اخر الروايات

رواية في قبضة العاصم الفصل الثالث والعشرين 23 بقلم سيليا البحيري

رواية في قبضة العاصم الفصل الثالث والعشرين 23 بقلم سيليا البحيري



                                              
في  فيلا عائلة رانيا / الليل
غرفة واسعة، فاخرة أكثر مما يجب.
مرايا ضخمة، إضاءة صفراء دافئة، لكن الجو بارد… خانق.
رانيا كانت جالسة أمام المرآة، شعرها مبعثر، مكياجها نصف ممسوح.
تحدّق في انعكاسها وكأنها تكره الصورة… لا نفسها فقط.
ضغطت بأظافرها على حافة الطاولة الزجاجية.
رانيا (تتمتم):
ـ تحبها…
قالها في وشي.
بكل برود.
ضحكة قصيرة خرجت منها، لكنها كانت أقرب للبكاء.
رانيا:
ـ نيروز…
ولا حتى تعرف تمشي في الدنيا.
ولا تلبس…
ولا تفهم حاجة.
نهضت فجأة، بدأت تمشي في الغرفة بعصبية.
رانيا:
ـ وأنا؟
أنا اللي كنت معاه سبع سنين؟
أنا اللي استنيته؟
أنا اللي يعرفني ويعرف ضعفي؟
توقفت أمام المرآة، عيناها اشتعلتا:
رانيا:
ـ قال عليّا رخيصة.
قال شمال.
ضربت المرآة بقبضتها، فاهتزت دون أن تنكسر.
رانيا (بصوت مبحوح مليء بالحقد):
ـ أقسم بالله…
هخليه يندم.
فُتح باب الغرفة دون استئذان.
دخلت صافي…
امرأة في الخمسينات، فستان ضيق لامع، شعرها مصبوغ بعناية، رائحة عطر قوية تسبقها.
نظرت لابنتها من أعلى لأسفل بازدراء.
صافي:
ـ إيه المنظر ده؟
هو انتي ناوية تعيشي دور الضحية ولا إيه؟
رانيا لم تلتفت.
رانيا:
ـ مش وقتك يا ماما.
ضحكت صافي بسخرية وهي تقترب من المرآة الأخرى:
صافي:
ـ وقتي دايمًا.
بس انتي اللي عمرك ما عرفتي تستغليه.
التفتت رانيا أخيرًا، عيناها محمرتان:
رانيا:
ـ سليم اتجوز.
صافي رفعت حاجبها بلا مبالاة:
صافي:
ـ آه…
سمعت.
ثم قالت ببرود جارح:
صافي:
ـ كنتي فاكرة إنه هيستناكي سبع سنين؟
وانتي بتجري ورا التمثيل واللاشيء؟
رانيا اقتربت منها خطوة:
رانيا:
ـ أنا كنت غبية.
بس دلوقتي…
دلوقتي مش هسيبه.
صافي ضحكت ضحكة عالية:
صافي:
ـ مش هتسيبيه؟
هو لعبة في إيدك؟
ثم اقتربت منها وهمست بسم قاتل:
صافي:
ـ انتي ضيّعتيه بإيدك.
وابن سليمان القيصري…
مش بيرجع لورا.
رانيا صرخت:
رانيا:
ـ هو حقي!
صافي نظرت لها نظرة قاسية:
صافي:
ـ الحق؟
الحق بيتاخد بالعقل، مش بالهوس.
سكتت لحظة، ثم أضافت بلا رحمة:
صافي:
ـ وبصراحة؟
انتي خيبت أملي.
رانيا شهقت، لكن الحقد كان أسرع من الدموع.
رانيا:
ـ هو قال إنه يحبها.
قال إنها أنضف مني.
صافي رفعت كتفيها بلا اكتراث:
صافي:
ـ الرجال دايمًا بيحبوا اللي سهل يسيطروا عليها.
طفلة بريئة…
طبيعي.
ثم اقتربت من حقيبتها:
صافي:
ـ بس انتي؟
انتي لو كنتي ذكية…
كنتِ لعبتيها صح.
رانيا همست، صوتها مظلم:
رانيا:
ـ وأنا هعمل كده.
هخليه يشوف وشها الحقيقي.
هخليها تخسره…
وتخسر كل حاجة.
صافي نظرت لها للحظة…
ثم ابتسمت ابتسامة باردة:
صافي:
ـ بس خلي بالك.
ما تجيبليش فضايح.
ثم استدارت نحو الباب:
صافي:
ـ أنا رايحة أجهز.
عندي حفلة الليلة.
توقفت عند الباب، دون أن تلتفت:
صافي:
ـ بالمناسبة…
وأنتي بتخططي لتدمير حياتهم…
حاولي تدمري حياتك أقل شوية.
وأغلقت الباب.
بقيت رانيا وحدها.
الصمت عاد…
لكن هذه المرة، كان مليئًا بالقرار.
اقتربت من المرآة، ابتسمت ابتسامة مظلمة:
رانيا (بهمس):
ـ الحب؟
لا…
أنا أعرف حاجة أقوى.
أخرجت هاتفها، ضغطت رقمًا محفوظًا بلا اسم.
رانيا:
ـ محتاجة خدمة.
كبيرة.
*****************
في  فيلا عائلة الراوي / بعد الظهر
الفيلا هادئة… هدوء ثقيل لا يشبه الراحة.
أصوات بعيدة من الحديقة، ووقع خطوات خفيفة لخادمة تمرّ من الممر.
ربى كانت جالسة على الكرسي المتحرك قرب نافذة الصالون، يداها في حجرها، تنظر للخارج بلا تركيز.
جسدها لا يزال ضعيفًا، لكن روحها… كانت أضعف.
دخلت نوال من الممر، وجهها مشدود، تحمل هاتفها بيد، وباليد الأخرى عبثت بأساورها الذهبية بعصبية.
أغلقت الهاتف فجأة، ثم التفتت نحو ربى.
نوال (بصوت متوتر):
ـ ربى…
اسمعيني كويس.
رفعت ربى عينيها ببطء، ابتسمت ابتسامة صغيرة مهذبة:
ربى:
ـ خير يا طنط؟
نوال لم تبتسم.
اقتربت منها خطوة، ثم أخرى.
نوال:
ـ أختي لمى…
جاية النهارده.
تجمّدت ربى.
ربى:
ـ أه…
أهلاً وسهلاً.
نوال زفرت بضيق:
نوال:
ـ لا.
مش أهلاً ولا حاجة.
ثم قالت بحدة مفاجئة:
نوال:
ـ جاية علشان نتفق…
على خطوبة بيجاد وتالين.
سقطت الكلمات كصفعة.
ربى شهقت بخفة، ثم قالت بصوت واهن:
ربى:
ـ بس…
بيجاد—
قاطعتها نوال فورًا:
نوال:
ـ اسمعيني للآخر.
نظرت لها بنظرة فاحصة، باردة:
نوال:
ـ لمى وتالين…
ما يعرفوش إن بيجاد اتجوز.
ربى اتسعت عيناها:
ربى:
ـ إزاي؟
نوال شدّت شفتيها:
نوال:
ـ وهما مش هيعرفوا.
صمت ثقيل.
ربى (بهمس):
ـ يعني…
أعمل إيه؟
نوال تنفست بعمق، وكأنها تقول أمرًا بديهيًا:
نوال:
ـ تطلعي أوضتك.
وما تنزليش.
ولا صوت… ولا وجود.
ربى نظرت للأرض.
ربى:
ـ حاضر…
لكن نوال لم تكتفِ.
نوال (بنبرة قاسية):
ـ وجودك…
هيعمللي إحراج.
رفعت ربى رأسها ببطء:
ربى:
ـ إحراج؟
نوال أمالت رأسها قليلًا:
نوال:
ـ أيوه.
لمى لو عرفت إن بيجاد ساب بنتها
واتجوز واحدة…
(توقفت لحظة)
في حالتك…
سكتت، لكنها أكملت بلا رحمة:
نوال:
ـ علاقتي بأختي هتتدمر.
ربى بلعت ريقها، عيناها لمعتا بالدموع:
ربى:
ـ أنا…
ما كنتش عايزة أسبب مشكلة لحد.
نوال عقدت ذراعيها:
نوال:
ـ وده اللي كنتِ لازم تفكري فيه من الأول.
صمت.
ثم قالت نوال ببرود قاتل:
نوال:
ـ بصراحة؟
إنتِ مش مناسبة لبيجاد.
ربى ارتعشت.
ربى:
ـ أنا بحبه…
نوال ضحكت ضحكة قصيرة بلا دفء:
نوال:
ـ الحب ما يكفيش.
ابني محتاج واحدة
تقف جنبه…
مش واحدة محتاجة حد يشيلها.
الدموع سقطت أخيرًا من عيني ربى.
ربى (بصوت مكسور):
ـ أنا بتحسن…
الدكاترة قالوا—
قاطعتها نوال:
نوال:
ـ قالوا إيه؟
هتمشي؟
ولا هتفضلي نص إنسانة؟
شهقة مكتومة خرجت من ربى.
نوال اقتربت أكثر، خفضت صوتها وكأنها تنصح:
نوال:
ـ لو ذكية…
تطلبي الطلاق بهدوء.
رفعت ربى رأسها بصعوبة:
ربى:
ـ طلاق؟
نوال:
ـ أيوه.
بيجاد مع الوقت هيزهق.
وهيكره ضعفه…
وهيكرهك.
ثم أضافت دون تردد:
نوال:
ـ وساعتها…
هيرجع لبنت خالته.
تالين جميلة…
صحتها كويسة…
وتشرف.
سكتت، ثم التفتت نحو الخادمة التي كانت تقف على بُعد:
نوال:
ـ خديها أوضتها.
ربى لم تعترض.
لم تتكلم.
اكتفت بإيماءة خفيفة.
ربى (بصوت خافت):
ـ ممكن…
تساعديني؟
الخادمة اقتربت بسرعة، دفعت الكرسي المتحرك نحو السلم.
وقبل أن تبتعد، قالت ربى بصوت بالكاد يُسمع:
ربى:
ـ أنا آسفة.
نوال لم ترد.
في الممر،
وعند باب غرفتها،
طلبت ربى من الخادمة التوقف.
ربى:
ـ سيبيني لوحدي شوية.
دخلت الغرفة، أغلقت الباب بهدوء.
جلست على السرير،
نظرت إلى ساقيها…
ثم إلى يديها المرتعشتين.
همست لنفسها، بعزم غريب يولد من الألم:
ربى:
ـ أنا مش عبء…
ومش هكون سبب كسر لحد.
نظرت نحو النافذة،
وعيناها امتلأتا بقرار لم يتضح بعد.
قرار…
سيغيّر كل شيء.
******************
في  — سويسرا / الجناح الطبي الخاص / مساء
الضوء الأبيض كان ناعمًا، هادئًا، ينعكس على الجدران الزجاجية.
الهواء بارد قليلًا، رائحة مطهّر خفيفة، وصوت جهاز المراقبة ينبض بإيقاع منتظم.
كان الشاب مستلقيًا على السرير، نصف جالس، رأسه مائل قليلًا.
عيناه الزرقاوان—المتعبتان—تتأملان المكان كأنه يراه لأول مرة…
وهو كذلك.
جلست إيلينا على الكرسي القريب، ساق على ساق، ترتدي فستانًا صيفيًا بسيطًا، قصيرًا قليلًا كما اعتادت، وشعرها الأشقر مربوط بعفوية.
كانت تنظر إليه بابتسامة تحاول أن تكون مطمئنة…
لكن قلبها كان يخفق بسرعة.
إيلينا (بصوت هادئ):
ـ كيف رأسك الآن؟
هل الألم أخف؟
الشاب وضع يده على صدغه، تنفّس بعمق:
الشاب:
ـ كأن…
كأن في ضباب.
مش ألم حقيقي…
بس ثِقل.
سكت لحظة، ثم نظر إليها مباشرة:
الشاب:
ـ أنتِ…
أنتِ مين؟
ابتسمت إيلينا، رغم أن السؤال مزّقها من الداخل.
إيلينا:
ـ أنا إيلينا.
طبيبتك.
ترددت، ثم أضافت بلطف:
إيلينا:
ـ وأنا كنت معك…
من وقت طويل.
عقد حاجبيه:
الشاب:
ـ قد إيه طويل؟
ابتلعت ريقها:
إيلينا:
ـ ثلاث سنوات.
فتح عينيه بدهشة صامتة.
الشاب:
ـ ثلاث…
سنين؟
نظر إلى يديه، إلى جسده، كأنه يحاول تذكّر شخصٍ كان هنا ثم اختفى.
الشاب:
ـ وأنا؟
مين كنت؟
إيلينا هزّت رأسها ببطء:
إيلينا:
ـ لا تضغط على نفسك.
ذاكرتك…
لسه نائمة.
ثم قالت بابتسامة خفيفة:
إيلينا:
ـ المهم إنك حي.
وإنك هنا.
نظر إليها طويلًا.
شيء ما في صدره تحرّك…
شعور غير مفهوم، لكنه دافئ.
الشاب (بصوت منخفض):
ـ صوتك…
مألوف.
قلب إيلينا قفز.
إيلينا:
ـ كنت أتحدث معك…
حتى وأنت نائم.
ابتسم ابتسامة خفيفة، أول ابتسامة حقيقية.
الشاب:
ـ إذن…
أنتِ الشيء الوحيد الحقيقي في هذا المكان.
وقبل أن ترد—
فُتح الباب دون طرق.
دخل طبيب شاب، شعره داكن، ملامحه وسيمة لكن نظراته وقحة.
ابتسامة جانبية لم تعجب إيلينا أبدًا.
الطبيب:
ـ مساء الخير، إيلينا.
نظر إليها من رأسها حتى قدميها دون خجل.
الطبيب (بمزاح رخيص):
ـ كالعادة…
تجعلين المكان أكثر إشراقًا.
شدّ الشاب جسده تلقائيًا.
شيء ما انقبض داخله.
إيلينا (ببرود مهني):
ـ مساء الخير، دكتور لوكاس.
هل من شيء عاجل؟
لوكاس اقترب خطوة إضافية، لا يزال ينظر إليها لا إلى المريض.
لوكاس:
ـ فقط أطمئن.
(ينظر إلى فستانها)
واضح أنكِ خرجتِ من العمل…
أم أن هذا اللوك الجديد للمرضى المحظوظين؟
ابتسم بوقاحة.
فجأة—
الشاب:
ـ ابتعد.
الصوت كان حادًا، غير متوقع.
لوكاس التفت إليه مستغربًا:
لوكاس:
ـ عفوًا؟
الشاب جلس باعتدال، عينيه اشتعلتا:
الشاب:
ـ لا تنظر إليها هكذا.
إيلينا اتسعت عيناها:
إيلينا:
ـ لا، لا—
كل شيء بخير.
لوكاس ضحك باستخفاف:
لوكاس:
ـ يبدو أن الغيبوبة أعادتك حساسًا أكثر من اللازم.
وقبل أن يُكمل—
الشاب نهض فجأة، رغم ضعفه، خطوة غير متزنة…
ثم—
ضربة قوية.
قبضة ارتطمت بوجه لوكاس.
سقط الطبيب للخلف مصطدمًا بالطاولة.
إيلينا صرخت:
إيلينا:
ـ لا! توقف!
لوكاس نهض غاضبًا:
لوكاس:
ـ أيها المجنون!
اندفع نحوه، اشتبك الاثنان.
الشاب كان أضعف جسديًا…
لكن الغضب كان يقوده.
إيلينا حاولت الفصل بينهما:
إيلينا:
ـ أرجوكما!
توقفا!
لوكاس صرخ:
لوكاس:
ـ أخرجوه من هنا!
الشاب أمسكه من ياقة قميصه، صوته مبحوح:
الشاب:
ـ لا تقترب منها.
أبدًا.
تجمّد لوكاس للحظة…
ثم دفعه بقوة.
تدخل ممرضون بسرعة، فصلوا العراك.
الشاب كان يتنفس بصعوبة، عرق بارد على جبينه، ينظر إلى إيلينا بعينين ممتلئتين بشيء جديد…
شيء مخيف حتى له.
إيلينا اقتربت منه، وضعت يدها على ذراعه المرتجفة:
إيلينا (بهمس):
ـ لماذا فعلت ذلك؟
نظر إليها…
وكأنه يحاول فهم نفسه.
الشاب (بصوت مكسور):
ـ لا أعرف.
لكن…
لم أحتمل.
إيلينا ابتسمت بخوف ودهشة معًا.
في الخارج،
كان القدر قد بدأ يحرّك قطعه.
والرجل الذي لا يعرف اسمه بعد…
بدأ يتذكّر شعورًا واحدًا فقط:
الغيرة.
*******************

+
          

                
كان لوكاس واقفًا وهو يعدّل ياقة قميصه بعصبية، خدّه محمر، نظراته مليئة بالاحتقار.
أما الشاب فكان واقفًا رغم الإرهاق، صدره يعلو ويهبط، عيناه ثابتتان عليه بثبات رجل لا يعرف اسمه… لكنه يعرف حدوده.
ضحك لوكاس بسخرية قصيرة:
لوكاس:
ـ تصدق؟
ده اللي ناقص…
مريض يصحى من غيبوبة ويقرر يضرب دكتور.
اقترب خطوة، صوته مليء بالاستعلاء:
لوكاس:
ـ أنت عارف إن ده اعتداء؟
أقدر أقدّم بلاغ رسمي…
وتطلع من هنا على مركز الشرطة مباشرة.
الشاب شدّ فكه، تقدّم خطوة رغم ضعف ساقيه:
الشاب:
ـ بلّغ.
بس قبلها…
اتعلّم تبصّ بعينك، مش بشهوتك.
لوكاس ضحك باستخفاف:
لوكاس:
ـ يا سلام!
بقيت واعظ أخلاقي فجأة؟
ثم أضاف بتهكّم:
لوكاس:
ـ واضح إن الغيبوبة عملت لك غسيل دماغ.
إحنا هنا في أوروبا،
مش في مسجد.
الهواء تجمّد.
عينا الشاب اشتعلتا غضبًا خالصًا، صوته خرج منخفضًا… لكنه حاد:
الشاب:
ـ سواء هنا أو في أي مكان…
المرأة مش منظر.
ولا لعبة.
ثم أشار بيده نحوه:
الشاب:
ـ واللي ما يعرفش يحترم…
يتعلّم.
إيلينا كانت صامتة حتى الآن…
لكن عند هذه الجملة، انفجرت.
تقدّمت بخطوتين، وقفت بينهما، عيناها تقدحان شررًا:
إيلينا (صارخة):
ـ كفاية يا لوكاس!
التفت لها بدهشة:
لوكاس:
ـ إيلينا، الموضوع مش—
قاطعته بحدة:
إيلينا:
ـ لا.
الموضوع بالضبط زي ما هو.
اقتربت منه أكثر، دون خوف:
إيلينا:
ـ مريض استيقظ من غيبوبة،
وأنت بدل ما تراجع حالته
كنت بتقيّمه كأنك في ملهى ليلي.
سكتت لحظة، ثم أضافت ببرود جارح:
إيلينا:
ـ وكلنا نعرف إن ده مش أول مرة.
لوكاس شحب:
لوكاس:
ـ انتِ بتتهميني؟
إيلينا (بثبات):
ـ أنا بقول الحقيقة.
ثم رفعت صوتها أكثر، لتسمع الممر كله:
إيلينا:
ـ ولو فكرت لحظة
تقدّم بلاغ ضده…
أنا هقدّم بلاغ تحرّش رسمي ضدك.
سكتت لحظة، ثم أردفت بابتسامة باردة:
إيلينا:
ـ ومع سجلّك؟
مش هتحب التحقيق.
لوكاس تراجع خطوة دون وعي.
لوكاس (بصوت منخفض غاضب):
ـ إنتِ بتلعبِ بالنار.
إيلينا:
ـ لا.
أنا بطفيها.
صمت.
لوكاس نظر إلى الشاب، ثم إلى إيلينا، ثم شدّ قبضته:
لوكاس:
ـ الموضوع…
مش خلص.
استدار وغادر الغرفة بعنف، الباب أغلق خلفه بقوة.
ساد صمت ثقيل.
الشاب كان يراقبه وهو يخرج، ثم قال بهدوء فيه شماتة واضحة:
الشاب:
ـ يبدو إن القانون…
مش دايمًا مع اللي يسيء استخدامه.
التفت إلى إيلينا.
نظر إليها نظرة مختلفة الآن…
أعمق.
أدفأ.
الشاب:
ـ شكراً.
إيلينا تنفّست بعمق، حاولت استعادة هدوئها:
إيلينا:
ـ ما عملتش حاجة غير الصح.
ثم نظرت إليه بقلق:
إيلينا:
ـ لكنك ما كان لازم تنهض.
أنت لسه ضعيف.
ابتسم ابتسامة خفيفة… صادقة:
الشاب:
ـ يمكن.
بس في حاجات…
تحسسني إني قوي.
تورد وجه إيلينا قليلًا.
إيلينا:
ـ زي إيه؟
نظر إليها مباشرة، بلا تردد هذه المرة:
الشاب:
ـ إنك ما خفتيش.
لحظة صمت…
ثم صوت جهاز القلب عاد واضحًا.
في مكان ما في ذاكرته المفقودة،
كان رجلٌ يعرف الشرف
يستيقظ ببطء.
ولوكاس؟
كان قد خرج…
لكن حقده لم يخرج معه.
********************
في مصر في فيلا الزهراوي 
توقفت سيارة ليل أمام بوابة الفيلا أخيرًا.
أطفأت المحرك، أراحت رأسها على المقعد للحظة طويلة.
ليل (تتمتم):
ـ يوم جامعة…
يوم مشاعر…
يوم مراد الشرقاوي…
ناقص حد يطلعلي من الحيطة.
رفعت رأسها…
وعيناها وقعتا على سيارة سوداء مألوفة مركونة أمام الفيلا.
ضيّقت عينيها.
ليل (بسخرية مرهقة):
ـ آه…
طبعًا.
جوزي على الورق قرر يزور أهلي.
يا ترى جاي يعمل إيه؟
يوقّع على إيصال أمانة؟ ولا يسلّم نفسه للنيابة؟
نزلت من السيارة، أغلقت الباب بقوة خفيفة، وعدّلت حقيبتها على كتفها.
دخلت الفيلا بهدوء…
الصالة كانت شبه مظلمة، الإضاءة خافتة.
ليل (بصوت عادي):
ـ بابا؟
حد هنا؟
خطوتين للأمام…
وفجأة—
عاصم (من خلفها بصوت عميق مخيف):
ـ اتأخرتِ.
صرخة قصيرة خرجت منها دون تفكير:
ليل:
ـ آاااااه—!
استدارت بسرعة، قلبها يخبط في صدرها.
ليل (تضع يدها على قلبها):
ـ إنت مجنون؟!
عايز تموتني؟!
عاصم كان واقفًا خلفها، ذراعيه معقودتان، وجهه جاد… لكن عينيه تلمعان بمكر واضح.
عاصم:
ـ ده استقبال لجوزك؟
ولا ده برنامج رعب جديد؟
ليل (بغيظ):
ـ جوزي؟
ده أنا افتكرتك حرامي…
على الأقل الحرامي بيبقى عنده سبب واضح.
اقترب خطوة.
عاصم:
ـ وأنا سببي واضح جدًا.
ليل (تخلع حذاءها بعصبية):
ـ آه، أكيد.
بابا بعتلك استدعاء رسمي؟
“احضر فورًا للفصل في قضية زواج فاشل”؟
ابتسم ابتسامة جانبية.
عاصم:
ـ تقريبًا.
مرت بجانبه متجهة للدرج.
ليل:
ـ طيب كويس.
خلّصتوا؟
ولا لسه بيتناقشوا إذا كنتِ هدية ولا عبء؟
مدّ يده وأوقفها من معصمها بلطف مفاجئ.
عاصم:
ـ ليل.
نظرت إليه…
رغم السخرية، التعب كان واضحًا في عينيها.
ليل:
ـ إيه؟
عاصم (بنبرة أقل حدّة):
ـ كنتِ فين؟
ليل (تتنهد):
ـ عند ناس مكسورين.
ناس أبوهم طلع أسوأ مما تخيلنا.
وأنا… تعبت.
سكت لحظة، ثم أضافت بسخرية دفاعية:
ليل:
ـ بس متقلقش.
لسه قادرة أتنفس من غير إذنك.
عاصم نظر إليها طويلًا…
ثم قال فجأة:
عاصم:
ـ مراد خرج.
تجمّدت.
ليل (بهدوء مخيف):
ـ عرفت.
رفعت رأسها بثبات:
ليل:
ـ بابا اتكلم معايا.
وزين كان مولّع.
وأنا؟
أنا غضبانة.
اقتربت منه أكثر:
ليل:
ـ بس اللي يقهرني…
إنه اتجرأ يهدد بابا.
تصلّبت ملامح عاصم.
عاصم:
ـ عشان كده أنا هنا.
ضحكت ضحكة قصيرة ساخرة:
ليل:
ـ آه طبعًا.
الفارس الأسود حضر متأخر بس حضر.
اقترب منها فجأة، صوته انخفض:
عاصم:
ـ أنا ما بخافش عليكِ من العالم،
أنا بخاف على العالم منك لما تغضبي.
رفعت حاجبها:
ليل:
ـ ده تهديد ولا غزل؟
عشان أحدد أرد إزاي.
ابتسم لأول مرة بصدق خفيف.
عاصم:
ـ تحذير.
ثم أضاف بنبرة أخف:
عاصم:
ـ وبالمناسبة…
آدم، إدهم، وزياد قاعدين تحت.
والحكم النهائي لسه ما نزلش.
وضعت يدها على خصرها:
ليل:
ـ آه لا.
مش داخلة محكمة عائلية وأنا بالشكل ده.
نظرت إليه بتحدٍ:
ليل:
ـ بس قولهم حاجة واحدة.
عاصم:
ـ إيه؟
ليل (بابتسامة شرسة):
ـ إن ليل الزهراوي
لسه واقفة…
ومش ناوية تقع.
نظر إليها بإعجاب صامت.
عاصم (يتمتم):
ـ وده بالضبط سبب إن الموضوع مش بسيط.
في الأعلى…
ضحكة قصيرة خرجت منها رغم كل شيء.
وفي الأسفل…
قرارات خطيرة كانت تُطبخ.
***********************

+



        
          

                
سادت لحظة صمت بينهما.
ليل كانت تهمّ بالصعود لغرفتها، لكن عاصم لم يتحرّك.
ظل واقفًا مكانه… ينظر.
نظر طويل.
أطول مما يجب.
ليل شعرت بالنظرة قبل أن تراها.
توقفت، التفتت ببطء.
ليل (بارتياب):
ـ في إيه؟
لم يجب فورًا.
عاصم كان شاردًا…
في تفاصيلها:
تعبها، خصلات شعرها المنفلتة، عينيها المتعبة لكن العنيدة.
عاصم (بصوت منخفض):
ـ ما كنتش واخد بالي…
إنك بالشكل ده.
اتسعت عيناها قليلًا.
ليل:
ـ بالشكل ده إزاي؟
اقترب خطوة.
عاصم:
ـ مختلفة.
قوية… ومتعبة… وجميلة.
تجمّدت.
احمرّ وجهها فجأة، وارتبكت بشكل واضح.
ليل (بعصبية خجولة):
ـ عاصم!
إنت بتبص كده ليه؟!
لوّحت بيدها أمام وجهه:
ليل:
ـ ركّز!
أنا بكلمك!
ابتسم.
ابتسامة مستفزة… مستمتعة.
عاصم:
ـ وأنا مركز جدًا.
تقدّم خطوة أخرى، حتى صار قريبًا أكثر مما تحب أن تعترف.
ليل (تتوتر):
ـ ابعد.
عاصم (هادئ):
ـ ليه؟
دفعت صدره بيدها بخفة غاضبة:
ليل:
ـ عشان أنا مش لوحة فنية!
ضحك بخفوت.
عاصم:
ـ لا.
إنتِ أخطر من لوحة فنية.
زادت حمرة وجهها، فاشتعل غضبها:
ليل:
ـ إنت قليل الذوق!
عاصم (يرفع حاجبه):
ـ قليل الذوق؟
ولا زوجك؟
توقفت.
نظرت إليه بحدة.
ليل:
ـ إنت بتستغل الكلمة دي قوي.
اقترب أكثر، صوته صار أهدأ:
عاصم:
ـ لأ.
بفكّرك بس.
ثم قال بثقة ثابتة:
عاصم:
ـ إنتِ مراتي.
وأنا جوزك.
مش غربا.
سكتت.
القلب سبق العقل.
ليل (بعناد):
ـ على الورق.
ابتسم… كأنه كان ينتظر الجملة.
عاصم:
ـ الورق ساعات أقوى من الواقع.
خصوصًا لما الواقع… عنيد زيك.
استدارت بسرعة لتخفي ارتباكها:
ليل:
ـ تصبح على خير.
تحرّكت خطوتين…
ثم صوته خلفها:
عاصم:
ـ ليل؟
توقفت دون أن تلتفت.
عاصم:
ـ مهما حاولتِ تتجاهلي…
إنتِ عارفة إن مفيش حاجة بينا عادية.
شدّت قبضتها… ثم قالت بحدة تخفي خجلًا واضحًا:
ليل:
ـ نام يا عاصم.
واضح إنك محتاج.
ضحك ضحكة خفيفة حقيقية هذه المرة.
عاصم (بهمس):
ـ محتاجك.
صعدت الدرج بسرعة…
لكن ابتسامتها خانتها.
وخلفها…
عاصم ظل واقفًا،
يعرف جيدًا أن المعركة بينهما
لم تبدأ بعد.
*********************
في  الصعيد / فيلا مصطفى القناوي أخ نرمين— ليلًا
الغرفة واسعة… لكنها باردة.
سقف عالي، شباك خشب قديم مفتوح على زرع ساكن، وصوت صراصير الليل مالي المكان.
نرمين قاعدة على طرف السرير.
لابسة جلابية سودة بسيطة، شعرها مفرود على كتافها، عينها باصّة في الفراغ.
قدّامها شنطة سفر مقفولة…
ولا صورة لأولادها.
مدّت إيدها ببطء، مسكت طرف المخدة، وضغطت عليها كأنها بتكتم صرخة.
نرمين (بهمس مكسور):
ـ يا خسارة عمري…
يا خسارة سكوتي.
سكتت شوية…
والدمعة نزلت تقيلة.
نرمين:
ـ كنت فاكرة نفسي بحميهم…
طلعت بدمّرهم.
قامت من مكانها، قربت من الشباك، بصّت للغيطان.
نرمين (بصوت متحشرج):
ـ ريما…
يا بنتي، كنتِ دايمًا شايفاني قوية.
وأنا كنت أضعف من إني أقول كلمة حق.
حطّت إيدها على صدرها.
نرمين:
ـ وسليم…
ابني…
بصّته النهارده كانت أصعب من أي صفعة.
ولا شتيمة…
ولا حتى غضب.
رجعت قعدت، دفنت وشها بين إيديها.
نرمين:
ـ كرهوني…
وعندهم حق.
سكتت…
ثم تمتمت بندم صريح:
نرمين:
ـ شُفت…
وعرفت…
وسكِت.
صوت خطوات برا الغرفة.
ثم طرق خفيف.
مشيرة (من بره، بنبرة ناشفة):
ـ العشا جاهز.
نرمين ما ردّتش.
فتح الباب شوية، مشيرة دخلت بنص جسمها، عيونها مليانة برود.
مشيرة:
ـ مالك قافلة على نفسك كده ليه؟
مش غريبة يعني…
بس برضه.
رفعت نرمين رأسها، عيونها محمرة.
نرمين (بهدوء صعيدي موجوع):
ـ مش جعانة يا مشيرة.
سيبيني لحالي.
مشيرة ابتسمت ابتسامة مش حلوة.
مشيرة:
ـ زي ما تحبي.
بس ما تنسيش…
إنتِ هنا ضيفة.
قفلت الباب وراها.
الصوت اختفى.
نرمين فضلت قاعدة لحظة…
ثم انفجرت في بكاء مكتوم.
نرمين:
ـ ضيفة…
حتى في بيت دمي.
رفعت وشها للسماء.
نرمين:
ـ يا رب…
أنا غلطت.
بس ما كنتش شيطانة.
سكتت، صوتها اتكسر.
نرمين:
ـ كنت أم خايفة.
وخوفي قتلهم.
مدّت إيدها للتليفون…
فتحت الصور.
صورة ريما…
ثم سليم.
لمست الشاشة بإيد مرتعشة.
نرمين (همس):
ـ سامحوني…
لو يوم…
لو في يوم قدرتوا.
قفلت التليفون.
طفّت النور.
وبقيت قاعدة في الضلمة…
زي سر دفنته بإيديها
ومتأخرة قوي إنها تبكي عليه.
*******************
في  الصالون 
الصالون واسع، سقفه عالي، مراوح السقف بتلف ببطء، ونور أصفر واطي.
مصطفى قاعد على الكنبة الخشب الكبيرة، مسبحته في إيده، جلابيته ناصعة، وشه هادي لكن عينه تقيلة.
مشيرة داخلة من اتجاه السلم، وشّها مقفول.
مصطفى (يرفع عينه بهدوء):
ـ مالها أختي يا مشيرة؟
من ساعة ما جت وهي لا داخلة ولا خارجة.
مشيرة قعدت وهي تزفر:
مشيرة:
ـ زي ما هي يا مصطفى.
قافلة على روحها، لا بتاكل ولا بتتكلم.
وأنا بصراحة…
مش فاهمة جايانا ليه.
شدّ مصطفى المسبحة بين صوابعه.
مصطفى:
ـ دي أختي يا مشيرة.
داري  هي  دارها.
دخل كريم، قعد جنب أبوه، وبص لمراته زينة اللي كانت بتحط الشاي.
كريم:
ـ بصراحة يا بوي…
عمتي متغيّرة قوي.
مش هي اللي نعرفها.
زينة قعدت، بصوت هادي:
زينة:
ـ باين عليها همّ تقيل.
الست لما تسكت كده…
يبقى وجعها كبير.
مشيرة لوت شفايفها:
ـ ولا همّ ولا حاجة.
يمكن زعلت من عيالها،
ولا جوزها عمل حاجة…
الله أعلم.
مصطفى رفع صوته لأول مرة شوية:
ـ مشيرة.
كلامك دا ما يعجبنيش.
سكتت شوية، لكن عينيها لسه مليانة كره.
مصطفى (بصوت أهدى):
ـ نرمين من يوم ما جت وهي موجوعة.
وأنا أخوها…
وواجبي أسأل.
كريم حكّ دقنه:
ـ طب ما نسألها صراحة؟
السكوت دا مقلق.
هزّ مصطفى راسه بالنفي:
ـ لا.
الوجع اللي ما يتقالش
ما يتسألش بعافية.
صمت لحظة…
ثم أضاف:
مصطفى:
ـ اللي عايز يحكي…
بيحكي لما يحس بالأمان.
مشيرة ضحكت ضحكة خفيفة ناشفة:
ـ أمان؟
هي في بيت أخوها ولا في غُربة؟
رمقها مصطفى بنظرة حادة، سكتت فورًا.
مصطفى:
ـ طالما أنا عايش،
أختي في أمان.
تنهد، وبص قدامه:
ـ بس قلبي مش مطمّن.
الست دي شايلة حمل…
وأخاف يكون تقيل عليها.
زينة قالت بلطف:
ـ يمكن لو حسّت إننا قريبين منها…
تفتح قلبها.
مشيرة قامت:
ـ أنا عملت اللي عليّا.
اللي عايزة تتكلم تتكلم.
مش ناقصة همّ.
ومشت ناحية المطبخ.
سكت الصالون.
صوت المروحة بس.
مصطفى بص لابنه( بصوت واطي):
ـ خليك راجل يا كريم.
لو حسّيت إن عمتك محتاجة حاجة…
اقف جنبها.
كريم هز راسه:
ـ من عيني يا بوي.
مصطفى رجّع نظره قدّامه، مسبحته بتلف.
مصطفى (يتمتم):
ـ يا رب استر.
السكوت الطويل…
ورا مصيبة.
وفي فوق…
نرمين قاعدة في الضلمة،
ولا تدري إن تحت
قلق صعيدي تقيل
بيكبر بهدوء.
************************
في فيلا الشرقاوي 
بوابة الفيلا الحديدية واقفة مفتوحة على غير عادتها.
الحارسان عند الباب… واقفين، عيونهم واسعة، أجسادهم متخشبة.
السيارة السوداء تقف ببطء.
ينزل مراد.
بدلته غامقة، ابتسامة باردة على طرف شفايفه، خطواته ثابتة كأنه داخل بيته بعد نزهة، لا سجن ولا قيود ولا جرائم.
أحد الحراس يهمّ بالكلام…
لكن صوته يختنق.
مراد يرمي عليه نظرة واحدة فقط.
مراد (ببرود متعالي):
ـ افتحوا عيونكم كويس.
اللي شاف شيطان…
ما يستغربش لما يرجع.
ولا واحد يتحرك.
مراد يدخل.
الداخل — الصالون الكبير
هدوء…
صوت تلاوة قرآن خافتة.
عبد الرحمن، الشيخ الوقور، قاعد على كرسيه الخشبي، المصحف في إيده، نظارته نازلة على طرف أنفه.
صوته مبحوح، لكن مطمئن.
فجأة…
صوت خطوات.
ثم صوت مراد، متعمد يعلّي نبرته.
مراد:
ـ البيت وحشني.
تتوقف التلاوة.
عبد الرحمن يرفع عينه ببطء…
ثم يتجمد.
يده ترتعش.
المصحف يقع على حجره.
عبد الرحمن (بذهول):
ـ مراد…؟
يقف بعصاه، صوته يهتز بين الغضب والصدمة.
عبد الرحمن:
ـ إنت…
إنت إزاي هنا؟!
مراد يضحك ضحكة قصيرة مستفزة، يدخل أكتر، يرمي المفاتيح على الطاولة.
مراد:
ـ خرجت.
زي أي مواطن شريف.
عبد الرحمن يضرب العصاية في الأرض.
عبد الرحمن (صارخًا):
ـ شريف؟!
إنت فاكر نفسك بتضحك على مين؟!
دم، خيانة، خراب بيوت…
وإنت تقولي شريف؟!
مراد يقرب، صوته يهدى… بس أخطر.
مراد:
ـ لا يا بابا.
أنا ما بضحكش.
أنا بنهي حسابات.
عبد الرحمن يشير عليه بعصاته، صوته يختنق:
عبد الرحمن:
ـ إنت خيبت أملي.
ضيعت اسم العيلة.
كسرت ظهري!
مراد يضحك، بس المرة دي بمرارة قديمة.
مراد:
ـ ظهرك؟
ولا قلبك اللي كان دايمًا مع زياد؟
يسكت لحظة، ثم يكمل، والغِلّ بيطلع:
مراد:
ـ طول عمرك بتحب زياد أكتر مني.
بتثق فيه أكتر مني.
صاحبك…
مش ابنك.
عبد الرحمن يتراجع خطوة، الألم باين في عينه.
عبد الرحمن:
ـ زياد راجل نضيف.
وأنا بحب النضافة.
إنت اخترت طريقك بإيدك.
مراد يصفق ببطء.
مراد:
ـ واهو…
طريقي رجّعني حر.
يقرب أكتر، يهمس تقريبًا:
مراد:
ـ وصدقني…
اللي جاي مش عاجبك.
عبد الرحمن بصوت مكسور لكن حازم:
عبد الرحمن:
ـ أوعى تمد إيدك على زياد.
أقسم بالله…
ما هسامحك لا دنيا ولا آخرة.
مراد يرفع راسه، عينه تلمع بجنون.
مراد:
ـ سامح…
ولا ما تسامحش.
أنا مش جاي آخد إذن.
يلتفت ناحية السلم، ثم يقف فجأة، يرجع يبص لأبوه.
مراد (ببرود قاتل):
ـ قول لزياد…
إن المرادي ما فيش حد هيقف في وشي.
هو…
وإدهم…
واللي فاكر نفسه حاميهم.
عبد الرحمن يصرخ من أعماقه:
عبد الرحمن:
ـ إنت شيطان!
والشيطان آخره الهلاك!
مراد يبتسم.
مراد:
ـ يمكن.
بس قبل الهلاك…
في حسابات بتتصفّى.
يصعد السلم ببطء.
عبد الرحمن يسقط على الكرسي، يرفع المصحف بيد مرتعشة.
عبد الرحمن (بصوت مبحوح):
ـ يا رب…
احفظ اللي باقيين.
وابعد شرّه عنهم.
*********************

+


مراد كان لسه واقف عند أول درجة في السلم.
ما إن سمع حركة خلفه…
التفت.
ريما و سليم نازلين ببطء.
ملامحهم شاحبة، عيونهم غارقة، خطواتهم مترددة كأنهم نازلين لمواجهة حكم نهائي.
الجد عبد الرحمن ينهض فور ما شافهم.
عبد الرحمن (بصوت متألم):
ـ ريما…
سليم…
مراد ابتسم فجأة.
ابتسامة غريبة… مصطنعة.
فتح ذراعيه على وسعهم.
مراد:
ـ ولادي!
وحشتوني…
تعالوا في حضن أبوكم.
ولا واحد اتحرك.
الهواء تقيل.
ريما شدت على إيديها.
سليم رفع راسه، عيونه مليانة غضب.
مراد ضحك بخفة مستفزة.
مراد:
ـ مالكم واقفين كده؟
ولا نسيتوا ريحة البيت؟
سكت لحظة، ثم أضاف ببرود:
مراد:
ـ أمكم فين؟
سابِتني وجريت زي العادة؟
سليم انفجر.
سليم (صارخًا):
ـ ما تجيبش سيرتها!
ولا سيرتك كمان!
مراد ضيق عينه.
مراد:
ـ إيه الصوت ده؟
نسيت نفسك ولا إيه؟
سليم ضحك…
ضحكة مجنونة، موجوعة.
سليم:
ـ أنا فاكر نفسي كويس.
فاكر إني ابن مجرم.
ابن واحد دمّر كل حاجة لمسها.
عبد الرحمن حاول يتدخل:
عبد الرحمن:
ـ سليم…
اهدَى يا ابني.
لكن ريما تقدمت خطوة، صوتها مكسور لكنه حاد.
ريما:
ـ سيبه يا جدو.
خليه يسمع.
مراد بص لها، بنظرة فاحصة.
مراد:
ـ إنتِ كمان؟
جاية تعملي فيها الضحية؟
ريما ضحكت بسخرية مرّة.
ريما:
ـ ضحية؟
أنا سيبت جوزي…
راجل نضيف، ما لوش ذنب…
سيبته عشان مش قادرة أعيش طول عمري
والناس باصة ليّ إني بنت مجرم.
عبد الرحمن شهق.
عبد الرحمن:
ـ يا بنتي…
مراد تجمّد.
مراد:
ـ إنتِ عملتي إيه؟
ريما، بعينين مليانين دموع:
ريما:
ـ خربت بيتي.
زي ما خربت حياتنا كلنا.
سليم قرب منها، وقف جنبها.
سليم:
ـ وإنت لسه واقف بتسأل ليه أمنا سابتك؟
إحنا الاتنين نفسنا نسيب اسمك
بس للأسف…
دمك فينا.
مراد غضب.
ملامحه انقلبت.
مراد (صارخًا):
ـ إنت بتغلط في أبوك؟!
ده عقوق!
حرام!
سليم انفجر ضحك.
سليم:
ـ عقوق؟
الحرام إنك تقتل وتخون
وبعدين تطلب احترام!
ريما هزت راسها، دموعها نازلة.
ريما:
ـ أنا حامل…
وعارفة أكتر حاجة موجعاني إيه؟
مراد اتسع نظره.
مراد:
ـ حامل؟
ريما صرخت:
ريما:
ـ موجعاني إني خايفة ابني
يطلع في يوم يشاور عليّ ويقول:
دي بنت مراد!
عبد الرحمن انهار، دموعه نزلت.
عبد الرحمن:
ـ حسبنا الله…
مراد فقد أعصابه.
اتقدم خطوة، رفع إيده.
مراد:
ـ إنتي بتتطاولِي!
ريما ما رجعتش خطوة.
ريما (بكسر حاد):
ـ اضرب.
اضرب زي ما ضربت كل حاجة حلوة في حياتنا.
الإيد كانت هتنزل…
وفجأة—
صوت قوي من الخارج، جهوري، قاطع المكان كالرعد:
الصوت:
ـ مراد!
تجمّد الجميع.
إيد مراد وقفت في الهوا.
سليم شد ريما ناحيته.
عبد الرحمن رفع راسه بذهول.
الصوت تكرر… أقرب… أخطر:
الصوت:
ـ كفاية لحد هنا.
مراد لف ببطء ناحية الباب....و صدمة حلت على الجميع 
*☆يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع☆☆*






تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close