رواية الغضب الاسود الفصل الرابع والعشرين 24 بقلم الكاتبة كوين اسمهان
الفصل 24|القصاصة السوداء!
حملت ماريغولد حفنة أخرى من التراب الندي، و هتفت حاجبة بكفها الآخر الشمس عن عينيها:
+
"هيا علينا وضع المزيد لملء الحفرة!".
+
"هكذا؟".
+
ابتسمت للطفل تجيبه:
+
"تماما! يبدو أنك مزارعٌ بالفطرة!".
+
عبس لِيو فجأة، متوقفا عن عمله، و نظر نحو الأرض بتعاسة قائلا:
+
"لا تخبري خالي بهذا صديقتي!".
+
تعجبت ماريغولد متسائلة:
+
"بماذا عزيزي؟".
+
"بأنني مزارعٌ جيد! يتوقع خالي هارولان أن أكون راعي بقر ممتاز مثله، لا أن أكون بستانيا يعتني بالنباتات!".
+
انزلقت حبيبات التراب من بين أصابع ماريغولد و هي تختبرُ شعورا مسليا، لم تفكر هذه المرة أن هارولان كينغ خالٌ مستبد يسير حياة إبن أخته كيفما شاء له، إنما سكن قلبها شعور بالسلام نحوه، إنه رجلٌ عاش العمر بين سروج الأحصنة و زوابع الترويض الحمراء و خوار الأبقار المتواصل، ماذا ستتوقع منه غير تأمين مستقبل الطفل بغير هذا؟ في النهاية كينغلاند ستحتاج قبضة حديدية تديرها كقبضة كينغ الأسود! ضحكت له و أزالت بعض التراب العالق بذقنه مردفة:
+
"يا عزيز قلب صديقتك! خالُك يعرف الأنسب لك، إنه ناضجٌ و ذكي، أتتصورُ أنه سيرغمُكَ على مصيرٍ لا يلائمُك؟ ألستَ مثله مغرمًا بالجياد و قطعانه السوداء؟".
+
أجاب لِيو مداعبًا أوراق النبتة:
+
"بلى! أنا أعشقُ الفروسيَّة حتى النُّخاع".
+
"و خالُك يفعل".
+
تمهَّلت قليلاً ثم تابعت و هي تواصل غمر الجذور بالتراب:
+
"لكنه لا يحصرُ نفسه في زاوية فريدة، إنه فارسٌ أصيلٌ و مروضٌ شجاعٌ و أيضا نحَّاتٌ بارع! ما الذي يجعلك تظنُّ أنه لن يوافق على كونك مزارعا؟".
+
اتسعت عينا الطفل و هو يردفُ بعدم تصديق:
+
"كيف لي أكون راعي بقر و مزارعا في ذات الوقت؟".
+
في هذه اللحظة، تلألأت عيناها متمتمة:
+
"تستطيع، لأن أبي كان كذلك!".
+
"أوحقا؟!".
+
"أجل!".
+
انتبها لسقوط ظل على النبتة، و التفتا معا ليكتشفا قدوم هارولان، وقف على رأسيهما يحجبُ بقايا خيوط الشمس المتسللة من بين فروع الأشجار، و المُدهش لماريغولد أنه كان مختلفا عن سابق عهده، لم تكن هناك قبعة عريضة أو معقوفة الحواف فوق رأسه، و لا قميص رعاة مطرز يستر صدره القوي و ذراعيه المفتولتين، و لا حتى سروالا ملتصقا بساقيه الطويلتين أو حذاء فروسية طويل يصل لركبتيه، المُدهشُ أنه كان يرتدي بدلة رسمية سوداء جعلته يبدو أكثر وسامة و نفوذا عن ذي قبل! هل هذا حقا هارولان كينغ ملك «بلاك ريدج»؟
4
خمنت ماريغولد أنه كان باجتماع عمل في مدينة بريدجتاون، لقد ذكرت هانا شيئا كهذا صباحا، و على عكسها نظر لِيو إلى أناقة خاله بشكل عادي، كأنه اعتاد رؤيته كذلك.
+
"ماذا تفعلان؟".
+
سؤالٌ واحد فقط صدر عنه، جعل خفقات قلب ماريغولد تتذبذب بشكل غريب، ماذا يحدث لها؟ لماذا يؤثر صوته في ردود أفعالها اليوم؟ لماذا نظرته المباشرة إلى عينيها تكادُ توقف أنفاسها؟ أ لأنها رأته في ثياب المدينة لأول مرة؟ أ لأنه كان يقف معها تحت المطر أمس؟ إنها لا تعرف! و لا يهمُّ أن تعرف، ما يهمُّ أنه هنا، و أنه يبدو سعيدًا بوجوده معهما، أجل! هذا البريقُ في جوف عينيه... هو حتما سعادة!
قرفص هارولان بينهما، متأملا النبتة التي يعملان على غرسها، كانت تلك شُجيرة الأوركيد الأبيض...
+
نفس الوردة التي أهداها لها بنية فتح صفحة جديدة بينهما، وردة الندم! كست نظرته مسحة عجيبة من التأمل، و باشر بحملِ التُّراب إلى الحفرة مثلهما، غير أن ماريغولد احتجَّت قائلة:
+
"ستتَّسخُ بدلتك!".
+
لم يأبه هارولان لذلك، رمقها بنظرة غامضة، و أصرَّ على المساعدة، ثم لاحظ أن الصمت حلَّ بحلوله، فتمتم بنبرة هادئة:
+
"لا تقطعا حديثكما فقط لأنني أتيت!".
+
واصلت ماريغولد عملها، و هي تُردف مضطربة:
+
"كُنا نتحدث عن أبي!".
+
أخذ هارولان حفنة أخرى من التراب معقبا:
+
"إذن تابعي!".
+
نظرت إليه بحيرة، و أكدت لها عيناه أنه حقا يريد أن يستمع، رغم أنه كان يغضبُ لسبب غريب كلما تحدثت عن والدها و حكمه! يا لتناقض هذا الرجل!
+
"كان أبي مجرد سائس خيول بإحدى المزارع في سيمبسون، لكنه ذات يوم تمكن من ترويض حصان شرس، و بذلك كسب رضى سيدة المزرعة، و أصبح بين ليلة و ضُحاها كبير العمال هناك!".
1
ارتسمت الابتسامة على شفتيها ما إن رأت نظرة الإحترام تجوب عينيه، لا بُدَّ أنه تذكر قصته مع المارد الأسود، و مضت في قولها:
+
"لم يكن أبي مجرَّد شخص يعتني بالخيول، كان يفهمها، و يشعرُ بها، يدركُ آلامها، و يحنو عليها بالرفق و المودَّة، اضطلع بمعرفة جيدة من الجانب الطبي كذلك، فكان بيطري المزرعة في الحالات الطارئة، الكلُّ يأتمنه، و يؤمن بأحكامه، و فوق كل ذلك كان يعرفُ أسرارًا كثيرة عن الأرض و نباتاتها!".
+
أنهت كلماتها بتنهيدة ارتياح و شوق، لكن الحزن لم يطرق قلبها كما يفعل عادة عندما تذكرُ جاك، لقد كان هناك أيضا بطريقة ما، كأنه كان يحملُ التراب بيدي هارولان، و يتأملها بعينيه!
+
"ماريغولد، لماذا اخترتِ زاوية ظليلة لغرسِ شتلات الأوركيد الأبيض؟".
+
سألها لِيو متعجبا، فقطع بذلك سيل نظراتها المستغرقة بوجه هارولان، و دفعها لإجابته:
+
"هذا لكونها ورودًا حسَّاسة جدا، فالشمس القويَّة قد تحرقُ بتلاتها و تتلفها!".
+
علَّق هارولان هامسا بشكل أذهلها:
+
"مثلكِ!".
28
"عفوا!".
+
"أقول أنها مثلكِ... هشَّة!".
+
لاحظ لِيو أن الحفرة امتلأت بالتراب، فأسرع راكضا هناك باحثا عن مرش المياه، و نسيَ أين وضعه بعدما روى نبتة الجوري الهولندي'¹'
____________________________________
¹• الجوري الهولندي: أجمل أنواع الجوري في العالم، و تُعرفُ بملكة الورود، لشكلها الناضج و ألوانها المتعددة و عطرها الفريد.
+
____________________________________
+
ارتعشت شفتا ماريغولد و هي تطرفُ بجفونها و تُردف:
+
"هل... هكذا تراني إذن؟ حسَّاسة و هشَّة!".
+
لم يتطلب الأمر منه أكثر من لفظة واحدة:
+
"أجل!".
+
لكنه أضاف بعد ثوانٍ بلهجة تحملُ شيئا من الهزل:
+
"أنتِ كذلك! بعنادكِ و جنونكِ و شجاعتكِ الإنتحاريَّة... تبقين في نظري هشَّة!".
6
دغدغت كلماته قلبها، هناك سحرٌ ما يغلِّفُ كل حرف يخرج من ثغره، عاودت الابتسام، فشدت نظره، و ردَّت محركة رأسها:
+
"أعتقدُ أنني كذلك فعلاً، أنا هشَّة مقارنةً بك سيد كينغ، و مهما حاولت أن أوازيك صلابةً فلن أستطيع، أنت قويٌّ جدًّا مثل أرضك، هذه الأرض تحت أقدامنا... جميلة بقسوتها، لكن أترى هذا...؟".
+
تابعت بصوتها الناعم مربِّتةً على التراب:
+
" حتى و هي قاسية... أنظر كيف تحتضنُ ورودي الحسَّاسة! في النهاية... القسوة و الرقَّة تلتقيان!".
15
هل يمكن أن يتوقف الزمن و تتجمد الأنفاس فقط لأن أحدهم قال شيئا جميلا! يا الله كيف عليه أن يفكر في هذه المرأة التي تستمرُّ بالتسلل إلى أعماقه كيفما ردعها؟ لقد ظنَّ أنه فاقدٌ للشعور؛ لكنه يشعر الآن! إنه يشعر بهذه المخلوقة... بكل ذرة من كيانها الرائع! و لا يمكنه التفكير في شيء سوى أنه يستطيبُ هذا الشعور! و لم تكن أفكار ماريغولد ببعيدة عن أفكاره، كان شعورها هي الأخرى مذهلا، كيف لا؟ و هما يغرسان معا نبتة لها رمزيَّة خاصَّة، نبتة الأوركيد الناصعة، وردة الإعتذار الراقي، من الجميل حقا... أن يغرس المرء ندمه... ليحصُد من منبته غدا أياما جميلة!
4
وجد لِيو أخيرا المرش، فعاد راكضا به، و هجم على الورود يسقيها بقوة، فاستوقفته ماريغولد منبِّهة:
+
"احذر يا صغيري! إسقِ الساق فقط، و لا تكن سخيًّا جدا! إنها لا تتطلب الكثير!".
+
اعتذر الطفل عن هفوته، و التفت ناحية خاله قائلا بحماس:
+
"أترى يا خالي؟ أصبحتُ مزارعا ممتازًا!".
+
كان هارولان لا يزالُ يحدق بالنبتة و التراب الأحمر الذي يحتضنها، و دون أن يحيدَ عنها بصره تمتم:
+
"أجل! إنني أرى".
+
لم تعرف ماريغولد ما إذا كان ذلك الجواب موجها لها أو للطفل، و قبل أن تحلله، قفز السيد لي إلى المشهد، و خاطب سيده باحترام:
+
"كل شيء جاهز سيد كينغ".
+
نفض هارولان يديه حينها، و أعلن منتصبا:
+
"هيا تعاليا معي! يكفيكما هذا القدر من العمل".
+
ألقت ماريغولد نظرة على معصمها متفقدة الساعة، مدركة أن ميعاد الغداء حل، تخلصت من مرولتها، و نظفت يديها و يدي الطفل جيدا، ثم سارت في أعقاب الخال، ظنا منها أنه يقصدُ البيت، لكنه فاجأها بانعطافه يمينا، باتجاه ٱجمةٍ من الشجر الوارف، أين نُصِبت وسط كل ذلك طاولة صغيرة لثلاثة أشخاص! فغر فمها دهشةً، و قفز لِيو بسعادة و هو يتخذ لنفسه مقعدا، سحب لها هارولان واحدًا أيضا! مهلاً! هل يفعل ذلك حقا؟ هل يسحب لها المقعد بنفسه أم أن هذا مجرَّد حلم؟
10
كان لِيو يجلسُ على يسار ماريغولد، بينما خاله على يمينها، شعرت و هي بينهما أنها في أوجِ سعادتها، و وثب قلبها حين تمتم الطفل بعفويته:
+
"أصبحنا أخيرا مثل تلك العائلة في التلفزيون! سعداء و متقاربين".
5
تبادل هارولان و ماريغولد نظرة عميقة، للحظة عجزت عن ترك عينيه الغامضتين و شأنهما، غير أنها أشاحت عنه متناولة ملعقة من حساء اليقطين، واجه لِيو صعوبةً في اقتطاع جزءٍ من البيرغر الأسترالي، و طار في النهاية بعيدا عنه لينتهي به المطاف مستقرا على العشب، فوجد العبوس طريقا إلى وجهه، لكن قهقهة ماريغولد و منحه قطعة البيرغر خاصَّتها أعادت له ابتسامته شاكرًا، و هذه المرَّة مدَّ هارولان يديه مساعدا صغيره في تقطيعه، مما جعل مرفقه يحتكُّ بساعدها، و عطره يختلطُ بعطرها! ارتعشت و تراجعت إلى ظهر المقعد، فلاحظ هارولان ذلك بطرف عينه، انتهى من مساعدته للطفل، و اعتدل في جلسته، و بصمت غريب وضع البيرغر خاصَّته على صحنها الفارغ! تدحرج نظرها المدهوش إليه، و حاولت التكلُّم لكنه كان أسرع منها:
9
"لا أحبُّ البيرغر الأسترالي!".
+
"بلى! أنت تحبُّه يا خالي، أساسا هانا تطهوه دائما من أجلك!".
56
رفع حاجبيه، كان من المريع بالنسبة له أن يفضح أمره طفله الصغير، لكنه تمالك أساريره المنزعجة و صرَّح بغير اكتراث:
+
"لم أعد كذلك!".
+
التقط بعضا من طبق السلطة هناك، بينما ابتسمت ماريغولد بمرح، و اقتطعت البيرغر إلى شطرين، و هي تقول بلطف:
+
"أنا أيضا لا أحبُّ البيرغر الأسترالي، لكن بما أنك منحتني إياه، فلن أرفضه".
1
استطردت و هي تضع شطرا في صحنه ثانية:
+
"يمكننا أن نتشاركه!".
1
لم يكن ذلك في نظراتها عندما حدق فيها، لقد قالت له بعينيها البنيتين: «يمكنني أن أكذب و أتنازل من أجلك عما أحبه أيضا!».
5
كانت تلك الوجبة عجيبة بمنتهى الوصف، و الجلسة عرفت أهازيجا طروبة من الطيور الغنَّاء، فيما تراوحت الفراشات بهيجة الألوان على طاولتهم تقبل أكتافهم، و ترفرفُ ناشرة بريقها فوق رؤوسهم. لكن ما حدث بعدها كان العجب بعينه! تثاءب لِيو و نام على الطاولة دون أن يشعر، فأمر هارولان تِيا التي كانت تنظف الطاولة بحمله إلى غرفته، و ما إن همَّت ماريغولد بمرافقتها، حتى استوقفها السيد بصوته النافذ:
+
"انتظري!".
+
ترك مقعده، و أضاف:
+
"ستتولى تِيا العناية بلِيو، تعالي!".
+
كان يخاطبها بشكل طبيعي، لكن شيئا غامضا دفعها لإبقاء مسافة بينهما، دنت في خطوة ضيقة منه، فرفع حاجبه، و طرح سؤالا لم تتوقعه:
+
"هل تخافينني؟".
7
"أنا؟ كلا... لا أخافكَ... البتَّة... سيد كينغ!".
+
أراد أن يسألها الكثير، لكن كل ما تلفظ به:
+
"إذن لِمَ تقفين هناك؟ تعالي و قفي هنا أمامي!".
6
تحركت مطيعة ذلك، و قلبها يخبرها في رقصاته أنها على وشك سماع شيء لا يُصدَّق، و كان ذلك ما حدث بالفعل حين سألها هارولان ببحة صوته المميزة:
+
"هل تحبين ركوب الخيل؟".
4
أومأ رأسها الحائر بالإيجاب، و شعرت أنها منوَّمة و هي تفعل ذلك، و توالت عليها المفاجآت الصادمة عندما أضاف:
+
"الجوُّ اليوم ممتاز لركوب الخيل، هل تأتين؟".
20
عجزت عن تصديق أذنيها، لا! لا ريب أن سمعها يزيِّفُ الحقيقة، هارولان كينغ لم يقل هذا للتو! تفرست فيه ذاهلة، و غمغمت:
+
"أنا لا أفهم... آتي... إلى أين؟".
+
"إلى المروج... معي، ألا تريدين؟".
13
معه! مع هارولان كينغ! لركوب الخيل! هل هناك شيء تحب اختباره أكثر من هذا؟ أن تركب خيلاً و تستكشف جمال كينغلاند بصحبة سيدها و ملك قطعانها السوداء! إنها فرصة أثمن من الذهب. حركت رأسها بغبطة:
+
"بلى! أريد".
+
"جيد! ارتدي بنطالاً بدل هذا الثوب، و لا تنسي قبعتكِ! سأنتظركِ عند البوَّابة".
6
ركضت ماريغولد باتجاه البيت كما لو كانت طفلة، لطالما كان هذا ما تمنت، و اليوم ستلمس الأمنية أخيرا، بسرعة دسَّت ساقيها الممشوقتين داخل بنطال من الجينز الأزرق، و اكتفت بقميص بيضاء ناعمة من الحرير، إضافة إلى حذائها الرياضي الأبيض، و فيما كانت تخطو نحو البوابة يحدوها الحماس أدهشها ما وقفت عليه، و جعلها تمسك خطواتها للحظات متأثرة، كان هارولان قد أحضر المارد و الحصان البري بعدما سرجهما، إن كان المارد له، فهذا يعني أنه اختار الآخر لها، كأنه يقول بذلك ردًّا على كلامها: «نعم! الأبيض لكِ و الأسود لي! في النهاية القسوة و الرقَّة يمكن أن تلتقيا حقا!»، لكن ما إن تابعت سيرها و ألقت نظرة عن كثب إلى حصانها المختار حتى شكَّت في مدى إحسانه التصرُّف، فقد صهل و رفع قائمتيه بمجرد اقترابها، و هذا ما جعلها تتراجع، غير أن هارولان قال مشجعا و هو يناولها الفصل الواقي'²' لترتديه فوق الجينز:
9
"لا تخافي منه! لقد بات ألطف مما سبق، ارتدي أولا هذا حتى لا تتأذى ساقاكِ من الإحتكاك بالسرج!".
+
____________________________________
²• الفصل الواقي: قطعة من جلد البقر يرتديها الرعاة حولها سيقانهم لتحمي بناطيلهم و أجسادهم من الإحتكاك بالسروج و الأحصنة عند الركوب.
+
وجدت صعوبة في ذلك، فتدخل لمساعدتها باحترافية معلقا:
+
"ظننتُ أنكِ فارسةٌ فارسة أصيلة!".
+
"أخطأتَ الظنَّ إذن".
+
قالت ذلك بخجل، فحدق فيها حائرا، و أردف:
+
"لكنك امتطيتِ صهوة المارد، بل جعلته يأخذكِ إلى المروج أثناء الحريق!".
+
عضت شفتها و تمتمت مشيحة عنه:
+
"حسنا كانت تلك محضُ مغامرة من جانبي!".
1
"تقصدين انتحارًا!".
4
سمعت ذلك التعليق الحاد منه و في قرارة نفسها إيمان جازم بأنه سيثور و يرسلها إلى البيت كأن شيئا لم يكن، لكنه لم يغضب، و لم يُلغِ قراره كما فكرت، بل أنهى تثبيت الفصل حول خصرها، ثم عقده جيده عند فخذيها، ليعلن فجأة متناولا يدها:
+
"هذا يعني أنك فارسة مجنونة بحاجة لدروس! فلنبدأ بدرس ثقةٍ إذن، لأنها الأهم!".
+
قربها من الحصان البري، و جعلها تلمسُ خطمه برقة هامسًا:
+
"لا تفكري! لا تتوتري! تنفسي بعمق! و المسيه بهدوء! اجعليه يطمئنُّ لكِ!".
7
فعلت ذلك فاستجاب لها الحصان، و كان أن ضحكت ملتفتتة صوب هارولان:
+
"إنه رائع! إنه... لا يخشاني!".
+
"هذا لأنكِ لا تخشينه! الأمر بسيط! ما تقدمينه له تجدينه عائدا إليكِ!".
3
أضاف و هو يرفعها بخفة لتجلس على صهوته:
3
"الخيل مخلوقاتٌ حسَّاسة، تشعرُ بأعماقنا، أتصوَّرُ أنها مثلكِ تماما، لذلك أثقُ أنكِ تستطيعين التعامل معها بسلاسة!".
2
كلماته رسخت بعقلها و روحها، و أعطتها نفحة من القوة، امتطى بدوره المارد، و أعطى إشارة للحراس كي يفتحوا البوابة، و كانت تلك إشارة الإنطلاق أيضا.
+
طوال الطريق نحو المروج لم يترك الحبل الذي يربطُ الحصان البري، أولا لأن ماريغولد مبتدئة، و ثانيا لأن الحصان نفسه لا يزال طور الترويض، و لم يفقد رغبته الكاملة بالتحرر بعد. كان أحيانا يمسك يدها حين ترتبك، و يردد كلمات مشجعة، كأن يذكرها بضرورة مداعبة عنق الحصان، أو أن يذكرها بوجوده معها!
3
كانت تجربة مميزة بالنسبة لماريغولد، ليس لأنها امتطت الخيل و تلقت دروسا في التعامل مع حصان بري، بل لأنها رأت جانبا آخر من هارولان كينغ، جانبا أبيضا و بديع الجمال، جانبا يمكن أن ترتاح معه أكثر، و تبتسم له طيلة اليوم!
+
توقفا لأخذ قسط من الراحة، قيَّد هارولان الحصان الأبيض إلى شجرة، و أبقى على المارد حُرًّا يقضمُ الحشائش هنا و هناك.
+
"ألا تخشى أن يهرب؟".
+
سألته ماريغولد و هي تداعب حصانها، فأجابها بثقة:
+
"كلا! إنه لا يتخلى عني... لأنني لم أتخلَّ عنه".
+
صحيح! تمتمت لنفسها، أليس هو من أراحه من العذاب؟ أليس هو من منع السياط من الوصول إليه؟ إن المارد يرى في هارولان كينغ حريته! فكيف يتخلى عنه؟ سمعا فجأة صهيل خيول يقترب، تطلعا إلى الأفق، و ذُهِلا من روعة المنظر! عشرات الأحصنة البريَّة تنقرُ الأرض بحوافرها ناثرة الغبار الأحمر حولها، تتسابق فيما بينها بحرية، تعبر عن ذلك العشق الذي يتلبسها و تتلبسه... عشق الهواء الطلق و المساحات الشاسعة! عشق التمرُّد!
+
+
انتفض الحصان البريُّ معبرا بدوره عن ذلك العشق، رفع قائمتيه و صهل بجنون، تمرَّد على قيده، و نقر الأرض عدة مرات بشوق و غضب، حتى تمتم هارولان:
+
"لا بُدَّ أن صديقنا تعرَّف على رفاقه القُدامى!".
+
استدار للنظر إلى ردود الحصان البري ليختبر مدى قبوله للأسر في موقف كهذا، لكن وجه ماريغولد شدَّ انتباهه، كانت حينا تحدقُ في الأسير بأسى، و حينا آخر تلاحق القطيع الحُرَّ بعينين دامعتين، إنه يعلم، هذا المشهد يمزق قلبها، كيف لا يعلم؟ و هي متمردة أيضا، حرَّة و بريَّة بشكل يسرق الأنفاس! أطلق سراح زفرة بطيئة، و تحرَّك بهدوء نحو الحصان البري، خلصه من القيد و السرج، و داعبه قليلا، ثم أرسله إلى نجواه قائلا:
4
"اذهب إذن، أنت طليق!".
18
فتحت ماريغولد فمها مذهولة، أقسمت أن ذلك أجمل ما شاهدته في حياتها، لقاء الحصان البريِّ بأحباب الأيام الخوالي، بمن شاركوه الأرض و النهر و الهواء، كأنه مشهدٌ من الفردوس! تمالكت أخيرا ذهولها، و خطت نحو هارولان معلقة:
+
"أنت تستمرُّ بمفاجأتي سيد كينغ!".
+
تأملت الضباب الذي تركه قطيع الخيول بعد رحيله، و تابعت مبتسمة:
+
"يُخيل لي أحيانا أنني تمكنتُ من فهمك، ثم أعود ثانية لأضيع في دوامة الغموض!".
+
توقفت لترى تأثير كلماتها على وجهه، و بان لها أن شيئا فيه تحرك، لذا استطردت بثقة:
+
"لكن الآن بعد ما حدث لم أعد بحاجة للفهم، كل شيء بات واضحا أمامي!"
+
رفع حاجبيه و تساءل:
+
"عمَّ تتحدثين بحق السماء؟".
+
ابتسمت على مهل معقبة:
+
"عن الصينية التي خصصتها لي و أنا سجينة الإصطبل، عن الوردة البيضاء التي تركتها في غرفتي، و إيطار الصورة الذي نحتته من أجلي، عن الوظيفة التي وفرتها لي، و السقف الذي منحتني إياه، عن تحريرك لريك ليلة أمس، عن كذبة اليوم مثلا!".
2
لمعت عيناه متسائلاً متى تسنى لها أن تعرف بأمر تحريره لريك جونسون، و أردف:
+
"أي كذبة؟".
+
ضحكت مجيبة:
+
"كذبة أنك لا تحب البيرغر... أنا أعرف كم تمقتُ الكذب! قلت لي ذلك بنفسك في البداية، و اليوم كذبت فقط لتُؤثِرني على نفسك!".
+
و قبل أن تتحدث أكثر، دفعها برقة إلى الشجرة، و حاصرها بذراعيه، و نشب فيها عينيه السوداوين متمتما:
50
"ما الذي تحاولين الوصول إليه أيتها المزارعة؟".
5
لوهلة اختلطت أنفاسهما، و كاد قربه يجمد كل أفكارها، لكنها حاربت لتستطرد بابتسامة واسعة:
+
"لقد وصلتُ بالفعل، و اكتشفتُ أنك لست أسودًا من الداخل، أنت فقط مُحتجزٌ في الظلام... و بحاجة لمن يُحرِّرُك!".
3
افترس هارولان تقاطيعها بعينيه، و تاه بجمال الشامات المنتشرة حول شفتيها، و من شدة قربه لها لم يكن بحاجة لنبرة قوية كي يتحدث، لذا همس:
+
"و هل ستكونين أنتِ هذا الشخص؟".
5
شعر هارولان أنه لم يعُد يريد ذلك الظلام مادامت تنظر إليه بهاتين العينين البنيتين! و قال في سرِّه:
+
«ألا كوني ذلك الشخص، و سأكون حُرًّا! من أجلكِ فقط... سأفعل!».
31
همست ماريغولد بدورها:
+
"لا أدري، لكنني سأحاول تحريرك، حتى إن كنتَ أنت سجَّان نفسك!".
3
توقعت أن يريها لمحة من غضبه المعتاد، غير أنه أبعد نفسه عنها قليلاً، ثم زفر و سحبها بهدوء، و رفعها لتجلس على صهوة المارد، قبل أن يقفز جالسا خلفها. أحسَّت بقوته تسري في عروقها، قلبها ينبض بخفقاته هو، و عطره يغلفها بتملك! امتدت ذراعاه حولها إلى اللجام، و همس في أذنها بشكل جعلها ترتجف:
12
"راقبتكِ كيف كنتِ تمسكين اللجام قبل قليل، كنتِ عابثة، اطمئنانكِ المُبكر خاطئ، لا يجبُ أن تفقدي جذوة الشك، لا يجبُ أن تصدقي كل ما تراه عيناكِ، الهدوء لا يعني سيطرتكِ على الموقف أبدا! و الإيمان الزائد يغدو قاتلاً أحيانا!".
7
استدارت إليه و هي تحصي أنفاسها، بينما نظر هارولان في أغوار عينيها مضيفا:
+
"مشكلتكِ أنك متسرعة، تطمئنين لما حولك بسذاجة! لقد وصلتِ بالفعل إلى الأشياء التي تجعلني إنسانا، لكنك لم تصلي بعد إلى الأشياء التي تجعلني وحشا، و أفضِّلُ ألا تفعلي!".
6
صحيحٌ أن كلامه حمل تهديدا لطيفا لها، لقد سبق و حذرها من جانبه المكسور، و الذي إن احتكَّت به سيكلِّفها جروحا! و هذا تحذيره الثاني لها من النبش بأعماقه السوداء؛ لكنها عنيدة، و لا تستسلم، ثم إن وجوده يشعرها بالأمان و القوة، و أفضاله عليها تتراكم يوما عن يوم، و جلوسه خلفها على نفس السرج الآن، يجعلها مرتبطة به، و ملحِّةً في مسعاها مهما كلفها ذلك.
2
حين بلغا المزرعة، كانت الساعة تشيرُ إلى الثانية و النصف زوالاً، أنزلها برفق، و اتجه رأسًا بحصانه إلى الإصطبلات، لتقصد هي البيت، و عقلها يلوكُ آلاف الأفكار حوله، علمت أن لِيو لا يزال مستسلما لقيلولته، دلفت غرفته و قبلته بشغف، المسكين عمل هذا الصباح بجد، سيكون أروع مزارع على الإطلاق! كوالدها ربما! انتقلت إلى غرفتها، و جلست على السرير متناولة صورة والدتها لتلمسها بأناملها متمتمة:
+
«آه أماه! لو أنكِ هنا... لأرشدتني إلى طريق صحيح! هل أنا على جادة الصواب إذا تمسكتُ بسواد هذا الرجل... أم أنني يجبُ أن أدعه و شأنه؟!».
+
أعادت الصورة إلى المنضدة، و سرعان ما قفزت حين وقع بصرها على الهاتف، تخلصت من الفصل الواقي، و ركضت خارج الغرفة باحثةً عن السيد لي و هي تردد صافعة جبينها:
+
«كيف نسيت؟ كيف نسيت؟».
+
في المطبخ كان كبير الخدم يبحث عن جريدة اليوم بفارغ الصبر، و هانا من هناك تشيحُ عنه مخفية وجهها المتقلص، كأنها تخفي عنه أسرار العالم!
6
"أنا واثقٌ أنني تركتها معكِ هذا الصباح! أين ذهبتِ بها عزيزتي؟".
+
"الويحُ لي إن كنتُ أضعتها أو تصرفت فيها! لا بُدَّ أن إحدى الخادمات أخذتها، إبحث عنها في مكان آخر عزيزي!".
+
كانت هانا تجاهدُ لدفعه خارج المطبخ، لكن ظهور ماريغولد جعلها تتوقف عن ذلك، خاطبت الفتاة كبير الخدم باحترام:
+
"سأخرج لبعض الوقت، آمل أن تخبر لِيو حين يستيقظ بعودتي قريبا!".
+
أومأ لها السيد لي موافقا، و قبل أن يطلب من أحد العمال توصيلها، سألها شخص ما يقف خلفها بحدة:
+
"إلى أين؟".
+
استدارت مواجهة هارولان، كان قد تخلص هو الآخر من الفصل الواقي، أجابته ماريغولد بهدوء:
+
"إلى «ويندي هاربور»".
+
"كان عليكِ إعلامي بهذا مسبقا!".
+
قال ذلك بخشونة، فدافعت عن نفسها:
+
"فعلت، أمس... أخبرتك بشأن اتصال المحامي الخاص بإيريكا".
+
تذكر هارولان ذلك، و أردف قبل أن يترك المطبخ:
+
"تعالي إذن سأوصلكِ بنفسي!".
+
لحقت به إلى الخارج مرددة:
+
"لا أريد أن أعطلك عن مشاغلك و...".
+
"لا شيء يشغلني!".
3
قاطعها و هو يفتح لها باب سيارته، و تابع في سرِّه: «لا شيء يشغلني بقدرك!»، رضخت لإرادته و أبقت فمها مطبقا طوال الطريق، و في «ويندي هاربور» كانت الصدمة الكبرى بانتظارهما!
6
جلس الثلاثة بكافيتيريا قريبة من الشاطئ، قلَّب المحامي بعض الأوراق أمامه، و ارتشف هارولان شيئا من قهوته، بينما لم تُؤتِ ماريغولد أية حركة منتظرة ما بجعبة المحامي، عالج نظاراته و قال أخيرا ملوِّحًا بورقة تشبه الرسالة:
+
"آنسة موران، بعد التقديم الغامض الذي سمعته مني قبل قليل، حان وقتُ الأهم، لقد أوصت السيدة لوريل بإمتلاككِ بيتها!".
+
"ماذا؟".
+
أكَّدَ لها المحامي ما سمعته، بأن منحها الوصيَّة لتطلع عليها بنفسها، ألقت ماريغولد نظرة عليها، و أدمعت عيناها على الفور، أجل! هذا هو خط يدها، إيريكا الحبيبة! لماذا فعلتِ هذا؟ توقفت عن مطالعة الوصية و سألت:
+
"ماذا عن ورثتها؟ أعرفُ أن لها إبنا في الفليبين! لا يمكنني قبول البيت و هناك من هو أحق به مني!".
+
"الحق معكِ آنستي!".
+
هزَّ المحامي رأسه، و استطرد:
+
"لكن حسب معلوماتي، إبن الراحلة في غنىً عن أي ميراث، إنه يديرُ فندقا مرموقا في مانيللا و يجني من وراءه أرباحا طائلة، الوصية تؤكد ذلك".
+
تابعت ماريغولد القراءة، و أومأت متأكدة مما جاء فيها، و كان هارولان طيلة ذلك الحوار عابسا، و ما زاد من تجهم وجهه و اشتعال روحه، رضوخ ماريغولد للإرث الذي حصلت عليه بتوقيعها على الأوراق الرسمية و تسلمها المفتاح، الآن سيكون لها بيتها الخاص، ستعود للشاطئ الذي تحبه، و ستنسى مزرعته، ستحظى بسقف لها يحميها، و لن تحتاج سقف بيته الكبير، إنه يعرف كبرياءها، لن تقبل إحسانه، لن تستمر قريبة منه، و ربما ستجد وظيفة هنا أيضا، و ستذوب من حياته كذوبان قطعة سكر في القهوة، لكنها لن تخلف أي طعم حلو، لن تترك له و للطفل سوى المرارة!
9
دقت الساعة الخامسة مساءً، لاحظت ماريغولد جمود وجهه حينها و هما يغادران مكتب الشهر العقاري أين أتمت الإجراءات، و استغربت ذلك، سألها بكل برود إن كانت تود إلقاء نظرة على بيتها الجديد، فوافقت، و على عتبته رفض كل ما بأعماقه أن يدخل برفقتها إلى الجدران التي ستأخذها منه، لكنه دخل! لم تكن هناك قهوة تعدها له، لكنها أعدت له شيئا أسوء من السم في نظره عندما راحت تتأمل البيت بشوق، أراد أن يسحبها بقوة خارجا، أن يأخذها إلى المزرعة عنوة، غير أن الصندوق الذي استخرجته من أحد الأدراج و فتحته امتصَّ غضبه، و طوَّحَ بنواياه!
+
"كنتُ واثقة أن إيريكا لا تزال محتفظة بهذا الألبوم القديم! ٱنظر... هذان الزوجان هنا... هما أبواي! أليسا رائعين؟ أليست أمي صاحبة أجمل إبتسامة على الإطلاق؟".
+
كانت على حق، ابتسامة هذه المرأة تجعل المرء يرغب بتقليدها، قلب هارولان الصفحة، ليصطدم بطفلة في الخامسة من العمر، عيناها واسعتان بلون البن، أهدابها طويلة معقوفة و متعانقة، أنفها لا يكاد يُرى، و شفتاها الصغيرتان مفعمتان بالبراءة و اللطف! كانت تجلس بحضن والدها، دون أم! انحنت ماريغولد لتنظر جيدا، و لمست وجه جاك الضاحك، فيما سأل هارولان:
+
"أهذه أنتِ؟".
+
"أجل، كلما تصفحتُ هذا الألبوم، أبتئسُ لأنني لا أبتسمُ مثل أمي، لا يمكنني أن أملك تلك الإبتسامة أبدا!".
+
"صحيح! لأن لكِ ابتسامتكِ المميَّزة! و خاصَّتُكِ أجمل ربما!".
14
انتبه هارولان لما قاله، فكظم غضبه من نفسه بصعوبة، أغلق الألبوم رافضا أن يرى المزيد، و استقام معلنا بغلظة:
+
"لقد تأخرنا كثيرا!".
+
"حسنا".
+
دون كلمات إضافية، أو احتجاج أوصدت الباب خلفهما، و في لحظات كانت إلى جانبه بالسيارة، تقلب مفتاح البيت بين أصابعها، رنت إليه ببصرها، فألفته على جموده الغريب، كم كان قريبا منها هذا الصباح فقط! غرسا معا وردة الندم، و حررا الحصان البري، و تشاركا صهوة المارد، و الآن... كم هو بعيد بأفكاره عنها!
+
أجبرت إشارة المرور هارولان على التوقف للحظات منتظرا مرور بعض الراجلين، قفزت فجأة فتاة مراهقة تبيع الورود الحمراء إلى نافذته، و راحت تستجديه بلطف:
+
"تفضل سيدي! هذه أجمل وردة في مجموعتي، فقط من أجل رفيقتك الجميلة!".
+
ظنت ماريغولد متأسفة أنه سيهشُّها كذبابة، خاصة و هو جامد هكذا منذ ساعات، لكنه أذهلها حين تأمل البائعة بتفكير عميق، ثم منحها مالا كريما، و التقط الوردة، شكرته المراهقة على البحبوحة التي نالتها، و مضت واثبة نحو سيارة أخرى. التفت هارولان إلى ماريغولد، و دون أن ينظر في عينيها منحها الوردة كأنه يمنحها لشخص غريب! لماذا ستستاء؟ أيعقل أساسا أنه ابتاع من أجلها وردة الحب الحمراء؟ هل يعرف معناها؟ هل يعرف ما ترمز إليه؟ لا ريب أنه يجهل ذلك، و إلا لما قبل على نفسه أن يقدمها لمزارعته البسيطة! أم أنه يعلم... و هذه إحدى الأشياء التي تجعله إنسانا؟
4
كانت ساق الوردة ملفوفة بقصاصة جريدة حديثة الطباعة، و في غمرة شرودها، حررت القصاصة من طياتها، و دون انتباه، قرأت الخبر الرئيسي المطبوع عليها بصوت جهوري: «رحيل النجمة السنيمائية شارلوت بيل يهزُّ العالم! بعدما سقطت طائرتها الخاصة بكولورادو أين كانت تصور فيلمها الجديد و...».
4
أوقف هارولان السيارة بعنف، حتى كاد يتسبب بحادث كارثي، انتزع القصاصة من بين يديها، و بينما كان زمور كل سيارة خلفه يصرخ مستشيطا، كان هو يتفرُّس في صورة النجمة بعينين متأججتين، الحزن أكل تِنك العينين، و الصدمة جعلت وجهه يبدو رماديا، لم يكن هناك ما يصف أماراته آنذاك! ألقى القصاصة في حجر ماريغولد، و انطلق بجنون نحو كينغلاند، اقتحم الباحة بقيادة وحشية، و قفز من السيارة صوب مكتبه تاركا ماريغولد خلفه مصعوقة!
+
دلفت البيت واجفة القلب، فاستقبلها السيد لي متعجبا من ملامحها المخطوفة!
+
"هل من خطب آنستي؟ هل اتجه السيد إلى مكتبه؟".
+
"أجل! لكن لا أظنُّ أنه على ما يُرام، لقد جُنَّ جنونه ما إن رأى هذا الخبر!".
+
سلمته القصاصة، و راقبت الصدمة تصعقه كذلك، لكن الخادم لم يكن بمثل قوة هارولان، شحب و تغضن وجهه، و شاخ فجأة، ضاغطا بيده على يسار صدره، كأنه يعاني ذبحة قاتلة، شهقت ماريغولد قلقة، و طلبت منه أن يستند عليها حتى يبلغ غرفته، و هناك طمأنها بصوته الضعيف، و أرشدها إلى درج يضع فيه دواء القلب خاصَّته، ناولته إياه و سكبت له كوبا من الماء، ثم انتظرت حتى استعاد لونه، عندها فقط سألته بحذر:
2
"سيد لي! من تكون تلك المرأة بالنسبة للسيد و لك؟ لماذا أحدث موتها كل هذا؟".
+
نظر إليها الخادم بتعب، و تمتم فارغ النظرات:
+
"لأنها... شقيقة السيد... شارلوت بيل كينغ... والدة لِيو!".
32
و أضاف بفؤاد مكلوم:
+
"... صغيرتي بيل التي ربيتُها مُذ كانت في اللفَّة!".
+
غادرت ماريغولد غرفة كبير الخدم ملتاعة، و بينما كانت تتجه إلى غرفتها، لمحت لِيو يسير نحوها بعيون ناعسة و ثغر متثائب، يبدو أنه استيقظ لتوه، و سيعاني من أرق الليلة جراء هذه القيلولة الطويلة، و ستعاني هي الأخرى من أرق التعاسة، لاحظ وجودها فركض نحوها مغتبطا، انحنت له و احتوته بين ذراعيها دامعة، حاولت جاهدة ألا تجهش بالبكاء، أن تبقي كل الألم داخلها، أبعدها لِيو عنه متسائلا و هو يجفف دموعها:
+
"لماذا تبكين صديقتي؟".
+
"أنا لا أبكي! أعتقدُ أنه الغبار".
+
فكرت قليلا، ثم أردفت:
+
"هاتِ لعبة الأحجية و اسبقني إلى غرفة الصالون، هناك ما علي القيام به أولا، لن أتأخر يا عزيزي!".
+
عادت أدراجها تاركة البيت، و حثت خطاها باتجاه مكتبه، و هذه المرة لم تطرق، لقد قطعت وعدا أن تحرره من الظلام، و هذا ما ستفعله، دلفت مباشرة و أغلقت الباب خلفها، و لم يكن هناك ضوء بالمكتب سوى نور خافت متسلل من النوافذ، و هناك على المقعد يستلقي هارولان كينغ وسط سواده، يدخن سيجارته محطما... مهزوما... خائبا! لكن بمجرد ما تكلمت زائرته العنيدة حتى انقلب كل شيء رأسا على عقب! تمتمت ماريغولد و دموعها لا زالت تتساقط:
1
"لقد أخبرني السيد لي من تكون شارلوت بيل بالنسبة لك!".
+
كانت على وشكِ المواصلة... غير أن عيناه أطلقتا نحوها أخطر نظرة على الإطلاق!
27
نهاية الفصل الرابع و العشرين.
+
