رواية في قبضة العاصم الفصل الرابع والعشرين 24 بقلم سيليا البحيري
في فيلا الشرقاوي
الصمت انكسر مع دخول الرجل.
خطوات ثابتة… ثقيلة.
بدلة داكنة، كتفان مشدودان، عينان تشتعلان.
كامل.
الاسم ما اتقالش،
بس الصدمة اتقالت في وشوش الجميع.
ريما شهقت، رجعت خطوة لورا.
ريما (بهمس مذهول):
ـ كـ… كامل؟!
سليم فتح عينه على آخرها.
الجد عبد الرحمن شبّك إيده على عصاه بقوة.
مراد لفّ بجسمه كاملًا ناحية الداخل…
وبص لكامل من فوق لتحت بابتسامة ساخرة.
مراد (بتهكم):
ـ يا سلام…
العيلة كملت.
كامل ما ردّش.
قرب خطوة.
وقف قدام مراد مباشرة.
الهواء بقى تقيل.
كامل (بصوت منخفض، مخيف):
ـ إيدك كانت رايحة فين؟
مراد رفع حاجبه بسخرية:
مراد:
ـ دي بنتي.
وأنت…
ضيف.
كامل ضحك ضحكة قصيرة، باردة.
كامل:
ـ لا.
أنا جوزها.
ريما اتجمدت.
قلبها كان هيطلع من صدرها.
مراد لفّ نظره لريما:
مراد (بسخرية):
ـ جوزك؟
مش كنتي هربانة؟
كامل لفّ وشه لريما فجأة.
نظرة واحدة جمعت غضب، عتاب، حب، شفقة.
كامل:
ـ سبتِني.
من غير كلمة.
من غير فرصة أفهم.
ريما بصوت مكسور:
ريما:
ـ أنا…
كنت خايفة.
مراد ضحك بصوت عالي.
مراد:
ـ شايفة؟
الضعف بيعدي.
وهنا…
كامل فقد أعصابه.
خطوة واحدة للأمام.
كامل (صارخًا):
ـ اخرس!
الصالون كله اتشلّ.
حتى مراد سكت لحظة.
كامل (مكمّل، وصوته بيطلع من صدره):
ـ إنت ما لكش حق ترفع صوتك عليها.
ولا تبصلها.
ولا تلمس شعرة منها.
مراد ضحك بسخرية أخطر:
مراد:
ـ واضح إنك مش فاهم انت واقف قدام مين.
كامل قرّب أكتر…
قريب قوي.
كامل:
ـ فاهم كويس.
واقف قدام مجرم.
واحد تاني شال بلاه.
عبد الرحمن رفع راسه فجأة.
عبد الرحمن (بدهشة):
ـ إنت تعرف؟
كامل هز راسه بهدوء:
كامل:
ـ أعرف اللي يكفي إني أقول
إني مش راجع الجزائر
غير لما أشوفه راجع مكانه الطبيعي.
بص لمراد مباشرة:
كامل:
ـ وده…
السجن.
مراد عيونه لمع فيها شر.
مراد:
ـ إنت فاكر نفسك مين؟
مستثمر؟
فلوس؟
كامل ابتسم ابتسامة جانبية.
كامل:
ـ أنا راجل.
وهي مراتي.
لفّ لريما، صوته هدّي فجأة.
كامل:
ـ وإنتِ…
حتى لو الدنيا كلها شاورت عليكي
وقالوا بنت مجرم…
أنا ما بسيبش مراتي.
ريما دموعها نزلت.
ريما:
ـ كامل…
أنا كنت بحميك.
كامل (بصرامة وحنان معًا):
ـ أنا ما طلبتش حماية.
طلبت شراكة.
سليم بص لكامل بإعجاب واضح.
سليم (بصوت واطي):
ـ شكراً…
كامل بص له وهز راسه.
كامل:
ـ إنتوا مش لوحدكم.
مراد اتراجع خطوة…
أول مرة.
عبد الرحمن اقترب من كامل، وضع إيده على كتفه.
عبد الرحمن (بفخر صادق):
ـ راجل…
والله راجل.
مراد بص للجميع، صوته نازل لكن سام.
مراد:
ـ اللعبة لسه مخلصتش.
كامل رد فورًا:
كامل:
ـ ولا هتخلص
غير وإنت محطوط في مكانك.
ريما قربت خطوة من كامل…
من غير ما تحس.
إيده اتحركت
ومسك إيدها
***********************
+
كامل كان لسه ماسك إيد ريما.
رفع راسه وبص حوالين المكان… نظرة واحدة كفاية.
كامل (بصوت ثابت، حاد):
ـ إحنا مش هنقعد هنا.
مراد ابتسم ببرود.
مراد:
ـ البيت ده بيتي.
واللي مش عاجبه…
الباب يفوّت جمل.
كامل لفّ ناحيته فورًا، خطوة للأمام.
كامل:
ـ بالظبط.
وعشان كده…
إحنا ما ينفعش نفضل هنا
لفّ لريما وسليم.
كامل:
ـ هتيجوا معايا.
إنتِ…
وإنت.
والحج عبد الرحمن كمان.
ريما اتفاجئت.
ريما (بتردد خفيف):
ـ كامل…
ده بابا برضه.
كامل هدّى صوته، لكنه ما رجعش عن موقفه.
كامل:
ـ فاهم.
بس اللي قدامنا ده
مش أب…
ده خطر.
ريما بلعت ريقها، عينيها نزلت الأرض.
وجعها واضح… بس ساكتة.
سليم ما استناش.
سليم (بحِدّة):
ـ أنا موافق.
وأنا مش قاعد ثانية واحدة
تحت سقف اسمه مراد الشرقاوي.
مراد ضحك ضحكة باردة.
مراد:
ـ شايف؟
ابني بيتبرأ مني
عشان واحد غريب.
سليم رد من غير تردد:
سليم:
ـ الغريب أرحم.
الجد عبد الرحمن كان ساكت…
وشه متجعد، نظره تايه.
عبد الرحمن (بصوت مكسور):
ـ ده بيتي…
أنا اللي بنيته حجر حجر.
مراد التفت له بنفاد صبر.
مراد:
ـ خلاص بقى يا حاج.
الزمن اتغير.
كامل قرب من عبد الرحمن، نبرة احترام حقيقي.
كامل:
ـ حضرتك صح.
دي دارك.
بس اسمحلي أقولك حاجة…
سكت لحظة، ثم أكمل:
كامل:
ـ المكان اللي يتعمل فيه شر
يفضل شايل ريحته
حتى لو صاحبه طيب.
عبد الرحمن غمض عينه.
الكلام وجعه…
لكنه لمس الحقيقة.
عبد الرحمن (بحزن عميق):
ـ عمري كله…
تعب، وعرق، وشرف.
وهو خده
وصرفه في خراب.
رفع راسه وبص لريما وسليم.
عبد الرحمن:
ـ ما ينفعش تفضلوا هنا.
مراد شدّ فكه.
مراد (ببرود سام):
ـ براحتكوا.
امشوا.
أنا مش ماسك في حد.
كامل لفّ ناحيته، نظرته ثابتة متحدية.
كامل:
ـ مش هنمشي هروب.
هنمشي حماية.
ثم قال بوضوح قاتل:
كامل:
ـ ولحد ما ترجع مكانك الحقيقي…
مراتي
و اخوها
وجدها
مش هيشوفوك.
مراد ابتسم ابتسامة خطيرة.
مراد:
ـ اللعبة لسه طويلة.
كامل رد فورًا:
كامل:
ـ وأنا نفسي طويل.
لفّ لريما، شدّ إيدها بلطف.
كامل:
ـ يلا.
ريما بصّت لوالدها نظرة أخيرة…
نظرة ألم أكثر من غضب.
سليم أخد شنطته من جنب السلم.
عبد الرحمن وقف، سند على عصاه، وبص للفيلا نظرة وداع.
عبد الرحمن (بصوت واطي):
ـ سامحيني يا سلوى محافظتش على الامانة…
اتلوّثت
الثلاثة مشوا ناحية الباب.
مراد واقف…
لوحده.
الفيلا فجأة بقت أوسع…
وأبرد…
وأوحش.
*********************
في فيلا الزهراوي / المساء
الصالون هادي… هدوء متوتر.
ليل واقفة قدّام الشباك، ضهرها لزياد، إيديها مقفولة بقوة.
عاصم قاعد شوية بعيد، ساكت، عيونه ما بتسيبهاش.
زياد (بصوت مرهق):
ـ مراد خرج…
والموضوع مش بسيط يا ليل.
لفّت فجأة.
ليل (بعصبية):
ـ وماله؟
يخرج، يدخل، يولع!
مش هخاف من واحد زيه.
زياد قرب خطوة، صوته مكسور.
زياد:
ـ إنتِ مش فاهمة.
الراجل ده…
ما عندوش حد.
ضحكت ضحكة قصيرة، مرة.
ليل:
ـ عنده كل حاجة!
فلوس، نفوذ، إجرام…
والدنيا كلها بتجري وراه.
ثم صرخت:
ليل:
ـ بس أنا؟
أنا مش واحدة من ضحاياه تاني!
عاصم رفع راسه، بص لها بحدة خفيفة.
عاصم:
ـ ليل.
سكتت، لكنها ما بصتش له.
زياد (بانكسار):
ـ يا بنتي…
أنا بطلب منك تسمعي كلامي.
مش عشان أنا أبوكي وبس…
عشان أنا شفت الشر ده قبل كده.
لفّت له بعينين مولعتين.
ليل:
ـ الشر ده
كنت بحسبه أب.
كنت بدافع عنه قدام الدنيا كلها.
صوتها خانها.
ليل:
ـ طلع هو اللي قتل رائد…
وهو اللي لعب بعاصم…
وخلاه يصدق إنك إنت القاتل.
زياد نزل عينه، الألم باين.
ليل:
ـ وهو اللي خطفني من حياتي!
سبع شهور يا بابا!
سبع شهور
بعيدة عنك
وعن نفسي
وعن كل حاجة.
زياد قرب أكتر، صوته ارتعش.
زياد:
ـ وأنا كل يوم
كنت بموت ألف مرة
وأنا مش قادر أجيبك.
عاصم قام من مكانه، قرب ببطء.
وقف قدام ليل، صوته هادي… لكنه قاطع.
عاصم:
ـ بصيلي.
ما ردتش.
عاصم (أقوى شوية):
ـ ليل.
رفعت عينيها غصب عنها.
عاصم ثبت نظره فيها.
عاصم:
ـ إنتِ قوية.
وأنا عارف إنك مش بتخافي.
قرب خطوة.
عاصم:
ـ بس القوة
مش إنك تعاندي الخطر.
القوة
إنك تعيشي.
ليل بلعت ريقها.
ليل (بعناد):
ـ مش ههرب.
ابتسم ابتسامة جانبية خفيفة.
عاصم:
ـ محدش قال تهربي.
ثم قال بوضوح:
عاصم:
ـ بس تسمعي.
زياد رفع صوته لأول مرة، برجاء حقيقي.
زياد:
ـ أنا مش هستحمل
أخسرك تاني.
ليل التفتت له فجأة.
ليل:
ـ تاني؟
أنا عمري ما سيبتك.
زياد هز راسه بأسى.
زياد:
ـ بس كنت بعيد عنك…
غصب عني.
صمت ثقيل نزل.
عاصم قرب من ليل، مسك إيدها بهدوء.
عاصم:
ـ أنا اتجوزتك
مش عشان أمتلكك.
اتجوزتك
عشان أحميك.
ضغط على إيدها شوية.
عاصم:
ـ ودي مش معركة شجاعة…
دي معركة بقاء.
ليل بصت لإيده…
ثم لعاصم…
ثم لأبوها.
عنادها بدأ يتكسر.
ليل (بصوت واطي):
ـ وأنا تعبت.
زياد دمعت عينه.
زياد:
ـ وأنا تعبت قبلك.
عاصم قال آخر كلمة، قاطعة لكنها مطمئنة:
عاصم:
ـ اسمعي كلامه.
مش عشان تخافي…
عشان ترجعي تعيشي.
ليل سكتت طويلاً…
ثم أخيرًا هزّت راسها ببطء.
ليل:
ـ هسمع.
زياد خرج نفسه براحة ممزوجة بخوف.
عاصم شدّ إيدها شوية.
عاصم (بنبرة منخفضة):
ـ وأنا جنبك.
في كل خطوة.
ليل بصت له…
وفي عينيها لأول مرة
مش غضب
ولا عناد
بل ثقة متعبة.
+
*******************
صوت خطوات ليل يبتعد في الممر…
الباب يُغلق بهدوء.
زياد يفضل واقف مكانه شوية، كأنه فقد قوته فجأة.
يقعد على الكنبة ببطء، يمرر إيده على وشه المتعب.
عاصم واقف قدامه، صامت…
لكن عينيه مش ساكتة.
زياد (بتنهيدة طويلة):
ـ الشر لما يطوّل…
يتعب يا عاصم.
أنا حسيت إني كبرت عشر سنين في يوم واحد.
عاصم قرب وقعد قدامه، صوته واطي لكنه ثابت.
عاصم:
ـ إنت عملت اللي عليك…
وأكتر.
زياد رفع عينه له، ابتسامة حزينة ظهرت.
زياد:
ـ فاكر لما كنت بتيجي هنا وإنت عيل صغير؟
كنت بتجري في الجنينة
وكأنها بيتك.
ابتسم عاصم ابتسامة خفيفة، لحظة دفء نادرة.
عاصم:
ـ كانت بيتي…
وأنت كنت أبوي.
سكتوا شوية.
زياد فجأة شدّ قبضته.
زياد:
ـ مراد ده…
كسّر كل حاجة لمسها.
أخوّك…
بنتي…
بيتي…
حتى اسمي.
صوته رجف.
زياد:
ـ تعبت والله.
عاصم رفع عينه، نظرة مختلفة… مظلمة.
عاصم:
ـ وأنا مش هسيبه.
زياد بص له بقلق.
زياد:
ـ لا يا عاصم…
خلّيك في حدود القانون.
عاصم أنزل عينه لحظة، ثم رفعها بهدوء مصطنع.
عاصم:
ـ متقلقش.
لكن صوته كان أقسى من الكلمة.
عاصم:
ـ اللي عمله
ما يتنسيش.
زياد حسّ بحاجة، لكنه اختار يتجاهلها.
زياد:
ـ أخوك رائد…
كان طيب.
عمري ما نسيت وشه.
قبضة عاصم اتشدّت، أظافره غرست في كفه.
عاصم (بصوت مخنوق):
ـ ولا أنا.
صمت…
صمت تقيل.
زياد قرب من عاصم، حط إيده على كتفه.
زياد:
ـ أوعدني بحاجة واحدة.
عاصم رفع عينه.
زياد:
ـ متضيّعش نفسك
وأنت بتدور على حقنا.
عاصم هز راسه ببطء.
عاصم:
ـ أنا عارف أنا بعمل إيه.
كلمة بسيطة…
لكن نبرتها ما طمّنتش.
زياد وقف، كأنه حاسس إن الليل جاي بشيء أسود.
زياد:
ـ ربنا يستر.
عاصم وقف هو كمان، قبّل راس زياد بحركة تلقائية.
عاصم:
ـ أنا مش هخليك تدفع التمن لوحدك تاني.
زياد ابتسم، فخور وخايف في نفس الوقت.
عاصم لفّ ناحية الباب…
وقبل ما يخرج، وقف لحظة.
عينيه اتغيرت.
برد.
قسوة.
وعد صامت.
عاصم (في سره):
مش هسيبك للشرطة يا مراد…
ولا للعدالة البطيئة.
إنت ليّ أنا.
فتح الباب وخرج.
زياد فضل واقف لوحده في الصالون…
قلبه تقيل،
وحاسس إن العاصفة لسه ما بدأتش.
*********************
فأوضة ليل / فيلا الزهراوي – ليل متأخر
الغرفة دافئة، إضاءة خافتة.
ليل لابسة بيجاما بسيطة، شعرها مبلول ومفرود على كتفها.
قاعدة على طرف السرير، ركبتها متنية، ماسكة الفون من غير ما تبصله…
سرحانة.
ليل (في سرها):
بابا…خالو أدهم… عمو آدم… عاصم…
كلهم واقفين قدام وحش واحد.
وأنا؟
أنا مش هفضل متفرجة.
تمد إيدها للوسادة، تعصرها بعصبية.
ليل (همس):
ـ مراد…
إنت ما كنتش أب…
كنت قناع.
رنّة موبايل تقطع أفكارها.
الاسم يظهر على الشاشة:
«رؤى 🤍»
ابتسامة صغيرة، رغم كل شيء.
ليل:
ـ الو؟
يجيها صوت رؤى متوتر ومخنوق.
رؤى:
ـ قولي إن الإشاعة دي كدب…
قولي إن مراد الشرقاوي لسه في السجن.
صمت لحظة.
ليل تاخد نفس عميق.
ليل:
ـ لا يا رؤى…
طلع.
صوت شهقة واضحة من الطرف التاني.
رؤى:
ـ لا…
لا… مش معقول.
ليل (بحزن هادي):
ـ للأسف.
سكتوا ثانيتين…
ثقل الاسم لوحده خانق.
رؤى (بصوت واطي):
ـ سليم…
ليل تغمض عينيها.
ليل:
ـ قلبي واجعني عليه.
وعلى ريما.
رؤى:
ـ دول مش أصدقاء…
دول إخواتنا.
ليل تهز راسها وكأن رؤى شايفاها.
ليل:
ـ تخيلي إنك تبقي ابنة حد زي ده.
العار مش ذنبهم…
بس هو لاصق فيهم غصب.
رؤى تسكت لحظة، وبعدين صوتها يتغير… نبرة ماكرة خفيفة.
رؤى:
ـ على فكرة…
ليل ترفع حاجبها.
ليل:
ـ في إيه؟
رؤى (بخبث لطيف):
ـ سمعت إنك كلمتي كامل.
ليل اعتدلت في قعدتها، ابتسامة فخر واضح.
ليل:
ـ آه…
وكمان قولتله كل حاجة.
رؤى:
ـ كل حاجة؟
ليل (بثقة):
ـ من أول سبب هروب ريما
لحد قسوة أبوها
ونظرات الناس
وخوفها.
رؤى تضحك ضحكة خافتة.
رؤى:
ـ إنتي شيطانة ذكية…
تعرفي كده؟
ليل تميل على الوسادة، بفخر واضح.
ليل:
ـ ريما محتاجة راجل واقف في ضهرها.
وكامل ده
مش ملاك
بس مسؤول…
وبيحبها بجد.
رؤى:
ـ يعني متوقعة ييجي مصر؟
ليل (بثقة مطلقة):
ـ أنا متأكدة.
الراجل ده لما يحب
بيحب بعقله وقلبه.
سكتت لحظة، وبعدين بنبرة أكثر جدية:
ليل:
ـ وكمان…
وجوده هيحمي سليم.
مراد ممكن يؤذي أي حد.
رؤى تنهدت.
رؤى:
ـ خطوة ذكية.
قوية.
وعلى مزاجي.
ليل ضحكت.
ليل:
ـ على فكرة…
مش ناوية أسيب الموضوع عند كده.
رؤى:
ـ باين عليكِ.
إنتي من النوع اللي لما يدخل حرب
يدخلها وهو كاسب نصها.
صمت خفيف…
ثم رؤى بصوت أهدى:
رؤى:
ـ خلي بالك من نفسك يا ليل.
ليل صوتها يلين.
ليل:
ـ وإنتي كمان.
الأيام الجاية مش سهلة.
وقبل ما تقفل، رؤى قالت بخفة دم تخبي خوفها:
رؤى:
ـ بس لو كامل وصل مصر…
قوليلي.
عايزة أشوف وش مراد وهو بيكتشف
إن الدنيا مش ملكه.
ليل ابتسمت ابتسامة حادة.
ليل:
ـ قريب.
قفلت المكالمة.
حطت الموبايل جنبها.
قامت وقفت قدام المراية.
نظرت لنفسها بثبات.
ليل (بصوت واطي):
ـ الحرب دي…
مش حرب رجالة بس.
الإضاءة تخفت.
الليل ساكن…
لكن الخطر صاحي.
********************
في فيلا عائلة بيجاد / الصالون – مساء
الصالون فخم، مرتب زيادة عن اللزوم.
نوال قاعدة في صدر المكان، لابسة لبس استقبال، ابتسامة عريضة مصطنعة.
لمى قاعدة جنبها، ساق على ساق، نظرة انتصار في عينيها.
تالين جنب أمها، متأنقة، مكياج مبالغ فيه، بتلف شعرها بإصبعها بثقة مستفزة.
ضحكات خافتة…
باب الفيلا يُفتح.
صوت خطوات رجالية ثابتة.
بيجاد يدخل…
بدلته لسه عليه، ملامحه مرهقة من الشغل.
يرفع عينه…
يتجمّد.
بيجاد (بصدمة واضحة):
ـ خالتي…؟
تالين…؟
لمى قامت بسرعة، بابتسامة واسعة.
لمى (بحماس مصطنع):
ـ حبيبي بيجاد!
لسه كنا بنقول إنت هتتأخر!
تالين تتقدم خطوتين، بصوت ناعم مصطنع.
تالين:
ـ وحشتني.
بيجاد يبصلها نظرة سريعة… باردة…
ثم يرجع بعينيه لأمه.
بيجاد:
ـ إيه اللي بيحصل يا ماما؟
نوال تحاول تمسك نفسها، وتتكلم بنبرة “الأمر الواقع”.
نوال (بابتسامة متوترة):
ـ ما فيش حاجة…
خالتك ولمى جايين يزورونا
وقلنا…
ليه لأ؟
لمى تقاطع بسرعة.
لمى:
ـ قلنا نخلص الموضوع بقى!
إنت عارف، البنات ما ينفعش تستنى.
تالين تضحك بخبث.
تالين:
ـ وماما شايفة إن الوقت مناسب قوي.
بيجاد يفهم في لحظة.
الابتسامة تختفي.
الصوت يهدأ… لكن العين تشد.
بيجاد:
ـ موضوع إيه بالظبط؟
نوال تبلع ريقها.
نوال:
ـ خطوبتك على تالين.
النهارده.
صمت ثقيل.
لمى وتالين منتظرين رد فعل فرح.
بيجاد ثابت… بشكل مخيف.
بيجاد (بهدوء غير مريح):
ـ النهارده؟
لمى (بضحكة خبيثة):
ـ آه!
حاجة بسيطة كده، عائلية.
بيجاد يلف حوالين نفسه بهدوء، يبص في الصالون…
ثم يرجع يقف قدامهم.
بيجاد:
ـ يعني…
قررتوا مستقبلي من غيري؟
نوال تحاول تضحك.
نوال:
ـ يا بيجاد ما تبقاش مكبر الموضوع…
بيجاد يقاطعها، لأول مرة بنبرة حادة.
بيجاد:
ـ لا يا ماما.
كبير.
لمى تتدخل بنبرة دفاع.
لمى:
ـ إنت كده بتكسر بخاطر تالين.
تالين تعمل وش متأثر.
تالين:
ـ لو مش حاببني، قول.
بيجاد يبتسم ابتسامة جانبية… ساخرة.
بيجاد:
ـ لا.
الموضوع مش كده خالص.
يقرب خطوة من أمه، صوته يهدأ فجأة.
بيجاد:
ـ ممكن أطلع فوق دقيقة؟
نوال تتفاجئ.
نوال:
ـ تطلع؟
دلوقتي؟
بيجاد:
ـ آه.
أجيب الأمانة.
كلمة الأمانة تخبط في ودان نوال زي الرصاصة.
وشها يشحب.
نوال (بتوتر واضح):
ـ أمانة إيه؟
مش وقته يا بيجاد.
لمى تبص باستغراب.
لمى:
ـ أمانة؟
إيه الغموض ده؟
بيجاد يبتسم بهدوء قاتل.
بيجاد:
ـ مفاجأة.
تالين تشرق عينيها.
تالين:
ـ بجد؟
مفاجأة ليا؟
بيجاد (بنبرة ثابتة):
ـ ليكي…
ولخالتي.
لمى تضحك بثقة.
لمى:
ـ شوفتي؟
قلتلك قلبه معانا.
نوال تحاول تمسكه بنظرة، تكلمه بنبرة ترجّي.
نوال (واطي):
ـ بيجاد…
لو سمحت…
بيجاد يبص لها نظرة طويلة…
نظرة وجع، وعتاب، وحسم.
بيجاد:
ـ استني تحت.
هرجع حالًا.
يلف ويمشي ناحية السلم.
لمى وتالين يتبادلان نظرة انتصار.
تالين (بهمس):
ـ باين إنه ناوي يعمل حاجة كبيرة.
لمى بابتسامة سامة:
لمى:
ـ أكيد.
وأنا بحب الرجالة اللي يفاجئوا.
*********************
+
فأوضة بيجاد و ربى في فيلا الراوي
ربى قاعدة على السرير،
كتافها منحنية، عيونها حمرا،
دموعها بتنزل بصمت وهي ماسكة طرف الغطا.
الباب يفتح بهدوء.
بيجاد يدخل…
ويقف.
يشوف المشهد،
والقلب يقبضه،
لكن ملامحه تفضل ثابتة.
ربى تحس بوجوده، ترفع وشها بسرعة.
تشهق…
وتمسح دموعها بعجلة، كأنها اتقفشت.
ربى (بصوت مهزوز):
ـ إنت رجعت؟
بيجاد يقرب خطوتين.
بيجاد:
ـ مالك؟
ربى تهز راسها، تحاول تبتسم.
ربى:
ـ مفيش…
بس شوية تعب.
بيجاد عينه تنزل على إيديها المرتعشة.
يفهم كل حاجة من غير ما تسأل.
يقرب أكتر، صوته يهدأ:
بيجاد:
ـ قالتلك إيه؟
ربى تسكت.
ثانيتين…
ثلاثة…
ثم فجأة، بصوت ثابت زيادة عن اللزوم:
ربى:
ـ طلقني.
الكلمة تقع زي حجر.
بيجاد ما يتحركش…
لكن عينه تلمع بغضب مكتوم.
بيجاد (هادئ بشكل مخيف):
ـ نعم؟
ربى ترفع رأسها، تحاول تبقى قوية.
ربى:
ـ أنا…
مش عايزة أكون سبب مشاكل بينك وبين أهلك.
ولا أكون عبء عليك.
بيجاد يقفل فكه.
بيجاد:
ـ مين قالك إنك عبء؟
ربى تنزل عينيها.
ربى:
ـ والدتك.
قالت…
قالت إنك هتكرهني.
وإنك تستاهل واحدة سليمة…
مش واحدة زيي.
صوتها ينكسر في آخر كلمة.
بيجاد فجأة يلف ويمشي ناحية الدولاب.
يفتحه بعنف.
بيجاد (بغضب مكبوت):
ـ قومي.
ربى تنتفض.
ربى:
ـ أقوم؟
بيجاد:
ـ غيري هدومك.
حالًا.
نبرة صوته ما فيهاش نقاش.
حادة.
قاسية.
ربى تتلخبط.
ربى:
ـ ليه؟
إنت… إنت زعلان مني؟
بيجاد يلف لها فجأة، بعينين مشتعلة.
بيجاد:
ـ لا.
زعلان عشانك.
يقرب منها خطوة.
بيجاد:
ـ وأنا قلت غيري هدومك.
ربى تقوم بسرعة، الخوف واضح.
تسند نفسها على الكرسي، تحاول تثبت.
ربى:
ـ حاضر.
تمشي ناحية الخزانة، إيديها بترتعش.
بيجاد يستغل اللحظة.
يفتح درج صغير في دولابه.
يطلع فلاشة سوداء صغيرة.
يبص لها ثانية…
ثم يركبها في موبايله.
الشاشة تنور.
ملفات… تسجيلات… رسائل.
بيجاد يضغط على ملف معين.
شفته تتحرك بهمس غاضب.
بيجاد (بصوت واطي):
ـ سبع سنين خبث.
وسنين أكتر غسيل دماغ.
يقفل الموبايل بقوة.
بيجاد (بينه وبين نفسه):
ـ النهارده…
النضارة هتتكسر.
ربى من وراه، بصوت خافت:
ربى:
ـ بيجاد…
لو عايز تطلقني، قولها صريح.
أنا مش هتمسك.
يلتفت لها فجأة.
بيجاد (بحزم وصدق):
ـ طلاق؟
إنتي مجنونة؟
ربى تتجمد.
بيجاد:
ـ إنتي مراتي.
وما فيش قوة في الدنيا
تخليني أسيبك.
يقرب منها، ينزل قدامها لمستواها.
بيجاد:
ـ اللي هيحصل تحت ده
عشانك.
وعشان كرامتك.
يمد إيده.
بيجاد:
ـ اخلصي.
ربى تحط إيدها في إيده بتردد.
عينيها مليانة خوف… وأمل.
بيجاد يشدها بهدوء.
بيجاد (بنبرة وعد):
ـ محدش هيهينك و يقلل منك تاني.
************************
+
خطوات ثابتة على السلم.
الصوت يسبق الصورة.
لمى وتالين ما زالوا في قمة نشوتهم.
نوال قاعدة على الحافة، توترها واضح.
ثم…
يظهر بيجاد.
نازل السلم بهدوء قاتل،
يده ممسكة بيد ربى.
ربى ترتعش، كتفها مشدود،
لكنها واقفة…
مرفوعة الرأس.
بيجاد؟
على وشه ابتسامة مستفزة، ساخرة، باردة.
ابتسامة واحد داخل معركة وهو مستمتع.
الصالون يتجمد.
تالين تفتح عينيها بصدمة.
تالين (بهمس مصدوم):
ـ مين دي…؟
لمى تقوم فجأة، السعادة تتبخر من ملامحها، تتحول لغضب أسود.
لمى (بعصبية):
ـ بيجاد!
إيه اللي إنت عامله ده؟
نوال تشحب…
وشها يفقد لونه.
تحاول تقوم، رجليها تخونها.
نوال (بصوت مكسور):
ـ بيجاد…
لو سمحت…
بيجاد يوصل لمنتصف الصالون، يقف.
ما يسيبش إيد ربى.
ينقل نظره ببطء بين لمى… وتالين.
بيجاد (بابتسامة جانبية):
ـ بعرفكم على مراتي.
الصمت ينفجر داخليًا.
تالين (بحدة وصدمة):
ـ مراتك؟!
لمى تصرخ:
لمى:
ـ إنت بتستهبل؟!
بيجاد يضغط على يد ربى بهدوء، كأنه يثبتها.
بيجاد:
ـ لا.
أنا متجوز.
ينظر لتالين نظرة احتقار صريح.
بيجاد:
ـ وخليني أريحك من بدري…
لو تالين آخر ست في الكون
ما كنتش اتجوزتها.
تالين تحمر، عينيها تمتلئ حقد.
تالين (بكراهية):
ـ إنت ازاي تقول كده؟
عشان واحدة…
تتوقف، تنظر لربى من فوق لتحت باحتقار.
تالين:
ـ مش قادرة حتى تمشي؟
ربى تنكمش…
لكن بيجاد يتحرك فورًا، خطوة للأمام.
بيجاد (بحدة):
ـ كلمة كمان
وأخليكي تندمي إنك نطقتي.
لمى تلف ناحية نوال، نار الغضب في عينيها.
لمى:
ـ إيه اللي بيحصل ده يا نوال؟
إنتي كنتي عارفة؟!
نوال تحاول تتكلم…
شفايفها ترتعش.
نوال:
ـ أنا…
أنا…
الكلام يعلق.
لمى تصرخ:
لمى:
ـ خيانة!
خدعتيني!
ضيعتي مستقبل بنتي!
بيجاد يضحك ضحكة قصيرة… باردة.
بيجاد:
ـ مستقبل بنتك؟
ولا خزنة العيلة؟
لمى تتجمد.
لمى:
ـ إنت بتتهمني بإيه؟
بيجاد يلف ناحية أمه.
نظرة طويلة… موجعة.
بيجاد:
ـ ماما…
فوقي.
نوال تبص له بعينين مليانين خوف وارتباك.
نوال:
ـ بيجاد، ما تعملش مشاكل…
عشان خاطري.
بيجاد صوته يهدأ فجأة…
لكن الهدوء ده أخطر من الصراخ.
بيجاد:
ـ لأ.
المشاكل اتعملت من زمان.
والنهارده بس
هنشيل الستار.
ينقل نظره إلى لمى، بابتسامة خبيثة.
بيجاد:
ـ خالتي…
تحبي أقول لماما الحقيقة؟
ولا أسيبها لآخر مرة؟
لمى تتراجع خطوة لا إراديًا.
لمى (بعصبية مصطنعة):
ـ إنت بتلعب لعبة خطيرة.
بيجاد يشد ربى أقرب، كأنه يحتمي بها ويحميها.
بيجاد (بحسم):
ـ اللعبة خلصت.
ينظر لأمه مباشرة.
بيجاد:
ـ ماما…
اللي كنتي شايفاه حب
كان سم بطيئ
***********************
+
الهواء ثقيل…
الوجوه متجمدة.
بيجاد يخرج هاتفه ببطء.
يوصله بالفلاشة.
نوال تراقب الحركة بقلب يرتجف.
نوال (بصوت خافت):
ـ بيجاد…
لو سمحت…
بيجاد لا ينظر إليها.
عيناه مثبتتان على لمى.
بيجاد (بهدوء مخيف):
ـ لا يا ماما.
ده الوقت اللي لازم تشوفي فيه الحقيقة
من غير مساحيق.
يضغط زر التشغيل.
الفيديو الأول – صوت لمى فقط
صوت لمى يخرج واضحًا…
شريرًا… حاقدًا.
صوت لمى (من التسجيل):
ـ نوال دي عمري ما حبيتها.
ولا هحبها.
نفسي أطلع قلبها من صدرها بإيدي.
نوال تضع يدها على فمها.
عيناها تتسعان.
صوت لمى:
ـ من زمان وأنا بحاول ألفت نظر منذر…
بس كان دايمًا بيصدني.
فاكر نفسه شريف!
بيجاد يبتسم ابتسامة جانبية…
نظرة انتصار.
صوت لمى:
ـ أنا اللي أستاهله، مش هي.
هي غبية… ساذجة.
نفسي أشوفها في الشارع،
وأنا مكانها.
نوال تهتز…
تكاد تسقط.
صوت لمى:
ـ بيجاد لازم يتجوز تالين.
أخليه خاتم في صباعها.
وبعدها نرمي نوال بره…
وأنا أتجوز منذر.
الصمت ينهار.
لمى تصرخ فجأة.
لمى (بذعر):
ـ اقفله!
اقفله حالًا!
بيجاد يوقف الفيديو…
ويرفع رأسه ببطء.
بيجاد (بشماتة صريحة):
ـ كملي.
كنتي لسه داخلة في الحلو.
نوال تنظر إلى شقيقتها…
نظرة انكسار لا توصف.
نوال (بصوت مبحوح):
ـ لمى…
ده… ده كذب صح؟
لمى تحاول التقدم.
لمى:
ـ نوال اسمعيني، هو لعب في التسجيلات!
بيجاد يقاطعها فورًا.
بيجاد:
ـ تحبي نشغل التاني؟
يضغط زرًا آخر.
الفيديو الثاني – تالين
شقة مظلمة.
موسيقى صاخبة.
تالين ترقص بملابس فاضحة،
ضحك مبتذل،
رجال حولها.
تالين (في الفيديو، بضحكة ساقطة):
ـ سيبك…
أنا بعرف أطلع من الرجالة اللي أنا عايزاها.
تالين الحقيقية تصرخ.
تالين:
ـ اقفله!
لو سمحت اقفله!
لمى تنظر للشاشة…
وجهها يتحول للرماد.
لمى (بصوت مكسور):
ـ تالين…؟
بيجاد يوقف الفيديو.
يلتفت لأمه.
بيجاد (بحزم):
ـ بصي يا ماما.
بصي كويس.
يشير إلى ربى.
بيجاد:
ـ دي مراتي.
شريفة.
نظيفة.
وجعها في رجليها…
مش في أخلاقها.
ثم ينظر لتالين باحتقار مطلق.
بيجاد:
ـ ودي…
كنتِ عايزاني أتجوزها؟
أدخلها بيتي؟
تشيل اسمي؟
تكون أم عيالي ؟؟
تالين تبكي بغضب.
تالين:
ـ إنت قاسي!
بيجاد يضحك ببرود.
بيجاد:
ـ القسوة إن الواحد يبيع نفسه.
مش إنه يفضح الكدب.
يلتفت إلى لمى.
بيجاد:
ـ خالتي…
إنتي ما خسرتيش النهارده.
إنتي اتكشفتِ.
لمى تصرخ بانهيار.
لمى:
ـ نوال، قولي له!
قولي له يوقف!
نوال تنهض ببطء…
كأنها امرأة أخرى.
نوال (بصوت مرتجف لكن حاسم):
ـ لا.
كفاية.
تنظر إلى لمى بمرارة.
نوال:
ـ أنا اللي كنت عامية.
تلتفت إلى بيجاد…
تنظر إلى ربى…
وتنهار بالبكاء.
نوال:
ـ سامحيني…
سامحيني يا بنتي.
ربى تبكي بصمت.
بيجاد يشدها نحوه…
يحميها بجسده.
بيجاد (بحسم نهائي):
ـ من اللحظة دي…
مفيش لمى…
ولا تالين…
في البيت ده.
******************
+
فجأة…
صوت خطوات ثقيلة من الخلف.
الجميع يلتفت.
منذر يقف عند مدخل الصالون.
ملامحه جامدة…
عيناه مظلمتان،
كأنه سمع كل شيء…
وفعلًا، كان قد سمع.
لمى تشحب فجأة.
لمى (بصوت مرتعش):
ـ منذر…
إنت… إنت كنت هنا؟
منذر لا يرد عليها.
يتقدم بخطوات ثابتة…
يمر من جانبها كأنها هواء.
يقف أمام نوال.
نوال ترفع عينيها إليه…
وتنهار تمامًا.
نوال (بانكسار):
ـ سامحني…
أنا كنت غبية.
منذر لا يتكلم.
يفتح ذراعيه ويحتضنها بقوة.
نوال تبكي في صدره…
بكاء امرأة اكتشفت أن أقرب الناس لها كان خنجرًا.
بيجاد ينظر لوالده…
يفهم أن كل شيء كان بعلمه.
لمى تصرخ.
لمى:
ـ لا!
إنتوا متفقين عليّا؟
من إمتى؟
منذر يلتفت إليها ببطء.
نظرة واحدة…
كافية لدفن إنسان.
منذر (ببرود قاسٍ):
ـ من يوم ما حاولتي تكسري بيتي.
ومن يوم ما سجلتِ صوتك بإيدك.
لمى تتراجع خطوة.
لمى:
ـ التسجيلات دي كانت معاك؟!
منذر يهز رأسه بهدوء.
منذر:
ـ من سنين.
كنت مستني اليوم اللي نوال تشوف بعينها.
نوال ترفع رأسها فجأة.
تنظر إلى لمى…
دموعها تتحول لغضب.
نوال (بصرخة مبحوحة):
ـ إنتي!
إنتي عملتي فيّ كده ليه؟!
لمى تضحك ضحكة هستيرية.
لمى:
ـ ليه؟
عشان من وإحنا صغيرين
إنتي دايمًا المفضلة!
تقترب خطوة.
لمى:
ـ إنتي اللي خدتي حب بابا
وطيبة ماما
والكل كان شايفك ملاك.
نوال تهز رأسها غير مصدقة.
لمى:
ـ وأنا؟
أنا كنت دايمًا في ضلك.
نفس العيلة،
بس مش نفس الحظ.
نوال تصرخ.
نوال:
ـ ده مش مبرر!
مش مبرر تدمري حياتي!
لمى ترفع صوتها بحقد دفين.
لمى:
ـ كنت مستنية اليوم اللي أشوفك مكسورة.
زي ما كنت بكسر من جوه.
نوال هنا…
ينطفئ آخر أمل.
تبتعد خطوة…
ثم فجأة تمسك لمى من ملابسها بقوة.
نوال (بغضب لم يُعرف عنها يومًا):
ـ برا.
الجميع يتجمد.
نوال:
ـ برا بيتي.
تالين تصرخ.
تالين:
ـ ماما!
نوال تلتفت إليها بنظرة احتقار خالصة.
نوال:
ـ وإنتي كمان.
برا.
تحاول لمى الإفلات.
لمى:
ـ نوال، فكري!
إحنا دم!
نوال تجرّها بقوة نحو الباب.
نوال:
ـ الدم ما يبررش القذارة!
تفتح باب الفيلا بعنف.
الحراس يلتفتون بذهول.
نوال (بصوت آمر):
ـ ارموا دول برا.
ويا ويلك لو شوفتك تعتبي البيت ده تاني
ولو بعد مليون سنة.
الحراس يتقدمون.
تالين تبكي وتصرخ.
تالين:
ـ خالتي، عشان خاطري
نوال لا تنظر إليها.
نوال:
ـ أنا ما عنديش اخت ربت بنتها كده.
لمى تنفجر بحقد أخير.
لمى:
ـ فاكرة نفسك انتصرتي؟
إنتي هتفضلي ساذجة
والدنيا هتاكلك!
نوال تقترب منها…
عين في عين.
نوال (بهدوء مرعب):
ـ يمكن.
بس مش بإيدك.
تشير للحراس.
نوال:
ـ اقفلوا البوابة.
البوابة تُغلق ببطء…
صوت الحديد كأنه ختم نهائي.
لمى تصرخ من الخارج…
تالين تبكي.
داخل الفيلا…
صمت ثقيل.
نوال تسند ظهرها على الباب…
تنزلق ببطء وتجلس أرضًا.
منذر يقترب…
يمسك يدها.
منذر (بصوت منخفض):
ـ خلصت.
بيجاد ينظر لربى…
يشدها إليه.
ربى تهمس بصوت مكسور:
ربى:
ـ أنا…
أنا تعبت.
بيجاد يقبّل رأسها.
بيجاد:
ـ وأنا هنا.
دايمًا.
*********************
+
في سويسرا / غرفة التعافي – مساء هادئ
الثلج يتساقط خلف الزجاج الكبير.
الضوء خافت.
صوت أجهزة المراقبة منتظم… مطمئن.
رائد مستند على الوسائد، ملامحه ما زالت شاحبة لكن عينيه حاضرتان… عميقتان.
إيلينا تجلس بجواره، تحمل ملفه الطبي لكنها لا تقرأ… تنظر إليه.
لحظة صمت مريحة.
رائد (بابتسامة خفيفة):
ـ غريب…
إيلينا:
ـ ماذا؟
رائد:
ـ إن أول وجه شفته لما فتحت عيني
كان وجهك.
تتوتر قليلًا… ثم تبتسم.
إيلينا:
ـ كنت خائفة…
خفت تفتح عينيك وما تتذكرني.
رائد:
ـ لا أعرفك…
لكن أشعر أني أعرفك.
تنظر إليه مطولًا.
إيلينا (بصوت منخفض):
ـ أحيانًا…
الروح تتذكر قبل العقل.
رائد يضحك بهدوء.
رائد:
ـ طبيبة وتتكلمي عن الأرواح؟
إيلينا:
ـ بعد ثلاث سنوات بجانب شخص لا يرد
تتعلم أشياء لا تُدرّس.
يصمت قليلًا… ثم يسأل بهدوء:
رائد:
ـ كنتِ هنا… طول الوقت؟
تهز رأسها.
إيلينا:
ـ نعم.
لم أتركك إلا ساعات قليلة.
حتى في الإجازات… كنت أرجع.
رائد ينظر إليها بامتنان صادق.
رائد:
ـ لماذا؟
تتردد…
تبتلع ريقها.
إيلينا:
ـ لأنك كنت…
صديقي.
يرفع حاجبه مبتسمًا.
رائد:
ـ فقط صديق؟
تضحك بخجل.
إيلينا:
ـ في البداية…
ثم أصبح الأمر أعقد.
يقترب قليلًا بنظره.
رائد:
ـ أعقد كيف؟
تشيح بوجهها نحو النافذة.
إيلينا:
ـ تحب شخصًا لا تعرف إن كان سيفتح عينيه يومًا.
ولا تعرف إن كان سيحبك…
أو حتى سيتذكرك.
يصمت رائد…
ثم يقول بصدق:
رائد:
ـ أنا لا أتذكر حياتي كاملة.
لكن أشعر…
أن وجودك الآن
أهم من كل ما نسيته.
تلتفت إليه، عيناها تلمعان.
إيلينا:
ـ رائد…
قبل أن تكمل…
يرن هاتفها.
نغمة قصيرة، رسمية.
تنظر إلى الشاشة…
يتغير وجهها فجأة.
رائد:
ـ من؟
تضغط زر الرد، تحاول أن تكون هادئة.
إيلينا:
ـ نعم…
وصلت؟
صمت تستمع.
إيلينا:
ـ ساعتان؟
حسنًا… أنا هنا.
تغلق الهاتف.
رائد يراقبها.
رائد (بفضول):
ـ يبدو اتصالًا مهمًا.
تبتسم ابتسامة غير مكتملة.
إيلينا:
ـ شخص…
من الماضي.
رائد:
ـ ماضيي؟
تهز رأسها بسرعة.
إيلينا:
ـ لا.
ماضٍ آخر…
سيأتي وقته.
يحاول النهوض قليلًا.
رائد:
ـ لا أحب الأسرار.
تضع يدها على كتفه بلطف.
إيلينا:
ـ أعلم.
لكن أحيانًا
الحقيقة تحتاج توقيتًا رحيمًا.
ينظر إلى يدها…
ثم إلى عينيها.
رائد:
ـ أثق بك.
تتنفس بعمق، متأثرة.
إيلينا:
ـ هذا…
أثقل وأجمل شيء سمعته.
لحظة صمت.
خارج الغرفة، الثلج يشتد.
رائد (بهدوء):
ـ هل تخافين مما سيأتي؟
تفكر قليلًا… ثم تجيب:
إيلينا:
ـ أخاف أن يتغير كل شيء.
وأخاف أكثر
أن لا يتغير شيء.
يمد يده ببطء…
تتردد لحظة… ثم تمسكها.
رائد:
ـ أيًا كان القادم…
أريدك هنا.
تبتسم، دمعة تسقط بصمت.
إيلينا:
ـ أنا هنا…
منذ ثلاث سنوات.
**********************
في مكتب الدكتور لوكاس
المكتب أنيق… بارد.
إضاءة بيضاء قاسية.
لوكاس يجلس خلف مكتبه، وجهه مشوّه بالكدمات، شريط طبي على أنفه، شفته متورمة.
يحدّق في المرآة الصغيرة أمامه بكره.
يرمي المرآة فجأة على المكتب.
لوكاس (بصوت غاضب):
ـ همجي…
ثلاث سنوات نايم، يصحى ويبدأ يضرب الناس!
يُفتح الباب.
يدخل صديقه المقرب
شاب أشقر، عيناه باردتان، ابتسامة ساخرة دائمة.
اسمه ماتيو.
ماتيو (ساخرًا):
ـ ما شاء الله…
الطبيب لوكاس تحوّل لوحة تجريدية.
يلتفت لوكاس نحوه بغضب.
لوكاس:
ـ لا تضحك.
ماتيو:
ـ صعب.
وجهك يقول: حاولت تكون بطل… وانضربت.
يضرب لوكاس المكتب بقبضته.
لوكاس:
ـ ذلك القذر…
ذلك العربي!
يتوقف قليلًا، ثم يكمل بحقد:
ـ مصري…
مسلم…
جاي من الصحراء ويظن نفسه رجلًا!
ماتيو يجلس على الكرسي المقابل، يمدد ساقيه.
ماتيو:
ـ أوه، بدأنا بخطاب الكراهية…
هذا يعني أنك مهزوم فعلًا.
لوكاس (يضحك بمرارة):
ـ هل رأيت كيف نظرت له إيلينا؟
ماتيو:
ـ نعم.
كما تنظر دائمًا لأي رجل
ليس أنت.
يصمت لوكاس لحظة…
عينيه تشتعلان.
لوكاس:
ـ ثلاث سنوات وأنا هنا.
ثلاث سنوات!
وأنا أحاول…
وهو يستيقظ من غيبوبة
فتذوب له!
ماتيو:
ـ ربما لأنها تفضل الرجل الذي لا يتحرش بها
في غرفة مريض؟
يتجمد لوكاس.
لوكاس (بتهديد):
ـ انتبه لكلامك.
ماتيو (ببرود):
ـ أنا صديقك.
يعني مسموح لي أقول الحقيقة.
ينهض لوكاس، يدور في المكتب كوحش محبوس.
لوكاس:
ـ لن أتركه.
لن أتركه يأخذها مني.
ماتيو:
ـ يأخذها؟
متى كانت لك أصلًا؟
يتوقف لوكاس فجأة.
لوكاس:
ـ سأدمّره.
ماتيو (يرفع حاجبًا):
ـ كيف؟
بمحاضرة عن التفوق العرقي؟
أم بمحاولة أخرى تنتهي بك في الطوارئ؟
لوكاس يبتسم ابتسامة باردة.
لوكاس:
ـ هو مريض.
سجله الطبي بين يدي.
ماتيو يميل للأمام باهتمام.
ماتيو:
ـ آه…
ها قد بدأنا نسمع شيئًا ذكيًا.
لوكاس:
ـ غيبوبة ثلاث سنوات…
ذاكرة غير مستقرة…
انفعالات حادة.
يخفض صوته.
ـ ضغطة صغيرة…
تقرير واحد…
وسينقل إلى جناح مغلق.
ماتيو:
ـ وتظن أن إيلينا ستسامحك؟
يضحك لوكاس بسخرية.
لوكاس:
ـ هي ساذجة.
تتعاطف مع كل حالة ميؤوس منها.
يصمت ماتيو لحظة… ثم يقول بنبرة لاذعة:
ماتيو:
ـ غريب…
من الجامعة وأنت تقول نفس الكلام.
“هذه المرة ستقع في حبي”
“هذه خطتي الأخيرة”
ولا شيء يحدث.
يقف ويضع يده على كتف لوكاس.
ماتيو:
ـ ربما المشكلة ليست في العرب…
ولا في المسلمين…
ولا في المرضى.
ينظر في عينيه مباشرة.
ماتيو:
ـ ربما المشكلة أنك…
مقرف.
يدفعه لوكاس بعنف.
لوكاس (صارخًا):
ـ اخرس!
يتنفس بعنف.
ثم يقول ببرود قاتل:
لوكاس:
ـ ذلك الغريب…
لن يبقى طويلًا هنا.
ماتيو يلتقط معطفه، يتجه نحو الباب.
ماتيو (بابتسامة ساخرة أخيرة):
ـ فقط لا تنسَ…
آخر مرة توعدت شخصًا
خرجت من المستشفى بوجه جديد.
يخرج.
لوكاس يبقى وحده.
ينظر إلى صور الأشعة على مكتبه…
ثم إلى اسمه مكتوبًا على الباب.
لوكاس (بهمس مليء بالحقد):
ـ مرحبًا بك في سويسرا…
أيها البدائي.
*********************
+
في مصر في فيلا الزهراوي
كتب الجامعة مفتوحة، لابتوب، أقلام ملوّنة.
ليل جالسة على السرير، شعرها مرفوع بعشوائية، مركّزة… تحاول تدرس.
ليل (تتمتم):
ـ لو عدّى اليوم ده من غير مصيبة أبقى…
صوت فتح باب فجأة.
ليل (تصرخ):
ـ يا نهار أبيض!!
تلف بسرعة.
عاصم واقف عند الباب، ذراعيه معقودتين، نظرة باردة مستمتعة.
عاصم:
ـ مساء الخير.
ليل (تضع يدها على قلبها):
ـ إنت مجنون؟!
إزاي تدخل كده؟!
عاصم (ببرود):
ـ أدخل طبيعي.
ليل (غاضبة):
ـ دي أوضتي!
مش فندق!
ومش بيت ابوك
يتقدم خطوة.
عاصم:
ـ فيلا عيلة مراتي.
تحدّق فيه.
ليل:
ـ نعم؟!
عاصم (بابتسامة مستفزة):
ـ زوجتي…
انتي.
ترمي القلم.
ليل:
ـ بقى كده؟
داخل خارج على مزاجك؟
عاصم:
ـ استأذنت.
ليل (تضحك بسخرية):
ـ استأذنت مين؟
الحيطة؟
عاصم:
ـ حمايا العزيز.
تشهق.
ليل:
ـ بابا؟!
عاصم:
ـ زياد باشا بنفسه.
قال لي: اعتبر نفسك في بيتك.
تنهض بعصبية.
ليل:
ـ ده مؤقت!
فاهم؟
مؤقت!
عاصم (يرفع حاجبًا):
ـ مؤقت إيه؟
ليل:
ـ جوازنا ده.
أول ما قصة مراد تخلص…
أنا هتطلق.
يصمت لحظة…
ثم يبتسم بهدوء مستفز.
عاصم:
ـ استني.
ليل:
ـ بستنى اليوم اللي أتنفس فيه بعيد عنك.
يقترب أكثر.
عاصم:
ـ هتفضلي تستني.
ليل:
ـ قد إيه؟
عاصم (بثقة):
ـ طول عمرك.
تضحك بسخرية.
ليل:
ـ لا يا شيخ؟
عاصم:
ـ آه.
تقاطعه بعصبية:
ليل:
ـ إنت فاكر نفسك مين؟
أنا مش ملكك!
يتغير صوته…
ليس غضبًا… بل جدية قاتلة.
عاصم:
ـ لا.
تتجمد.
عاصم:
ـ إنت مش ملكي.
إنت…
لي.
تبتلع ريقها.
ليل:
ـ عاصم…
يقترب خطوة أخيرة، صوته منخفض لكن حاسم:
عاصم:
ـ اسمعي كويس.
أنا مش همشي.
ولا هسيبك.
تحاول الرد… لكنه يكمل:
عاصم:
ـ الموت بس
هو اللي يفرقنا.
تتسع عيناها.
ليل:
ـ إنت…
إنت بتهددني؟!
عاصم (بهدوء مرعب):
ـ لأ.
بوعدك.
يصمت المكان.
ثم يلتفت متجهًا للباب.
قبل أن يخرج، يقول دون أن ينظر لها:
عاصم:
ـ كملي مذاكرتك.
محتاجينك قوية.
يفتح الباب.
ليل (بصوت مخنوق):
ـ عاصم!
يتوقف لحظة…
ثم يخرج دون رد.
الباب يُغلق.
ليل تقف مكانها، قلبها يخفق، غاضبة… مرتبكة… متأثرة رغمًا عنها.
ليل (تهمس لنفسها):
ـ إيه البني ادم ده؟
مستفز…
مجنون…
و… خطير.
تجلس ببطء، تنظر للكتاب…
لكن لا ترى الكلمات.
*******************
+
يُغلق عاصم باب غرفة ليل خلفه بهدوء.
يمشي خطوتين…
ثم يتوقف فجأة.
أمامَه حور.
تقف تحمل طبق فواكه، ابتسامتها هادئة، عيناها مليئتان بالحنان.
يرتجف شيء في صدره.
عاصم (بصوت منخفض):
ـ خالتي… حور.
تحاول أن تبتسم أكثر.
حور:
ـ كنت داخلة أدي لليل فاكهة.
واضح إني جيت في وقت… حساس.
ينظر للأرض.
لا يستطيع رفع عينيه.
عاصم:
ـ أنا…
آسف.
تتفاجأ قليلًا، لكنها لا تُظهر ذلك.
حور (بلطف):
ـ آسف على إيه يا عاصم؟
يصمت.
ثم يتنفس بعمق.
عاصم:
ـ على سبع شهور…
خليتك تبكي كل يوم.
على إنّي خدت بنتك من حضنك.
على إني خليت زياد يشوفني عدو.
تدمع عيناها… لكنها تبتسم.
حور:
ـ وأنا أم.
والأم…
تزعل، آه.
تتوجع، آه.
بس ما تقدرش تكره ابنها.
يرفع رأسه ببطء…
يلتقي بعينيها لأول مرة منذ سنوات.
عاصم (مكسور):
ـ إنتِ سامحتيني؟
تمد يدها، تلمس كتفه بحنان.
حور:
ـ سامحتك من زمان.
من أول ليلة شوفت فيها ليل راجعة…
بخير.
تغصّ الكلمات في حلقه.
عاصم:
ـ أنا عمري ما نسيت إنك كنتِ…
أمي التانية.
ولا نسيت ماما مريم لما كانت تقعدوا بالساعات تضحكوا سوا.
تبتسم بحنين.
حور:
ـ الله يرحمها.
كانت ست طيبة…
وربّت رجالة.
يبتسم بخفة لأول مرة.
عاصم:
ـ لو كانت عايشة…
كانت ضربتني بالشلوت على اللي عملته.
تضحك حور بخفة، تمسح دمعة.
حور:
ـ يمكن.
بس كانت حضنتك بعدها.
يصمت لحظة.
ثم تتغير نبرتها قليلًا.
حور:
ـ عايزة منك طلب.
يعتدل فورًا.
عاصم:
ـ أي حاجة.
حور:
ـ ودّيني أشوف ربى.
وحشتني قوي.
تشرق عيناه.
عاصم:
ـ ربى هتفرح أوي.
هعتبرها وصية.
تتردد قليلًا… ثم تقول بهدوء موجع:
حور:
ـ وكمان…
عايزاك تاخدني قبر رائد.
يتجمد جسده لحظة.
عيناه تهربان منها.
عاصم (بصوت مخنوق):
ـ حاضر.
حور:
ـ نفسي أدعيله.
وحشني.
كان زي ابني.
يقبض يده دون أن تشعر.
عاصم:
ـ رائد…
كان ملاك.
تنظر له بتمعن.
حور:
ـ خلي بالك من نفسك يا عاصم.
إنت تعبت أوي.
يهز رأسه.
عاصم:
ـ طول ما إنتِ راضية…
أنا بخير.
تربت على كتفه بحنان أمومي.
حور:
ـ ربنا يهدي القلوب.
ويسترها.
تتحرك نحو غرفة ليل.
وقبل أن تبتعد، تلتفت:
حور:
ـ على فكرة…
ليل محتاجة صبرك.
زي ما إنت محتاجها.
يبتسم بخفة… مزيج ألم ورضا.
عاصم:
ـ عارف.
تمضي.
يبقى واقفًا وحده في الممر…
يغمض عينيه لحظة.
عاصم (يهمس):
ـ سامحتيني يا خالتي…
بس أنا لسه مسامحتش نفسي.
**********************
في مقر المخابرات / ليلًا
غرفة واسعة، إضاءة خافتة.
شاشات ضخمة ممتدة على الحائط.
آدم يجلس أمام الطاولة، وجهه متجهم.
بجواره جواد، واقف، يراجع ملفًا إلكترونيًا.
وفي الطرف الآخر أدهم، ذراعاه مكتوفتان، عيونه مليئة بالغضب المكبوت.
الصمت ثقيل.
جواد (بصوت منخفض لكن متوتر):
ـ التأكيد وصل من ثلاث مصادر.
مراد الشرقاوي خرج…
ومش لوحده.
يرفع آدم رأسه ببطء.
آدم:
ـ مين؟
يضغط جواد زرًا.
تظهر صورة لرجل أوروبي أنيق، نظراته باردة.
جواد:
ـ الاسم الظاهر في الملفات:
" ألِساندرو فيرّيتّي" رجل أعمال إيطالي.
بس الاسم الحقيقي…
غير مسجل.
أدهم يضحك بمرارة.
أدهم:
ـ يعني مافيا.
آدم:
ـ مش أي مافيا.
يقف، يتقدم نحو الشاشة.
آدم (بحدة):
ـ دي الشبكة اللي خلت الإنتربول يبلّغنا من سنتين.
اللي مراد قتل بسببها رائد…
وخرب نص البلد.
يصمت الجميع لحظة.
جواد (بصوت أخفض):
ـ وفي حاجة أخطر.
ينظران له.
جواد:
ـ مراد ما خرجش علشان يهرب.
خرج علشان…
ينهي حسابات.
يضرب أدهم الطاولة بقبضته.
أدهم:
ـ زياد.
ليل.
عاصم.
آدم يغلق عينيه لحظة.
آدم:
ـ كلهم.
تُفتح شاشة جانبية فجأة دون أن يلمسها أحد.
يظهر بث مباشر…
كاميرا مراقبة.
مراد داخل سيارته السوداء.
يبتسم… ابتسامة مجنونة.
يمسك هاتفه.
الصوت يخرج واضحًا في الغرفة.
مراد (من التسجيل، بصوت هادئ مرعب):
ـ اللعبة بدأت.
واللي فاكر نفسه آمن…
غلطان.
يقترب من الكاميرا.
مراد:
ـ الدور جاي…
واحد واحد.
ينقطع البث.
صمت قاتل.
جواد (بصوت مرتجف):
ـ التسجيل ده اتبعت من خمس دقايق…
لكل الأجهزة الأمنية.
أدهم يهمس:
أدهم:
ـ يعني أعلن حرب.
آدم يفتح درج الطاولة، يُخرج سلاحه.
آدم (بحزم قاتل):
ـ لأ.
ده وقّع حكم إعدامه بنفسه.
ينظر إليهما.
آدم:
ـ من اللحظة دي…
مراد الشرقاوي
هدف حي أو ميت.
***********************
+
الصمت لا يزال خانقًا.
جواد يمرر يده على شعره بعصبية.
جواد:
ـ يعني… حرب مفتوحة.
ومراد بقى بره.
والموضوع خرج من السيطرة.
آدم لم يرد.
كان ينظر إلى شاشة جانبية أخرى… لم تكن مضاءة بعد.
أدهم (بشك):
ـ إنت مش قلقان زيادة عن اللزوم يا آدم؟
ولا في حاجة إحنا مش شايفينها؟
آدم يضغط زرًا آخر.
تظهر صورة ثابتة من كاميرا مطار.
رجل يرتدي قبعة ونظارة شمسية…
رامي.
جواد (منصدم):
ـ رامي؟
هو… مسافر؟
أدهم يحدّق في الشاشة.
أدهم:
ـ سويسرا؟
إيه اللي يوديه هناك دلوقتي؟
آدم يتنفس بعمق…
زفرة غضب صامتة.
آدم:
ـ علشان كده
كان لازم يتراقب.
يلتفتا إليه في نفس اللحظة.
جواد (باستغراب):
ـ إنت…
لسه مراقب رامي؟
بعد العقاب اللي أخده؟
آدم يبتسم ابتسامة جانبية باردة.
آدم:
ـ أنا مش غبي.
رامي ذكي…
وذكي زيادة عن اللزوم.
أدهم يهز رأسه ببطء.
أدهم:
ـ بس إنت قلت تفهمت تصرفه وقت خطف ليل.
آدم:
ـ تفهمت…
مش وثقت.
يصمت لحظة ثم يضيف بغيظ مكبوت:
آدم:
ـ الراجل ده
قدر يحرق أدلة مخابرات
ويهرّب بنت
ويكذب على جهاز كامل
وأنا أسيبه من غير عين عليه؟
جواد يبتسم بسخرية خفيفة.
جواد:
ـ مع إن…
زين ابنك
عنده ٢١ سنة
وأعقل منه بكتير.
آدم يزفر بحدة.
آدم:
ـ متفكرنيش.
ابني بيذاكر…
ورامي بيخطط.
ثم بنبرة أخطر:
آدم:
ـ وأنا متأكد
إنه بيخطط لحاجة في سويسرا.
أدهم:
ـ مراد ممكن يكون مستهدفه.
آدم:
ـ وده سبب تالت يخليه يتراقب.
رامي طول عمره
يمشي ناحية النار
وما يستحملش يقف متفرج.
فجأة…
يرن هاتف آدم.
ينظر للشاشة.
اسم واحد:
"العميل – ألفا"
يرد فورًا.
آدم:
ـ اتفضل.
صوت شاب متوتر قليلاً يأتي من الهاتف.
العميل:
ـ أفندم…
أنا دلوقتي مع الهدف.
آدم:
ـ فين؟
العميل:
ـ مطار زيورخ.
رامي نزل من الطيارة
ومعاه شنطة صغيرة…
واضح مستعجل.
جواد يميل للأمام.
جواد:
ـ سألته؟
آدم يشير له أن يصمت.
آدم (للعميل):
ـ تواصلت معاه؟
العميل (بتردد):
ـ آه…
اتصلت بيه من رقم مجهول.
آدم:
ـ قالك إيه؟
العميل (يحاول يقلد صوت رامي):
ـ قلتله:
“مساء الخير، حضرتك الرائد رامي؟”
قالي:
“لو إعلان اقفل.”
قلتله:
“من جهاز سيادي.”
قالي:
“سيادي إيه؟ أنا في إجازة!”
وبعدها قفل في وشي.
لحظة صمت.
ثم…
جواد ينفجر ضاحكًا رغماً عنه.
جواد:
ـ والله دمه خفيف حتى وهو بيخالف التعليمات.
آدم لا يضحك.
يمسك جبهته بإرهاق.
آدم:
ـ طفل.
٢٧ سنة
وعقله أقل من زين.
ثم بنبرة حاسمة:
آدم:
ـ خلي عينك عليه.
ما يقربش من أي منشأة طبية
ولا أي أسماء عربية.
وأول ما يعمل حركة غلط
بلغني فورًا.
العميل:
ـ مفهوم يا فندم.
ينهي الاتصال.
أدهم ينظر لآدم بقلق حقيقي.
أدهم:
ـ إحساسك إيه؟
آدم يرفع عينيه…
نظرة ثقيلة.
آدم:
ـ إحساسي إن
رامي فتح باب
كان لازم يفضل مقفول.
جواد:
ـ باب إيه؟
آدم ينظر مرة أخرى لصورة رامي على الشاشة…
ويهمس:
آدم:
ـ باب…
كان المفروض
يُدفن من ٣ سنين.
+
*☆يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع☆☆*
+
