرة ندم واحدة...

ليهمهم أكمل بخزي وبتقريع ضمير:
- انا ندمت ياهاشم و عرفت غلطي
و هحاول أكفر عنه، وان شاء الله صقر هيصدق الحقيقة وهيقتنع

حانت من هاشم بسمة هازئة وباغته متهكمًا:
- لو فدوة هي اللي مكان فتون كنت هتصدقها يا أكمل؟

أحتل الضيق تقاسيم وجهه ثم أطرق رأسه بخزي ولم ينبس ببنت شفه

ليرمقه هاشم بنظرات غاضبة يتطاير منها الغضب و يؤنبه:
- ربنا مبيرضاش بالظلم يا صاحبي زي ما وجعت قلوبهم ربنا وجعك وبعدها عنك، عمري ما هنسى الجملة اللي قالتهالك فتون يوم المستشفى قالتلك ( بدعي من ربنا تحس باللي حاسة بيه يتوجع قلبك زي ما وجعتني وظلمتني حسبي الله ونعم الوكيل فيك )
ومتهيألي ربنا أستجاب ليها وهتعيش عمرك كله بوجع القلب وتأنيب الضمير

لينصرف هاشم غاضبًا تاركه يكاد يموت قهرًا من شدة ندمه فكلمات صديقه أصابته في الصميم.
------------------
كانت هي مازالت على هيئتها لم تغيرها تجلس على طرف الفراش الموازي للشرفة تمشط شعرها بواسطة الفرشاه وهي شاردة فتلك الذكرى الأولى التي جمعتهم لا تعلم لما الآن راودتها ربما لأن حالتها حينها لا تختلف كثيراً عن الآن فسابقًا كانت ايضًا يأست من حياتها...والآن هي أيضًا يائسة ولكن لأبعد حد، فداخلها حرب ضارية من التساؤلات!
ترى إلى متى ستظل هكذا متى الخلاص من عذابها... لقد تحاملت كثيراً وعافرت كثيرًا لتحظى ببعض الأمان لكن كعادتها فقيرة حظ ويبدو أنها ستحيا تعيسة للأبد.

دخل هو جناحه بخطوات حثيثة لم تشعر بها وتطلع لشرودها بتذبذب لا يعلم ما أصابه ودون أدنى تفكير جلس خلفها على الفراش ووضع القليل من الكريم الطبي الذي احضره خصيصاً لها على راحتيه وأخذ يدلك كدمتها ببطء وبحذر شديد

شهقت هي بقوة وسقطت الفرشاه من يدها عندما شعرت بأنامله الدافئة تلمس ظهرها وعندما كادت أن تعترض وتنهض

تمتم هو بنبرة هادئة وهو يتمسك برفق بذراعها:
-أهدي يا فتون ومتخافيش الكريم ده هيريحك ويخفف الوجع

حانت منها بسمة هازئة وأخبرته بتهكم بعدما التزمت سكونها من جديد:
-مفيش حاجة تقدر تخفف وجعي متتعبش نفسك

ظل هو يمسد ظهرها بهدوء ولم يعير حديثها أي أهتمام
وظلت هي تكتم أناتها المتألمة قدر المستطاع وتتغاضى عن تأثرها بملمس يده وبعد عدة ثوانِ
باغتها هو بسؤاله الذي صدر منه دون وعي ربما عقله الباطن هو من طرحه:
-ليه مقولتليش ان أمي اللي وقعتك من على السلم؟

ألتفتت ونظرت له نظرة عميقة متمعنة تحمل بطياتها الكثير وأخبرته بنبرة تملك منها الآسى:
-انا أقل بكتير من اني أعمل خلاف بينك وبينها

همهم يؤنبها:
- انتِ جبانة ومقولتليش علشان معندكيش ثقة فيا متحاوليش تبرري

غامت عيناها وقالت بصدق و هي تنظر لكل شيء إلا هو:
-يمكن أنت عندك حق أنا جبانة بس انا معرفتش يعني ايه ثقة غير معاك

انتفض بقوة يوليها ظهره بعدما غزى الغضب ملامحه وتطاير الشرار من عينه ورد يستخف بحديثها:
- وعلشان كده روحتي اترميتي في حضن فهد مش كده

كانت تنوي عدم الدفاع عن نفسها ولكنه مازال على موقفه ويطعن في شرفها لذلك فاض الكيل بها فقد نهضت و وقفت مواجه له وهدرت وهي تحاول لملمت حطامها:
- أكمل هو اللي باعتني لهناك علشان أخذ وصلات الأمانة اللي كان بيهددني بيها ومكنتش أعرف انه ناوي يبعني لفهد لترفع سبابتها بوجهه وتضيف بشراسة قتالية:
-انا مش كده، ولا عمري هكون كده انت متعرفش ان كنت بتعرض لإيه انا كنت بكافح وبعافر أد إيه علشان أحافظ على نفسي

هدر هو بعدم أقتناع وبنبرة جهورية حادة وهو يركز نظراته عليها ويتمسك بفكها بقوة الذي ينطق بالترهات فكيف يصدقها رغم أن كل شيء يدينها:
-كدابة انا شوفتك بعنيا معاه

نفضت يده بكل ما أوتيت من قوة و ردت بأنفعال وبنبرة هستيرية وهي وتقبض على قماش قميصه بعدما طفح الكيل بها:
- قولي شوفت ايه هاااااا رد عليا؟ انا كان هدومي مقطعة، وانت دخلت على صريخي ومقاومتي ليه، قولي شكلي كان شكل واحدة رايحة برضاها
الحيوان كان بيحاول يعتدي عليا ومنعته بكل قوتي ولما شوفتك حمدت ربنا و قولت جاي تحميني وتنقذني منه

لتضربه بصدره بقبضتها عدة ضربات وتستأنف بنبرة هستيرية على حافة الانهيار:
-انا كنت هترمي في حضنك واستنجد بيك، لكن انت عملت زيهم كلهم وجيت عليا واتخليت عني وظنيت فيا السوء
وبرغم كل ده عذرتك وقولت زيك زي أي راجل الغيرة عمت عنيه
حتى لما جيت واتجوزتني مكنتش مصدقة كنت طايرة من الفرحة وفاكرة انك لسه بتحبني وصدقت اني مظلومة، كان عندي شكوك بس كنت بكدب نفسي انك ممكن تأذيني
لكن انت استكترت عليا الفرحة دي ومكتفتش قعدت تجرح فيا وتقولي كلام عمري ما تخيلت اني أسمعه منك انت، وبعد كل ده هند هانم العزازي تيجي تكمل عليا وفاكراني حامل منك وتقولي ان انا مخصكش، هو للدرجة دي كلكم شايفني رخيصة ومليش قيمة

كانت تتحدث بأندفاع وكأنها انفجرت لتوها ودمعاتها تتهدل بحرقة كي تنعي حظها
أما عنه كان يستمع لها وقلبه يتألم مع كل حرف تتفوه به، فحديثها لامس اوتار قلبه وبشدة وشعر بصدقها وتأثر كثيرًا حتى انه ازاح الغضب من عينه وأستبدله بالدفء التي أعتادت عليه منه ودون أدنى تفكير جذبها من ذراعها وأحتضنها بقوة وبعاطفة جياشة جاهد كثيرًا لكبحها، لتتعالى شهقاتها بين أحضانه، ويضمها هو الى صدره أكثر ويعتصر بيده جسدها بحماية وكأنه يريد ان يخفيها بين ضلوعه ويتألم بدلًا عنها

أما هي لن تشعر بألم ولابكدمة ظهرها أثر تشبثه بها بقدر ما شعرت بالأمان وبنجاحه في أحتوائها ليربت بحنان مبالغ به على ظهرها يحاول أن يهدئها
قائلًا بصوت رخيم:
-شش...أهدي...خلاص متعيطيش...أهدي يافتون

وعندما هدأت شهقاتها تدريجيًا فصل العناق دون أن يترك مسافة لمرور الهواء بينهم ومرر أبهامه على وجنتها بهدوء مثير للغاية يمسح دمعاتها، لترفع هي نظراتها إليه ويستشف هو صدق بَين بها
لتنتفض دواخله لآثارها وينتقل بكفه لمؤخرة رأسها يريد ان يثبت نظراتها عليه ودون وعي وجد نفسه يقترب من وجهها وكأنه مغيب بسحرها...ولكن هي كانت ذهنها حاضر مع ردود فعلها فلن تدعه يستنزف ما تبقى منها فقد دفعته عنها وهدرت بصوت متحشرج كي تلمم ما تبقى من حطامها بعدما تردد صدى حديثه الجارح خاصًة الأمس بعقلها:
-وفر...شفقتك عليا مش عايزاها أنا مقدرة اللي عملته علشاني بس كتر خيرك أوي لغاية كده...ولو فاكر إني اتكلمت معاك علشان استعطفك واخليك تصدقني...مبقاش يفرق بالنسبالي عارف ليه علشان أنت اثبتلي أن كلكم زي بعض كل واحد فيكم استغلني بطريقته وأنت بجوازك مني ما فرقتش عنهم

ابتلع ريقه بعدما ذهل من هجومها وعقب عليه بإنفعال وهو يتمسك بذراعيها ويهزها:
-قوليلي إيه التميز اللي كان مفروض أعمله...كان مطلوب مني افهم واستوعب أن البنت اللي حبتها وكنت هتجوزها بتستدرج الرجالة وكمان كان مطلوب مني استوعب لما روحت بيت الكلب ده ولقيتك في اوضة نومه مش كده هاتيلي راجل على وش الأرض يقدر يستوعب ده ويصدق أنك مظلومة

حانت منها بسمة ممزقة تنعي بها حالها وهي تنفض يده وتبتعد عنه خطوتان للخلف تخبره باستسلام وكأن من شدة يأسها لم يعد يعنيها شيء:
-مبقاش يهمني قولتلك تصدق أو لأ كده كده فراقنا محتوم وكلها أيام والتمثلية السخيفة دي تنتهي

زمجر غاضبًا وكاد يرد عليها لولآ ان طرق باب الغرفة، ليندفع إليه ويهتف بصوت منفعل فور أن فتحه:
-أفندم يا فوزية عايزة ايه؟

أطرقت فوزية رأسها بالأرض بحرج وهمهمت:
-آسفة يا صقر بيه بس محمد بيه عم حضرتك عايز فتون تروحله

أومأ لها بتفهم وهو يتذكر مجيء الطبيب ليتسأل بترقب:
-أمي جت ولا لسه

ردت فوزية بأحترام:
-لسه حضرتك مجتش اول ما تيجي هبلغ حضرتك

أومأ لها من جديد وأشار لها لتنصرف وأغلق الباب وألتفت اليها قائلًا بنبرة جاهد أن تكون هادئة كي لا تعكس ثورة دواخله من مجرد فكرة ابتعادها عنه:
-هنكمل كلامنا بعدين علشان
عمي عايزك، ياريت تروحيله في أوضته...ليرمق هيئتها التي تثير جنونه ويزفر أنفاسه دفعة واحدة وهو يضيف:
-بس الأول تعالي ورايا

لتتنهد هي بضيق وتتبعه الى زاوية خاصة بالجناح وعندها فرغت فاهها بعدما فتح أحدى الخزانات الكبيرة بالغرفة فكانت تحوي على ملابس نسائية كثيرة لكافة الأوقات بكافةمستلزماتها لتهمهم متسائلة:
-إيه كل ده بتاع مين؟

اجابها هو بنبرة هادئة وهو يتحاشى النظر لها:
-بتاعك يافتون أشترتهم مخصوص ليكِ
وفي حاجات تانية بس لسه موصلتش من باريس

رددت ببسمة تسخر بها من نفسها قبل أي شيء:
-باريس...أزاي يعني؟
انت أكيد بتهزر انا أخري بلبس من الناس اللي بتفرش على الرصيف في سوق الجمعة عادي
وبعدين انا مقدرش أقبلهم دول شكلهم غالي اوي، انا هكلم كوثر تجيبلي هدومي

زفر هو بضيق من حديثها وهدر بنفاذ صبر:
-متعصبنيش وأسمعي الكلام من غير نقاش وبعدين لازم مظهرك يليق بيا

اعتلى حاجبيها وهمهمت بعدما ايقنت أنه فعل ذلك ليس من أجلها بل من أجل أن لا تسيء لمظهره الأجتماعي:
-لما همشي مش هاخد حاجة معايا

ابتلع ريقه ببطئ شديد من سيرة الفراق التي لا تنفك عنها وكأنها تؤيد قراره الذي يقسم انه لن يقوى عليه فقد تنهد بتثاقل ودون أن يعقب على جملتها هدر:
-النهاردة بليل في صحفين جاين عايزك تجهزي علشان هتنزلي معايا ومش عايزك تفتحي بؤك بكلمة كل اللي تعمليه انك تبتسمي
ومتنسيش إحنا قدام الناس متجوزين و...المفروض بنحب بعض

نطق بجملته الأخيرة وهو يتحاشى النظر لها...بينما هي رددت جملته بسخرية مريرة وهي تحاول أن تبدو ثابتة:
-المفروض...لأمش هنسى متقلقش... تأمرني بحاجة تانية

هز رأسه لها بشيء من الأرتباك ثم فر من أمامها ولكن قبل خروجه انحنى بجانب الفراش وألتقط ذات الفرشاة التي استخدمتها وعلق بها بعض الشعيرات منها...لتزفر هي بضيق أنفاسها بعدما استمعت لصوت غلق الباب وتدعوا الله أن يرأف بحالها.
-------------------
تنهد بأرتياح بعدما وصل أمام باب شقته وهو يمني نفسه أنه سينال القليل من الراحة بالقرب من ملكة قلبه فبعد كل ما دار اليوم انتابه الضجر كثيرًا وارد ان ينعم ببعض الهدوء وعندما تناول مفتاح الشقة

وفتح الباب تفاجئ من الفوضى العارمة التي حلت بالمكان وقبل أن يفتح فمه ويصدر أي ردة فعل أصطدمت بوجهه أحدى الوسادات الطائرة التي كانت تقذفها هي بأتجاهه:
-انا هوريك ازاي تقفل الباب وتحبسني، انت فاكر نفسك ايه؟

صاح وهو ينحني بخفة كي يتفادي
الوسادات الآخري التي تناوبت بقذفها عليه:
- يا مجنونة اهدي...في حد عاقل يعمل كده

هدرت هي بعصبية مفرطة:
- انت لسه شوفت جنان والله العظيم لهدغدغ البيت على دماغك

لتتناوب بقذف كل شيء يأتي أمامها
على الأرض بقوةوتتعمد كسره، من تحف باهظة وفازات كرستالية وغيره من مقتنياته الثمينة
ليزمجر هو غاضبًا:
- كفاية...انتِ عارفة الحاجات دي عزيزة عليا بطلي جنان

زمت فمها بغيظ وخطت بخطوات حثيثة يشوبها الحذر وصعدت على احد مقاعد الصالون ومدت يدها لأعلى الحائط وتناولت ذلك الأطار الذهبي المعلق الذي يحاوط صورة زواجهم وبعد أن انزلته ولوحت به أمامه تطالع ملامحه المشدوهة بتحدي سافر و تترقب ردة فعله.
ليصرخ هو:
- لأ انتِ بتهزري اكيد...مي حبيبتي أهدي دي صورة فرحنا بلاش تزعليني ورجعيها مكانها

هزت رأسها برفض وهدرت بعناد:
-لأ...هات مفتاح الشقة الأول وسيبني أرجع بيت ماما

ليقول هو بنفاذ صبر:
- قولتلك مفيش خروج من هنا غير لما تولدي

تأففت هي كعادتها بعدم رضا وصرخت به:
- ده مستحيل انت أزاي عايزني أقعد كل ده محبوسةهنا...مش هيحصل
تقدم هو نحوها ببطئ يريد ان يسيطر على نوبتها الهستيريةتلك التي من الممكن أن تضر بها و بجنينها وهمهم بنبرة مسايرة: -خلاص يا حبي هريحك وأعملك أي حاجة انتِ عايزاها بس إلا موضوع السفر ده

ابتسمت هي بأنتصار وهتفت بأصرار وهي مازالت تحتضن الإطار وتخطو خطى واسعة تتنقل من أعلى المقعد الى المقاعد التي تجاوره:
- رجعني بيت ماما هقعد هناك، وعايزة ورقة طلاقي توصلي بعد ولدتي
وفي الوقت د مش عايزة أشوف وشك، انت اللي ليك البيبي وبس وانا مش هحرمك منه وهخليك تشوفه

زفر هو بنفاذ صبر وتعالت انفاسه بأنفعال واضح من تلك العنيدة التي تكاد أن تفقده صوابه ودون أي تردد أندفع إليها بسرعة ونزع صورتهم التي يحتضنها الإطار منها وقذفها بكل قوته على الأرض مما أدي الى هشيم بروازها فلم يتبقي منه غير بقايا زجاج متناثر، و دون أي مقدمات منه آخرى كان يحاوط خصرها ويحمل جسدها كي ينزلها من أعلى المقعد هاتفًا من بين أسنانه بوعيد بنبرة أرعبتها كثيراً:
- بطلي شغل القرود ده، وحسي بالمسؤولية شوية ناحية اللي في بطنك ولعلمك بقى
انا طلاق مش هطلق ومش هتمشي من هنا ولو حصل ونشفتي دماغك ومشيتي، قسم بالله يا مي لكون طالبك في بيت الطاعة ومرجعك هنا غصب عنك.

ليتركها وينسحب بخطوات غاضبة الى غرفة نومه ويغلق خلفه الباب بعنف نفضها
لتنظر الى الباب الذي أغلقه بنظرة ضائعة ثم بعدها جلست بتهاون على المقعد مشدوهة بفضل ما تفوه به وفاق توقعاتها.
--------------------
في نفس التوقيت في فرنسا وخاصًة في باريس عاصمة الموضة والجمال

كانت تجلس هي في أحد المطاعم العريقة القابعة بشارع الشانزليزيه، فبعد انتهاء يوم عملها اتت الى هنا بمفردها كي تتناول العشاء، فبعد ما حدث وتركها للبلاد وهي تفضل العزلة كثيرًا حتى إلحاح آسر المستمر بأنضمامها لحفلاته و عروضه الصاخبة لم يؤثر عليها

تنهدت بعمق وهي تستمع الى صوت فيروز الخفيض الذي يصدر من هاتفها بهدوء يريح الأعصاب فها هي مثل عادتها عندما تريد الأختلاء بذاتها.
(يا طير يا طاير على طراف الدني لو فيك تحكي للحبايب شو بني يا طير وآخد معك لون الشجر ما عاد في إلاّ النطرة والضجر بنطربعين للشمس عبرد الحجر وملبكي وإيد الفراق تهدني يا طير وحياة ريشاتك وإيامي سوا وحياة زهر الشوك وهبوب الهوا إن كنّك لعندن رايح وجن الهوا خِدني ولنو شي دقيقة وردني يا طير)

شعرت ان كلمات تلك الأغنية لامست كافة حواسها و ان قلبها يتأكل من القلق عليه وخاصًة بعد أن أخبرها آسر بما حدث وسوء حالته الصحية يوم أن تركته...
وهنا نفضت أفكارها وظلت تشجع وتدعم نفسها من جديد:
- انا قفلت صفحته خلاص ومش هفكر فيه تاني...

لتراودها تلك الذكرى القريبة عندما كان يتوسلها، تقسم أنها مازالت الى الآن تتردد كلماته المتوسلة بأذنها دون انقطاع
لتتنهد بعمق تحاول أن تستعيد عزيمتها السابقة لكن دون أرادة ودون أي تفكير تناولت هاتفها وضغطت على شاشته بأنامل مرتعشة تطلب رقمه التي تحفظه عن ظهر قلب وهي تقنع نفسها أنها فقط ستستمع لصوته ليس إلا.

كان هو في تلك الأثناء يلتزم غرفته داخل المشفى، ونظرًا لتحسن حالته نسبيًا نهض من الفراش واتجه نحو النافذة التي تطل على الحديقة الخلفية للمشفى لعله يكسر ذلك الملل فقد استنشق نفس عميق من عبق الزهور المنتشر بالأجواء ثم رفع نظراته للسماء وظل يتأمل كحلتها لعدة دقائق ويشاهد أبداع الخالق في كونه وعندما وقعت عينه على تلك النجمة اللامعة البعيدة لاحت منه بسمة باهتة وهو يتذكرها، معشوقته ومن تربعت على حصون قلبه وعندها تمتم يناجي ربه بقلب نادم أضناه الفراق:
- يارب انا ندمت سامحني وأغفرلي، انا راضي بقضائك، يارب بلاش يكون عقابي اني أتحرم منها

وعندها انسابت دمعاته دون ارادة
و هو يشعر بمدى حاجته لها
وإن تعالى رنين هاتفه تناوله دون أهتمام و بلامبالاه رد وهو يمسح وجهه بكف يده:
-الو مين؟

تنهدت هي بأرتياح ولم تنبس ببنت شفه وأكتفت فقط بسماعها لتلك الكلمتين منه وصوت أنفاسه

ليهتف هو من جديد:
-الو

لتبتسم متنهدة وتنوي أن تغلق الخط

-فدووووووة

باغتها هو بلفظ أسمها بنبرة ملتاعة حارقة يشوبها الأشتياق
شهقت هي بخفوت عندما تفاجأت انه علم هويتها وتساقطتت دمعاتها دون وعي ولم تتفوه بشيء

ليهمهم هو من جديد بنبرة متألمة وكأنه يتأكد كونها هي:
-وحشتيني أوي
انتِ فكرك لما متتكلميش مش هعرف انه انتِ، انا بعرفك من صوت أنفاسك يا فدوتي

وضعت يدها على فمها تحاول أن تكتم شهقاتها وتكبح دمعاتها وظلت ملتزمة بصمتها

ليهمهم هو بتوسل وبنبرة ضعيفة متألمة من جديد:
-ردي عليا يافدوة قولي كلمة واحدة تبرد نار قلبي وتديني أمل في رجوعك، انا محتاجك يافدوة
...والله محتاجك

لم تقوى بعد تلك الكلمات التي تلفظ بها على التماسك أكثر ودون أي تردد أغلقت الخط وتبعته بأغلاق الهاتف نهائيًا لتضع يدها على خافقها رغبة منها أن تهدأ صرخاته و عندما فشلت أطلقت العنان لنفسها ان تفرغ كل ما بجعبتها من بكاء مختزن

أما هو فقد قذف الهاتف على الفراش بقوة بعدما يأس من محاولاته الشتى بمعاودة الاتصال بها ليتهدل جسده و يكوب رأسه بين يديه وهو يلعن غبائه وينعي حظ قلبه المدمي بعشقها.
------------
بعد استعداده وتأنقه المبالغ به علم من أحد الخدم بعودة والدته وتواجدها بغرفتها، ليتوجه الى هناك بخطوات حازمة وعندما طرق الباب وسمحت له بالدخول
باغتته هي بحدة:
- هو انا أخر من يعلم يعني ايه أغيب كام ساعة أرجع ألاقي القصر بالفوضى دى انت ليه مقولتليش علشان استعد

تنهد هو وجلس على طرف فراشها وأستند بمرفاقيه على ساقيه وهدر بجدية دون ان يكترث لكلمة واحدة مما تفوهت به:
- ليه حاولتي تأذي فتون؟

رفعت هي جانب فمها بأمتعاض وهدرت مستنكرة:
-محصلش...انا مجتش جنبها هي اللي اتكعبلت ووقعت

- اتكعبلت ووقعت منين يا أمي؟

أجابته بتوتر بعدما زاغت نظراتها:
- من على السلم انا دخلت عليها لقيتها بتنظف ولما سألتها قالت ده بيت جوزي ولازم أهتم بيه وبصراحة مرضتش أمنعها لأنها مفرقتش حاجة عن الخدمات اللي عندنا

سكن الجحيم عيناه ونفرت عروقه من شدة الأنفعال بعدما لم تنطلي عليه كذبتها الواهية وارد أن يصرخ بها لكنه لا يستطيع أن يقلل من أحترامه معها فهي أمه رغم كل شيء
ليحاول التحكم في زمام نفسه وهو يخبرها:
-لأ فرقت يا أمي وفرقت كتير، فتون تبقي مراتي...ومهما كان وضعي معاها أو السبب اللي اتجوزتها علشانه مش هيغير من كونها تبقى مراتي وكرامتها من كرامتي وطول ما هي على ذمتي مش هسمح لحد يهنها ولا يقلل من شأنها

لتهدر هند بسخط وبنبرة متهكمة:
- انا كنت عارفة أن بنت الشوارع دي هتعرف تأثر عليك وتخليك لعبة في ايديها

هب وباغتها بحدة بعدما تفاقم غضبه:
-امـــــــــــــــــــــــــــــــــي
لأخر مرة بقولك فتون مراتي ومش هقبل عليها كلمة طول ما هي على ذمتي، وياريت انتِ تراعي ده وتخلي بالك من كلامك عنها وبتمنى متحطيهاش في دماغك وتمارسي عليها جبروتك

لتهدر هي بلؤم تحاول تستعطفه:
-بتعلي صوتك عليا يا صقر بعد كل اللي عملته علشانك وبتتعصب عليا علشان واحدة زي دي

ليستأنف صقر بنفاذ صبر بعدما مل من طريقتها المبتذلة لاستعطافه:
- امي لو سمحتي انا مبحبش الطريقة دي وانتِ عارفة، ومش كل مرة تقوليلي عملت علشانك
انتِ معملتيش حاجة علشاني انتِ اتحملتي قسوة ابويا وأهانته ليكِ علشان خاطر ثروته مش علشان حاجة تانية، وياريت كفاية تحمليني فوق طاقتي وتحسسيني ديمًا بالذنب

هذا أخر ما تفوه به قبل أن ينصرف ويتركها
تستشيط غيظًا فقد فاجأها كثيرًا بردة فعله وكشفه لحيلتها الماكرة.
----------------------
بعد أن رافقت عمه أثناء تواجد الطبيب بغرفته ونظرًا لقلقه أصر على ان يطمأن عليها ويتم عمل بعض الفحوص الروتينية لها
وأخبرها أن ذلك القلق ناتج من شحوبها وهزالتها الواضحة إنصاعت له دون تردد وهي تشعر بالأمتنان لشخصه الحنون ولم ينتابها أي شكوك حوله

وبعد إنتهائها اتجهت لتتجهز كما أمرها صقر

وبعد بضع دقائق انتهت من الاستعداد ووقفت تلقي على نفسها نظرة أخيرة بالمرآة تزامنًا مع دخوله إليها بطلته المهيبة

وحين وقعت عينه عليها تجمد بأرضه وأحتبست أنفاسه لثوانِ معدودة من شدة فتنتها

فكانت ترتدي فستان بنفسجي فائق الجمال منساب على جسدها بأنسيابية مهلكة، أما عن شعرها فقد رفعته على شكل ذيل حصان مرتب يتأرجح مع خطواتها وكأنها تعمدت أن تعانده و تثير أعصابه وتجعل الدماء تندفع إلى رأسه بسبب كشفها المغوي لعنقها..ورغم ذلك ألتزم ثباته حتى لايشعرها بتلك النيران المندلعة به ليتحمحم بنبرة جاهد لتكون هادئة ولا تفضح مكنونه نحوها:
- جاهزة

أومأت له بملامح جامدة دون أن تكلف ذاتها عناء الابتسام
ليتنهد بعمق ثم يمد يده بجيب بنطاله ويتناول علبة صغيرة مخملية اللون
ظنت هي انه نفس الخاتم الذي رفضتت أن تقبله سابقًا لكن خابت ظنونها عندما فتح العلبة وظهر منها خاتم ماسي آخر مختلف كليًا عن السابق ولكنه
يضاهيه في روعته وبريقه ليتناوله ويلبسها اياه بألية مطلقة
ثم حثها بعينه أن ترافقه، وما أن وقفت معه على مقربة من موقع ذلك الحشد من المصورين بادرت وشابكت يدها بخاصته لتتجمد ملامحه من فعلتها وقبل أن يعلق أو يخطو خطوة واحدة بها وجدها تتعلق بيدها الآخري بذراعه وكأنها تريد أن تخبره بطريقة محثوثة أنها ستتقن دورها...
لتتعلق نظراته بتلك البسمة المصطنعة التي لم تلمس عيناها قط وكأنها اغتصبتها فقط لثغرها...ليزفر أنفاسه الحانقة ثم يتقدم بها
فيبدو أنه أدرك اخيرًا الفرق بين صدقها واصطناعها. ---------------------
بعد انتهاء اللقاء الصحفي الذي دام لأكثر من ساعتين وظلت الأسئلة تنهال عليه دون إنقطاع لكنه كان ملم بكل شيء وكان يجيب بدبلوماسية ولباقة أدهشتها كثيرًا
وبرغم أن الأضواء الصادرة من كاميرات المصورين أربكتها، إلا أن محاوطته لخسرها و قربه منها ساعدها كثيرًا وأشعرها بالطمأنينة وعندما كانت تتقابل أعينهم كان يطالعها بشكل مثير للغاية وبنظرات حالمة ترجف أوصالها

تنهدت بعمق وهي تصعد السلم المؤدي الى الجناح الخاص به بعدما أمرها هو برفق أن تسبقه وانه سيوافيها بعد دقائق

وعندما دلفت الى داخل غرفة النوم تمددت على الفراش وظلت تركز نظراتها على نقطة وهمية بسقف الغرفة تتذكر نظراته ولمساته لها وقلبها البائس يخبرها أنه لم يكن يتصنع الأمر بل كان صادقًا.

وحين كانت هي مستغرقة في أفكارها باغتها صوت مقيت تعلم صاحبه تمام المعرفة:
- فكرك مش هعرف أوصلك يا ست البنات

انتفضت بقوة وشحب وجهها ثم نطقت برعب وهي تتراجع للوراء بخطوات متعثرة:
-جمال...


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close