اخر الروايات

رواية في قبضة العاصم الفصل الخامس والعشرين 25 بقلم سيليا البحيري

رواية في قبضة العاصم الفصل الخامس والعشرين 25 بقلم سيليا البحيري



                                              
في  مقر المافيا (مكان فاخر جدًا – أوروبا)
قاعة واسعة تغرق في الفخامة الباردة.
رخام أسود، جدران عالية، إضاءة خافتة محسوبة بدقة.
لوحات إيطالية قديمة… لا شيء هنا يوحي بالفوضى، كل شيء يوحي بالسيطرة.
في صدر القاعة،
يجلس أليساندرو فيريتي.
رجل في أواخر الخمسينات، شعره الرمادي مصفف بعناية، ملامحه هادئة حدّ الرعب.
بين أصابعه سيجار لم يُشعل بعد.
إلى يمينه يقف شريكه الأقرب:
ماركو دي لوتشيانو
رجل إيطالي صامت، عيناه حادتان كالسكاكين، لا يتكلم إلا عند الضرورة.
حولهم، رجال المافيا…
صامتون.
لا أحد يجرؤ على الحركة.
في المنتصف…
مراد
واقف، صدره مرفوع بغرور أعمى، عيناه تلمعان بالجنون.
يصمت أليساندرو طويلاً…
طويلاً جدًا.
ثم يتكلم بهدوء قاتل:
أليساندرو:
– هل تعرف ما أكثر شيء أكرهه يا مراد؟
مراد يبتسم بسخرية.
مراد:
– الخيانة؟
أليساندرو يبتسم ابتسامة صغيرة… خطيرة.
أليساندرو:
– لا.
الأغبياء الذين يعتقدون أن العالم يدور حول حقدهم.
يميل للأمام ببطء.
أليساندرو:
– ثلاث سنوات.
ثلاث سنوات وأنا أنظف آثار قذارتك.
جثة هنا، اعتراف هناك، خطف فتاة، غسيل أدمغة…
وكل مرة أقول: مراد سيتعلم.
يصمت لحظة، ثم ينفجر فجأة:
أليساندرو (بحدة):
– لكنه لم يتعلم!
يضرب بيده على الطاولة.
الصوت يرتد في القاعة.
الرجال يتصلبون.
ماركو (ببرود):
– الـFBI فتح ملف.
والإنتربول راجع تحركاتنا.
كل هذا بسبب… مشاعرك.
مراد يضحك ضحكة قصيرة مجنونة.
مراد:
– لا تبالغوا.
رجل واحد… اسمه زياد.
سأُنهيه، وتنتهي المشكلة.
أليساندرو يحدق فيه…
نظرة طويلة، فارغة من أي تعاطف.
أليساندرو:
– أنت لا تفهم، أليس كذلك؟
ينهض ببطء من كرسيه.
كل خطوة محسوبة.
أليساندرو:
– أنا لا أقتل للانتقام.
لا أؤذي نساء.
لا ألمس أطفال.
أنا أعمل.
أُنجز.
أربح.
يقف أمام مراد مباشرة.
أليساندرو:
– وأنت؟
أنت طفل مختل…
تحب رؤية العالم يحترق فقط لأنك تحترق من الداخل.
مراد يضيق عينيه.
مراد:
– لا تنسَ نفسك، أليساندرو.
أنا من عرّفك على نصف هذه الطرق.
ماركو (ساخرًا):
– وعلّمتنا كيف نُلفت الأنظار مثل الهواة.
ضحكة خفيفة تنتشر بين الرجال…
تختفي فورًا عندما يرفع أليساندرو يده.
أليساندرو (بصوت منخفض مرعب):
– أخرجتك من السجن.
ليس لأنك مهم.
بل لأنني لا أحب أن أترك أوراقًا خلفي.
ثم يقترب أكثر…
حتى يكاد يهمس في أذن مراد:
أليساندرو:
– وهذه آخر مرة.
مراد يرفع رأسه بتحدٍ.
مراد:
– لن أتوقف.
زياد دمرني…
وسأدفنه حيًا.
سواء أعجبك أم لا.
القاعة تتجمد.
أليساندرو يتراجع خطوة…
ثم يبتسم.
ابتسامة جعلت ماركو يشد قبضته.
أليساندرو:
– إذًا اسمعني جيدًا، يا مراد.
يلتفت للرجال.
أليساندرو:
– من اليوم…
أي حركة منك دون إذني
تجعلني أعتبرك عائقًا.
يعود بنظره لمراد.
أليساندرو (ببرود قاتل):
– وأنا لا أتردد في إزالة العوائق.
حتى لو كانت… قديمة.
مراد يضحك، لكن ضحكته هذه المرة مهزوزة.
مراد:
– تهددني؟
أليساندرو ينفث نفسًا هادئًا.
أليساندرو:
– لا.
أنا أشرح لك المستقبل.
يصمت لحظة ثم يضيف:
أليساندرو:
– آخر تحذير.
ابتعد عن زياد.
ابتعد عن العائلة.
أو سأكون أنا…
أسوأ كوابيسك.
مراد ينظر حوله…
لا أحد في صفه.
يشد فكه، ثم ينحني انحناءة خفيفة… زائفة.
مراد:
– سنرى.
أليساندرو لا يرد.
يجلس ببطء.
يشعل سيجاره أخيرًا.
ماركو (وهو ينظر لمراد):
– بعض الناس لا يفهمون إلا متأخرًا.
مراد يستدير مغادرًا…
وعيناه تشتعلان جنونًا.
********************
 – سويسرا / مستشفى خاص – غرفة رائد
الضوء الأبيض يتسلل بهدوء من النافذة الكبيرة.
ثلوج خفيفة تتساقط في الخارج… صامتة، باردة.
رائد مستلقٍ على السرير.
ملامحه شاحبة لكن عينيه يقظتان.
ينظر إلى السقف… وكأن عقله يدور في فراغ.
رائد (تفكير داخلي):
من كنت؟
لماذا أشعر أنني عشت كثيرًا… أكثر مما أتذكر؟
أشعر بقلب يعرف طريقه… لكن عقلي تائه.
يقبض يده ببطء.
هناك شيء بداخلي يرفض أن يكون ضعيفًا… حتى وأنا لا أعرف اسمي.
فجأة…
الباب يُفتح بعنف.
يرتد الصدى في الغرفة.
رائد يلتفت.
لوكاس يدخل.
وجهه مشوه بكدمات زرقاء، أنفه مكسور جزئيًا، شق واضح قرب عينه.
ملامحه مشدودة بحقد خالص.
يغلق الباب خلفه بقوة.
لوكاس (ساخرًا بمرارة):
– جميل…
ما زلت تتنفس.
رائد يحدق فيه بهدوء.
رائد:
– هل… أعرفك؟
ضحكة قصيرة مجنونة تخرج من لوكاس.
لوكاس:
– لا تتذكر؟
طبعًا لا.
العرب لا يتذكرون إلا الجِمال والخيام، أليس كذلك؟
رائد يعقد حاجبيه… لكنه لا ينكسر.
رائد:
– إن كنت تبحث عن الاحترام، فأنت في الغرفة الخطأ.
لوكاس يقترب خطوة.
لوكاس:
– اسمعني جيدًا يا… أيًا كان اسمك.
أنت هنا لأن هذا البلد متحضر.
ليس لأنك تستحق.
يشير إلى وجهه المشوه.
لوكاس:
– هل تعرف ماذا فعلت بي؟
ضربتني…
أنا طبيب.
وأنت؟
لاجئ عربي مسلم… بدوي ضائع.
رائد يأخذ نفسًا عميقًا.
شيء ما يستيقظ داخله… شيء قديم.
رائد (بهدوء مخيف):
– غريب…
لوكاس يتوقف.
رائد:
– لا أعرف من أكون.
لا أعرف ماذا فعلت في حياتي.
لكنني أعرف شيئًا واحدًا.
يرفع نظره بثبات.
رائد:
– الرجل الذي يحاول لمس امرأة بالقوة…
أدنى من أن يكون طبيبًا.
لوكاس تتشنج ملامحه.
لوكاس (صارخًا):
– اخرس!
يتقدم أكثر.
لوكاس:
– أنت لا تفهم مكانك هنا.
أنتم جئتم من صحارى القتل والجهل،
وتريدون أن تعلّمونا الأخلاق؟
رائد يبتسم…
ابتسامة صغيرة، واثقة.
رائد:
– أنا مسلم.
وعربي.
ولو فقدت ذاكرتي ألف مرة…
لن أفقد كرامتي.
لوكاس يضحك باحتقار.
لوكاس:
– كرامة؟
دينكم يعلمكم العنف، أليس كذلك؟
عيون رائد تلمع.
رائد (بصوت ثابت):
– ديني علّمني أن الله يرى.
وأن الظلم لا يحتاج ذاكرة…
يحتاج قلبًا حيًا.
يسند نفسه قليلًا، رغم ضعفه.
رائد:
– وأشكر الله…
أنني لست رجلًا يختبئ خلف معطف أبيض
ليبرر قذارته.
لوكاس يفقد السيطرة.
لوكاس (مجنونًا):
– أنت لا شيء!
يرفع يده ليضربه.
في تلك اللحظة…
رائد (بحدة مفاجئة):
– جرّب.
الصوت وحده…
يُجمد لوكاس في مكانه.
نظرة رائد ليست نظرة مريض.
بل نظرة رجل يعرف نفسه… حتى بدون ذاكرة.
رائد:
– قبل يومين ضربتك دون أن أعرف من أنا.
تخيل…
ماذا أفعل عندما أتذكر.
لوكاس يتراجع خطوة، أنفاسه متسارعة.
لوكاس (هامسًا بحقد):
– سأدمرك.
سأجعلك تندم على وجودك هنا.
رائد (بهدوء قاطع):
– الرجال مثلك…
لا يدمرون إلا أنفسهم.
صوت خطوات في الممر.
لوكاس يلتفت بغيظ، ثم يقترب من أذن رائد:
لوكاس:
– هذه ليست النهاية.
يفتح الباب بعنف ويخرج.
الباب يُغلق.
الصمت يعود.
رائد يغمض عينيه…
ويضع يده على صدره.
رائد (تفكير داخلي):
لا أعرف اسمي…
لكنني أعرف أنني لم أخلق لأُهان.
********************

+


          

                
لوكاس لم يخرج.
أغلق الباب من الداخل بهدوء مصطنع… أخطر من الصراخ.
التفت إلى رائد بابتسامة جانبية خبيثة.
لوكاس:
– لا تنخدع بنفسك.
أنت لست في بيتك…
أنت مريض.
ضعيف.
ومربوط بأجهزة.
يشير بيده حول الغرفة.
لوكاس:
– وأنا؟
أنا الطبيب.
كلمة واحدة مني في ملفك…
تأخير دواء، “خطأ بسيط”، جرعة زائدة لا يلاحظها أحد.
ينحني قليلًا نحوه.
لوكاس (بهمس سام):
– هل تعرف كم مريضًا ماتوا في المستشفيات “بالصدفة”؟
رائد يبتلع ريقه…
لكن عينيه لا تنخفضان.
رائد:
– تهديدك…
أثبت لي شيئًا واحدًا.
لوكاس يرفع حاجبه.
رائد:
– أنك جبان.
لو كنت قويًا… لما احتجت معطفًا أبيض لتخيف رجلًا على سرير.
ضحكة قصيرة خرجت من لوكاس.
لوكاس:
– لا يهمني رأيك.
أمثالك يختفون…
ولا يسأل عنهم أحد.
وفي اللحظة التي مدّ فيها يده لزر استدعاء التمريض…
صوت رجولي قوي من الخلف، هادئ لكنه حاد كالسيف:
رامي:
– إرفع إيدك.
لوكاس يتجمد.
يلتفت ببطء.
رامي يقف عند الباب.
ملابس سوداء أنيقة، نظرة ثابتة لا تحمل أي انفعال.
عينان تعرفان أكثر مما تقولان.
لوكاس (باستخفاف):
– ومن أنت؟
حارس جديد؟
أحد أقرباء هذا… البدوي؟
رائد ينظر لرامي بدهشة.
لا يعرفه…
لكن يشعر بشيء غريب… أمان غير مبرر.
رامي يغلق الباب خلفه بهدوء…
ثم يتقدم خطوة.
رامي:
– أنا الرجل الذي…
لو كتبت اسمك الآن في هاتفي،
سيختفي لقب “دكتور” من حياتك خلال أسبوع.
لوكاس يضحك ساخرًا.
لوكاس:
– تهديدات؟
في سويسرا؟
هل تعرف أين أنت؟
رامي يبتسم…
ابتسامة قصيرة بلا روح.
رامي:
– أعرف بالضبط أين أنت.
وأعرف كم شكوى تحرش أُغلقت باسمك.
وأعرف أن أنفك لم يُكسر بسبب “سقوط عرضي”.
تختفي السخرية من وجه لوكاس.
لوكاس:
– أنت تكذب.
رامي يخرج هاتفه، دون أن يفتحه.
رامي:
– حاول فقط.
لمسة واحدة أخرى له…
وسأجعل هذا المستشفى كله يتبرأ منك.
يتقدم أكثر… حتى أصبح بينه وبين لوكاس أقل من نصف متر.
رامي (بصوت منخفض مرعب):
– وستقضي بقية حياتك تشرح للناس
كيف خسر طبيب سويسري مستقبله
بسبب مريض “لا أحد يعرفه”.
لوكاس يبلع ريقه.
لوكاس (بتحدٍ مهتز):
– ومن يضمن كلامك؟
رامي ينظر إليه نظرة احتقار خالصة.
رامي:
– أنا.
صمت ثقيل.
لوكاس يضحك ضحكة عصبية.
لوكاس:
– رائع…
بدوي آخر جاء لينقذ صديقه.
رامي لم يرد.
اكتفى بنظرة واحدة…
نظرة جعلت لوكاس يشيح بوجهه.
رامي:
– أخرج.
لوكاس يتردد.
رامي (بحدة مفاجئة):
– الآن.
لوكاس يفتح الباب بعنف ويخرج،
قبل أن يلتفت أخيرًا ويقول:
لوكاس:
– هذا لن ينتهي هنا.
يغلق الباب.
الصمت.
رائد ينظر إلى رامي…
طويلاً.
رائد:
– من أنت؟
رامي يلتفت إليه.
نظرته تلين لأول مرة.
يتقدم خطوة…
يقف قرب السرير.
رامي (بصوت هادئ جدًا):
– شخص…
مدين لك بحياته.
رائد يعقد حاجبيه.
رائد:
– هل نعرف بعضنا؟
رامي يصمت ثانية…
وكأن السؤال طعنه.
ثم قال بابتسامة خفيفة ممزوجة بشيء يشبه الشوق:
رامي:
– أكثر مما تتخيل.
رائد يحدق فيه…
وقلبه ينبض بإيقاع غريب.
رائد (بهمس):
– أشعر…
وكأنك لست غريبًا.
رامي يبتسم…
لكن عينيه تلمعان.
رامي:
– وهذا يكفيني الآن.
***********************
في  / فيلا أدهم الزهراوي – الحديقة
الحديقة هادئة.
عشب أخضر، أشجار ياسمين، ونسمة خفيفة آخر النهار.
رؤى جالسة على الأرجوحة الخشبية،
تمسك هاتفها بلا وعي…
شاشة مفتوحة على محادثة قديمة مع سليم،
آخر رسالة منه:
“أنا جنبك مهما حصل.”
تتنهد…
وتغلق الهاتف ببطء.
رؤى (بهمس):
– جنبك…
بس الطريق بقى أطول من طاقتنا يا سليم.
صوت ضحكة طفولية يقطع أفكارها.
كارم يركض نحوها،
يحمل كرة صغيرة أكبر من يديه.
كارم:
– رؤىيي!
إلعبي معاياااا! 😄⚽
لا ترد.
عينها تائهة في الفراغ.
كارم يقف أمامها،
يميل رأسه قليلًا، يحدّق فيها ببراءة.
كارم:
– إنتِ زعلانة؟
تهتزّ قليلاً، كأنها استفاقت.
رؤى (بابتسامة خفيفة متعبة):
– لا يا حبيبي…
بس بفكّر شوية.
كارم (بعناد لطيف):
– ماما بتقول اللي يفكّر كتير
يكبر دماغه كده 
وأنا مش عايزك تبقي كبيرة زيادة.
تضحك رغماً عنها.
رؤى:
– لا تقلق…
لسه بدري عليّا.
تمد يدها له.
رؤى:
– تعال، هات الكورة.
كارم يفرح فورًا ويعطيها الكرة،
لكنها تسقط من يدها دون قصد.
كارم يلاحظ الشرود.
كارم (بصوت منخفض فجأة):
– هو سليم زعّلك؟
تتجمد لحظة.
رؤى:
– ليه بتقول كده؟
كارم:
– عشان لما تزعلوا
إنتِ بتبصي في السما كده.
يرفع إصبعه للأعلى، يقلدها ببراءة.
عين رؤى تلمع.
رؤى (بهمس):
– سليم…
مش هو اللي مزعلني.
كارم يجلس بجانبها،
يحاول تقليد جلستها لكنه يفشل، فيضحك.
كارم:
– أمال مين؟
تسكت.
ثم تخرج الزفرة اللي كانت حابساها.
رؤى:
– الدنيا يا كارم.
أحيانًا الدنيا تبقى صعبة…
حتى على الناس الكويسين.
كارم يفكر قليلًا…
ثم يقول بجملة بسيطة كسهم في القلب:
كارم:
– بس بابا كويس.
وإنتِ كويسة.
وسليم كويس.
تنظر إليه بدهشة.
كارم (بثقة طفل):
– يبقى ربنا هيخلّيكم مع بعض.
تبتسم…
لكن الدموع تسبقها.
رؤى:
– يا رب.
تضمّه إلى صدرها.
رؤى (بصوت مكسور):
– أنا خايفة يا كارم.
كارم:
– من إيه؟
رؤى:
– إنّي أحب حد…
وأضطر أسيبه غصب عني.
كارم يرفع رأسه فجأة.
كارم (بحزم طفولي):
– لا تسيبيه.
إمسكيه كده ✊
زي ما مسكتيني وإحنا معدّيين الشارع.
تضحك وسط دموعها.
رؤى:
– يا سلام عليك.
كارم يقف، يمد يده لها.
كارم:
– قومي بقى.
إلعبي معايا.
وبعدين لما تكبري شوية
إبقي زعلانة.
تنهض، تمسح دموعها سريعًا.
رؤى:
– حاضر…
دلوقتي نلعب.
تركُل الكرة نحوه بخفة.
كارم يركض وهو يضحك،
بينما رؤى تراقبه…
وعيناها تعودان للهاتف في يدها.
تفتح المحادثة…
تكتب رسالة…
ثم تمسحها.
تهمس لنفسها:
رؤى:
– بحبك يا سليم…
بس مش عارفة هقدر أحارب الدنيا عشانك ولا لأ.
*********************
في  القاهرة / شارع جانبي قريب من الجامعة
شارع واسع، أشجار على الجانبين، وقت العصر.
زين يقود دراجته النارية بسرعة محسوبة…
سماعاته في أذنيه، صوته أعلى من صوت المحرك.
زين (يغني بحماس ونشاز):
– “بحبك وحشتيني… وحشتينيييي!” 🎶😎
– الله على الإحساس! يا سلام!
يزيد السرعة قليلًا، يهز رأسه مع اللحن…
فجأة—
نور تعبر الشارع وهي تحمل كتبها.
زين:
– يا نهار أزرق! 😱
يضغط الفرامل بقوة، الدراجة تنزلق سنتيمترات…
تتوقف قبلها بلحظة.
الكتب تقع.
نور تتراجع خطوتين، قلبها يكاد يخرج.
نور (بغضب وصوت مرتفع):
– إنت مجنووون؟!
– هتقتلني؟!
زين ينزل بسرعة، ينزع الخوذة، شعره منكوش، ابتسامة تلقائية على وجهه.
زين:
– لا لا لا!
– والله كنت بغني بس…
– يعني… أقصد كنت سايق كويس! 😅
تنظر له بحدّة.
نور:
– بتغني وانت سايق موتوسيكل؟!
– هو الاستهتار بقى هواية؟
تحاول أن تخطو خطوة…
تصرخ فجأة.
نور:
– آه! 😖
تضع يدها على قدمها.
الكاحل متورّم بوضوح.
زين يقترب فورًا بانفعال.
زين:
– استني، استني…
– متتحركيش.
يمد يده دون تفكير.
نور (تصرخ):
– لأأأ!
– إوعى تلمسني!
يتجمّد مكانه فورًا، يرفع يديه للأعلى كأنه متهم.
زين:
– خلاص خلاص!
– رفعت الراية البيضاء 🏳️
– أقسم بالله ما هلمس شعرة.
تنظر له بريبة وغضب.
نور:
– إنت فاكر نفسك فين؟
– ما يصحش كده!
زين (مرتبك لكنه يحاول التخفيف):
– عندك حق…
– حقك عليّا، أنا غلطان.
ينظر للكاحل بقلق حقيقي.
زين:
– بس رجلك باين عليها واجعة قوي.
– نعمل إيه؟ أجيب إسعاف؟ تاكسي؟
نور (بعناد):
– لا إسعاف ولا تاكسي منك.
– كفاية اللي حصل.
تحاول الانحناء لالتقاط كتبها…
تتأوه.
زين ينظر حوله، ثم يبعد خطوتين احترامًا.
زين:
– بصي…
– أنا واقف هنا اهو، ولا سنتي زيادة.
– بس مش همشي وأسيبك كده.
تحدّق فيه باستغراب.
نور:
– وليه تهتم؟
يبتسم ابتسامة جانبية صادقة.
زين:
– عشان أنا اللي كنت هعمل كارثة.
– وبعدين…
– مش غريبة عني.
ترفع حاجبيها.
نور:
– نعم؟
زين:
– الجامعة.
– مكتبة الدور التالت.
– إنتِ اللي صحّحتِلي المعلومة يوم الامتحان…
– وقلتِلي: “اتقِ الله وانت بتغش.” 😅
تتسع عيناها.
نور:
– إنت؟!
– صاحب الشعر اللي واقف بالمقلوب؟
زين:
– أيوه!
– ولسه واقف بالمقلوب بالمناسبة.
رغم غضبها…
تفلت منها ابتسامة صغيرة، تحاول إخفاءها فورًا.
نور (بصرامة مصطنعة):
– الابتسامة دي غلطة.
– ما تتكررش.
زين (منتصر):
– تمام…
– بس اعترفي إنها طلعت لوحدها.
تشيح بوجهها.
نور:
– ركزي يا نور… ركزي.
يصمت لحظة، ثم يقول بجدية لطيفة:
زين:
– هاتليف لحد من أهلك؟
– أو صديقة؟
– أنا أفضّل حد ييجي ياخدك.
تنظر له، ترى لأول مرة أنه ليس مستهترًا كما ظنّت.
نور (بهدوء أقل حدّة):
– أخويا قريب…
– هكلمه.
تخرج هاتفها.
زين يتنفس براحة.
زين:
– كويس.
– وأنا هفضل واقف لحد ما ييجي.
تجلس على الرصيف بحذر.
زين يخلع جاكيت الدراجة، يضعه على الأرض أمامها دون أن يلمسها.
زين:
– تحطي الكتب عليه…
– الأرض مش نظيفة.
تنظر للجاكيت، ثم إليه.
نور (بصوت منخفض):
– شكرًا…
– بس المرة الجاية غنّي وانت واقف.
زين (ضاحكًا):
– وعد.
– أو أغيّر الأغنية لأغنية وطنية… أقل خطورة 😄
تنظر له نظرة تحذير…
ثم تضحك رغمًا عنها.
نور:
– ربنا يهديك.
زين (بابتسامة دافئة):
– آمين…
– ويمكن يهديكي لواحد سايق موتوسيكل بس قلبه كويس.
تصمت…
تنظر بعيدًا…
لكن ابتسامتها هذه المرة لم تختفِ.
*********************
في فيلا الزهراوي / صالون زياد
الصالون واسع، هادئ ظاهريًا…
لكن الجو مشحون.
زياد يجلس على الأريكة، ملامحه أقوى من الأيام السابقة، كتفه ما زال متيبّسًا قليلًا من آثار الحادث، لكن عينيه تقدحان نارًا.
أمامه آدم، واقف بثبات ضابط مخابرات يعرف أن ما سيقوله سيشعل المكان.
أدهم يجلس قريبًا، يراقب زياد بحذر.
عاصم واقف عند النافذة، يضغط على فكه بعصبية مكبوتة.
زياد يضرب بيده على الطاولة فجأة.
زياد (بغضب مكبوت):
– لا…
– المرة دي لأ.
– مراد خرج، ولسّه بيتنفس، ولسّه بيخطط.
– وأنا مش هستنى لما يحاول يقتل حد فينا تاني.
أدهم (بحزم هادئ):
– يا زياد، اسمعني.
– اندفاعك دلوقتي هو اللي هو مستنيه.
زياد يلتفت له بعصبية.
زياد:
– مستنيني؟
–ده اتسبب بخطف بنتي و عاشت رعب ٧ شهور بسببه 
–خلى ابني عاصم عدوي 
– ده حاول يقتلني!
– عطّل فرامل عربيتي وكأن روحي لعبة!
عاصم (بصوت منخفض لكن حاد):
– وعشان كده لازم نكون أذكى منه…
– مش أسبق منه بخطوة غلط.
زياد ينظر لعاصم، يهدأ قليلًا… لكن الغضب لا يختفي.
زياد:
– إنت فاكرني ضعيف؟
– فاكرني هقعد أعدّ أنفاسه وهو بيهدد بنتي؟
آدم (يتقدم خطوة، صوته صارم):
– محدش قال كده.
– بس اللي داخل فيه مراد دلوقتي… أكبر من كده بكتير.
يسود صمت ثقيل.
أدهم (ينظر لآدم):
– إنت وصلت لإيه؟
آدم يتنفس بعمق.
آدم:
– مراد مش لوحده.
– ولا عمره كان لوحده.
عاصم يلتفت ببطء.
عاصم:
– كنت متأكد.
زياد يحدق في آدم.
زياد:
– مين؟
آدم ينطق الاسم بوضوح متعمّد.
آدم:
– الساندرو…
– أليساندرو فيريتي.
الاسم يقع كالرصاصة.
أدهم (بذهول مكبوت):
– الإيطالي؟
آدم يومئ برأسه.
آدم:
– زعيم مافيا تقيل.
– مش بتاع استعراض ولا دم على الفاضي.
– رجل أعمال قذر… بس منظم.
زياد (بتهكم غاضب):
– مافيا؟
– يعني مراد بقى لعبة في إيد مجرم دولي؟
آدم:
– بالضبط.
– وده اللي مخوفني.
عاصم يعقد ذراعيه.
عاصم:
– احكي.
آدم يتقدم ويجلس، نبرته مهنية بحتة.
آدم:
– الساندرو ما بيقتلش عشان الانتقام.
– بيقتل عشان يكمّل شغله.
– ما بيقربش لستات ولا أطفال…
– بس لو حد عطّله؟
– يدفنه وهو عايش.
زياد يبتسم بسخرية مرة.
زياد:
– ومراد؟
– فين مكانه في الصورة دي؟
آدم:
– مراد بالنسبة له…
– طفل مختل.
– شغال بحقد، مش بعقل.
أدهم يهز رأسه بأسف.
أدهم:
– وده أخطر نوع.
آدم يكمل.
آدم:
– مراد بتصرفاته الغبية:
– حادثتك،
– اعترافه،
– دخوله السجن،
– خروجه المفاجئ…
– خلّى الشرطة الدولية والـ FBI يحطّوا عينهم على شبكة الساندرو.
عاصم يبتسم ابتسامة باردة.
عاصم:
– يعني الساندرو مش راضي عنه.
آدم:
– مش بس مش راضي…
– زهق.
زياد ينتفض واقفًا رغم الألم.
زياد:
– يبقى نضرب دلوقتي!
– قبل ما الدنيا تولّع!
أدهم (ينهض سريعًا):
– لا يا زياد!
– لو دخلت في خط الساندرو بنفسك، تبقى دخلت حرب دولية!
عاصم (بصوت عميق):
– ومراد عايز كده.
– عايز يجرّنا كلنا للنار معاه.
زياد ينظر لعاصم… عينيه تلمعان غضبًا ووجعًا.
زياد:
– ده قتل ابنه التاني في قلبي.
– رائد…
– ودمر حياة ليل، ودمّر حياتك.
يصمت عاصم لحظة… ثم يقول بهدوء مخيف:
عاصم:
– وعشان كده…
– لازم ننهى الموضوع صح.
آدم ينظر له بتمعّن.
آدم:
– اللي بفكر فيه…
– إن الساندرو نفسه ممكن يتخلص من مراد.
– بس مش قبل ما يخلص شغله.
أدهم:
– يعني مراد قنبلة موقوتة.
آدم يومئ.
آدم:
– وأي حركة طايشة مننا…
– تخليه يضغط على الزر.
زياد يغمض عينيه، يتنفس بعمق، صوته أخف لكن أقسى.
زياد:
– أنا مش هموت قبل ما أشوفه واقف عند حدّه.
آدم ينظر له بثبات.
آدم:
– وهتشوف.
– بس بالعقل…
– مش بالدم.
عاصم يلتفت ببطء نحو آدم، عينيه مظلمتان.
عاصم:
– قولّي…
– الساندرو بيكره إيه أكتر من الشرطة؟
آدم يبتسم ابتسامة خفيفة… خطيرة.
آدم:
– الفوضى غير المحسوبة.
صمت.
نظرات متبادلة.
إحساس أن الحرب بدأت… لكن بهدوء قاتل.
*********************
في  جناح حور و زياد 
الباب يُغلق بهدوء…
لكن أنفاس حور ليست هادئة.
تقف للحظة، تضع يدها على صدرها، تحاول أن تستوعب ما سمعته في الصالون.
اسم الساندرو يرنّ في رأسها كإنذار.
تتمتم بصوت مكسور:
حور (لنفسها):
– مافيا…
– دم…
– ومراد مجنون.
تتقدم نحو المرآة.
وجهها شاحب، لكن عينيها ثابتتان… عيني أم قررت تتحرك.
حور (بحسم منخفض):
– لا…
– أنا مش هستنى لما النار توصل لأولادي.
تفتح درجًا صغيرًا في الطاولة الجانبية.
تخرج هاتفًا آخر… قديمًا، لا تستخدمه إلا نادرًا.
تجلس على طرف السرير، تتنفس بعمق.
حور:
– لو الرجالة هتدخل حرب…
– الأم لازم تدخل مفاوضات.
تضغط على اسم محفوظ:
«ملك»
يرن الهاتف.
ملك (بصوت دافئ، مفاجَأ):
– حور؟
– خير يا بنت عمي؟ الساعة دي؟
حور (تحاول التماسك):
– ملك…
– محتاجة منك خدمة…
– خدمة كبيرة وخطرة شوية.
يسود صمت قصير في الطرف الآخر.
ملك (بقلق):
– حصل إيه؟
– زياد؟ ليل؟
حور تغمض عينيها لحظة.
حور:
– كلهم في خطر…
– وانا لازم أسبق الخطر بخطوة.
ملك (بحزم):
– قولي.
حور تنهض، تبدأ بالمشي في الغرفة كأنها ترتّب أفكارها.
حور:
– إنتِ فاكرة لما كنتِ في ميلانو من سنتين؟
– حفلات الجمعيات الخيرية؟
ملك:
– أيوه…
– كنتِ بتتبرعي معانا، فاكرة.
حور (بهدوء مقصود):
– في راجل…
– كان دايمًا حاضر.
– هادي، أنيق، ما بيتكلمش كتير.
صوت ملك يتغير.
ملك:
– استني…
– تقصدي الإيطالي؟
– فيريتي؟
حور تبتلع ريقها.
حور:
– أليساندرو…
– الساندرو.
صمت ثقيل.
ملك (بصوت منخفض):
– إنتِ تعرفي بتقولي اسم مين؟
حور:
– أعرف اللي يكفيني.
– راجل ما يحبش الفوضى.
– وما يحبش المجانين.
ملك:
– حور… ده مش شخص يتكلم معاه كده.
حور تقف أمام النافذة، تنظر للحديقة حيث لعبت ليل طفلة.
حور (بصوت أمومي موجوع):
– أنا مش رايحة أهدده.
– ولا أساومه على دم.
تستدير بحسم.
حور:
– أنا رايحة أقدّم له حل.
– حل يخلّصه من عبء اسمه مراد…
– ويحمي عيلتي.
ملك (مصدومة):
– إنتِ ناوية تقابليه؟!
حور:
– أو على الأقل…
– أوصل له رسالة واحدة.
ملك:
– ولو رفض؟
حور تبتسم ابتسامة صغيرة… موجعة.
حور:
– الأم لما تحس إن ولادها في خطر…
– ما بتفكّرش في نفسها.
تتنهد.
حور:
– أنا محتاجة توصليلي وسيلة تواصل.
– شخص موثوق…
– من غير ما حد يعرف.
صمت طويل.
ثم:
ملك (بصوت ثابت):
– هعمل اللي تقدري عليه.
– بس اسمعيني…
– لو دخلتي اللعبة دي، مفيش رجوع.
حور تغمض عينيها.
حور:
– الرجوع مش دايمًا شجاعة يا ملك.
تفتح عينيها، صلبة.
حور:
– أحيانًا…
– الشجاعة إنك تقفي قدّام الوحش
وتقولي له: كفاية.
ملك تهمس:
ملك:
– ربنا يستر.
حور:
– ربنا دايمًا موجود…
– بس لازم نتحرك.
تغلق المكالمة.
حور تضع الهاتف على الطاولة.
تجلس ببطء.
حور (لنفسها، همس):
– مراد لعب بالنار…
– وأنا…
– هطفيها قبل ما تحرق ولادي.
********************
في فيلا كامل  
الإضاءة خافتة.
الستائر نصف مسدلة.
الهدوء يلف المكان بعد يوم صاخب ثقيل.
ريما تقف قرب النافذة، يداها على بطنها بلا وعي.
ملامحها شاحبة… لكنها أخفّ من قبل، كأن حملاً داخليًا بدأ يذوب.
كامل يدخل الغرفة بهدوء، يخلع سترته، يلاحظ وقفتها.
لا يتكلم فورًا.
يقترب… يقف خلفها، دون أن يلمسها.
كامل (بصوت منخفض):
– لسه واقفة كده من ساعة.
ريما تلتفت ببطء.
عيناها تلمعان بالدموع.
ريما (بصوت مكسور):
– كنت خايفة…
– خايفة أصدق إنك هنا بجد.
كامل يبتسم ابتسامة صغيرة… موجوعة.
كامل:
– وأنا كنت خايف أكون جيت متأخر.
صمت.
ريما تخفض رأسها.
ريما:
– كامل…
– أنا آسفة.
ترفع رأسها فجأة، الدموع تنساب.
ريما:
– آسفة إني سبتك.
– آسفة إني هربت…
– وآسفة أكتر إني فكرت إنك ممكن تشوفني بعين أبويا.
كامل يتنفس بعمق.
ثم يقترب خطوة، يرفع وجهها بلطف.
كامل (بحزم هادئ):
– بصّي لي.
تنظر له.
كامل:
– أنا اتجوزتك  أنتي يا ريما…
– مش أبوكي 
– ولا اسمه…
– ولا تاريخه.
يصمت لحظة.
كامل:
– إنتِ مسؤولة عن نفسك وبس.
– ولو كنت شفت فيكِ ذرة شر…
– ما كنتش بقيت دقيقة واحدة.
ريما تبكي أكثر.
ريما:
– بس الناس…
– النظرات…
– حتى أنا… كنت بشوف نفسي ابنة مجرم.
كامل يضع كفيه على وجنتيها.
كامل (بحب صادق):
– لأ.
– إنتِ  ست قوية 
– و محترمة…
– ومراتي.
يسحبها إلى صدره.
ريما تنهار تمامًا وتبكي.
ريما (من بين بكائها):
– تعبت…
– تعبت قوي يا كامل.
كامل:
– عارف.
– وأنا كنت هناك… بتعذب معاك من غير ما تعرفي.
تبقى لحظة في حضنه… ثم تبتعد قليلاً.
تتردد.
ريما (بصوت خافت):
– في حاجة…
– لازم تعرفها.
كامل ينظر لها، يشعر.
كامل:
– قولي.
ريما تضع يدها على بطنها بوضوح هذه المرة.
ريما:
– أنا…
– حامل.
الصمت يسقط كثيفًا.
كامل يحدّق بها…
ثم بعينيها…
ثم بيدها على بطنها.
كامل (بذهول):
– إيه…؟
يقترب خطوة، يهمس:
كامل:
– من إمتى؟
ريما (تبكي بخجل):
– من أسبوع قبل ما أمشي.
– كنت لسه عارفة…
– وخفت.
عيناه تلمعان… خليط من صدمة وفرح وعتب.
كامل (بصوت مبحوح):
– خفتِ؟
– وسِبتيني أنا؟
يجلس على حافة السرير، يمرر يده على وجهه.
كامل (بنبرة عتاب حنون):
– ريما…
– ده ابني.
– أو بنتي.
يرفع رأسه لها.
كامل:
– كان من حقي أعرف.
– حتى لو الدنيا كلها وقعت.
ريما تجثو أمامه، تمسك يده.
ريما:
– كنت فاكرة إني بحميك.
– بحميك من مراد…
– ومن اسمي…
– ومن كلام الناس.
كامل يبتسم بسخرية خفيفة.
كامل:
– وأنا؟
– ما حميتيش قلبي.
ثم يلين صوته.
كامل:
– بس خلاص…
– المهم إنك رجعتي.
يضع يده على بطنها بحذر… وكأنه يخشى أن يكون حلمًا.
كامل (بهمس):
– أهلاً بيك…
– يا صغيري.
ريما تبتسم وسط دموعها.
ريما:
– مش زعلان؟
ينظر لها بجدية.
كامل:
– زعلان؟
– أيوه.
– بس أكتر حاجة حاسسها دلوقتي…
يتنفس.
كامل:
– إني مش هسمح لحد يقرب منك تاني.
– لا مراد…
– ولا غيره.
يقف، ينظر لها بعينين صلبتين.
كامل:
– اللي حصل ده…
– نهاية مرحلة.
ثم بابتسامة واثقة:
كامل:
– واللي جاي…
– أنا مسؤول عنه.
ريما تحتضنه بقوة.
ريما (بهمس):
– وحشتني.
كامل:
– وانتي وحشتيني أكتر مما تتخيلي.
**********************
في جناح جانبي في فيلا كامل 
الإضاءة خافتة.
الفيلا هادئة بشكل يخنق الصدر.
سليم يجلس على طرف السرير، ظهره محني، هاتفه في يده.
عيناه سوداوان… جامدتان، لا تشبهان عيني الشاب الطيب الذي كانه قبل أسابيع.
يتردد لحظة…
ثم يضغط اتصال.
يرد صوت رجل أجنبي، منخفض وحذر.
الصوت:
– ألو؟
سليم (بصوت ثابت، بارد):
– مساء الخير…
– معايا فيكتور؟
فيكتور:
– أيوه.
– مين؟
سليم:
– اسمي سليم.
– حدّ قالك قبل كده عنّي… من القاهرة.
صمت قصير.
فيكتور (بحذر):
– المصري؟
– ابن… الشرقاوي؟
سليم يغمض عينيه بقوة عند سماع الاسم.
سليم:
– ما تقولش الاسم ده تاني.
ضحكة قصيرة باردة من الطرف الآخر.
فيكتور:
– تمام.
– قولي عايز إيه؟
سليم ينهض، يبدأ بالمشي في الغرفة.
سليم:
– أنا محتاج مساعدة.
– مساعدة قانونية…
– بس مش نظيفة قوي.
فيكتور يصمت.
فيكتور:
– أنا رجل أعمال، مش قدّيس.
– بس مش بلعب ألعاب أطفال.
سليم يقف أمام المرآة، ينظر لانعكاسه.
سليم:
– ولا أنا طفل.
ثم، بنبرة مكسورة خرجت رغمًا عنه:
سليم:
– الراجل ده…
– دمّر حياتنا.
– دمّر أختي…
– خلاني أكره اسمي.
يتنفس بعمق.
سليم:
– خرج من السجن…
– وده غلط.
– ولازم يتصلّح.
فيكتور يزفر.
فيكتور:
– إنت فاهم اللي بتطلبه؟
سليم (بهدوء مخيف):
– فاهم.
– وفاهم الثمن.
ضحكة قصيرة.
فيكتور:
– عمرك كام؟
سليم:
– واحد وعشرين.
صمت أطول هذه المرة.
فيكتور (بلهجة تقييم):
– صغير…
– بس صوتك مش صوت واحد صغير.
سليم يضغط الهاتف بقوة.
سليم:
– أنا مش طالب دم.
– أنا طالب حق.
– والراجل ده لازم يرجع مكانه.
فيكتور:
– والسجن مش لعبة.
سليم:
– ولا اللي عمله لعبة.
لحظة صمت ثقيلة.
فيكتور:
– جنسيتي روسي.
– عمري سبعة وثلاثين.
– وأنا ما بحبش الشغل العاطفي.
سليم يبتسم ابتسامة بلا فرح.
سليم:
– ولا أنا.
– بس عندي سبب يخليك تسمعني.
فيكتور:
– قولي.
سليم (بصوت منخفض، حاسم):
– لأن اللي اسمه مراد الشرقاوي…
– مش هيقف عند اللي عمله.
– وأنا ابنه…
– وأكتر واحد عارف ده.
صمت.
ثم:
فيكتور:
– هفكر.
– ولو رجعت لك…
– هنبقى داخلين طريق مفيهوش رجوع.
سليم:
– أنا رجوعي خلص من يوم ما شفت حقيقته.
يغلق الخط.
سليم ينظر للهاتف لحظة…
ثم يضعه على الطاولة.
يهمس لنفسه، بصوت بالكاد يُسمع:
سليم:
– انت مش أبويا…
– انت عدوي.
*********************
في  فيلا الزهراوي – غرفة ليل – بعد منتصف الليل
الغرفة يغمرها ضوء القمر.
ستائر خفيفة تتحرك مع نسمات باردة.
ليل نائمة على جانبها، شعرها منثور على الوسادة، أنفاسها هادئة…
أو هكذا يبدو.
الباب يُفتح بهدوء شديد.
عاصم يدخل بخطوات حذرة، كأنه يخشى أن يوقظ العالم كله لا هي فقط.
يقف عند الباب لحظة… يتأملها.
عيناه تضعفان.
يقترب ببطء، يجلس على طرف السرير.
يمد يده… يتوقف… يسحبها.
يهمس:
عاصم:
– نايمة…
صمت.
يبتسم ابتسامة صغيرة متعبة.
عاصم (بصوت منخفض):
– يمكن أحسن.
ينظر إليها طويلاً، ثم يبدأ الكلام…
كأنه يفرغ حملاً عاش في صدره سنوات.
عاصم:
– عمري ما كنت بعرف أتكلم.
– دايمًا القسوة كانت أسهل.
يتنهد.
عاصم:
– أبويا… خالد.
– كان راجل بسيط… قوي من جوّه.
– كان بيضحك كتير، وبيحب زياد كأنه أخوه.
يلمس حافة السرير دون أن يلمسها.
عاصم:
– وأمي مريم…
– كانت بتحب حور، وتيجي هنا دايمًا.
– وأنا صغير كنت بجري في الجنينة دي…
– أتعفرط… وأرجع أمي تزعقلي.
ابتسامة شاحبة تمر على شفتيه.
عاصم:
– كنا سعدا…
– رغم إن بابا وماما ماتوا بدري.
– بس كان عندي رائد… وربى.
يصمت لحظة، صوته يختنق.
عاصم:
– رائد كان كل حاجة.
– أخويا… ضهري…
– اللي علمني أكون راجل.
يخفض رأسه.
عاصم (بهمس موجوع):
– مراد قتله.
ليل تشد أصابعها تحت الغطاء… لكنها لا تتحرك.
عاصم:
– وربى…
– دمّرها.
– خلّاها تعيش في جسم مش ملكها.
قبضته تنغلق.
عاصم:
– وأنا؟
– أنا خلاني أصدق إن زياد…
– الراجل اللي كان صديق أبويا…
– هو اللي عمل كده.
يرفع رأسه، عيونه تلمع.
عاصم:
– نديم…
– لعب بعقلي.
– خلاني أكره… وأشك… وأتحول لواحد مش أنا.
يضحك ضحكة قصيرة مريرة.
عاصم:
– خطفتك…
– وأنا فاكر نفسي صاحب حق.
يمد يده أخيرًا… يلمس أطراف شعرها بخفة.
عاصم:
– وبعدين شوفتك.
– عينيك الرمادي…
– حسيت إن كل حاجة جوايا وقفت.
صوته يهدأ.
عاصم:
– حبيتك…
– وأنا مش عايز.
يميل أقرب، دون أن يلمس وجهها.
عاصم:
– لما أدهم بعتلي وقال الحقيقة…
– حسيت إني اتعرّيت.
– اتجوزتك عشان أحميك…
– مش عشان أنتقم.
يتنفس بعمق.
عاصم:
– بس الذنب…
– الذنب لسه عايش جوايا.
ينهض قليلًا، يمشي خطوتين، ثم يعود.
عاصم:
– مش مسامح نفسي إني شكّيت في زياد.
– ولا مسامح نفسي على كل لحظة خوف شوفته في عينك.
صوته يصبح قاسيًا فجأة.
عاصم:
– مراد…
– مش هسيبه.
ليل ينتفض من الداخل…
قلبها يضرب بقوة.
عاصم:
– لو الشرطة ما جبتهوش…
– أنا هجيبه.
يقترب منها مرة أخرى، ينحني.
عاصم (بصوت منكسر):
– بس قبل أي حاجة…
– كنت محتاج أقولك الحقيقة.
ينظر لملامحها الهادئة.
عاصم:
– لو صحيتِ يومًا…
– وكرهتيني…
– هفهم.
يمد يده… يلمس يدها أخيرًا.
عاصم:
– بس لو في يوم…
– قدرتِ تسامحيني…
– أنا ملكك.
ليل تكاد تبكي… لكنها تبقى ساكنة.
عاصم يهمس:
عاصم:
– تصبحى على خير… يا ليل.
ينهض، يتجه للباب.
وقبل أن يخرج…
ليل تفتح عينيها ببطء، دون أن يراه.
تدمع.
تهمس بصوت لا يسمعه أحد:
ليل:
– وأنا عمري ما كنت نايمة.
************************
في  شرفة غرفة ليل
رنين هاتف يخترق السكون.
عاصم يتجمد لحظة…
يلتفت نحو ليل النائمة، يتأكد أنها لم تتحرك.
يسحب الهاتف بهدوء، يخرج إلى الشرفة ويغلق الباب خلفه نصف إغلاق.
الهواء بارد… القاهرة نائمة…
وعاصم ليس كذلك.
ينظر إلى الشاشة.
اسم واحد.
عاصم (بصوت منخفض):
– سليم؟
صوت سليم يأتي هادئًا… أكثر من اللازم.
سليم:
– كنت متأكد إنك صاحي.
عاصم يضيق عينيه.
عاصم:
– خير؟
صمت قصير في الطرف الآخر.
سليم:
– فاكر… الشخص اللي كان دايمًا سابقك بخطوة؟
– اللي كان يعرف إزاي يدخل دماغك… ويقفلها عليك؟
عاصم يشد قبضته على الهاتف.
عاصم:
– كمل.
سليم:
– الشخص اللي اختفى فجأة لما الدنيا ولعت…
– وساب وراه نار ودماغ مكسورة.
عاصم يزفر ببطء.
عاصم:
– بتلف ليه؟
ضحكة قصيرة من سليم.
سليم:
– عشان لما تسمع اللي جاي… ما تتسرعش.
صوت حركة، كأن سليم في مكان مفتوح.
سليم:
– من يومين وإحنا ماشيين ورا خيط.
– خيط رفيع… بس عنيد.
عاصم ينظر إلى المدينة، صوته يصبح أخفض وأقسى.
عاصم:
– وصلتوا لفين؟
سليم:
– لحد باب مقفول.
– باب صاحبه فاكر إن محدش يعرفه.
سكون ثقيل.
عاصم:
– وهو جوه؟
تردد بسيط… متعمد.
سليم:
– خلّينا نقول…
– إنه قريب قوي من إنه يفتح.
عاصم يبتسم ابتسامة باردة.
عاصم:
– قريب دي كلمة واسعة.
سليم:
– عاصم…
– في ناس ما ينفعش تتاخد من الشارع.
صوت نفس عميق من عاصم.
عاصم:
– وأنا قلت أجيبه منين؟
سليم يضحك بخفة.
سليم:
– عارف المخزن القديم؟
– اللي محدش بيدخله غيرك؟
عاصم يغلق عينيه لحظة.
عاصم (بهدوء مرعب):
– جهزوه.
صمت.
سليم:
– متأكد؟
عاصم:
– الشخص ده…
– ما ينفعش يتسلم.
– ولا يتساب.
نبرة سليم تصبح جادة.
سليم:
– طيب اسمعني.
– هو فاكر نفسه أذكى مننا.
– بس واضح إن الخوف بدأ يغلطه.
عاصم يقترب من سور الشرفة، يهمس:
عاصم:
– خلي الخوف يكمل شغله.
– وأنا هكمله.
تردد قصير… ثم:
سليم:
– تحب تعرف اسمه الحقيقي؟
– ولا لسه؟
عاصم يفتح عينيه…
ابتسامة بطيئة ترتسم.
عاصم:
– لا.
– لما أشوفه…
– هفتكره.
سليم يصمت ثانية… ثم يقول بصوت منخفض جدًا:
سليم:
– خلاص.
– هنقفل الدائرة.
المكالمة تنتهي.
عاصم يبقى واقفًا…
يحدق في الظلام.
يهمس لنفسه:
عاصم:
– كنت فاكر إنك خلصت.
– طلعت لسه البداية.
يلتفت نحو باب الغرفة…
نحو ليل.
وجهه يلين لحظة…
ثم يعود صلبًا.
عاصم (بصوت خافت):
– المرادي…
– الحقيقة هتطلع كلها.
*******************

+



        
          

                
في إيطاليا – ساحل أمالفي – قبيل الغروب
البحر هادئ…
لكن الهدوء هنا ليس سلامًا، بل انتظار.
أليساندرو فيريتي يقف أمام الشرفة الحجرية المطلة على الساحل.
بدلته الداكنة مفصلة بإتقان، سيجار غير مشتعل بين أصابعه.
عيناه ثابتتان… كمن حسم أمره.
صوت خطوات خلفه.
خفيفة… واثقة… بلا تردد.
لا يلتفت فورًا.
أليساندرو:
– تأخرتِ خمس دقائق.
صوت أنثوي هادئ، منخفض، لا يحمل اعتذارًا.
المرأة:
– لو جئتُ قبل الموعد…
– لظننتَ أنني متلهفة.
يلتفت أخيرًا.
امرأة في نهاية الاربعينات.
ملابس سوداء بسيطة لكن باهظة.
شعرها مرفوع بإهمال محسوب.
نظرة لا تطلب شيئًا… ولا تخشى شيئًا.
يبتسم أليساندرو ابتسامة جانبية.
أليساندرو:
– المصريات لا يتغيرن…
– حتى عندما يصبحن خطرات.
تقترب وتقف بجواره، تنظر للبحر.
المرأة:
– والخطر…
– لا يحب الإطراء.
يضحك بخفة.
أليساندرو:
– أحب هذا النوع من النساء.
– اللواتي لا يطلبن حماية.
يصمت لحظة، ثم:
أليساندرو:
– لقبك؟
تجيبه دون أن تنظر إليه:
المرأة:
– لا نيرا.
(السوداء)
يرفع حاجبه بإعجاب.
أليساندرو:
– اسم مناسب.
تشعل سيجارة، تسحب نفسًا ببطء.
لا نيرا:
– اسمي الحقيقي لا يهم.
– المهم… من أكره.
يلتفت إليها بجدية.
أليساندرو:
– مراد الشرقاوي.
تهز رأسها بخفة.
لا نيرا:
– ذكرته قبلي.
– هذا يعني أنك وصلت لنفس الاستنتاج.
أليساندرو:
– هو أصبح عبئًا.
– صاخب… متهور…
– يظن أن العالم كله مجرد مسرح لانتقامه الشخصي.
تبتسم بسخرية باردة.
لا نيرا:
– الرجال الذين يعيشون للانتقام…
– يموتون قبل أن ينتقموا.
يصمت أليساندرو، ثم يسأل ببطء:
أليساندرو:
– لماذا تكرهينه؟
لحظة صمت.
الريح تحرك خصلات شعرها.
لا نيرا:
– بعض الناس لا يكرهون لأنهم خسروا.
– بل لأنهم فهموا.
يلتفت إليها.
أليساندرو:
– هذا ليس جوابًا.
تنظر إليه أخيرًا…
نظرة عميقة، قديمة، متعبة.
لا نيرا:
– مراد…
– لا يدمر من يعاديه فقط.
– هو يدمر كل ما يلمسه… حتى من يظنهم أدواته.
تسحق السيجارة تحت قدمها.
لا نيرا:
– وأنا لا أقتل بدافع الألم.
– بل بدافع التصحيح.
أليساندرو يحدق فيها طويلًا…
ثم يبتسم ابتسامة رضا حقيقية هذه المرة.
أليساندرو:
– إذن نحن متشابهان.
– أنا لا أقتل لأنني أكره…
– بل لأن الحساب انتهى.
يمد يده نحوها.
أليساندرو:
– مراد يجب أن يُمحى.
– بهدوء… دون ضجيج…
– ودون أن يقودنا معه إلى الجحيم.
تضع يدها في يده، مصافحة قصيرة، حاسمة.
لا نيرا:
– لن يسمع أحد صوته وهو يسقط.
– ولن يعرف أحد من دفعه.
أليساندرو ينظر للبحر مجددًا.
أليساندرو:
– جميل.
– إذن… فلنغلق هذا الملف.
تستدير لتغادر.
قبل أن تختفي، تقول دون أن تلتفت:
لا نيرا:
– بالمناسبة…
– هو يظن نفسه ذكيًا.
يبتسم أليساندرو.
أليساندرو:
– كل الموتى كانوا يظنون ذلك.
**********************

+


في سويسرا – جناح خاص في المشفى – ليل متأخر
الثلج يتساقط خلف الزجاج بهدوء مخيف.
الإضاءة خافتة، أجهزة المراقبة تصدر أصواتًا منتظمة.
رائد نائم بعمق.
ملامحه هادئة… لكن جسده ما زال يحمل آثار المعركة القديمة.
خارج الغرفة، في الردهة الزجاجية، يقف رامي وإيلينا.
إيلينا تعقد ذراعيها حول نفسها.
وجهها متعب… ليس من السهر، بل من الخوف.
إيلينا (بصوت منخفض):
– كنتَ محقًا…
– تحسنُه سريع، لكن هذا لا يطمئنني.
رامي ينظر من خلال الزجاج إلى رائد.
رامي:
– التحسن لا يعني الأمان.
– أحيانًا… هو أخطر مرحلة.
تلتفت إليه فجأة.
إيلينا:
– رامي…
– من الذي يطارده فعلًا؟
يصمت لحظة.
ليس لأنه لا يعرف… بل لأنه يعرف أكثر مما يجب.
رامي:
– أشخاص لا يؤمنون بفكرة “انتهى الأمر”.
– رائد بالنسبة لهم… ملف مفتوح.
تتنفس بعمق.
إيلينا:
– ثلاث سنوات…
– ثلاث سنوات وأنا أراقب صدره يرتفع وينخفض،
– أقاتل فكرة أنه قد لا يستيقظ أبدًا.
تنظر إليه بعينين دامعتين.
إيلينا:
– والآن بعد أن استيقظ…
– أخاف أن أفقده بطريقة أسوأ.
رامي يشيح بنظره للحظة، ثم يعود إليها.
رامي:
– لهذا السبب…
– زيفتُ موته.
تحدق فيه.
إيلينا:
– أعلم.
– وأعلم أن العالم يراه ميتًا…
– لكن الأعداء لا يتوقفون عن البحث.
تخفض صوتها أكثر.
إيلينا:
– اليوم… لاحظتُ شخصًا في الممر.
– لم يكن من الطاقم.
عين رامي تضيق فورًا.
رامي:
– هل أنتِ متأكدة؟
إيلينا:
– نعم.
– كنت أراه خلال السنوات الثلاث…
– لا يراقب المرضى…
– بل يراقب الوجوه.
يسب رامي بصوت خافت.
رامي:
– هذا يعني أنهم اقتربوا أكثر مما يجب.
تتقدم خطوة نحوه.
إيلينا:
– رامي…
– هل أخطأتُ حين وافقت؟
يصمت.
رامي (بصدق نادر):
– لا.
– لو لم توافقي…
– لما كان حيًا الآن.
تبتسم ابتسامة باهتة.
إيلينا:
– هو لا يتذكرني…
– أحيانًا ينظر إليّ وكأنني غريبة.
رامي ينظر إليها بنظرة حادة لكن إنسانية.
رامي:
– الذاكرة تعود.
– لكن… ما يعود أولًا هو الإحساس.
ترفع رأسها.
إيلينا:
– أي إحساس؟
رامي:
– من وثق به…
– ومن كان الأمان الوحيد حين كان العالم مظلمًا.
تنظر إلى رائد من خلف الزجاج.
إيلينا (بهمس):
– أخشى أن يأخذوه مني قبل أن يتذكر.
رامي يضع يده على الزجاج، قرب رأس رائد.
رامي:
– لن أسمح بذلك.
– هذه المرة…
– لن أهرب.
تلتفت إليه بقلق.
إيلينا:
– ماذا تقصد؟
ينظر إليها مباشرة.
رامي:
– تقصدين أنكِ وحدك خائفة؟
– أنا من فتح هذه اللعبة…
– وأنا من سينهيها.
لحظة صمت ثقيلة.
إيلينا:
– هل يعلم أحد آخر الحقيقة؟
رامي:
– امرأة واحدة.
– لا تريد الانتقام…
– بل الإغلاق.
تفهم دون أن تسأل.
إيلينا:
– إذن… الحرب لم تبدأ بعد.
رامي يبتسم ابتسامة خفيفة، خطرة.
رامي:
– بل بدأت…
– فقط لم يسمعوا الطلقة الأولى.
ينظران معًا إلى رائد النائم.
إيلينا (بصوت مكسور):
– فقط…
– لا تجعله يدفع الثمن مرة أخرى.
رامي يجيب دون تردد:
رامي:
– هذه المرة…
– هم من سيدفعونه.

+


**********************
 في  – ممر جانبي في المشفى – بعد منتصف الليل
الضوء الأبيض القاسي ينعكس على أرضية لامعة.
الهدوء خانق… إلا من صوت خطوات خفيفة توقفت فجأة.
خلف جدار زجاجي نصف معتم، كان لوكاس واقفًا.
وجهه ما زال يحمل آثار الضرب:
كدمة أرجوانية قرب العين، شفة مشقوقة، غرور مهشم.
كان قد سمع كل شيء.
“زيفتُ موته…”
“الملف لم يُغلق…”
“امرأة واحدة تعرف الحقيقة…”
ابتسامة بطيئة، مريضة، تشق طريقها على شفتيه.
لوكاس (بهمس ساخر):
– مثير…
– مريض غيبوبة…
– بدوي عربي…
– وملف سري.
يميل برأسه قليلًا، وكأنه يحل لغزًا مسليًا.
لوكاس (باحتقار):
– لم أكن مخطئًا.
– هذا الهمجي ليس مجرد مصادفة.
يتحسس كدمته بأصابع مرتعشة، والألم يشعل حقده.
لوكاس:
– يضربني…
– يذلني أمامها…
– ثم يتضح أنه ليس حتى ميتًا.
ضحكة خافتة تخرج منه، بلا روح.
لوكاس:
– كم أنتم العرب بارعون في الكذب.
– حتى الموت… تزيفونه.
ينظر نحو باب غرفة رائد.
عينيه تلمعان بشيء أقرب للهوس.
لوكاس (ببطء):
– إن كان العالم يظنه ميتًا…
– فلماذا هو هنا؟
يمد يده إلى جيب معطفه الأبيض، يخرج هاتفه.
يفتح تطبيق تسجيل الملاحظات… لا يتصل بعد.
لوكاس:
– لا…
– ليس الآن.
يتنفس بعمق، كما لو أنه يستمتع باللعبة.
لوكاس:
– سأعرف كل شيء.
– من أنت أيها “المصري”…
– ولماذا يخاف عليك هذا البدوي الآخر أكثر مما يخاف على نفسه.
يتذكر نظرة إيلينا…
اشمئزازها الدائم…
رفضها المتكرر…
ثم كيف نظرت إلى رائد.
عيناه تشتعلان.
لوكاس (بغضب مكتوم):
– بالطبع…
– البطل الجريح.
– الرجل الغامض.
– القصة المثالية لتقع في حبه.
يضرب الحائط بقبضته، ثم يبتسم فجأة.
لوكاس:
– لكن كل قصة لها نقطة ضعف.
ينظر حوله… الممر فارغ.
لوكاس:
– ملف طبي…
– اسم مزيف…
– تحويلات مالية…
– زائرون ليليون.
يرفع حاجبه.
لوكاس:
– وأهمهم…
– رجل اسمه رامي.
ينطق الاسم ببطء، كأنه يتذوقه.
لوكاس:
– إن كان هذا “الرامي” مستعدًا لتهديد طبيب…
– فهذا يعني أن اللعبة أكبر من مشفى…
– وأصغر من أن تخفى عني.
يخطو خطوة للأمام، ثم يتوقف.
لوكاس (بهمس قاتم):
– لم أعد مهتمًا بك يا إيلينا.
– ولا حتى بالانتقام من الضربة.
يبتسم… ابتسامة مقلقة.
لوكاس:
– الآن…
– أريد الحقيقة.

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close